الفصل 20 | من 23 فصل

رواية مزرعة الغضب الفصل العشرون 20 - بقلم نرمين قدري

المشاهدات
19
كلمة
2,074
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

وفي القاهرة اندمجت روز وحياتها الجديدة وبدأت تتأقلم عليها. عجبها شغل التدريس في الجامعة، اختلفت حياتها عن حياة المزرعة. بدأت تهتم بملابسها وشكلها الاجتماعي، وكانت محل إعجاب لكثير من زملائها، ولكنها كانت تتجاهل نظراتهم. وفي يوم طلب زميل لها في العمل التحدث معها. اقترب منها زميلها مبتسما وقال: + صباح الخير دكتوره روز، ممكن عاوز حضرتك في كلمة. نظرت له نظرة تفحصيه وقالت: -خير يا دكتور؟ نعم يا إبراهيم.

رفع الدكتور حاجبيه وقال: + أنا معجب بحضرتك وعاوز أتقدم ليكي. عدلت روز نظارتها الطبية وقالت: -سوري يا دكتور، أنا مش بفكر في الجواز. عن إذنك. قطع طريقها وقال: + بس أنا يا دكتوره مش هيأس وهفضل وراكي لحد ما توافقي عليا، علشان أنا معجب بيكي بشدة. نظرت له روز باستغراب وتركته ومشت وهي تحدث نفسها عن مدى اختلال عقله، وأن أكيد مجنون.

مر شهر عليها وهي تعمل طول النهار في الجامعة، وآخر اليوم ترجع منزلها، تغلق بابها وتستعيد ذكرياتها وتحن للمزرعة ولعاصي. ولكن سرعان ما ترجع تستعيد توازنها من جديد. ولكن كل يوم تشعر بإجهاد شديد. قررت الذهاب للطبيبة لمعرفة سبب الإجهاد المستمر، ولكنها زفت لها خبر حملها. تلقت روز خبر حملها، ولكن لا تستطيع تحمل الخبر. ظلت صامته، لا يوجد رد فعل. ظلت الدكتورة تتحدث معها على كيفية الطعام والعلاج، وروز في عالم آخر.

لا تدري ماذا ستفعل؟ هل تجهض طفلها وتقتله بيدها؟ أم تبقى له الأم والأب في آن واحد؟ هل تخبر عاصي بطفلهما أم تحرمه من هذه الفرحة وتحتفظ بها لنفسها؟ تشابكت الأفكار كثيراً في رأسها. انتبهت أنها ما زالت في عيادة الطبيبة. اعتذرت منها واستأذنت. ظل روز تمشي دون أن تدري ماذا تفعل. أخذت هاتفها واتصلت على محمد. قالت له وهي تحاول أن تخفي قلقها، ولكن صوتها كان يعلن عن وقوع مصيبة. كان محمد ما زال مع عاصي عندما رن هاتفه.

نظر محمد لهوية المتصل ولم يجب، ولكن روز ظلت ترن. ولكن عاصي توقع أنها المتصلة من عدم رد محمد على الهاتف. قلق محمد لأن مش بعيد روز الإلحاح في الاتصال. أخذ التليفون وذهب بعيداً عن عاصي، ولكن ظلت عيون عاصي متابعة. وفور أن استدار، ذهب عاصي مسرعاً ليستمع ماذا يقول، ومثل ما توقع كانت المتصلة روز. سمع محمد يقول لها بخوف: -صوتك ماله؟ فيكي حاجة مش طبيعية. قالت روز وهي تحاول أن تخفي شعورها بالقلق: = انت جاي إمتى يا محمد؟

محتاجك ضروري. -هيجيلك بكرة. بعد ما تخلصي شغلك في الجامعة هتلاقيني مستنيكي على الباب. المهم انتي كويسة، صوتك فيه حاجة مش مظبوطة. شعر عاصي بقبضة في صدره عندما علم أن في أمر ما يخص معشوقته. ولكن اسم الجامعة رن في أذان عاصي وتذكر عندما قالت له روز في إحدى المرات وهي بتتخانق معاه أنها سوف أرحل من هنا وأرجع شغلها في الجامعة. لم يكتب عاصي خبر، ومع ظهور أول ضوء سافر القاهرة. دخل الحرم الجامعي وسأل عليها.

دخل عاصي عليها دون استئذان وهي تجلس على مكتبها في الكلية. يتقدم منها ويقول بهمس: -وحشتي قلبي يا وردتي. ترفع روز عينيها فور سماع صوته وتنظر له بعينين دامعتين غير مصدقة، وهي صامته وقلبها يخفق بشدة. يبتسم عاصي شبه ابتسامة ويخفض عينيه لأسفل ويقول: -مبروك يا روزتي. تستغرب روز وتظهر علامات القلق عليها، ويخفق قلبها. تخشي أن يكون علم بخبر حملها. تفتح عينيها ثانية وتقول باستهزاء: -مبروك على إيه؟ معلش يا بشمهندس.

يجلس عاصي يضع ساق فوق الأخرى ويقول مازحاً: = ببارك لنفسي نيابة عنك. ترفع روز حاجبها مستعجبة: -أنا ما أعرفش عنك حاجة يا باشمهندس. تخليني أبارك لك؟ خير، كملت عقد جوازك من هبة ولا إيه؟ -لازم تعرفي أنه ما حصلش أصلاً ولا عمره هيحصل، وهبة خرجت من حياتنا للأبد. المهم إن مزرعتنا أخدت شهادة دولية وبقت من أشهر المزارع الموجودة من حيث الجودة. تقول روز باستخفاف: -حصل محصلش، مش فارقة. أعرف بقى إيه المطلوب مني.

يقف عاصي يقول وهو ينظر داخل عيونها التي افتقدها، يشده وهو يكمل كلامه، وتعمد يتجاهل نبرة السخرية: = ومش أنا بس، محمد كمان وتقريباً كل الموظفين في المزرعة. كلنا بصراحة عملنا مجهود جبار. تضحك وتقول بسخرية متعمدة: -طيب ليه عاوزني أبارك لك انت بشكل خاص؟ ما الموظفين كلهم معاك، يعني حاجة عادية، وأكيد ده حصل بفضلهم كلهم مش اجتهاد شخصي منك. زفر أنفاسه، وقد علم أنها لن تلين بسهولة. قال محاولاً احتواء قلبها الذي يعلم جيداً

أنه السبب في تهشيمه: = ما انتي لو كنتي شفتي الرسائل اللي بعتها لك ما كنتيش قلتي الكلام ده، كنت عرفتي أنا تعبت قد إيه وإيه اللي حصل لي عشان أقدر أوصل لكده، وإزاي غيابك المفاجئ. أقطعت كلامه روز بحدة: -بشمهندس عاصي، لو سمحت أنا ما فتحتش ولا رسالة من رسائلك، أو بمعنى أصح ما كنتش بكمل أول سطر من الرسالة وبمسحها. كان أول سطر فيها كفاية عشان أكرهك وأكره اللي فيها.

كانت تحاول جاهدة أن تصد أي مشاعر يحاول أن يرسلها لها، فهي أعلم الناس بقلبها، فهي تخشى أن يحن له. فقالت بحدة لإنهاء الحوار: -بص بقى يا باشمهندس، اختصار لأي كلام عاوز تقوله يوفر وقتي ووقتك، عشان أنا أصلاً ما عنديش وقت أضيعه معاك. وجودك دلوقتي ما بيعنيش ليا. وجودك هنا بيخنقني، بيفكرني بمرحلة تافهة سقطت من حياتي، مرحلة كنت بندم فيها على سذاجتي وعلى هبلي. ينظر لها عاصي بحدة ويقول وهو يأخذ نفس عميق،

فهو يعلم أنه في حرب صعبة: = أنا مش جاي أعتذر أو أطلب الصفح. أنا معترف إني ارتكبت في حقك جرم، عارف إنه أكبر من أي محاولة للغفران. أنا جاية أقول لك متشكر. تضحك نصف ضحكة: -أنا ما عملتش أي حاجة ممكن تشكرني عليها. = دلوقتي جايز، لكن زمان عملتي، وعملتي كتير قوي. علاجك ليا، كفاية إنك غيرتي نظرتي للحياة. تضحك روز بشدة حتى تدمع عينيها وتقوله وهي تنظر له بعين ممتلئة بالدموع: -ياااه، انت لسه فاكر اللعبة البايخة دي؟

يقطع عاصي كلامها مسرعاً ويقول بلهفة: = ما كانتش لعبة يا روز، ما كانتش لعبة. عمر اللي عملتيه معايا أو مع رنا ما كان أبداً. تقطع روز كلامه بصرامة وتقول: -لا، كانت لعبة زي لعبة الاستغماية، وانت بصراحة لعبتها معايا بمنتهى الحقارة، وما قصرتش، عملت معايا كل حاجة وما قصرتش يا باشمهندس. يقول عاصي بصوت نادم:

= مش هقول لك حاجة أو هعرضك عشان معترف بغلطتي، مع أن اللي حصل غصب عني خارج عن إرادتي. لو كنتي صبرتي أو شوفتي رسائل كنتي عرفتي إن ماليش يد في اللي حصل. أنا كنت زمان حاطط شروط لقبي في الحب، لكن انتي كسرتي كل القواعد والشروط. تضحك روز بشدة وتقول بسخرية:

-مافيش حب مشروط، الحب باكدج على بعضه، يا أحبك زي ما انت، يا ملهوش لازمة. الحب من الآخر لازم أحبك بعيوبك كده. لو حطيت شروط يبقى هتجمل عشان أعجب، وده مش حب، ده إعجاب. مافيش شروط في الحب يا بشمهندس. = بس أنا اتغيرت، وانتي اللي غيرتيني. صحيح انتي دفعتي ده ودفعتي ثمنه غالي جداً، بس أنا كمان دفعته زيي زيك بالضبط. ثم ترتفع نبرة صوته دون إرادة منه محاولاً أن يجعلها تصدق ما يقول:

حسرتي على ضياعك مني خلتني أراجع نفسي كويس قوي. اكتشفت إني كنت أناني، مش بفكر غير في نفسي وانتقامي. بس أقسم لك يا روز، أنا اتغيرت وندمان على كل لحظة ضيعتك من إيديا، ندمان على كل حاجة عملتها معاكي. ثم اختنق صوته فجأة وهو يحاول جاهداً أن ينال رضها ويحاول يستسمحها قائلاً:

= وجاي دلوقتي أستسمحك وأقول لك يا ريت تسامحيني على غيابي عنك. أنا عارف إن المفروض أجلك من أول يوم وأشرحلك، بس دورت عليكي كتير. حتى موبايلك سبتيه في المزرعة، لولا رسائل اللي كنت ببعتها على حسابك على الفيس، وكمان محمد مرضيش يقولي مكانك لحد ما كنت براقبه زي ضله، وكنت عارف إنه أكيد هيجيلك.

أنا عمري ما هنسى فضلك عليا. أنا كنت معيش نفسي جوه صدفة، حاجب عني أي نور. الصدفة دي انتي كسرتيها. صحيح جرحتي إيدك وسيحتي دمك، لكن ألمك ما راحش هدر. ثم نظر في عينها محاولاً اكتساب عطفها وقال بنفس نبرة الصوت:

انتي عملتي مني إنسان جديد، إنسان بقى يحس بكل اللي حواليه. بقيت إنسان بمعنى الكلمة، بيحس بالناس وبيقدر. كنت ظالم نفسي وظلمت رنا لما كنت معيشها داخل القوقعة، قافل على نفسي وادفنها مع ذكرياتي. وجبتي انتي كسرتي القوقعة وخرجتيني أنا وهي منها. ثم اقترب منها أكثر وقال برعشة: انتي صنعتي المستحيل يا حبيبتي، من واحد كان هدفه الانتقام وبس، لوحد عرف يحب الدنيا والحياة من جديد. قطعت كلامه روز بحدة لإنهاء الحوار وقالت:

-مبروك يا بشمهندس. مش ده اللي كنت عاوز تسمعه؟ اديني قلتها لك. ثم حاولت جاهدة أن تخفي دموعها وتأثرها بكلامه وتصنعت القسوة:

-بس أنا كمان اتغيرت. ما عدتش روز اللي عرفتها. روز البنت البريئة الساذجة اللي أبوها مات وساب لها وصية غيرت كل حياتها. أنا اتغيرت كتير. روز اللي انت ذبحتها ماتت في نفس الليلة اللي انذبحت فيها. اللي قدامك دي روز أستاذ الجينات الوراثية للحيوان في كلية الطب البيطري. إنسانة كل حياتها كتب ومراجع ومحاضرات، حبر على ورق وبس. إنسانة ممكن تقراها لو وصلت للمستوى المكتوب جواها، لكن ما تقدرش تتعامل معاها بالمشاعر، مهما كانت المشاعر دي ندم، حب، غفران.

ولكن قطع كلامها دخول الدكتور الذي كان يرغب في الارتباط منها دون استئذان، ولم يأخذ باله من وجود عاصي. ذهب لها وقال بحده: -بصي بقى يا دكتورة روز، ما انتي هتوافقي عليا بمزاجك أو غصب عنك، أنا هتجوزك... هتجـ... ولم يتم الكلمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...