حدقت روز من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة. أفلتت منها تنهيدة خافتة وهي تترك الستارة لتستقر مكانها، وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب. "أستاذ فؤاد، كنت صديق لبابا وتستطيع أن تفهم الوضع أكثر من أي شخص آخر. ليه المزرعة هتتباع بكرة؟
محتاجة تفسير منك. أنت على مدار عشرين سنة كنت المحامي العيلة وماسك كل حاجة تخص أملاك بابا الله يرحمه، ليه فجأة كده اتغير الحال؟ معقول كل حاجة تروح في لمح البصر كده؟ حضرتك مدرك حجم الكارثة؟ أنا بكرة هكون في الشارع، بكرة بعد ما المالك الجديد يوصل مش هلاقي حتة أروح فيها. أنا معنديش حد." "أمي ماتت وأنا صغيرة، وأبويا كمان هو كمان سابني لوحدي." تنهد المحامي بضيق وقال بأسلوب يأس:
"ده السبب اللي جابني دلوقتي يا روز، في أن تعيدي التفكير في أسلوب حياتك. هو كوني محامي والدك وأقرب أصدقائه، حابيت أعرفك أن حياتك الجاية هتختلف تمام. لكن على موضوع هتقعدي فين؟ أنا حاطط شرط للي هيشتري المزرعة أنه يسيب ليكي المبني الصغير اللي في آخر المزرعة." ضحكت روز بسخرية وقطعت كلامه قائلة: "قصدك مبني الخدم والعمال اللي كانوا بيشتغلوا عندنا في الأرض؟
"اسمعي يا روز، أي حد مكانك لازم يوطي للريح لحد ما تعدي. انتي دلوقتي مش روز البنت الغنية اللي كل حاجة تحت رجليها. لا، الوضع اختلف. لازم كبريائك ده يهدأ خالص وترضي بالأمر الواقع. عارف إن وفاة شخص عزيز تتطلب من الإنسان التكيف على الرغم من صعوبة ذلك، لكن انتي حتى معندكيش رفاهية الحزن على والدك. عنادك وكبريائك لازم دلوقتي تسيبيهم على جنب. كنت دائمًا مستقلة لدرجة العناد، عشان كده أنا مش شايف إصرارك على دفن نفسك في الريف. لو مش عاجبك الوضع، وإنك تقعدي في بيت العمال، سيبي المزرعة وحياة الريف كلها وانزلي للمدينة. انتي دكتورة وبشهادتك هاشتغلي."
"ومن الفلوس اللي هتتبقى من بيع المزرعة، أجري شقة صغيرة ومن شغلك ادفعي أيجارها." نظرت له روز نظرة عميقة وشرد عقلها. كيف لهذا الكائن أن يكون صديق والدها من زمن؟ كيف لكل هذه المدة التي قضاها معهم لم يظهر وجهه الحقيقي؟ كيف قدرته على ارتداء قناع الصداقة والحب لوالدها كل هذه المدة؟ وكيف لم يلاحظ والدها هذا القناع الذي يخفي خلفه الكره له؟ ظلت تتساءل نفسها كيف، إلى أن قطع حبل تفكيرها صوت المحامي وهو يقول: "ها يا روز، فكرتي؟
هتعملي إيه؟ هتقعدي ولا هتسيبي المزرعة وحياة الريف؟ وخذي بالك من حاجة قبل أي قرار تاخديه. اعملي في اعتبارك أن لسة وصية ولدك ما اتفتحتش. أنا بس منتظر المالك الجديد يستلم المزرعة وبعدين هفتح الوصية." نظرت له نظرة ذات معنى، تجعله يفهم سبب اضطرارها للذهاب. لقد احترم أبوها هذا الرجل ووثق به كما لم يثق بأحد في حياته. "أبوها...
" وقفت الكلمة في حلقها، ونظرت إلى ثوبها الأسود ويديها المعقودتين بشدة في حجرها. توفيت والدتها بعد مولدها بفترة قصيرة، تاركة لزوجها الرحالة مهمة تربية طفلتهما بكل ما في هذه المهمة من غرابة ومشقة. ولأن رحل هو أيضًا تاركًا إياها بمفردها. حاولت أن تمنع دموعها المنهمرة، ورفعت عينيها لتلتقي بنظرة المحامي الحانية. وغامت عيناها البنيتان من الدموع الموشكة على السقوط، وتوت شفتاها في ابتسامة باهته:
"متشغلش بالك أستاذ فؤاد، لسة مقررتش هقعد هنا ولا هسيب كل حاجة. أول ما هقرر هبلغ حضرتك علطول." واتجهت نحو الباب قائلة وهي شاردة: "بس في حاجة محتاجة أفهمها قبل ما أمشي، إيه علاقة المالك الجديد بفتح الوصية؟ عمومًا حضرتك تشكر لحد كده. الجاي بقا ده بتاعي أنا. بعد إذنك، اتاخرت." رفع حاجبيه بتذمر قائلاً:
"كل حاجة في وقتها حلوة يا روز، خلي فتح الوصية في وقته. ولكن تفتكري أنك مازلت شابة صغيرة في العشرين والناس مبترحمش، وإنك لوحدك. خلي بالك من نفسك كويس يا روز علشان الجاي صعب ومش هتعرفي تصدي. غير أن أنا سمعت أن اللي اشترى المزرعة حوت في السوق، وانتي جنبه سمكة صغيرة." نظرت له نظرة تفحصية وهزت رأسها، وتركته ورحلت من المكتب وهي تحدث نفسها عن مدى استفزاز هذا الكائن.
دخلت روز مزرعتها للمرة الأخيرة والحزن يكسو كل معالم وجهها، فهي أفنت نفسها في تلك المزرعة. كانت تعمل بها مثل أي عامل، لم يكن أحد لديه المقدرة أن يفرق بينها وبين عمال المزرعة، فهي كانت تعشق العمل بيدها وكانت تعتبر المزرعة هدفها الوحيد. كانت تود أن تكبرها، ولكن انتهى الحلم سريعًا. فغدًا سوف تؤخذ روحها من جسدها. بدأت روز تمر على كل قسم في المزرعة، فهي كانت مقسمها أقسام. وقفت عند اسطبل الخيل واستنشقت نفسًا طويلاً، ثم دخلت
لتجد استقبالاً حافلاً من قبل الحصان الخاص بها، فهي كانت تعشق هذا الحصان. فقد أهداه لها والدها في عيد ميلادها السابع، وكبرا سويًا. أطلقت عليه اسم ريحانة. نظرت روز للحصان وانهمرت الدموع من عينها، فقد احبستها أكثر من اللازم. انهارت روز من شدة البكاء، ثم رفعت عينيها تنظر محتويات المكان وكيف لكل ركن فيه ذكرى سعيدة لها، وكانت لا تعلم أن الذكريات السعيدة أشد ألمًا من الحزينة. تنهدت بحزن لاجتيازها أولى المراحل، قد تكون
أصعبهم، ولكنها على يقين أنها سوف تمر. ولكن النور الآتي من النافذة شد نظرها إلى ذلك الحقل الممتد بلا نهاية، وكأنه ينسج أمامها كل أحلامها ويخبرها بأن أحلامها تاهت إلى ما لا نهاية. خرجت روز من الاسطبل تجر قدمها، دخلت فيلتها تجمع أغراضها وتنقلها إلى الغرفة الموجودة بآخر المزرعة، وعقلها يفكر في هوية المشتري. فغدًا سيأتي المالك الجديد ولا تعلم عنه شيئًا. تمنت من الله أن يكون رجل مسن لكي يترك لها حرية التصرف في أي شيء حتى
لا تشعر بالغربة في بيتها، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
وفي الصباح، أبدلت روز ملابسها وذهبت لعملها المعتاد في المزرعة، فهي دكتورة بيطرية وهذا من صميم عملها أن تراعي جميع الحيوانات. لاحظت حركة غير معتادة في المزرعة، يبدو أن المالك الجديد قد وصل فعلاً. ذهبت مسرعة لتستكشف هوية المالك.
وقفت بجوار عمود تتلصص النظر. شاهدت سيارة ضخمة من أغلى الماركات، يجلس على عجلة القيادة شاب مفتول العضلات في الثلاثين من عمره، وبجواره سيدة في العقد الرابع من عمرها وتبدو على معالم وجهها الحدة، وفي الخلف تجلس فتاة في أواخر العشرينات. نزل الشاب من السيارة وأنزل الكرسي المتحرك وحمل الفتاة ثم وضعها فوق الكرسي.
وقفت روز تسترق النظرات وتحاول التدقيق في الشاب لكي تستشف من نظرات عينيه أي شيء يدل على شخصيته، ولكن كانت ملامحه خالية من أي تعبيرات، ولكن يوجد بعينيه قسوة ممزوجة بحزن. تنهدت روز وذهبت لإكمال أعمالها وقلبها يرتجف من الذي سوف يأتي، والمؤشرات تدل على أنه ليس بخير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!