دخل عاصي فيلا المزرعة وهو يدفع الكرسي المتحرك للأمام، ودخلت بجواره والدته وهي تحمل أغراضها. قالت الفتاة الجالسة على الكرسي المتحرك وهي تنظر حولها تتأمل المكان: -الله يا عاصي المكان هنا يخبل، تحفة بجد كأنه لوحة مرسومة. والفيلا كمان، بجد أحسن قرار أخذته إننا نسيب مصر ونيجي نقعد هنا. بجد شكلي هرتاح قوي هنا. نظر لها عاصي نظرة رضا، ثم نقل نظره لوالدته كأنه يقول لها: اصبري، الحساب لسه هيبدأ.
تنهدت أمه وكأنها تقرأ ما يريد أن يقوله، وهي تنظر له نظرات شفقة على حاله، وفي داخلها هي أيضًا الانتقام، فمرار الظلم كان شديد عليها وما مرت به كان قاسي لأبعد حد. اجتمع كل الخدم أمام عاصي وعائلته، ولكن عين عاصي تبحث عن شيء ما. قال وهو يزفر أنفاسه بضيق: -كل واحد يعرف نفسه. "للهانم الكبيرة" بدأ كل العاملين في المزرعة وفي الفيلا بالتعريف عن هوايتهم وعن وظيفتهم. نظر لهم عاصي ثم قال:
-مين فيكم بنت الحاج رضوان صاحب المزرعة القديم؟ نطق كبير العمال الذي يدعى عمار وقال: -حضرتك تقصد الدكتورة روز، لا يا أستاذ عاصي. الدكتورة دلوقتي بتكون في الأسطبل، معاد الكشف الدوري للأحصنة. رفع عاصي حاجبيه وقال متعجباً: -يا سلام، وجناب البرنسيسة مكانش ينفع تأجل الشغل العظيم اللي بتعمله وتيجي تتعرف على صاحب شغلها الجديد؟ ولا الهانم مستغنية عن الشغل ولا هي مستكبرة تيجي تسلم علينا؟ عدل عمار نظارته الطبية وقال بارتباك:
-لا أبداً يا أستاذ عاصي، بس الدكتورة بتحب الانضباط في المواعيد. هي مقسمة يومها كله على المزرعة وكل حاجة ليها معاد، ودلوقتي معاد مرور الأسطبل. ضحك عاصي بصوت مرتفع ثم قال بصوت حاد: -الكلام الفارغ ده كان زمان، دلوقتي أنا اللي أقول إيه يتعمل وفي الوقت اللي أنا أحدده. خلاص أيام زمان خلصت، والهانم اللي عمالة تحط مواعيد على كيفها تنسى الكلام الفارغ ده. حد يجري ينده لها.
ولكن قطع كلامه دخول روز بملابس الشغل، وكانت عبارة عن بنطال يخفي نصفه، حذاء برقبة مرتفعة، وبلوزة واسعة من الشيفون، وبالطو أبيض. قالت بصوت مرتفع: -خير، سمعت حضرتك وأنا داخلة بتجيب سيرتي خير. نظر لها من أعلى لأسفل وقال: -هو أنتي بقا روز بنت الحاج رضوان؟ ابتسمت نصف ابتسامة بسخرية وقالت: -آه أنا بقا الدكتورة روز بنت الحاج رضوان، وأنت بتكون عاصي ابن عم جلال الجانيني، صح؟ عرفتك من أول ما شوفتك نازل من العربية.
استشاط عاصي غيظاً وقال وقد احمر وجهه من الغضب: -أنا البشمهندس عاصي صاحب المزرعة والفيلا. رفعت حاجبها بكبرياء وقالت: -آه، منا عرفت إنك انت اللي أخدت مزرعتنا. ضحك بسخرية متعمدة وقال: -كانت مزرعتكم يا آنسة، لكن دلوقتي أنتي مجرد دكتورة شغالة عندي، وممكن أستغنى عنك وأجيب أي دكتور غيرك. أنتي... ثم أكمل بنبرة استهزاء:
-مبتعمليش حاجة مستحيلة، أي دكتور لسه متخرج هيعمل اللي أنتي بتعمليه. لكن عشان إحنا عندنا أصل مش هنرميكي برا زي غيري ما عمل. وهشفق عليكي، وكفايا عليكي إن سمحتلك بالبيت الصغير اللي في آخر المزرعة. نطقت والدته وعلامات الكره واضحة عليها: -عاصي كفايا كده، الدكتورة روز ملهاش ذنب في اللي حصل زمان. هي كانت صغيرة مش فاهمة. التفت لها عاصي وهو في قمة غضبه وقال:
-ولا إحنا كان لينا ذنب في اللي حصل زمان، ومع كده أنا وإنتي ورنا دفعنا التمن. وما كانش لينا ذنب، بابا مات على بوابة الفيلا هنا. وكأنه شريط بيمر قدامي بعد ما جدها اتهم أبويا بالسرقة وجلده قدامنا، وكل ده ليه؟
عشان ياخد من الحظيرة كام بيضة وشوية لبن يسد جوعنا. فاكر يا أمي، وكأن اللي حصل ده بيحصل حالا. رنا كانت مموتة نفسها من العياط، كان الجوع بينهش فيها ومش عارفة تسكت، وكانت حرارتها وصلت أربعين ومش عارفين نعالجها. وأبويا كان قليل الحيلة، مش في إيده حاجة غير إنه يروح يجيب كام بيضة يسد بيهم جوعنا. وطبعاً الوضع معجبش الباشا الكبير، إزاي حتة جنايني ياخد حاجة من أملاك الباشا!
حتة الجانيني الحقير اللي اتجرأ وأخد كام بيضة بدون إذن، لازم يتعاقب. ثم التفت لروز وأمسكها من وجهها بشدة وبدأ بالضغط عليه وقال: -عارفة عقابه كان إيه؟ ها، عارفة ولا أقولك؟ عقابه إن جدك ماسك كرباج وجلد أبويا قدامنا ومرحمش جوعنا ولا بكائنا، ولا حتى مرض أختي شفعله، ولا تذللات أبويا وإنه ميكسرونيش قدامنا، لكن جدك بكل جبروته إزاي يتنازل ويسامح؟
لكن أصر على جلده وكسره. إن الإنسان لا يرث الكرامة ولا المهانة، بل يصنعها بنفسه. لأ، ومستكفاش بكده، كرشنا من الشغل. أبويا ما استحملش كل الإهانة دي، وقع قدامنا مات على باب المزرعة. وإحنا تعرفي حصل فينا إيه؟
عشنا إزاي كام يوم مر علينا وإحنا في الشارع. رنا كانت طفلة عندها يا دوب سنتين، البرد والجوع مبيرحموش، ولا السخونيه رحمتها وتسببت لها في شلل. بس ربنا كبير يا بنت الأكابر. جه اليوم اللي أبوكي جه ذليل لحد عندي يترجاني أشتري المزرعة عشان يسد ديونه. جه ليا ذليل، بس لعبها صح. ربط نقل المزرعة بشرط كاتبه في الوصية بتاعته، لو نفذت الشرط المزرعة بكل اللي فيها ملكي. بس للأسف وأنا بمضي العقد ما أخدتش بالي من الشرط ده، بس هحلها إن شاء الله.
نهرت روز يده بحده من على وجهها وقالت والغضب قد تملك كل أجزاء جسدها: -إيه حيلك، آخر مرة إيدك تتحط. وأوعى تنسي أنا مين. أنا بحذرك قدام الكل هنا، إيدك لو انحطت عليا تاني استحمل اللي هيجرالك. واللي حصل زمان أنا مليش دعوة بيه، حساباتك دي تصفيها مع اللي عمل فيكم كده، وأظن مكانه ميتوهش. الكل عارف جدي فين دلوقتي. وعلى الشرط اللي بابا حطه في الوصية، أنا معرفش عنه حاجة ولا فتحت الوصية أصلاً. ثم تنهدت وقالت وهي ترفع حاجبها:
-آه، فهمت. عشان كده المحامي كان مصمم إن يفتح الوصية بعد ما تستلم المزرعة. -اسخري من كلامي براحتك، بس حياتك اللي فاتت كوم واللي جاي فيها كوم تاني خالص. -بقولك إيه يا بشمهندس، يؤسفني أن أقول لك إن أنا مش هديك فرصة أن تنتقم مني. هسبلك الجمل بما حمل، المزرعة كلها حلال عليك. اديني بقيت فلوسي فرق بيع المزرعة وأنا هسيبلك المكان كله. اشبع انتقام في لوحدك. ضحك عاصي ضحك هستيري، ثم تبدلت معالم وجهه بحدة وقال وهو يجز على أسنانه:
-نجوم السما أقربلك من الحلم المستحيل بتاعك ده. فلوسك بعتها، اعتبري نفسك أخدتيها. أنا أصلاً جاي هنا مخصوص عشانك. قطعت كلامه بحدة وقالت: -لأ، معلش وضح كده. فلوس مين اللي اعتبر نفسي أخدتها؟ أنا أوديك في ستين داهية في قانون. جلس عاصي ووضع ساق فوق الأخرى وقال بهدوء وكأنه مستمتع بغضبها: -تمام، أنا قاعد مستني الداهية اللي هتوديني فيها. وبردو هتفضلي تحت رحمتي، هتفضلي شغالة عندي. أغمضت روز عينيها تمتص غضبها وقالت
وهي تحاول تسيطر على غضبها: -يا بشمهندس، من فضلك اديني فلوسي وخلّينا نخلص من بعض النهاردة. نكلم المحامي يفتح الوصية عشان نخلص من الربطة دي وكل واحد يروح لحاله. -أنتي ملكيش فلوس عندي، اعتبريها تعويض عن اللي حصل زمان فينا من عيلتكم. وإذا كان على مكتوب في الوصية أي كان المكتوب، فميهمنيش. أبوكي باع لي المزرعة وخلصنا.
-أنت يابني عيان، عايز تتعالج. شوفلك دكتور نفسي يعالجك بدل ما أنت ما تطلع أمراضك النفسية دي علينا. أنا هكلمك المحامي عشان يجي يخلص كل حاجة ونخلص بقى. أوقف الجدال صوت والدتهم تعلن عن غضبها مما يحدث أمام جميع عمال المزرعة، فالجميع يقف يتابع الحديث بانتباه وتركيز. قالت الأم بحده وهي تنظر حولها: -أظن الكل عرف نفسه، الكل يتفضل على شغله وياريت نفض المهزلة دي. توجه نظرها نحو روز وقالت:
-وأنتي كمان يا دكتورة على شغلك دلوقتي، وبعدين نشوف حكاية بقيت فلوسك. أنا هتكلم مع عاصي ونشوف إيه اللي لازم يتعمل وهنعمله. غير أن كل الإجراءات القانونية واقفة لحد فتح الوصية، يعني لحد دلوقتي عاصي مش مالك المزرعة. في مواقف على شرط اللي في وصية العقد بيقول كده، فاهدّي كده لحد ما نعرف إيه في الوصية.
تنهدت روز وهزت رأسها بالموافقة، ونظرت نظرة كره اتجاه عاصي وتركت المكان وهي في قمة غضبها منه. خرجت مسرعة تحلف وتتوعد لعاصي، فقامت بالاتصال بالمحامي ولكنه لم يجيب على هاتفه. زفرت أنفاسها بضيق وذهبت لاستكمال عملها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!