تحميل رواية «مزرعة الغضب» PDF
بقلم نرمين قدري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حدقت روز من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة. أفلتت منها تنهيدة خافتة وهي تترك الستارة لتستقر مكانها، وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب. "أستاذ فؤاد، كنت صديق لبابا وتستطيع أن تفهم الوضع أكثر من أي شخص آخر. ليه المزرعة هتتباع بكرة؟ محتاجة تفسير منك. أنت على مدار عشرين سنة كنت المحامي العيلة وماسك كل حاجة تخص أملاك بابا الله يرحمه، ليه فجأة كده اتغير الحال؟ معقول كل حاجة تروح في لمح البصر كده؟ حض...
رواية مزرعة الغضب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نرمين قدري
دخلت روز مع رنا غرفتها.
قالت لها رنا:
على فكرة يا روز، انتي ما أكلتيش حاجة. أنا أخدت بالي ومش أنا بس، عاصي كمان. على فكرة الحجر بدأ يدوب.
= يعني إيه يا رنا؟ مش فاهمة.
- يعني قلب عاصي رق وحب يا روز، والبركة فيكي.
= طيب سيبك مني يا رنا، انتي محبتيش قبل كده.
أدمعت عيون رنا وقالت:
مافيش بنت محبتش، بس أنا كنت المفروض أفهم أن واحدة في وضعي ده ماينفعش تحب ولا تفكر أصلاً في الحب. محدش هيوافق يرتبط بواحدة معاقة، متقدرش تناول نفسها كوباية مية.
= اللي يشوف كده هو اللي معاق في عقله وقلبه يا رنا. المهم يعني يا حبيبتي، قلبتي قبل كده؟ احكي بسرعة.
- طبعاً يا روز، حبيت وحبيت قوي كمان. كان أول حب في حياتي، أول مرة قلبي يدق، وعلى دق الحب كانت الكسرة.
جلست روز على السرير وقالت:
متحمسة ها، احكي إيه حصل. اخلصي أحسن هنام منك. المفروض بيقولوا أن بكرة فرحي. ثم تذكرت شيئاً وقالت:
نهار ألوان، اتصديقي أن نسيت أجيب فستان. يلا بقا مش مشكلة، هقضي بأي حاجة عندي. إحنا أصلاً بنمثل. المهم احكي إيه اللي حصل في حكايتك.
ضحكت رنا بسخرية وقالت:
ولا حاجة. اتعرفت عليه على النت، وكان ظابط ووسيم. كلامه وطريقته يشدّوكي، كان كاريزما زي ما بيقولوا كده. بس لما عرف وضعي سابني. تعرفي اللي زعلني أنه حتى ما فكرش أنا ممكن أكون حاسة بإيه. تقريباً فكر أن أنا كمان معاقة في إحساسي، مش بحس.
قالت روز بحزن:
الغلط عندك أنتي يا رنا، أنتي انبهرتي بقشره من برا، انبهرتي بشكل والشغل والمستوى الاجتماعي، وسيبتي الجوهر نفسه. قللتي من نفسك لحد ما هو كمان شاف نفسه كتير عليكي. أوعي اللمعة اللي برا تشدك، خلي اللي يبهرك يبهرك بأسلوبه، بطيبته، بحنيته، بقلبه، يحبك زي ما أنتي من غير تجميل. وبصراحة يا رنا، أنا شفت ده في عيون محمد النهاردة وهو بيبص ليكي. شفت الحب من أول نظرة.
ابتسمت رنا في خجل لأنها هي الأخرى لاحظت ذلك.
- خلاص يا روز، أهو راح لحال سبيله. بس محمد ما شفنيش غير مرة واحدة، لحق يحبني إمتى.
= الحب ملهوش وقت يا حبيبتي. الحب بيخطفك في دقيقة. مش بعترف بشكل ولا بمكان. المهم تكوني اتعلمتي، مش كل اللي بيلمع دهب. وفيه ناس كتير قشرة منظر من برا بس.
- خلاص يا روز، انسي. أنا نسيت. المهم انتي هتعملي إيه في موضوع الفستان؟ في عروسة من غير فستان؟
= عادي يا رنا، مش لما أكون عروسة بجد.
مر اليوم بدون مشاحنات، وحاولت روز مع رنا في العلاج، مع استجابات رنا وعزمها على ذلك.
في الصباح حضرت الكوافير وبدأت تجهز روز، ولكن روز أدمعت عينيها عندما تذكرت أنها بدون فستان. وقالت في نفسها:
ياربي، الفلوس بيع العربية هصرفها على إيجار فستان. مش مشكلة، هلبس أي حاجة من عندي. ساعة وتعدي.
ولكن طرق الباب ودخلت إحدى الخدم وقالت:
الصندوق ده علشان يا دكتور، أستاذ عاصي بعته لحضرتك.
ابتسمت روز وسمعت صوت رنا يقول:
فضولي مش قادر يصبر، إيه اللي في صندوق ده.
قالت روز وهي تحمل الصندوق:
علمي علمك يا رنا، دلوقتي نشوف.
قالت رنا بهدوء:
روز، ممكن تغمضي عينك؟ عندي ليكي مفاجأة.
قالت روز مستعجبة:
خير يا رورو، في إيه؟
= غمضي بس الأول.
أغمضت روز عينيها.
قالت رنا:
افتحي يلا.
فتحت روز عينيها وشهقت من المفاجأة. فكانت غير متوقعة، رنا تقف على قدميها بدون مساعدة من أحد. جرت روز على رنا واحتضنتها وأدمعت عينيها.
قالت الكوافير:
على فكرة لو المكياج باظ مش هعمله تاني. بطلوا عياط.
ابتسمت روز وقالت:
دي أجمل حاجة حصلت النهاردة. المهم مش عاوزة حد يعرف، خليها بليل مفاجأة للكل.
فتحت الباب على غفلة، جلست رنا مسرعة، وكانت هبه. دخلت هبه تنظر لهم بسخرية وقالت:
إيه يا عروسة؟ ملبستيش ليه؟ مش لاقية حاجة تلبسيها يا حرام؟ ممكن أسلفك عادي من عندي.
قالت رنا:
متشليش هم يا هبه، روز أخدت فستان من عندي أهي. ليلة وتعدي وكله تمثيل.
قالت هبه ساخرة:
أده يا رنا، هو انتي عندك فساتين وبتعرفي تلبسيهم وإنتي كده؟ واشترتيهم إمتى؟ عندك حق، اديها واحد بدل ما هما مركونين كده.
ابتسمت لها رنا وقالت:
تمام يا هبه، سيبنا بقا وروحي اجهزي علشان تطلعي أحلى واحدة. وماتنسيش أن عروسة هتلبس أي حاجة، لازم تكوني انتي اللي ظاهرة في الفرح وأجمل وأشيك فستان علشان عاصي يعجب بيكي.
لمعت عيون هبه بحقد وغل وذهبت لتكون أجمل من العروسة.
ضحكت كلاهما رنا وروز عليها.
فتحت روز الصندوق ووجدت فستان زفاف من أروع ما يكون.
وفي المساء استعدت روز وارتدت الفستان، وكانت مثل الحوريات، فكانت وكأنها هاربة من إحدى الروايات.
طرق الباب ودخلت الخادمة تخبرهم بأن كل المدعوين وصلوا. استعدت رنا وروز وخرجا سوياً.
قام الجميع واقفاً، وشهقت هبه عندما وجدوا رنا تمشي بدون الكرسي المتحرك. أدمعت عيون أمها وجرت عليها وهي غير مصدقة ما يحدث أمامها.
ظل عاصي مكانه وهو ينظر لروز بإعجاب، وقد خفقت قلبه بشدة. تأكد حبها تملك من قاله.
لاحظت هبه نظرات عاصي لروز وبدأ الحقد يتملكها.
قالت الأم لرنا وهي تبكي:
مش معقول، أنا قلت هموت قبل ما أشوف اليوم ده. الحمد لله، أنا مش مصدقة عيوني.
قالت رنا ضاحكة:
الفضل كله لروز، هي اللي تعبت معايا قوي لحد ما قدرت أمشي.
نظرت الأم لروز وقالت لها:
أنا مهما أشكرك مش هقدر أوفيلك حقك. انتي عملتي اللي بقالنا سنين بنحاول فيه، خصوصاً لما الدكتور قال مرضها نفسي مش عضوي.
وعمت حالة من الصمت فجأة لدخول حمدان ورجال يرتدون الزي الصعيدي، وعلى وجوههم علامات الشر.
نظرت روز لعاصي وكأنه مصدر أمانها. ذهب عاصي يقف بجوارها وأمسك يدها كأنه يبث الأمان لها.
لاحظت هبه الخوف في عيون روز وضحكت بغل وذهبت بجوار حمدان لكي تتكلم في أذنه وقالت:
أوعي تخليها تضحك عليك. الفرح ده مش بجد، كل ده علشان الورث وأنت ما تاخدش حاجة. أوعي تمشي من هنا غير لما تاخدها معاك هي وفلوسها.
اشتد غضب حمدان، ولاحظ عاصي قرب هبه وتوقع ما قالته. نظر لها بغضب.
أمسك عاصي يد روز بشدة، ثم اقترب يقبلها من رأسها وأخرج خاتم من الألماس وقدمه لها أمام الجميع.
اقترب محمد من رنا وقال:
مبروك يا آنسة رنا، فرحت ليكي قوي. انتي جميلة جداً.
ابتسمت رنا في خجل واحمر وجهها.
ذهب محمد لعاصي وقال:
بشمهندس عاصي، ممكن كلمة بصراحة؟ مش قادر أصبر لما الفرح يخلص. أنا بطلب إيد الآنسة رنا وعاوز أعمل الخطوبة حالاً مع فرحكم.
ضحك عاصي على طريقة وقال:
فيه إيه يابني؟ هو حد بيجري وراك؟ فيه حد يخطب كده؟ مش لما أعرفك وأسأل عنك.
قطعت روز كلامه:
أنا أضمنه يا عاصي، وافق علشان خاطري وخلينا كلنا نفرح.
نظر لها عاصي وابتسم وقال:
ماشي يا محمد، أنا موافق. روح هات العروسة.
ذهب محمد اتجاه رنا وماسك يدها وقال وهو ينظر في عينيها بحب:
ممكن أجمل بنوتة تقبلني شريك حياتها ونصها التاني يا نصي الحلو.
اشتدت حمرة الخجل في وجهها وهزت رأسها بالموافقة.
اقترب حمدان ليأخذ روز من يد عاصي، ولكنه تفاجأ بعاصي تعتصر يده بشدة وقال له محذراً:
إيدك لو اتمدت تاني على حاجة تخصني، هقطعهالك. مفهوم؟ روز مراتي. وأنا مش مصدقك. شلة عنك ما صدقت. واتفضل بره البيت ورجلك ما تخطيش هنا.
- لأ مش خارج، ده بيت ابن عمي يعني بيتي. وأنا الوريث الوحيد له. وأنا عرفت إنك كل ده تمثيل، ولازم روز تتجوز من ولدي.
قال عاصي غاضباً:
انت اتجننت؟ بقولك روز مراتي. روح جوّز للي قالتلك إن ده تمثيل.
اقترب المحامي وجذب حمدان وطالع على عقود البيع التي تمت قبل وفاة رضوان. ذهب حمدان يجر أذيال الخيبة تحت نظرات هبه الغير مصدقة لما يحدث أمامها. ذهبت لخالتها تستنجد بها.
قالت الخاله:
معلش يا هبه، كل شيء قسمة ونصيب. وأنا أول مرة أشوف الفرحة في عيون عاصي ورنا. لما صدقت فرحوا، استحالة هكسر فرحة أولادي بعد كل اللي شافوه. زمان بكرة تلاقي نصيبك إن شاء الله.
نظرت لها هبه بخبث وقالت:
آه يا خالتي، تمام. ربنا يسعدهم.
ثم جزت على أسنانها وقالت بخبث:
وماله، يفرحلهم بيومين.
رجع حمدان من على الباب والغضب متكلمة، واقترب من هبه وقال:
إنتي عاد مرت ولدي، وقدامي علشان أكتب عليكم. منا مش هخرج من المولد بلا حمص.
نظرت له هبه باستحقار وقالت بقرف:
مين اللي يتجوز ابنك ده؟ أنا؟ إنت متعرفش أنا مين ولا إيه.
- لع مخبرش، بس إنتي اللي طلعتيني عيل قدام عاصي لما قلتي أنه تمثيل. يبقي تتجوزي ولا إيه؟ قدامي بدل ما أطخك عيار تطبّي ساكتة مكانك.
خرجت هبه والرعب يتملكها.
رواية مزرعة الغضب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نرمين قدري
مين اللي يتجوز ابنك ده؟ أنا، متعرفش أنا مين ولا إيه.
لع، مخبرش، بس انتي اللي طلعتيني عيل قدام عاصي لما قلتي إنه تمثيل. يبقى تتجوزي ولدي. ويلا، همي قدامي بدل ما أطخك عيار يطّب ساكته مكانك.
خرجت هبة والرعب يتملكها. خرجت ونظرات التوعد والكره لـ روز.
انتهى الفرح ودخلت روز مع عاصي غرفتهم، وقد تملك منها الخجل أقصاه.
التفت لها عاصي وقد استشعر خجلها وقال لها بهدوء دون أن ينظر لها:
عارف إننا مغصوبين على بعض، وأنا واخد على نفسي عهد إنك مش هتكوني زوجتي قدام ربنا إلا لما تحسي بجد إنك عاوزة كده. وأنا مش هغصبك على حاجة.
اكتفت روز بهز رأسها وقالت:
هو أنا ينفع أرجع بيتي؟ أظن حمدان مشي خلاص، ما عادش لازمة لوجودي هنا.
خبط عاصي على راسه وكأنه تذكر شيئًا مهم، ثم قام فجاءة وقال:
هبة! هبة خرجت مع حمدان وكان ساحبها.
جرى عاصي ليلحق بها.
في الخارج كانت هبة تصيح بغضب وتسب وتلعن حمدان وولده، وتقول بعجرفتها المعتادة:
إنت متعرفش أنا مين. شيل إيدك المقرفة دي عني. إنت ماسكني كده ليه؟ روح خد قُربتك اللي شبهك، أنتم شبه بعض. لكن أنا هبة هانم، شيل إيدك قلتلك.
وكانت تحاول الفرار منهم، ولكنها اتفاجأت بيد تسحبها بقوة.
جذبها عاصي منه وقال:
خير يا حمدان؟ هو إنت عاوز أي حد وخلاص؟ واخد بنت خالتي ورايح على فين؟ إنت متعرفش إن محدش بياخد أي حاجة تخصني من غير إذني. إنت اتعديت كل حدودك معايا. أنا مستحملك على قد ما أقدر، فا متحاولش تستنزف آخر حبة صبر عندي.
نظر له حمدان بغضب وقال:
وه عاد؟ إنت مش اتجوزت روز؟ مالك إنت بقا؟ أخدها ولا ما أخدهاش؟ منا ولدي لازما يتجوز هو كمان.
زفر عاصي أنفاسه بغضب وقال:
حمداااان! أنا خلاص جبت آخري. خد ابنك واتفضل من هنا علشان أنا مش مسؤول عن رد فعلي. بلاش تستفز فيا علشان رد فعلي هيزعلك.
ثم جذب هبة من يدها ودخل بها المزرعة وأغلق باب المزرعة الرئيسي.
ابتسمت هبة بمكر وقالت بدلع:
أنا كنت عارفة يا عاصي إن أنا مش ههون عليك. وكمان عارفة إنك مغصوب على الجوازة الفقر دي لحد ما تستلم المزرعة. بس متقلقش، أنا جنبك ومش هسيبك. وإذا كان على البت الفلاحة دي، معلش استحملها كام يوم بشكلها المنعكش ده.
نظر لها عاصي بغضب وتركها دون أن يتفوه بأي كلمة.
دخلت هبة المنزل وهي تدندن وعلامات النصر على وجهها، وهي تحمل في داخلها كره شديد لـ روز وتتوعد لها أنها سوف تخرجها من هنا نهائيًا.
دخل عاصي غرفته ولكنه لم يجد روز. ضغط على أسنانه بغيظ وتملك الغضب منه أقصاه. وكان ذاهبًا ليراها في منزلها الصغير، ولكنه توقف فجاءة بعد أن سمع صوتها في غرفة رنا وهي تتحدث معها.
طرق الباب ودخل. وجدها تساعد رنا في تبديل ثيابها، فقد بذلت رنا مجهودًا على قدمها كبيرًا وقد تعبتها.
ابتسم بهدوء وقال وهو ينظر لها بأعجاب:
روز، بعد ما تخلصي مع رنا، عاوزك متتأخريش.
اكتفت روز بهز رأسها ولم ترفع عينيها له.
ضحكت رنا بصوت عالي وقالت:
الله الله! الحب الحب! الشوق الشوق! عملتي إيه يا رورو مخليه عاصي مش على بعضه كده؟ أخويا وأنا الـحـفـاظـه، عمره ما كان بيجري ورا حد ولا بيدور على حد. إنه يدور عليكي ده أعجاز.
ضحكت روز نصف ابتسامة:
ما تفرحيش قوي كده، أخوكي بيدور عليا عشان شكله قدامكم. ما هو مينفعش عروسة ليلة دخلتها تبقى برا أوضتها، عيب في حقه ولا إيه يا رنا؟
يااه على دماغك يا روز! يبقي إنتي لسة متعرفيش عاصي كويس. عاصي أخويا لو مش عاوز حاجة مابيهموهوش حد في الدنيا. مش تقولي شكله. بكرة تفهمي عاصي كويس.
ولكنهم سمعوا صوتًا يأتي من خلفهم يتحدث بسخرية:
تفهموا ليه بقا إن شاء الله؟ دي مجرد صفقة جواز وهتخلص زي أي عقد شغل عاصي بيمضي عليه، ولما يخلص بيرمي العقد في أقرب زبالة تقابله.
هكذا قالت هبة بعد أن دخلت غرفة رنا بدون استئذان.
التفت لها روز وقالت بهدوء مصطنع وهي تجز على أسنانها:
بقولك إيه ياللي شبه البلباتشوا، إنتي قصري الشر وابعدي عني خالص علشان أنا رد فعلي غبي ومش هيعجبك. ومش روز اللي تترمي في الزبالة. وتاني مرة، ولو ما اخترتيش كلامك وطريقتك وانتي بتتكلمي معايا، هخليكي شبه الخنفسة المطلقة. وأنا دكتورة حيوانات ودي لعبتي، هشوهلك وش البلباتشوا ده. فاحرصي مني. أنا مش البنت الغلبانة، لأ، أنا روز اللي عملت كل الإمبراطورية اللي إنتي عمالة تبرطعي فيها شبه الحمار اللي وقع منه الجام بتاعه وعملتها لوحدي. فمتتوقعيش واحدة عملت كل ده وصبرت لحد ما كبرت المزرعة دي إنك هتقدري بكلمتين تكسريها. لأ يا قمر، أنا استلمت المزرعة بعد جدي ما مات خرابة وأنا اللي عملتها. يعني عندي صبر وتحدي إنتي متقدريش عليه. وعلاقتي أنا وعاصي دي حاجة تخصنا إحنا، ملكيش دعوة بيها، فاهمة؟ ولا تحبي أفهمك بطريقتي؟
ثم تركتها ورحلت إلى غرفتها مع عاصي.
طرق الباب ودخلت. وجدت عاصي يبدل ثيابه واستعد للنوم.
دخلت الحمام لكي تبدل ثيابها، ولكنها توقفت وهي توفر أنفاسها بخنقة وقالت في نفسها:
علشان كده مش بحب ألبس، لبس ماله لبسي القديم.
ثم خرجت بضيق.
التفت لها عاصي ووجدها لم تبدل ثيابها وتستعد للخروج من الغرفة.
قال لها باستعجاب:
على فين يا روز؟ وليه مغيرتيش؟
بلعت روز ريقها بصوت مسموع:
رايحة أقول حاجة لرنا.
على فين يا روز؟ وليه مغيرتيش؟
بلعت روز ريقها بصوت مسموع:
رايحة أقول حاجة لرنا.
دلوقتي يعني؟ متنفعش تتأجل؟ وإيه الحاجة المهمة اللي تخليكي تقوليها لها قبل حتى ما تغيري؟ لا خشي غيري وبعدين ابقي روحي لرنا.
لأ، ما هو ما ينفعش، لازم أروح لها الأول.
تعدل عاصي في جلسته وقال:
يا سلام؟ لأ، ما هو ما فيش خروج من الأوضة في لما أعرف إيه المهم قوي يخليكي تخرجي من الحمام مخصوص عشان تروحي لرنا.
خلاص يا عاصي، لما أرجع من عندها هقولك.
وأنا قلت لأ، ما فيش خروج يا روز.
هو تحكم وبس؟ أنا في الأوضة اللي جنبك، مش مسافرة.
لأ يا روز، اتفضلي خشي غيري فستانك.
أوف بقى! أنا مش هينفع، لازم رنا.
مش فاهم!
بصراحة أنا مش عارفة أفك الفستان، وأنا أصلاً مش متعودة عليه. ورنا اللي ساعدتني وأنا بلبس ومش عارفة أقلعه.
انفجر عاصي في ضحكة مما زاد من احمرار وجهها من الخجل، وقال وهو يحاول أن يسيطر على نفسه من الضحك:
طيب براحة كده، إيه مش عارفة تفكيه؟ وأنا هساعدك.
ارتبكت روز وقالت:
لأ، رنا عارفة، أنا هروح.
ارتفع صوت عاصي وقال:
قلت لأ! عيب قوي اللي هتعمليه. اتفضلي وريني إيه اللي مش عارفة تفكيه في الفستان.
التفت وقالت:
كل الزراير دي والسوستة.
رفع حاجبه وقال:
كل دي زراير؟ إيه الفستان هيطير؟ طيب تعالي.
وبدأ يفك زراير الفستان وقلبه يخفق معه، ويكاد هو الآخر يسمع خفقات قلبها. ابتسم وتأكد أن الشعور متبادل بينهم وأنها هي الأخرى تميل له.
انتهى من فك الأزرار وفتح لها سحاب الفستان وقال بصوت يكاد مسموع:
أنا خلصت يا روز، روحي غيري بسرعة.
لن تلتفت له وجرت مسرعة تبدل ملابسها، ولكنها وهي تجري سقط منها الفستان من ثقله.
قام عاصي ووقف وهي شهقت وجرت مسرعة نحو الحمام.
رواية مزرعة الغضب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نرمين قدري
أنا خلصت يا روز. روحي غيري بسرعة.
لن تلتفت له وجرت مسرعة تبدل ملابسها، ولكنها وهي تجري سقط منها الفستان من ثقله.
قام عاصي ووقف، وهي شهقت وجرت مسرعة نحو الحمام.
ضحك عاصي على تصرفها الطفولي، وكأنه ما زالت تعيش بقلب الطفلة. وكان الطبيعة قد حفرت بداخلها جمال رباني لا يرضخ لتشوهات الزمان.
وفي الداخل، ظل وجه روز تسوده حمرة الخجل، وظلت تجلس داخل الحمام مدة لابأس بها، فخجلها مما حدث منعها من الخروج.
اقترب عاصي من باب الحمام وطرق عليه وقال:
خير يا روز، انتي ناوية تتبتي جوا؟ اخلصي، أنا عاوز أدخل الحمام.
فتحت روز الباب ولم تنظر له، وهو أيضًا تعامل معها وكأن لم يحدث شيء.
توجهت روز نحو الأريكة الموجودة بقرب السرير ونامت عليها.
خرج عاصي من الحمام ووجدها تستلقي على الأريكة. نظر عاصي لها ورفع حاجبيه وقال:
بصي يا روز، علشان بس الوضع ده شكله مطول، انتي دلوقتي مراتي يعني تتصرفي على هذا الأساس.
رفعت الغطاء من عليها وقالت:
مش فاهمة قصدك إيه؟
قصدي إنك تتعاملي براحتك هنا، يعني تعملي اللي انتي عايزاه من غير كسوف. وأول حاجة لازم تتعودي عليها هو إن مينفعش تنامي على الكنبة. أولاً عشان تتعودي إن مكانك على السرير، ثانياً لو حد دخل فجأة وشافك على الكنبة، شكلنا هيكون مش حلو.
بس أظن يا عاصي إن مينفعش حد يخش من غير ما يخبط على الباب.
ضحك عاصي وقال:
بس هبه، تتوقعي منها أي حاجة.
كويس إنك فتحت الموضوع، علشان أنا كنت ناوية أتكلم معاك بخصوص هبه. هي قعدتها هنا مطولة.
قال عاصي مستفهماً:
مش عارف!! بس ليه؟
أولاً قعدتها ملهاش أي لازمة هنا، غير إن أنا مش ناوية أسكت لها على طريقتها المستفزة معايا، بجد أسلوبها لا يطاق.
جلس عاصي على حرف السرير وقال لها:
بصي يا روز، هبه حياتها كلها ملخبطة. أبوها وأمها منفصلين، كل واحد منهم اتجوز وشاف حياته، مسألش فيها. وهي بتقعد عند كل واحد فيهم شوية، وباقي الأيام بتقعد عندنا، تقريباً كده مقيمة معانا.
وأنا مش مجبرة يا عاصي أستحمل عقدها النفسية دي، تروح تتعالج، بلاش تطلعهاش عليا، علشان أنا آخر ذرة صبر عندي تقريباً خلصت.
زفر عاصي أنفاسه وقال بضيق، وكان أسلوبها في صيغة الأمر استفزه:
بقولك إيه يا روز، أوعي تنسي، أنا هنا صاحب البيت، وأنا أقول مين يقعد ومين يمشي. أوعي تنسي إنك هنا ضيفة فترة بتقضيها وماشية، لكن هبه هنا صاحبة مكان بحكم إنها قاعدة معانا. وخذي بالك، أمي بتحبها زي رنا، يعني اللي يزعل هبه كأنه زعل أمي، واللي يزعل أمي أنا بعتبر ربنا ما خلقه من أصله.
قامت روز واقفة وقالت بغضب:
إيه إيه، حيلك حيلك، في إيه لكل ده؟ أهدي على نفسك كده، ومش لازم كل ساعة تفكرني إن مش صاحبة البيت، علشان أنا عارفة ده كويس. ولو نسيت، الست والدتك هتفكرني، والبرنسيسة اللي بتدافع عنها مش متوصية بتفكرني بده كل دقيقة. ويكون في علمك، أنا مش هسكت لأي حد يدوس لي على طرف، كله إلا كرامتي، أنا مش قليلة، وأظن أنت عارف أنا مين كويس، وبكون بنت مين وجدي مين، ولا إيه.
زاد غضب عاصي عليها ومسك يدها بقوة، مما جعلها تتألم، وقال بحدة:
كنتي بنت مين، لكن دلوقتي انتي ضيفة، ملكيش مكان. وأنا لو قلت لك مع السلامة في أي وقت هتكوني في الشارع. مش مهم كنتي إيه، المهم دلوقتي انتي إيه، والمكان ده مكاني أنا وأهلي.
جذبت يدها منه بقوة وقالت:
وأنا سيباهولك، إشبع بيه.
وتركته وخرجت من الغرفة.
جرى وراها عاصي وجذبها من يدها وقال بحدة:
انتي إزاي تخرجي من الأوضة بالمنظر ده؟ إياكي رجلك تخطي برا الأوضة بعد كده بملبس البيت أو البيجامة.
جذبت يدها ونظرت له بغضب، ولكنها خرجت من الفيلا دون أن تنظر له، ورمت بكلامه عرض الحائط.
وقف عاصي مكانه وقد تملك منه الغضب.
ابتسمت هبه من بعيد، فقد شاهدت كل ما حدث بينهم، واقتربت من عاصي، وابتسامتها في أذنه، وقالت بمكر:
إيه يا عاصي، مالك واقف كده وسايب عروستك لوحدها؟ بذمتك ده يوم ينفع وتخرج؟ ونسيبها إيه؟ لحقت تزهق منها بالسرعة دي؟
جز عاصي على أسنانه وقال:
هبه، لو سمحتي ملكيش دعوة باللي بعمله، ادخل أخرج، أنا حر، خليكي في حالك، وياريت ملكيش دعوة بـ روز خالص.
لمحت هبه خالتها تاني من بعيد. تصنعت البكاء وقالت بصوت مرتفع باكية:
ليه كده يا عاصي؟ أنا قلبي عليك، ليه المعاملة الوحشة دي؟ لو مش عاوزني هنا قول، وأنا آخد هدومي وأخرج، بس بلاش تحسسني إني تقيلة، لحقت تمليك من ناحيتي وتقسي قلبك عليا؟ أنا كنت عملتها إيه بس عشان تعمل معايا كده؟
اقتربت خالتها بفزع من حالة هبه وقالت بخوف:
هبووب، مالك يا قلبي؟ من زعلك بس.
قالت هبه ببكاء مصطنع:
مافيش يا خالتوا، بص واضح إن أنا تقيلة على العروسة، حقها عاوزة تكون هي ست البيت وتتحكم وتقول مين يقعد ومين يمشي.
ظهرت علامات الغضب على وجه خالتها وقالت:
مين دي اللي ست البيت؟ هي نسيت نفسها ولا إيه؟ إحنا مقعدينها شفقة عشان متترميش في الشارع، لكن هتزودها، والله ما هبقى على أي حاجة، ولا أنها مرات عاصي، وهنشوف مني وش هي مش هتحبه.
نظر لهم عاصي وزفر أنفاسه بضيق وقال:
بصي يا أمي، روز مراتي، واللي يزعلها يزعلني. وهبه عمالة تخترع قصص وتعشها. روز لا شغالة دماغها بـ هبه ولا باللي بتعمله. روز عندها الأهم من ده، روز دكتورة وحياتها كلها شغل، معندهاش وقت تضيعه في كلام فارغ، وهي عارفة حدودها كويس، وعارفة إنها ضيفة لفترة هنا. وعشان أريحكم، روز سابت الفيلا كلها وراحت تقعد في الأوضة اللي في آخر الجنينة، علشان أنا لسه مفكرها بكلام ده كله.
نظرت هبه خالتها، وعلى وجهها شبه ابتسامة.
قالت هبه بزعل:
قصدك إيه يا عاصي، إنها دكتورة ومعندهاش وقت، وأنا اللي خايفة ومعنديش حاجة تشغلني، وشغلة دماغي يا ياجة؟ يرضيكي كده يا خالتوا، عاصي يقول عليا كده؟
قالت خالتها:
خلاص يا هبه، بقا متزودهاش وروحي نامي. وانت يا عاصي، خد بالك، مينفعش مراتك تبات النهاردة بالليل في أوضتكم، عيب قوي في حقك.
قال عاصي بغضب:
أنا أعملها إيه، ما كل حد هنا مصمم يحسسها إنها ضيفة مش مرغوب فيها، وإن إحنا كلنا مقعدينها بدل ما تترمي في الشارع. ولولا شرط الوصية كان ومنها في الشارع فعلاً. مش هي دي الحقيقة يا عاصي، ولا إحنا بنتبلى عليها؟
ماشي يا أمي، وهي ريحتكم خالص من الحقيقة دي، أنا طالع أنام علشان جبت آخري.
يعني هتسبها تبات هناك؟
قال لها وهو يصعد السلم:
لو عندك حل اعمليه، أنا هنام عشان مزعلش حد مني.
وعند روز، دخلت غرفتها وعلى وجهها دموع، فروحها قد كسرت. وظلت تلعن اليوم الذي كتبت فيه هذه الوصية، فقد هانت نفسها عندما رضخت للشرط الذي وضعه والدها، ولكنها قررت أنها في أقرب وقت تتخلص من وضعها.
وفي الصباح، ارتدت روز ملابسها المعتادة عليها في العمل في المزرعة، وبدأت تنهمك في العمل وانشغلت وتناست أوجاعها، فالعمل أكبر دواء للنسيان.
دخل عليها محمد، صديق طفولتها، ولاحظ نظرة الكسرة في عينها. اقترب منها وقال وهو يربط عليها:
مالك يارورو؟ عيونك كلها دموع، إيه غير إنك لسه عروسة؟ إيه اللي منزلك بدري أسبوع؟
مسحت روز دموعها التي نزلت دون إرادة منها.
مسك محمد يدها وقال لها بحنان:
اقعدي طيب، ووحدي الله كده، واحكيلي.
ولكن دخلت هبه عليهما، وشاهدت محمد وهو يمسك يدها، وقالت بصوت عالي:
الله الله، إيه اللي بيحصل هنا؟ علشان كده مرضتيش تباني مع عاصي عشان تنزلي بدري ويخلك الجو مع. أظن يا مدام يا محترمة لازم تحترمي اسم الراجل اللي انتي شايلاه.
تستشاط روز بغيظ، وقالت، ولكن قطع كلامها دخول عاصي عليهم، وقد سمع كل الحديث الذي دار بين هبه وروز.
رواية مزرعة الغضب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نرمين قدري
دخلت هبه عليهما وشاهدت محمد وهو يمسك يدها وقالت بصوت جهوري.
- الله الله علي الست المحترمة. ايه اللي بيحصل هنا؟
علشان كده مرضتيش تباتي مع عاصي علشان تنزلي بدري يخلالك الجو معاه.
اظن يا مدام يا محترمة لازم تحترمي اسم الراجل اللي انت شيله اسمه. احترمي حتى أنك لسة عروسة مكملتيش يوم. إيه خلاص هي البجاحة وصلت لكده؟
رفعت روز عينيها وقالت بغضب وقد فقدت السيطرة على نفسها.
+ بقولك إيه يا بتاعة انتي. لما تحبي تكلمي معايا تكلمي باحترام علشان أنا ليا قوة تحمل أحسن. أقسم بالله.
ولكن قطع كلامها دخول عاصي عليهم وقد سمع كل الحديث الذي دار بين هبه وروز.
نظر إلى روز نظرة تحمل غضب ممزوج بالغيرة ثم التفت اتجاه محمد وقال بشبه ابتسامة.
= خير يا بشمهندس. حضرتك سايب شغلك وهنا ليه؟
أجابت روز مسرعة دون أن تفكر.
- محمد هنا علشان شافني مضايقة. غير أن محمد شغله بيكون في المزرعة كلها ملهوش مكان محدد. بيكون في.
التفت نحوها عاصي وقد بدأ أن يفقد أعصابه.
لاحظت هبه نظرات عاصي الغاضبة وأنها تعلم أنه عندما يصل إلى هذه المرحلة يصبح مثل الثور الهائج لا يستطيع أن يتحكم في أعصابه. ابتسمت بخبث واتجهت نحو عاصي ووقفت جانبه وقالت بصوت ناعم ساخر.
+ بس برضوا يا عاصي معرفناش ليه عروسة تسيب عرسها من أول يوم وتنزل تتكلم مع واحد غريب عنها في يوم زي ده. مش غريبة دي.
ثم وضعت يدها على فمها وقالت.
+ أوبس. ليكون كان بينهم حاجة. قصة حب يعني. وتكون الوصية هي السبب أنها تتجوزك. بس برضوا فضلت معاه. يالهوي عليكي يا روز. طلعتي مش سهلة خالص.
ولكن بدون مقدمات مما جعل الجميع يشهق. لقد سحبت روز هبه من شعرها دون مقدمات وألقتها على الأرض وجلست فوقها تجذب شعرها بشدة وتقطعه في يدها تحت صرخات هبه المستمرة. وفجأة فاق عاصي من عنصر المفاجأة وحمل روز من فوق هبه بعد أن كان أجزاء كثيرة من شعر هبه في يدها.
قال عاصي بحده.
= روووووز. بسرعة على الفيلا. ما أشوفكيش هنا.
قامت هبه وهي تستحلف لروز وتسب وتلعن.
ألقت روز كلام عاصي عرض الحائط ووجهت كلامها نحو هبه وقالت.
_ ده أول إنذار ليكي. أقسم بالله يا حلاوة الموسم انتي ياللي شبه البلباتشوا. لو جبتي اسمي بس على لسانك لأخليكي عبرة لأي حد. والله لأديكي حقنة السعار بتاعة الحمار وأخليكي تنهقي طول الليل زي الحمار. اتلمي وقصري الشر معايا. وإن كان سكاتي عنك كل ده افتكرتيه ضعف يبقي انتي متعرفيش مين روز. عدي أيامك هنا بعيد عني علشان أنا غضبي وحش. أوعي تكوني مفكراني.
ولكن جذبها عاصي أمام الجميع بشدة.
ودخل بها الفيلا ودخلت ورائهم هبه مسرعة كي لا تفوت عليها غضب عاصي عليها.
سحبت يدها منه بشدة وقالت بصوت جهوري اسمع الجميع.
+ بقولك إيه. انت مش ساحب في إيدك حمارة ولا بقرة. وآخر مرة تتكلم معايا كده قدام أي حد. وبقولك أهو وبقول لأي حد هنا. كله إلا كرامتي. أنا مش هسكت لأي حد يهين كرامتي. كله إلا الإهانة.
وقفت والدة عاصي مكانها وقالت وهي ترفع حاجبها بغضب.
+ خير يا عاصي. مراتك صوتها عالي ليه؟ ياريت تعلمها أصول الضيافة وأن الضيف ما ينفعش يعلي صوته. ولا الدكتورة محتاجة حد كل شوية يفكرها أننا مخلينها عندنا تخليص حق.
رفعت روز عينيها وقالت.
لا حضرتك أنا هنا مش تخليص حق. أنا هنا صاحبة حق. ولو حضرتك مش عارفة اسألي البشمهندس وهو يقولك. غير أن أنا مرات ابنك يعني حتى لو مليش حق بقيت صاحبة حق.
التفت الأم نحو عاصي وقالت بحده.
انت عاجبك كلام مراتك ده يا عاصي؟ فهمي الهانم أنها هنا غصب عننا كلنا وأن أبوها هو اللي باعها ليك وهو اللي فرضها عليك. خيبة لتكون معيبة علشان كده أبوها صمم يجوزها ليك علشان المزرعة تكون بتاعتك وشرط كمان المدة المحددة.
أتأكد يا بني أنها مش معيبة. بس يا حسرة هتتأكد إزاي والهانم المحترمة سابت أوضة نومها ليلة خلتها.
ظلت روز تنظر لعاصي منتظرة منه أن يتحدث ويدافع عنها ولكنه وقف صامتا ينظر لها بغضب.
جرت هبه نحو خالتها وقالت وهي تحاول تظبط شعرها الذي كان متطاير.
- أمال يا خالتوا هتقولي إيه لما تعرفي أننا ظبطنها مع واحد في المزرعة. حتى اسألي عاصي هو كمان شافهم.
شهقت الخالة ولكن قطع كلامها.
للمرة الثانية لم تستطيع روز التحكم في أعصابها وجذبت هبه مرة أخرى من شعرها وقالت.
مافيش فايدة طالما ناقصة ترباية يبقي تتربي.
= طالما محدش قادر يلمك أنا هبعترك أكتر يا......
ولكن جذبها عاصي مرة أخرى وقال بغضب.
اتفضلي على فوق وعدي يومك ده بقا. فيه إيه. محدش قادر عليكي.
جذبت روز نفسها منه وقالت وهي تحاول جاهدة أن تهدأ من روعها.
= اللي هو أنا يا بشمهندس. محدش قادر عليا. وبنت خالتك المحترمة اللي عمالة تقوله من الصبح ده تسميه إيه. ولا الآنسة على رأسها ريشة. بس لاء طبعاً. لحد عندي وتتعلم تفرمل لسانها. ولا تكون محتاجة لجام نركبه للحمار عندنا.
جرت هبه مسرعة تحتمي خلف خالتها وقالت بنبرة ساخرة.
- ياي. فلاحة بلدي قوي. حتى في كلامك.
جزت روز على أسنانها بغيظ ولكن قطع الأحداث دخول رنا وهي تقول لروز بصوت هادئ متزن.
+ ممكن يا روز تطلعي معايا فوق نتكلم. وملكيش دعوة بيها علشان خاطري يا روز. اطلعي معايا.
هزت روز رأسها وصعدت إلى أعلى بصحبة رنا. اللي أن دخلت غرفتها انهارت في بكاء حاد.
وقفت رنا تربت على كتف روز بحنان وقالت لها بمرح مصطنع.
+ صحيح يا روز. جبتي الصحة دي منين؟ انتي قعدتي على هبه ولا أكنها دكر بط بتزغطيه.
ضحكت روز رغم شعورها بالألم من داخلها ولكن نقاء رنا جعلها تضحك.
قالت لها رنا بهدوء.
+ هوانا ممكن أسألك ليه يا روز سبتي الفيلا ورحتي تنامي في الأوضة اللي في الجنينة؟
نظرت لها روز وقالت وهي تبتسم بسخرية.
عمرك سمعتي عن حاجة اسمها غربة الروح. إنك تبقي في بيتك اللي اتولدتي فيه وعايشة طول عمرك فيه. لكن حتى مش مسموع ليكي تقومي من غرفة الصالون. إحساس أنك ضيفة في بيتك. البيت اللي انتي حافظة كل شبر فيه أكتر من ساكنه. انتي بتستأذني لو عاوزة كوباية مية. هي دي غربة الروح يا رنا. شعور مميت إنك تحسي أن المكان مش مكانك. والحمد لله أخوكي وولدتك وعروسة الموسم كلهم مقصرتش. كل دقيقة متعمدين يحسسوكي بالغربة دي.
عاصي مصمم يكمل انتقامه مني من اللي حصل زمان من جدي. طيب أنا ذنبي إيه. فاهمني يا رنا.
وإحساس الخذلان لما تحسي أن أقرب حد ليكي خذلك وباعك لعدو مستني الفرصة علشان يدمرك.
أنا أبويا باعني لعاصي تحت مسمى الوصية وهو عارف ومتاكد أن عاصي أكتر حد بيكره عيلتنا. رغم كده باعني ليه.
كل ده ولسة بتسألي. أنا اللي جوايا يهد جبل. تخيلي كده يا رنا.
أحلامك كلها بتقع قدامك حلم حلم. انتي متعرفيش المزرعة دي بالنسبة ليا بتكون إيه يا رنا. أنا كنت مستلمة المزرعة من جدي حطام. أنا اللي عملت لوحدي كل اللي انتي شيفاه ده لوحدي يا رنا. تخيلي تعب سنين وسهر يروح منك بجرة قلم. انتي متخيلة ده سهل.
سهل إنك تلاقي نفسك متجوزة أكتر حد بيكرهك. إن أحسن يوم اللي بتتمناه أي بنت وهي بالفستان الأبيض المفروض يكون أسعد يوم ليها تسمع كلام يقل منها ومن كرامتها. كلام مختصرة أنها هنا زي أي رجل كرسي. أنها هنا لفترة قصيرة وتحترم أصول الضيافة.
بس أنا مش مجبرة أستحمل هبه يا رنا. علشان أنا ضيفة. لاء. أنا مش بتكسر. وزي ما عملت نفسي هنا هعمل نفسي في أي حتة تانية. أنا اللي عملت المزرعة مش المزرعة اللي علمتني. سهل قوي أثبت نفسي في أي حتة.
أخوكي فاكر لو رماني هكون في الشارع. فلازم أكون مجبرة أستحمل العيشة هنا تحت أي ضغط وأستحمل هبه.
بس هو غلطان. هو لعب على لعبة الضمان وما اختبرش صبري. أنا لا مجبرة أستحمل هبه ولا أخوكي نفسه.
هو ناسي أن أنا دكتورة ومتميزة في اختصاصي. أنا متخرجة بتقدير امتياز يا رنا. أنا من بكرة ممكن أقدم على وظيفته معيدة في الجامعة. وهما لما هيصدقوا اختصاصي نادر وهما طالبين معيدين. يعني حياتي وموقفتش على هنا.
دفع عاصي الباب وقد سمع كل حديثها مع رنا وقال بغضب.
_ ومين بقا يا دكتورة يا كبيرة هيسمحلك تتحركي متر واحد برا المزرعة.
+ وأنا مش مستنية السماح بتاعك يا بشمهندس من أصله.
_ ليه الظاهر أنك بتنسي. معلش أفكرك. حضرتك امبارح كان فرحنا. يعني الدكتورة بتكون مراتي. وأنا بحكم أنك مراتي بقولهالك أهو. ممنوع تخرجي برا باب أوضتك وأكلك هيوصل لحد عندك.
ضحكت روز ضحكة مرتفعة دليل على استهزائها بكلامه.
جز عاصي على أسنانه وقال.
_ بلاش تختبري صبري يا روز. غضبي انتي لسة لحد دلوقتي ما شفتيهوش. وخروج برا باب أوضتك ممنوع. وتتكلمي مع أي حد ممنوع. حتى مع رنا.
قامت روز واقفة وقالت وهي تضع يدها على خصرها.
+ ليه أن شاء الله. حبس انفرادي. إحنا في سجن.
_ آه يا روز. في سجن وأنا سجانك. من هنا ورايح وهجيلك وقت مزاجي ما يقولي. ما انتي مراتي يعني ليا حق فيكي وقت ما أنا أحب.
نظرت له روز بكرة وقالت.
+ نجوم السما أقربلك. مش أنا اللي تكسرني يا عاصي. وانسي موضوع مزاجك ده. علشان انت سقف طموحاتك بيعلى وانت مش واخد بالك.
يمكن آه حققت انتقامك أن أخدت المزرعة بتاعتي والفيلا بتاعتي. تمام. أخدتهم خلاص وانتصرت. برافو شاطر. أهدى بقى. لكن تعتبرني من ضمن أملاك وانتقامك يبقي انت بتحلم ومحتاج حد يفوقك.
زاد غضب عاصي عليها وسحبها بشدة من يدها تحت نظرات رنا المشفقة عليها. فاهي تعلم مدى غضب أخوها.
سحبها وأدخلها حجرة نومهم وأغلق الباب عليهم بالمفتاح. ثم قام فجأة بتمزيق ملابسها.
رواية مزرعة الغضب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نرمين قدري
ازداد غضب عاصي عليها وسحبها بشدة من يدها تحت نظرات رنا المشفقة عليها، فهي تعلم مدى غضب أخيها. سحبها وأدخلها حجرة نومهم وأغلق الباب عليهم بالمفتاح، ثم قام فجأة بتمزيق ملابسها.
تفاجأت روز مما فعله عاصي، فقامت مسرعة محاولة أن تجمع ملابسها الممزقة لإخفاء ما ظهر منها، مما زاد غضبه عليها وقال بنبرة حادة:
"على فكرة انتي مراتي، كل حاجة فيكي ملكي، أنا ليا حق فيكي، حتى النفس اللي طالع منك ملكي، انتي فاهمة؟"
انتفضت روز من صوته الجهوري، ولكنها تظاهرت بالتماسك وقالت بنبرة غضب:
"وأنا بقولك إن نجوم السما أقرب لك مني، مش روز اللي تعمل حاجة مغصوبة عليها، انت لسه متعرفنيش يا بشمهندس."
"لأ انتي اللي لسه متعرفنيش يا دكتورة، يمكن انتي أقصى حاجة عملتيها في حياتك إنك عملتي المزرعة دي، منكرش إنها استوريا، بس آخرك باب المزرعة، لكن برا الباب بتاعها متعرفيش إيه اللي بيدور برا. لكن أنا نحت في الصخر عشان أعمل نفسي، أنا أبويا مات قدامي ونفسه مكسورة، بقيت مسؤولة عن أم وأخت عاجزة وأنا عمري عشر سنوات، كنت الأخ والأب والابن. أمي اللي هي فيها دلوقتي بسبب اللي شافته زمان، خوفها إن أيام الفقر ترجع بقت تكره أي حاجة تفكرها باللي شافته، وللأسف انتي من ضمن الماضي اللي نفسها تنساه. كل ما بتشوفك بتفتكر كل اللي مرينا بيه، ومش هي بس، أنا كمان. كل ما افتكر جدك واللي عملوه فينا نار جوايا."
مسحت روز دموعها بظهر يدها وقالت وهي صامدة:
"تمام قوي يا بشمهندس، كل ده حلو. شيل ده من ده يرتاح ده عن ده، وأنا قلتلك أنا هسيب الدنيا كلها وأنزل مصر، اديني فلوس بيع المزرعة ومش هتشوفني تاني لا انت ولا الهانم والدتك."
ضحك عاصي بسخرية وقال:
"انتي فاكرة ها سهلة قوي؟ هطلع من جيبي ٢ مليون وأقواك اتفضلي!! واللهي مش أنا اللي أتعاتب، روحي عاتبي أبوكي هو اللي حطك في الوضع ده، هو اللي حط شرط الجواز سنتين وهو اللي عمل الوديعة بفلوسك كلها، يبقى طول فترة سجنك هنا انتي تحت رحمتي وتحت مزاجي، وأنا مزاجي طالبك دلوقتي، اخلصي وخشّي وضبّي نفسك عشان مزاجي، وبعد ما آخد مزاجي روحي نامي برا في أوضتك، ولما مزاجي يعوزك انتي هنا تحت رجلي."
قالت روز باندفاع بدون أن تفكر:
"آآآآه جو الأغا خان وحريم السلطان اللي انت عايش فيه، انت طالع من فيلم أبيض وأسود قديم ومهروس، ناقصه الكاس وإزازه الخمرة، ما توزن كلامك يا بشمهندس، كده مزاج مين اللي أنا هكون تحت أمرك فيه؟ انت عايش الوهم بزيادة."
وفي الخارج تقف هبة على باب الحجرة تحاول أن تستمع لما يدور في الداخل، وكل ما تسمع صوت عاصي يرتفع تزداد فرحتها من الداخل وهي تدعو أن يطلقها، فهي تريد بشدة أن تكون هي صاحبة كل الخيرة هذه وأن تكون هي الأمر الناهي وتكون هي سيدة المنزل، حتى فكرت أنها سوف تتخلص من خالتها في إحدى دور المسنين حتى لا تكون عائقًا لها وتصبح هي المتحكمة في كل ذلك العز.
اقتربت منها رنا وقالت وهي تدفعها بعيدًا عن الباب:
"بطلي بقى يا شيخة مَسح الأوكر ده وانضفي بقى، هتستفيدي إيه لما تسمعي اللي بيدور بين راجل ومراته، عيب عليكي."
اتفزعت هبة من رنا ولكنها تلتفت لها وقالت بغيظ وهي تجز على أسنانها:
"والله مباقش غيرك يا عجزة، انتي اللي هتقولي أعمل إيه؟ وما تقوليش إيه، انتي مالك انتي أنا بعمل إيه؟"
"طيب يا هبة أنا هخبط على عاصي وأقوله اللي انتي بتعمليه ونشوف بقى رد فعله معاكي هيكون إيه."
ولكن بحركة سريعة دفعت هبة رنا بعيدًا عن الباب، مع ضعف قدم رنا اختل توازنها وسقطت من على الدرج تحت صياح هز جميع أركان الفيلا.
سمعت روز صوت صياح رنا، جرت مسرعة وتناسّت أن ملابسها ممزقة، فتحت الباب وجدت هبة تضع يدها على فمها ورنا تقع من على الدرج. جرت مسرعة تلحق برنا ووضعت يدها خلف ظهر رنا حتى تخفف من حدة الوقعة على ظهرها، فوقعت رنا بثقلها على ذراع روز مما تسبب في كسر مضاعف فيه.
جرى عاصي هو أيضًا على صوت الصياح وشاهد ما فعلته روز مسرعة دون أن تفكر وكيف ضحت بنفسها من أجل أن تلحق رنا. جرى عاصي مسرعًا ينزل الدرج ورفع رنا من على ذراع روز التي كانت تصيح هي الأخرى من ذراعها.
صاح بصوت جهوري:
"إسعاف! اتصلوا بالإسعاف!"
فكانت رنا تصيح من ظهرها، وروز من يدها وقدمها. استوعب عاصي أن ملابس روز مازالت ممزقة ودخول محمد وعمال المزرعة فور سماعهم صوت الصياح المرتفع. جرى محمد على روز لأن عاصي كان يحمل رنا. ارتفع الدم في عروق عاصي لأن روز كان جزء كبير من جسدها مكشوفًا.
لاحظت روز تغيير وجهه لغضب شديد وتذكرت ما هي فيه. رفعت عينها وقالت لهبة أن تحضر لها أسدال الصلاة الخاص بها من حجرة النوم، ولكن هبة اصطنعت عدم الفهم وقالت:
"وعاوزة الأسدال ليه بقى إن شاء الله؟ مش انتي عاملة فيها المرة الخارقة؟ اطلعي هاتيه لنفسك، ولو إن أنا شايفة إن الشو اللي عملتيه من حبه ده سخيف قوي، كل ده عشان عاصي ياخد باله منك، مش بعيد تكوني انتي اللي زقيتي رنا عشان تشدي النظر ليكي."
خبطت والدة عاصي على صدرها دليلًا على الاعتراض وقالت برعب:
"معقول تكوني انتي اللي زقيتي بنتي من على السلم؟ آه، معقول قوي، بدليل إن هدومك مقطوعة، أكيد رنا حاولت تمسك فيكي، فزقيتيها، سحبتك معاها وهدومك انقطعت."
ثم التفتت نحو عاصي وقالت:
"شايف يا عاصي؟ شايف المجرمة عملت إيه في أختك؟"
ولكن عاصي كان في عالم آخر، لا يعرف يعطي رنا لأحد يحملها، ولا قادر يحضر شيئًا يستر زوجته عن العيون. لم ترد روز على كلام والدة عاصي وتحاملت على قدمها رغم الألم الشديد الذي كانت تشعر به وصعدت إلى غرفتها، ولكنها أدركت أن ملابسها مازالت في غرفتها الصغيرة. فتحت دولاب عاصي وأخرجت منه تي شيرت خاص به، ووجدت صعوبة في ارتدائه بسبب الألم في يدها، ولكنها في النهاية ارتدته. سقطت دموعها من شدة الألم.
نزلت روز إلى أسفل، فقد كانت سيارة الإسعاف وصلت. حملوا رنا على حامل السيارة. توجه عاصي نحو روز يسندها هي الأخرى. لم تحاول روز الاعتراض، فهي قد ملكها الألم منها أقصاه.
ذهب الجميع إلى المستشفى، وطمأنهم الطبيب على حالة رنا وأنها لا تحتاج سوى راحة أسبوع بدون حركة، وأن ما فعلته روز هو من أنقذها من انتكاس حالتها مرة أخرى. ولكن الوضع عند روز لم يكن بأحسن حال مثل رنا، فالوقعة كانت قوية وهي تحمل جسد رنا. لقد حصل كسر مضاعف وتم تجبير الذراع بالكامل بالجبس وربط رباط ضاغط على الساق ولبس حزام يمسك منطقة الظهر وعدم الحركة لمدة شهر كامل حتى ترتاح فقرات الظهر بسبب ضغط الفقرات بسبب الارتطام.
حمل عاصي روز إلى غرفتهم ووضعها على السرير وقال لها برفق:
"دقيقتين وراجع، أوعي تتحركي، انتي سمعتي كلام الدكتور وكفايا عند عشان مضريش نفسي."
هزت روز رأسها. ذهب عاصي لغرفة رنا التي كانت تبكي، شعور بالذنب لما حدث لروز. اقترب منها عاصي يربت على شعرها وقال بحنان:
"سلامتك يا عصفور قلبي، إيه اللي حصل خلاكي تقعي من على السلم؟"
قصت رنا على عاصي كل ما حدث من هبة، مما زاد غضب عاصي عليها وقال:
"وبعدين بقى فيها، عشان عارفة إن أنا مش هقدر أمشيها من هنا بسبب الظروف بس هي اتمادت فيها قوي، واللي يجننك إن أمي مصدقاها في أي حاجة بتقولها."
قالت رنا بتعب شديد:
"أمك بتعتبرها بنتها اللي فاهمة دماغها وبتطاوعها وبتعوضها على اللي أنا مقدرتش أعمله بسبب عجزي. أمك بتتباهى بيها، فين ما تروح وهبه عارفة ده كويس وبتلعب عليه. عارفة إن خالتها مش بتستحمل عليها الهوا. بذمتك يا عاصي المفروض ماما أمون معايا دلوقتي عشان لو احتجت حاجة، أنا مش عارفة لو روز ملحقتنيش أنا كانت هتبقى إيه حالتي دلوقتي. وفين ماما؟ أنا بجد محتاجاها يا عاصي، محتاجة حضن يحسسني بالأمان، لكن هي من ساعة مرضي وكأنها بتستعر مني، على طول هبه هي اللي معاها في كل مناسبة وكل مكان وأنا في الأوضة بتاعتي بالأيام."
دمعت عيون رنا لاهتمام والدتها بهبة وتركها لها رغم ظروفها التي كانت في أشد الحاجة لحضن أمها. حضنها عاصي فهو يعلم ما تفكر فيه أخته وأشفق عليها وقال لها بحنان شديد:
"طيب يا حبيبتي، مش محتاجة مني حاجة؟ أنا هروح أشوف روز عشان زي ما انتي عارفة الدكتور مانعها من الحركة. ولو احتاجتي أي حاجة رني عليا هتلاقيني قدامك على طول."
هزت رنا رأسها وقالت مبتسمة وهي تغمز له:
"عيونك فضحتك يا عاصي ولهفتك وخوفك عليها واضحة. رحلها يا عاصي وطيب خاطرها، صدقني روز مش هتتعوض وبنت أصول. ارمي كل الحقد اللي جواك وعيش العمر قصير قوي، بلاش تقضيه في كره وعند. في حاجات لو راحت منك هتقعد العمر كله ندمان عليها. أنا نصحتك وأنت حر، ما ترجعش تقول ياريت اللي جرى ما كان. اتسع لكلام ماما، سيب قلبك هو اللي يمشيك، اسمع كلام قلبك يا عاصي وانسي اللي فات."
تركها عاصي ودخل غرفته ليجد روز تحاول النهوض من السرير وهي تتألم. جرى مسرعًا نحوها وهو يقول بغضب:
"هو أنا مش قولتلك متتحركيش من مكانك؟ هو انتي لو سمعتي الكلام تعيي؟ متعرفيش تسمعي الكلام أبدا."
قالت روز وهي تتألم:
"ما أنا عايزة أخش الحمام، أعمل إيه طيب؟"
سندها عاصي إلى الحمام وتقابلت أنفاسهم عن قرب. لأول مرة خفق قلب عاصي بشدة وشعر أنه فعلاً يحبها. لم تكن روز في حالة أفضل منه، فهي الأخرى خفق قلبها وتسارع نبضها وارتعشت يدها واحمر وجهها من الخجل. لأول مرة أحد يقترب منها.
رمت روز ثقلها عليه، فهي فعلاً لن تستطيع المشي على قدمها، كما أن ظهرها يؤلمها حقًا. تركها عاصي عند باب الحمام وقال لها وهو يبتسم:
"تحبي أخش معاكي عشان أسندك؟"
احمر وجهها بشدة من الخجل وقالت بتلجلج:
"لأ لأ، أنا هتصرف. أنا بس هنادي عليك لما أخلص عشان تطلعني."
"وأنا واقف على الباب مش همشي. يمكن تحتاجني جوا ولا حاجة." ثم غمز بعينيه.
ابتسمت روز بخجل ودخلت الحمام وقلبها يخفق بشدة. خرجت روز ووجدت بالفعل عاصي ينتظرها أما الباب. سندها وقال لها:
"بس التي شيرت بتاعي هياكل منك حتة، هو صحيح كبير عليكي شوية بس جميل قوي."
احمر وجهها وقالت بصوت يكاد مسموع:
"معلش أصل ملقتيش حاجة ألبسها وكل هدومي لسة في الأوضة اللي في الجنينة."
"ولا يهمك، أنا بهزر معاكي. تعالي يلا عشان ترتاحي وأنا هنزل أجيب لك أكل عشان تاخدي العلاج بتاعك."
هزت رأسها نافية وقالت معترضة:
"لأ مش عاوزة أكل، أنا عايزة أروح الأوضة بتاعتي، أنا مش مرتاحة هنا وعايزة أطمن على رنا. الوقعة سببت لها أذى. رنا أعصابها مش راكزة لسة، وممكن ده السبب اللي خلاها تقع. أنا حاسة بالذنب عشان أنا اللي قومتُها من على الكرسي المتحرك، أكيد أنا السبب."
زفر عاصي أنفاسه بغضب وقال:
"أولاً يا روز مش انتي السبب، رنا وهبه كانوا بيتخانقوا ورنا مشافتْش السلم فوقعت. تاني حاجة لازم تفهميها كويس إن دي أوضتك، لازم تتعودي تنامي هنا بقى."
تركها ونزل يحضر لها الطعام، ولكنه وقف على باب المطبخ في حالة ذهول مما سمع.
رواية مزرعة الغضب الفصل السادس عشر 16 - بقلم نرمين قدري
أولا يا روز مش انتي السبب. رنا وهبه كانوا بيتخانقوا ورنا ما شفتش السلم فوقعت.
تاني حاجة لازم تفهميها كويس أن دي أوضتك. لازم تتعودي تنامي هنا بقا.
بَس أنا يا عاصي مش بحب اكون تقيلة على حد. ومامتك شيفاني ضيفة تقيلة. أنا بقول أفضل خليني في الأوضة بتاعتي اللي في آخر الجنينة.
رفع عاصي حاجبيه وقال:
أنا مش بحب أكرر كلامي مرتين. ياريت تسمعي الكلام من مرة واحدة. أنا هنزل أجيبلك أكل علشان في علاج كتير لازم يتاخد. وده بيتك ودي أوضتك ومكانك مكان ما يكون جوزك. مفهوم؟
تركها ونزل يجيب لها الطعام، ولكنه وقف على باب المطبخ في حالة زهول مما سمع. فقد كانت هبه تتحدث مع مجهول وتقول بصوت خافت:
مش عارفة البت دي عاملالة عمل ولا إيه. حكايتها متبتة. كل ما أقول خلاص خلصت منها تعمل حاجة تخليه يتمسك بيها أكتر. أنا مش عارفة طلعتلي من إنه نصيبة. أنا قلت خلاص فاضل تكه وهتجوزه وأستولي على كل العز ده لوحدي.
المجهول:
بس برافوا عليكي استحملتي كل ده.
هبه بقرف:
استحملت إني أقعد في المكان المقرف ده مليان بالحيوانات ولا ريحتهم. طلعتلي روز والوصية الزفت اللي أبوها حطها.
المجهول:
هو مش خلاص تمم الجواز تبقي المزرعة بتاعته خلاص؟
تضحك هبه بسخرية وتقول:
الاسم بس إن المزرعة بتاعة عاصي. لكن الشرط اللي في الوصية مخليه زي اللي رقص على السلم. لا منه امتلكها ولا منه سابها. أبوها الله يرحمه ربط مستقبلهم ببعض.
المجهول:
طيب والعمل؟ هتعملي إيه انتي دلوقتي؟
هبه:
مش عارفة لسة مش عارفة. بعد اللي حصل مع رنا وأنا مخي واقف عن التفكير. خايفة رنا تتكلم وتقول إن أنا اللي وقعتها من على السلم.
المجهول:
ينهاري أسود. هو إنتي اللي وقعتيها؟ بقولك إيه يا هبه خفي اللعب. بلاش تأذي حد. أوعي. إنتي هدفك واضح الفلوس. يبقي خليها على قد الفلوس وبس. لكن أذية حد لأ. والف لأ.
هبه بلا مبالاة:
والله مافيش حرب من غير ضحايا. وأصلا رنا دي ملهاش لازمة في الحياة. بتعمل إيه في حياتها غير إنها طول النهار تندب على حالها وعلى عجزها. الناس دي بيكون الموت ليهم راحة صدقني.
المجهول:
وإنتي فاكرة إن خالتك هتسكت لكِ؟ مهما كان درجة حبها ليكي بس في الأول والآخر دي بنتها. وأوعي تنسي إن خالتك وعيالها تعبوا كتير عشان يوصلوا للي هما فيه ده. فمتتوقعيش إن حد هيتنازل لكِ بسهولة. حتى لو كانت خالتك. هي ما شفتش. شُوية اتبهدلت كتير. وده خلى قلبها قاسي.
انفعلت هبه بشدة وقالت:
وأنا مالي؟ قضاء وقدر. هنخش في قضاء ربنا ولا إيه؟ ومتشليش هم خالتي. أنا عارفة هعمل معاها إيه. كل واحد وليه دور. هي مكانها محجوز من دلوقتي في دار المسنين.
المجهول:
بقولك إيه يا هبه؟ تاني مرة هتتعرضي لأي حد. عندك أنا مليش دعوة بيكي. واتصرفي مع حالك. أنا برا الليلة.
ههههههههههههه هههههههههههههه هههههههههههههه. بره إيه يا حبيبي؟ إنت عبد القرش؟ هو مين اللي برا؟ لا يا روحي فوق لنفسك كده واعدل في الكلام. إنت شريكي في كل حاجة. ولا إنت عاوز تقبض على الجاهز كده؟
قال المجهول بتهكم واضح:
بس متفقناش على الدم. لما توصل لحد كده. أنا برا اللعبة. مليش في. بس بيني وبينك كده يا هبه. إنتي ليه مصممة تعملي كده؟ ما تحتوي عاصي وخلاص. من ما حد يتأذى.
إنت عبيط يا بني؟ بقولك عايزة أكون أنا صاحبة المزرعة دي كلها. وإنت قلت إن خالتي مش هتسيب حاجة بسهولة. غير إنها فعلاً هي المتحكمة في كل حاجة هنا.
تعمد عاصي إصدار صوت بقدمه وهو داخل، حتى تنتبه هبه وتغلق الخط. وذلك ما حدث بالفعل. أنهت هبه المكالمة مسرعة ثم التفتت خلفها وهي تبتسم وقالت:
خير يا عاصي؟ عاوز حاجة أعملهالك؟
قال عاصي وهو يرفع حاجبيه:
لا تسلمي يا هبه. أنا هحضر أكل خفيف لروز عشان تاخد العلاج.
سمع صوت من خلفه يقول بسخرية:
وهي الغندورة متنزلش تعمل الأكل بنفسها؟ ولا تكون فاكرة نفسها صاحبة البيت وبتتحكم وتتدلع؟ ولسة الخدم بتاعها موجود وبيخدمها.
تنهد عاصي بصوت مسموع والتفت إلى مصدر الصوت وقال:
الدكتور مانع روز من الحركة يا ماما. الوقعة أصابت ظهرها ورجليها. علشان كده كتبلها على راحة في السرير. وميجرى حاجة لما أحضر ليها لقمة خفيفة. ما أكلتش حاجة طول النهار. ومتقلقيش. روز عارفة كويس إن الفيلا ما عدتش بتاعتها. وإنها ضيفة. وياريت لو الاستجوابات خلصت. سيبوني أحضر الأكل عشان أطلع ليها.
قالت الأم وهي تنظر لوجه هبه المخطوف لونه:
ماشي يا عاصي. أفضل دلع فيها كده لحد ما تخد وش علينا.
نظر لها عاصي وأخذ طعام خفيف وتركهم وصعد إلى غرفته.
فتح الباب ليجد روز تحاول النهوض من على السرير، ولكن ألم ظهرها كان أقوى من محاولتها. وضع الصينية على المنضدة وجرى مسرعاً نحوها وهو يقول بغضب:
هو العند عندك هوا؟ متعرفيش تعيشي من غير عند؟ ارحمي نفسك وارحمينا. كل الدكتور اللي طلبه منك أسبوع راحة. أظن أسبوع مش كتير.
قالت روز بألم شديد:
أنا عاوزة أخش الحمام من فضلك. اسندني لأني بجد مش قادرة. الوجع لا يحتمل.
بدون مقدمات حملها عاصي والتقطت أنفاسهم وخفق قلبهم وكأن كل واحد يسمع نبض الآخر. فالقلوب ليس عليها سلطان ولا تعترف بخصومات ولا انتقامات. فالحب حين يأتي لا يستأذن بل يقتحم. قد اقتحم الحب قلوبهم.
قالت روز بخجل شديد:
عاصي؟ نزلني. ميصحش كده.
قال عاصي مبتسماً وكان خجلها قد أعجبه:
هو إيه اللي ميصحش يا مدام؟ إنتي مراتي يعني بتاعتي وكل حاجة فيكي ملكي.
اشتدت حمرة الخجل ودفنت وجهها في صدره. أدخلها عاصي الحمام وتركها. انتهت روز ونادت عليه. دخل الحمام ولكنه توجه نحو الدش. فتحه ليملاء البانيو بالماء الدافئ.
قالت له روز متسائلة:
بتعمل إيه يا عاصي؟
قال عاصي دون أن ينظر لها:
إنتي لازم تقعدي في مية دافئة علشان عضلات ظهرك تفك. وبعد ما تخلصي هدهن ضهرك كريم باسط العضلات.
قالت روز مقاطعة كلامه:
ها؟ مين؟ عمل إيه؟ هتعمل إيه؟ مش فاهمة.
ولكن لم يعطيها فرصة للتحدث أكثر. حملها ووضعها في بانيو الاستحمام بملابسها. شهقت روز من المفاجأة، ولكن شعرت فعلاً بالاسترخاء. لاحظ استرخاء عضلاتها وبدأ بتدليك ظهرها برفق. وخلع ملابسها الخارجية دون أن تشعر وما زالت في حالة استرخاء. حملها برفق وحاوطها بمنشفة كبيرة ووضعها على السرير برفق. أخرج بيجامة من عنده، ولكن قبلها بدأ بوضع الكريم على ظهرها واقترب من أذنها وقال بحنان:
تقبلي تتجوزيني يا روز؟ عارف إننا كنا مفروضين على بعض. لكن أنا دلوقتي وبكامل إرادتي بطلب منك إنك تكملي حياتك معايا. ويكون شرف ليا إنك تكوني مراتي.
خفق قلبها وتسارع نبضها وارتعشت يدها وابتسمت وقالت:
وأنا كمان يا عاصي. أحب أكون زوجتك.
أحبه بجنون ولكني أكرهه بشدة. هل يجتمع الحب مع الكره؟ بقدر تباعد الحب عن الكراهية ربما. فصل بينهما خيط رفيع. وهل يجب تحكم العقل؟ ولكن هل يمكن الاستماع إلى صوت العقل عندما يتورط القلب؟ عفواً لا يمكن الاستماع إلى صوت العقل. فقد أصدر القلب قراراته وأحكامه. فهي عشقت ملكيته العمياء. لقد انتصر العشق على الكره والغضب. اقترب منها بشدة واختلطت أنفاسهم. وبعد فترة من الوقت أصبحت روز زوجته أمام الله. ولكن صرخت روز بألم شديد من ظهرها. فقد حمل عليها بشدة لدرجة أنها ظلت تبكي من الألم. انتبه عاصي وحملها ووضعها مرة أخرى في حوض الاستحمام وفتح المياه الساخنة وبدأ بعمل تدليك لظهرها حتى أرخت عضلاتها. حملها بالمنشفة ووضعها برفق وأحضر البيجامة الخاصة به وجعلها ترتديها. وظل يضحك على منظرها، فكانت مثل اللعبة الصغيرة في ملابسه وكأنه عملاق.
ابتسمت روز بخجل وقالت:
عاصي؟ أنا خلاص بقيت مراتك قدام ربنا. أنا مش طالبة منك غير حاجة واحدة بس. عشان خاطري حافظ عليا وعلي كرامتي خصوصاً قدام مامتك وهبه.
اقترب منها ووضع قبلة على جبينها وقال:
كرامتك من كرامتي يا وردة قلبي. من جوا. ويلا بقا عشان تأكلي وتشربي اللبن. أنا جبتلك كوباية لبن ساقعة.
استعجبت روز وقالت:
وإنت عرفت منين إن بحب اللبن ساقع؟
قال عاصي مستغرباً:
بجد بتحبي اللبن ساقع؟ طيب الحمد لله. أنا كنت خايف ماترضيش تشربيه. أنا جبته ساقع عشان أخلص من زن هبه. أصلها كانت في المطبخ ساعة ما نزلت أجيبلك الأكل.
رفعت روز حاجبيها وقالت:
يا الله. إمتى بقا تحل عنا عروسة المولد دي.
بصي يا روز علشان خاطري. أنا حاولي إنتي ورنا تبعدوا عنها على قد ما تقدروا. وأنا وعد مني همشيها من هنا خالص في أقرب وقت. استحملوها بس الكام يوم.
والله يا عاصي المشكلة مش فيها. أنا كفيلة بيها. المشكلة أن مامتك بتخش في الموضوع وأنا مش بقدر أتكلم.
هز عاصي رأسه وقال:
يلا بقا كفايا كده النهاردة عليكي. لازم ترتاحي.
أعطاها الدواء الذي كان فيه نوع من المهدئ جعلها تمام سريعاً. أغلق عليها الغرفة ونزل إلى المطبخ يعد قهوة وذهنه مشغول بمحادثة هبه. كان يود أن يعرف مع من كانت تتحدث.
أخذ مج القهوة وخرج إلى الحديقة. هدوء وذهن صافي رغم تراكم الأحداث بداخله. ولكنه تعمد أن يصفي ذهنه. يحتسي مج القهوة وخلوة مع النفس واستنشاق هواء بارد. لعلة يعود للتفكير بهدوء. ولكنه فاق على حركة غريبة في الحديقة ورأى خيالات من بعيد. وكان في صراع بين شخصين. اقترب ولكنه وقف مكانه. فقد كانت هبه في وضع مخل مع آخر واحد كان يتوقع عاصي أن يجده. ولكنه ابتعد دون أن يراه أحد وجرى مسرعاً داخل الفيلا وعلى وجهه علامات لا تفسر.
رواية مزرعة الغضب الفصل السابع عشر 17 - بقلم نرمين قدري
فاق علي حركة غريبة في الحديقة وراي خيالات من بعيد وكان في صراع بين شخصين. اقترب ولكنه وقف مكانه فقد كانت هبه في وضع مخل مع اخر واحد كان يتوقع عاصي أن يجده.
ولكنه ابتعد دون أن يراه أحد وجري مسرعا داخل الفيلا و علي وجه علامات لا تفسر.
دخل عاصي الفيلا ولكنه صعق مما راي. لقد كانت هبه مع اقرب صديق له، صديقه الذي كان يؤتمنه علي كل اسراره.
ظل عاصي مكانه فتره لكي يستوعب ما يحدث حوله.
كيف تحولت بنت خالته التي كانت بمثابه اخت أخري له لذلك الوحش المخيف و صديقه.
لماذا يخونه فقد فعل من أجله الكثير ولماذا لم يتقدم صديقة لخطبة هبه؟؟
لماذا اختار طريق الغير صحيح؟ رغم أنه يعلم أنه إذا تقدم لها سوف يحظى بالقبول.
ظلت أسئلة كثير تدور داخل ذهنه ولم يجد لها إجابه ولكنه شعر بيد تربط علي كتفه بحنان.
التفت عاصي ليجد أخته تربط علي كتفه وتقول بحزن:
+ مستغرب ليه يا عاصي هي دي حققيتهم بس انت الانتقام من روز واهلها كان عميك من سم اللي حواليك.
قال عاصي بحزن شديد:
– طيب ليه يا رنا ليه ماهر يعمل معايا كده وهبه ليه احنا اللي اخدناها في بيتنا رغم أن ابوها رمانا و ماكنش عاوزنا عنده ولما طلق خالتي ، وخالتي اتجوزت واحد غيرة وما كنش عاوز هبه احنا فتحنا ليها بيتنا.
نظرت له رنا بشفقه وقالت:
+ بص يا عاصي ماهر دايما كان بيغير منك وكانت واضحة غيرته في مواقف كتير بس انت اللي ما كنتش شايف و اللي خاتمها يوم ما تقدم ليا وانت رفضت انت رفضته علشان انت كنت شايف أن انا مينفعش افتح بيت واتجوز غير لما اخف ولكن هو شافها أنه هو مش قد المقام علشان كده انت رفضته و من يومها اخدك عدو ليه.
اما هبه فهي طول عمرها كده.
انت فاكر يوم ما خرجنا من المزرعة هنا وانا كنت تعبانه اوي صحيح كنت صغيرة قوي بس في مواقف بتعلم معاك.
فاكرة زي ما يكون حصل انهاردة لما دخلنا بيت خالتي وما كنش عندنا مكان نروحوا يومها خالتك دخلتنا اوضت هبه علشان نقعد فيها هبه قربت مني وقالت لي وانا عيانه يارب تموتي علشان متاخديش الأوضة بتاعتي و جرت علي مامتها تقولها انا عاوزة الاوضه بتاعتي مليش دعوة طلعيهم برا و فضلت تعيط لحد ما جوزها خيرها بيه وبينا.
يومها خالتك لمت حاجتنا وقعدتنا مبني الخدم اللي في ڤيلاتها وقالت لينا لحد ما تفضلنا مكان طول عمرها كانت بتكره ماما علشان ماما صممت تتجوز ابوك وهو راجل علي قده وبيشتغل جنايني وهي اتجوزت راجل الأعمال الغني ازاي امي تفضل تحب بابا رغم فقره و هي جوزها يسبها بعد عشر سنين جواز ويرميها هي وبنتها.
انت ازاي مش فاكر يا عاصي ازي مش فاكر معاملة خالتك لينا وازاي سابت جوزها الاول يتحكم فينا.
تنهد عاصي بشده وقال:
+ فاكر يا رنا مين قالك أن انا نسيت يومها ماما قاعدت تترجي خالتي أن تسيينا في مبنى الخدم يمكن تعبك هو اللي شفعلنا عندها.
التفتت رنا وحضنت اخوها وقالت بحنان:
+ وانت يا عاصي مقصرتش حفرت في الصخر و اشتغلت ودرست لحد ما وصلتنا الي احنا فيه فاكر اول مناقصة خلتها ماما يومها استلفت فلوسها من الست اللي كانت شغاله عندها و كانت فتحت خير علينا.
أطرق يده بشده في الحائط وقال بغضب:
– علشان كده بكره كل عائله روز هي اللي خلتنا نتذل كده ونحتاج لخالتك و جوزها اللي فضل متحكم فينا سنين و هو بيرمي لنا المتبقي منهم وهو بيتفضل علينا.
+ بس روز زمبها ايه في ده كله يا عاصي متنكرش أن قلبك رق ليها.
– انا حبتها حبتها قوي يا رنا بس كل ما شريط الماضي يطلع قدامي ببقي عاوز ادمر كل حاجة تفكرني بيه.
+ المهم يا عاصي انت هتعمل ايه مع هبه وماهر هتسبهم يبخوا سمهم كده وانت عارف انهم طمعانين فيك.
– مش عارف صدقيني مش عارف يا رنا انا مصدوم فوق ما عقلك يصور لك.
+ طيب يا قلب اختك اطلع نام دلوقتي وبكرة يحلها ربنا.
هز عاصي راسة فهو فعلا محتاج ياخد قسط من الراحة. صعد لأعلي وهو متلهف بأن يري معشوقته. تذكر ما حدث بينهم وأنها أصبحت زوجته. ابتسم و اخدها في أحضانه وذهب في نوم عميق.
استيقظ عاصي علي حركة من روز فكانت روز تتأمل معالم وجه وهو نائم ولكن شعرت بألم في ظهرها. فتح عاصي عينية وابتسم لها ووضع قبله علي جبينها و حملها اللي الحمام و ضعها مره اخري في حوض الاستحمام بماء دافئ وتركها وذهب غرفة رنا التي كانت مستيقظة تعمل تمرينات العلاج الطبيعي. قال لها مبتسما:
– صباح الورد علي اجمل اخت في الدنيا.
رفعت رنا عينها اتجاه أخاه مبتسمة وقالت:
+ صباحك بيضحك يا قلبي روز عاملة ايه بصراحة لقتكم نايمين كنت عاوزة اخش اطمن عليها.
– الحمد لله احسن هي في الحمام دلوقتي انا بس كنت عاوز فستان ولا تي شيرت وبنطلون لحد بس ما اجيب شنطتها من أوضتها.
ابتسمت رنا بحب وقالت:
بـس كده احلي فستان الأميرة روز وكمان بالتكت بتاعة متلبسش قبل كده.
+ انتي شكلك بتحبي روز قوي يا رنا عيونك بتلمع اول ما تيجي سيرتها.
– اه يا عاصي بحبها قوي بصرف النظر عن وقفتها جانبي وأنها ساعدتني علشان اقف ولا أنها وقعت مكاني وعرضت نفسها للخطر لاء ده كله في جنب و حبي ليها في جنب تاني طبعا اللي عملته معايا زاد حبها أضعاف جوايا.
ولكن أنا حبيت روحها الصافية أنها تساعد حد متعرفهوش.
صدقني هي حد من جوا جميل قوي.
ابتسم لها عاصي واخد منها الفستان ودخل غرفته وهو يشعر بمشاعر حب كبيرة. دخل الحمام وجدها في انتظاره لفها بالمنشفة وحملها.
قالت له:
:= علي فكرة أنا أقدر امشي انا حاسة بتحسن عن امبارح.
– الدكتور قال اسبوع يا روز من غير حركة انا طول الاسبوع ده اعتبرني المساعد الشخصي لحضرتك.
ضحكت روز ضحكة مرتفعة مما جعل قلبه يخفق بشده ولم يستطع التحكم في مشاعره ضمها يستنشق رائحتها بشده وهو يهمس لها بكلام يعبر فيه عن مدي اشتياقه لها واخدها معها لعالم الاحلام الخاص بيهم.
فاقوا علي صوت طرقات عالية علي الباب و اندفاع الباب مرة واحده ودخول هبه عليهم. سحب عاصي الغطاء عليهم سريعا قبل دخولها عليهم وقال بغضب:
+ في اية يا هبه. في حد يخش علي حد كده اتعلمتيها فين ديا.
جابت هبه بعجرفتها المعتادة و بتأفف:
– جري ايه يا عاصي انا خبط ودخلت كنت فكرتك لوحدك معرفش أن الهانم لما صدقت تلزق فيك.
ثم نظرت لروز بقرف وقالت:
– خلاص عملتي اللي كنتي بتحاربي علشان توصلي له رخيصه قوي بس الحركات دي متخلش علينا.
وبدأ صوتها يرتفع لأجل أسماع خالتها.
قال عاصي بغضب:
+ انتي اتجننتي في عقلك دي مراتي.
– مين يا عاصي مراتك اللي اتجوزتها تخليص حق اللي ابوها باعها ليك مراتك اللي كنت بتحلف تكسرها الحمد لله اديك كسرتها يلا بقا طلعها برا مبقاش ليها لازم.
ظلت روز تستمع لكلامهم و هي مغيبة مما يحدث حولها.
دخلت أمه علي صوتهم و طرقت علي صدرها دليل اعتراضها علي الوضع وقالت بشهقة:
+ يالهوي يا عاصي انت عملت ايه هو ده انتقامك لابوك ده ابوك وقع ميت قدامك علي باب المزرعة انت ناسيت بسببهم حصل فينا ايه كل ده نسيته مجرد ما واحده رخيصة شاروت لك ده انتقامك منها هو ده حقنا اللي قلت هترجعوا لي.
التفت روز الغطا حولها وقامت واقفة وقالت بصوت:
– = جهوري جميل قوي العرض المسرحي ده أداء باهر و متميز بس بعد اذنكم براااااااا الكل برا.
ثم جرت مسرعة تغلق الباب خلفهم.
التفت ليها عاصي بغضب وقال:
+ انتي ازاي تسمحي تكلمي امي بطريقة دي.
التفت له روز وقالت بسخرية:
= يا سلام احلف كده وانا لما اقتحموا عليا اوضة نومي وانا في وضع مينفعش حد يشوفوا لما تقال عليا رخيصة وانا اللي سحبتك كل ده ملوش اي اعتبار عندك.
+ خدي بالك صوتك بيعلي وانا واقف.
= معلش يا بشمهندس المرة الجاية هاخد بالي انت واقف و لا قاعد.
+ وكمان بتتريقي اعملي حسابك اخر مرة هسمح تعلي صوتك عليا أو تكلمي امي بطريقة. متعجبنيش مش هيحصل كويس وانفضلي خد شاور و البسي الفستان ده و القي الفستان علي وجهه.
تحاملت روز علي نفسها رغم الالم الشديد في ظهرها لأنها قامت واقفة فجأة. تجاهل عاصي ألمها وتركها بمفردها.
دخلت روز الحمام وانهارت في البكاء بشده و ايقنت أن كل ما فعله معها كان بدافع الانتقام وليس الحب. انتهت من حمامها مما زاد الالم ارتدت الفستان وكانت ساحرة الجمال رغم علامات الالم الواضحة عليها مسحت دموعها و خرجت رأسها مرفوع.
تجاهل عاصي النظر لها ودخل الحمام هو الآخر خرج ليجدها قد أكملت لبسها وفي قمة جمالها تجاهلها و قال:
+ يلا علشان ننزل نفطر تحت.
= مش عاوزة اكل شكرا انزل انت.
اقترب منها وقال وهو يجز علي أسنانه:
+ الكلمة تتسمع من مرة واحد لما قول يلا يبقي يلا اتفضلي قدامي مش عاوز جدال و عدي اليوم.
تحاملت روز علي نفسها ونزلت الدرج علي مهل و هو خلفها يحاوطها من بعيد خشية عليها أن تسقط.
نزلوا وجدوا الجميع متجمع علي السفرة. ابتسمت. رنا عندما رأت روز وقامت واقفة تحتضنها وتساعدها علي جلوس فقد تملك الالم أقصاه واحمر وجه روز بشده.
لاحظ عاصي تحمل روز الالم الشديد و اردك أنها قد تجاوزت الاحتمال. وضع أمامها الطعام و كوب اللبن ولكن لم تستطيع روز تحريك يدها من الالم. اقترب منها وبدأ يضع الطعام في فمها. نظرت له انها لا تريد ولكنه تجاهل نظرتها ووضع كم كبير من الطعام في فمها.
عندما رفعت هبه رأسها وجدت فم روز ممتلئ بالطعام قالت بسخرية:
– يا حرام يا روز لدرجة دي الايام اللي فاتت كنتي محرومة من الاكل مش قلتلك لما صدقتي وقعتي عاصي.
نظر لها عاصي نظرة غصب اخرصتها. ولكن روز لم تعطيها الفرصة وقالت بدلع مصتنع:
= انا بلعت يا حبيبي ممكن اشرب شوية لبن.
انتفض عاصي من الكلمة ولكنه ضحك بمكر فهو فهم روز اقترب منها و حاول أن يستغل الفرصة هو الآخر في القرب منها بدا يطعمها وهي تبتسم له بدلع شديد.
دخل عليهم محمد ليطمأن علي روز و رنا. ابتسم رنا فور رؤيته.
قال محمد و هو ينظر لرنا:
– لا سلام علي طعام.
رفع عاصي راسة وقال:
+ تعالي افطر حماتك بتحبك.
– لا تسلم انا سبقتكم انا بس كنت جاي اطمن علي رنا و روز.
قالت هبه بتهكم:
– لا اتفضل اقعد احسن روز تزعل زعل روز غالي قوي ولا ايه.
ثم التفت إلي روز وقالت:
يا خبر يا روز لو تشوفي خضت محمد عليكي لما وقعتي كان هاين عليه يحضنك ويجري بيكي علي المستشفي.
رفعت روز عينها فاهي تفهم جيدا ما تلمح له هبه وقالت:
,+ ما هو لازم يخاف عليا مش بمزاجه يا هبه انا ومحمد متربين مع بعض وفي حكم الإخوات.
ضحكت هبه بسخرية وقالت:
اه منا عارفة فحكم الاخوات بأمارت ما ظبتكم مع بعض.
احتدمت رنا وقالت:
= خير يا هبه ما تحسبي علي كلامك انتي واعية بتقولي ايه.
– جري ايه يا رنا هو حد كان جيه جانبك انا بقول اللي شوفته بعيني.
نظر لها عاصي بغضب وقال:
_اتفضل يا محمد اقعد عيب الاكل محطوط.
جلس محمد ونظر لروز وجد وجهها احمر وعلامات الالم تحتل ملامحها قال لها:
خير يا رورو مالك حاسة بأية.
شعرت رنا بنوع من الغيرة ولكنها اخفتها. ولكن لاحظت هبه غيرت رنا فابتسمت بخبث وقالت بسخرية وهي تضحك:
– ردي يا رورو مالك حاسة بأية.
لم تستطيع روز الرد عليها فقد تحملت من الالم مالم يستطيع أحد تحمله و نزلت دموعها دونه اراده منها.
قام محمد واقفا وقال بلهفة واضحة:
+ مالك يا روز في ايه شكلك مش طبيعي حاسة بأية يا حببتي.
قامت هبه واقفة وقالت:
لا ده كده بقت خل خالص بصراحة أنا متشوفتش بجاحة كده طيب اعمل اعتبارا أن جوزها موجود حاولوا تدارو اللي انتم فيه.
ثم التفت اللي عاصي تبخ سمها وقالت بأسلوب ناعم:
مش قلتلك يا عاصي أن اكيد بنهم حاجة و الوصية هي اللي خلتها تتجوزك شوف بقا بيرتبوا علي ايهاكيد متفقين ياخدوا فلوس روز و يخلصوا شرط الوصية و يرجعوا لبعض ده اكيد دول حتي مش عارفين يداروا مشاعرهم قدام اي حد.
قامت رنا وقد تملكتها الغيرة وجرت مسرعة.
سيطرت الغيرة أيضا علي عاصي ولكنها لغت تفكيره.
قام عاصي يوجه كلامة نحو روز ويقول بعنف:
= الكلام ده صح جاوبي اللي بتقوله هبه ده صح.
ظلت روز صامته و الالم ينهش في ظهرها. ولكن عاصي فسر سكتها خطاء وقال دون أن يفكر:
روز انتي طالق.
رواية مزرعة الغضب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نرمين قدري
قام عاصي يوجه كلامه نحو روز ويقول بعنف:
= الكلام ده صح؟ جاوبي، اللي بتقوله هبه ده صح؟
ظلت روز صامته، والألم ينهش في ظهرها.
ولكن عاصي فسر سكتها خطأ وقال دون أن يفكر:
روز، انتي طالق.
تكهرب الجو وسادته حالة من الصمت والذهول. حتى رنا لم تستطع صعود الدرج مما فعله عاصي.
انفعل محمد بشدة واقترب من عاصي وقال له بحده:
- انت اتجننت؟ انت عارف عملت إيه؟ انت عارف روز تبقالي إيه؟
ولكن نطقت روز بغضب:
+ محمد، اسكت خلاص. من غير ولا كلمة وتعال ساعدني علشان أخرج من هنا.
نظر محمد بغضب لعاصي وساعد روز في الخروج.
وفجأة وقفت روز وقالت بصوت مجهد وعلامات الألم واضحة عليها:
+ اعتبر يا بشمهندس الوصية انتهت. أنا هتنازل عن حقي في المزرعة والفلوس وحلال عليك المزرعة. ألف مبروك.
خرجت روز وهي تحاول الصمود والتماسك.
اقترب منها محمد وقال لها:
- ليه يا حبيبتي مادفعتيش عن نفسك وقولتي إننا إخوات في الرضاعة وإن أمي هي اللي ربتك معايا؟
مسحت روز دموعها وقالت:
+ الدفاع عن نفسي لوحده إهانة ليا. أنا لما أقف أدافع وأبرر يبقى أنا غلطت، وأنا مغلطتش. ده واحد مريض نفسه ينتقم من اللي حصلهم زمان بأي طريقة، وكأن انتقامه مني هيرجع اللي حصل زمان. سيبه، يمكن ده يهبطه. هو كده ولا كده مش هيفرق معاه الكلام ده. بص يا محمد، أنا عاوزة أسيب المزرعة النهاردة ومش عاوزة حد يعرف طريقي.
- طيب ماشي يا روز، بس بشرط تيجي عندنا البيت. ماما هتفرح لما تشوفك.
تنهدت روز وقالت:
+ لأ طبعًا يا محمد. أنا أصلًا هسيب هنا خالص وأنزل مصر ومش عاوزة حد يعرف طريقي.
- هتعملي إيه في مصر يا وزو لوحدك؟
+ هقطع إجازتي وأرجع أدرس في الجامعة. مش أنا أخدت إجازة علشان بابا كان معترض أن أعيش في مصر لوحدي والمزرعة كانت وقتها محتاجاني؟ أهو جه الوقت اللي أقطع فيه الإجازة.
وفي الداخل شعر عاصي أنه اتسرع في الحكم عليها. ولكن...
اقتربت منه هبه وهي تضحك وتكاد تطير من الفرحة وقالت:
= برافو عليك يا عاصي. واحدة زي دي ما كانش ينفع تشيل اسمك، بجد برافو.
أرجعت رنا وهي مازالت في حالة ذهول مما حدث.
ووجهت كلامها نحو هبه:
+ انتي إيه؟ انتي شيطان مش بني آدم. كفايا بقى السم اللي عمالة تبخيه. ارحمينا بقى من شرك. اتقي الله.
قالت أمها بغضب:
_ رنا، انتي اتجننتي؟ انتي إزاي تكلمي بنت خالتك بالطريقة دي؟
قالت رنا بغضب وقد انسابت دموعها:
+ إيه هي الطريقة اللي تحبي أكلم بيها جناب البرنسيسة؟ كنتي زمان بتفضليها عليا، وكنت بقول يمكن علشان إحنا عايشين عندهم. لكن لحد دلوقتي لسة بتفضلي هبه عليا ليه؟ اديني سبب واحد يخليكي تعمليني كده ليه يا أمي؟ رغم ظروفي اللي الكل عارفها، درست وأخدت شهادة وده لولا تشجيع عاصي ليا. إني هقدر والعجز مش هو اللي رشاقة بيعلق عليها الفاشل فشله، وعافرت واتخرجت، وحضرتك برضوا مش شايفة غير هبه. حرمتيني أفرح بنجاحي وتخرجي علشان هبه بتعيد الثانوي العامة للمرة الثالثة غير سنتين مأجلة، وكأن ده عقاب ليا، وحتى مبروك مقلتهاش ليا.
ثم التفتت نحو عاصي وقالت بغضب ولاول مرة تثور فيه:
- وانت يا عاصي، بقيت خلاص كلمة توديك وكلمة تجيبك. أي حد يقولك حاجة تصدقها من غير ما تتحقق منها. وانت عارف ومتأكد إن هبه بتشعللها، ليه تديها الفرصة؟ افهم بس ليه؟ وانت متأكد إن روز مش كده. ليه يا عاصي تكسرها؟ ما محمد كان تقدمها من زمان، لو كانت عايزاه كانت اتجوزته. إيه اللي هيخليها تصبر كل ده؟
ظل عاصي ملتزم الصمت وكأنه مغيب عن الواقع ولا يريد تصديق ما حدث.
ذهب رنا نحوه وبدأت تهز فيه:
- اديني سبب واحد يخليك تعمل كده. شوفتهم بعينك؟ سمعت أي مكالمة بينهم؟ رد عليا يا خويا يا كبير يا عاقل.
جلس عاصي مكانه وهو في حالة صدمة:
+ غيرتي عمتني. احساس الغيرة مميت يا رنا. مستحملتش لما قالها يا حبيبتي، ومتنكريش انتي كمان غيرتي. أنا حبيتها لدرجة إني بغير من الهوا اللي بيعدي.
قالت رنا:
- منكرش إن غيرت، بس ده للحظات وفقت لنفسي ومتهورتش زيك. غيرة طبيعية، لكن انت لغيت كل المنطق والعقل، وغيرتك اتحكمت فيك.
و في الخارج ساعد محمد روز في الخروج من المزرعة والسفر لمصر.
خرج عاصي مثل المجنون يبحث عنها ولم يجدها. دخل غرفتها لم يجد حقيبتها. رجع الفيلا ودخلت غرفته وهو في قمة غضبه من نفسه. لاحظ وجود هاتفها، فتح الهاتف وظل يقلب في الصور. لاحظ صور كثيرة تجمع محمد وروز منذ طفولتهم وكأنهم تؤام، ومراحل دخولهم المدرسة ثم الجامعة، وصور كأنهم أخوات وليست عشاق. وتوقف عند صورة له قد التقطتها له دون أن يعلم.
اتصل عاصي بالمحامي ليستفسر منه على درجة قرب محمد من روز، ولكن كانت الإجابة صادمة. محمد أخو روز في الرضاعة. أم روز أصيبت بحمى النفاس وتوفاها الله، وكانت أم محمد تعمل لديهم في الفيلا، فاخدت روز واعتبرتها مثل محمد وأرضعتهم سوا وساروا مثل التؤام.
ظل عاصي يخبط على رأسه من الندم.
ولكنه جرى مسرعًا إلى المأذون يسأله عن كيفية رد اليمين. ونفع بالفعل ردها غيابيا وأصبحت روز زوجته مرة أخرى. ولكنه أخفى ذلك الخبر ليعرف ما تنوي عليه هبه. وقد استحلف لها هذه المرة.
مر أسبوعان على هذا الحدث ويحاول عاصي الوصول لروز والاتصال بمحمد، ولكن دون جدوى. لم يجيب محمد على اتصال، وهذا بأمر من روز.
وفي مصر بحث محمد عن شقة قريبة من عمل روز وذهب معها إلى الكلية لقطع إجازتها. وبدأت روز تتحسن يوم عن يوم وبدأت تمارس عملها دون أن تفكر، وعاشت جسد بلا روح.
عاد محمد إلى المزرعة بعد أن اطمأن على روز ووضعها. ولكن لاحظت بعض الإجهاد عليها.
علم عاصي برجوع محمد وذهب إليه.
وقف عاصي أمام محمد وقال:
+ أنا آسف. أنا عارف إن غيرتي عليها عمتني واتسرعت.
رفع محمد عينه وقال:
= آسف دي تقولها لما تخبط رجلك بالغلط. محدش فينا بيحب يخسر حد كان عزيز عليه في يوم من الأيام. لكن الأفعال هي السبب ولكل واحد فينا طاقة وقوة تحمل. فينا اللي بيعاتب، وفينا اللي بيتجاوز وبيعدي الموضوع من غير عتاب وبيخلي حزنه وحرقة دمه بينه وبين نفسه. لكن تكرار الغلط مرة بعد مرة بيخلي الشخص ده يتقفل منك، ويستخسر فيك العتاب ويشتري راحته ويفضل أنه يسكت ويقول هتعدي. بس ياترى سألت نفسك وهي بتعدي بتاخد إيه معاها؟ أخدت إيه منك يا عاصي؟ واللي أخدته هتعرف أنت ترجعه تاني.
آسف دي متقولهاش ليا. قولها للي كسرتها مش أنا. أنت اتجوزتها وانت مخطط تكسرها علشان تاخد تارك من اللي جدها عملوا زمان فيكم، وأديكم خلاص خلصين وهي سابتلك الجمل بما حمل.
أصعب ست ممكن تتعامل معاها في حياتك هي اللي ما يفرقش معاها الفلوس. اللي مش هتعرف تبهرها بهدايا ولا فارق معاها عربيتك ولا لبسك ولا ماركة ساعتك. واللي مش هتعرف تعاقبها لما تحرمها من ماديات ولا هتعرف تصالحها وترضيها بالغالي!
كل اللي هيشغلها منك معاملتك وتقديرك لها. وقت الشدة لقيتك ولا دورت عليك. فضلتها على الناس ولا فضلت عليها حد. اشتريت خاطرها ولا كسرته. ولما احتاجتلك كنت فين؟ معاها ولا بعيد؟ في حزنها احتويتها ولا سبتها تعدي أزمتها من غيرك؟
دي الحاجات اللي بتفرق معاها وكل احتياجاتها عاطفية ومعنوية وبتقدر تحسها وتستشف إن كانت مشاعرك حقيقة ولا لأ.
الست دي ملهاش ماركة وملهاش دراع يتلوى. زعلها سهل ورضاها أسهل. بتزعل لما ظنها يخيب فيك وبتسيبك تكمل وتديك فرصة تبني سور ورا سور بينكم.
ومع كل موقف بتبعد نفسيا عنكم فجأة تلاقي نفسك مع حد ما تعرفهوش!
هي ما اتغيرتش، هي بس مبقتش محتاجالك. وفجأة ومن غير مقدمات ولا تبريرات بتختفي وبلا رجعة.
ومهما حصل...
وانت للأسف خسرت روز. عارف يعني إيه روز تسيب هنا وتمشي كأنها بتنزع روحها من جسمها؟ وطالما هي عملت كده اتأكد إنها مش راجعة تاني مهما عملت.
رواية مزرعة الغضب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نرمين قدري
قال عاصي وقد تملكه الحزن وهو يعلم أن كل كلمة قالها محمد كان محق فيها ولكن لا يعلم ماذا يفعل:
- روز فين يا محمد علشان خاطر روز عندك قولي هي فين وعملت إيه في الأسبوعين دول وظهرها عامل إيه كان شكلها تعبان أوي وهي خارجة من هنا أنا عاوز أطمن عليها بجد القلق هيموتني صدقني يا محمد أنا أول مرة أندم الندم ده ممكن بقى تقولي على مكانها هي فين؟
- معرفش ومتحاولش علشان مش هقولك هي فين.
- بس روز مراتي وأنا من حقي أعرف مراتي فين.
- كانت مراتك أنت شكلك بتنسى إنك رميت عليها يمين الطلاق قدموا كلنا وبطريقة مهينة زي اللي تكون عاملة عامله أنت أهنت كرامتها وكبريائها قدام الكل.
- لا يا محمد أنا رجعت روز لعصمتي اليوم اللي مشت في من هنا روز مراتي ومخرجتش من ذمتي ساعة واحدة هي راحت فين أنا لازم أرجعها وأرجع ليها كرامتها اللي راحت.
- وأنا آسف يا عاصي معنديش تصريح إن أقولك مكانها بعتذر منك.
وفي مكان آخر رن هاتف هبة نظرت حولها تتلفت يمين ويسار وذهبت إلى الحديقة تتحدث:
- أيوة يا ماهر بتتصل ليه مش قلتلك متتكلمش هنا غير الضرورة أنت مصمم نتكشف ولا إيه حكايتك أنا لما صدقت بدأت أصلح الأوضاع هنا وخلاص عاصي بقى ملكي.
قال ماهر بملل:
- الموضوع باخد قوي يا هبة وطول زيادة عن اللزوم أنتي عاوزة فلوس عاصي وعاوزة المزرعة عاملة ترتبي وتخططي تخلصي من رنا وخالتك ازاي وحكايتك مطولة أنا بقى مالي بده كله شغلي متعطل لحد حضرتك ما تحققي أحلامك اللي شبه مستحيلة وأنا تحت رحمتك أنا بقى مليش دعوة بلعك بتاعك ده كله كل اللي أنا عاوزة ورق المناقصات اللي هو دخلهم خشي المكتب وصوري الأوراق دي خليني أخلص أنا شغلي كله واقف وفرصة أن عاصي دلوقتي مشغول بيدور على السنيورة ومش فايق للشغل هو ده الوقت اللي نضرب في ضربتنا وأرجعه يشحت تاني والمزرعة تبقى بتاعتنا وكل حاجة يمتلكها عاصي هتكون بتاعتي.
- ياسلام يا ماهر أديك اللي أنت عايزه وبعدين تخلاص بيها يا بابا أنت بتحلم مافيش ورق غير لما أخد أنا الفلوس وأتجوز عاصي وأبقى صاحبة البيت ده.
- هبة أنتي أكيد مجنونة أنتي علشان بال متحققي كل أحلامك دي أنتي محتاجة الفانوس السحري علشان يحققها أكون أنا خسرت كل المناقصات يا هبلة افهمي بعد كده مش هتكوني محتاجة تتجوزي عاصي علشان أنا أصلاً هاخد منه المزرعة وكل حاجة بيمتلكها بمجرد ما عرف المناقصات اللي داخل فيها أنا هاخد منه كل التعاقدات.
- وأنا إيه اللي يضمن ليا أن بعد ما أديك ورق شغله هتكتب المزرعة باسمي؟
- أكتب إيه يا ختي باسمك أنتي عبيطة ولا شكلك كده بقى أنا بقالي سنين بشتغل تحت أيده وأخطط علشان المزرعة تكون باسمك.
- أمال أنت كنت فاكر إيه أنا مستحملة العيشة هنا وسط البهائم والريحة المؤذية ومستحملة رنا وقرفها ولا الحيوانة الكبيرة بتحكمها وعاصي اللي فاكر نفسه جاب الديب من ديلة وكأنه لما أخد المزرعة امتلك الكون ليه علشان بعد كل ده المزرعة ما تتكتبش باسمي بقولك إيه يا ماهر اتقي شري أنا لا ليا عزيز ولا ليا غالي أنا استغنيت عن ابني اللي في بطني بحبيتين دوا ولا تهز لي رمش يعني ممكن أستغني عنك بكلمتين لعاصي تلاقي نفسك برا حياته كلها صيحيح مش هنكر إنك ساعدتني كتير لأنك عارف أسرار عاصي كلها وعرفتني اللعب على نقط ضعفه بس ده يا حبيبي مش مبرر فا خدها مني نصيحة بلاش تلعب معايا أنا علشان اللي عاوزة بخده حتى لو غصب وأدي أول واحدة غارت من المزرعة الدور على رنا هي كده ولا كده قلبه لنا حزن ونكد مش هتاخد في إيدي غلوة ولو صلت إن أموتها مش هتردد في داهية بقى ملهاش لازمة أصلاً والحيوانة مكانها محفوظ وعاصي بعد الجواز ديتها أكله حلوة بقليل من السم وباي باي عاصي وتخلص الحدوتة البائخة دي وأكون ارتحت من العيلة دي بقى.
هدّ ماهر بضيق وقال:
- يااااه على السواد اللي جواكي ربنا يكفينا شرك بس أنا هموت وأعرف ليه الكره ده كله لخالتك وأولادها مع أن أنا معاهم من زمان وشوفتهم قد إيه بيحبوكي ليه يا هبة كل الكره ده رغم أن ظروفك طول عمرها أحسن منهم طول عمرك بتاخدي اللي أنتي عايزاه.
نظرت هبة للفراغ وعلامات الحقد والكره تخرج من عينيها وقالت بغل:
- أمي وخالتي أختين توأم خالتي حبت جوزها رغم أن ظروفه ماكنتش قد كده لكن كان عنده حنان وحب يكفي العالم أمي لما شافت ازاي جوز خالتي بيحبها غارت منها وحاولت تاخده لنفسها ولكن هو صدها كان بيحب خالتي قوي بدأت توقع بينهم وتحسسها بظروفها والنقص اللي عندها لكن خالتي الحب كان مغطي عينيها عن أي حاجة نقصاها أمي صممت تتجوز حد غني علشان تفضل تزل في أختها وتحسسها بعجز جوزها وفعلاً اتجوزت أبويا من غير حب مجرد بنك وبس بيصرف وهو حس بكده وبدأ يعملها بجفاء لأنها كانت حامل فيا ومكنش ينفع يطلقها كانت أمي عندها كل حاجة بس ماكنتش راضية بحالها وكل مرة تشوف خالتي تحسسها إنها أحسن منها ولكن كانت شايفة معاملة جوز خالتي وازاي بيتعامل مع أختها وإيه كمية الحب الاهتمام رغم ظروفهم وأنا كمان كبرت على كده شايفة إن رنا متفوقة عليا في كل حاجة حتى حب أبوها ليها أول ما تولدت كان فرحان بيها كأنه جاب نجمة من السما رغم أنه أصلاً ماكنش حتى عارف يجيبلها اللبن بتاعها كان حته جنايني حقير شغال في مزرعة جد روز رنا رغم إنها قاعدة على كرسي متحرك وأنا كنت برمي ليها هدومي القديمة علشان تلبسها قدرت تنجح وتخش كلية العلوم وأنا هبة هانم اللي عندي كل حاجة والخدم تحت رجلي معرفتش حتى أخد ثانوي عام أبوها كان بيحبها وأنا بابا شايفني غلطة حياته بسببي هو عاش مع أمي بطبعها ده عشر سنين أجبر إنه يستحملها ويستحمل طمعها علشاني فكان دايماً بيعاملني كنت أنا السبب في اللي هو فيه حتى بعد ما تقلبت حياة خالتي وجوزها مات دي كانت الضربة الكبيرة ليها حزنت عليه حزن أنا عمري ما شوفته علشان كده هي بتكره روز وبتكره أي حاجة تفكرها بجوزها واللي حصلة سودت حياة روز وده كان في مصلحتي عرفت ليه بكرهم علشان أنا رغم أن أنا عندي كل حاجة بس معرفتش أخلي أبويا يحبني معرفتش أخلي عاصي يحبني معرفتش حتى أخد شهادة ورنا رغم عجزها أخوها كان ظهر ليها كان معها في كل خطوة رغم ظروفهم اتحدوا مع بعض وخالتي اشتغلت وعاصي اشتغل وبدأ أول مناقصة ليه حتى البت العاجزة كانت شغاله من البيت عن طريق النت كان نجاحهم يوم بعد يوم بيزود كرهي ليهم بقى البت العاجزة تاخد شهادتها وأخوها بيحبها كررت أخد منها أهم حاجة حضن أمها منها وخليت خالتي تحبني أكتر منها بقيت أملي ودان خالتي من ناحيتها واقولها أنا بحبك أنا اللي هشرفك قدام الناس أنتي دلوقتي غير زمان أنتي محتاجة بنت تكون قدام الناس وهي من كتر ما هي طيبة بقت تصدقني وتعمل كل اللي قلت عليها هبلة بقى متعرفش إن أنا أول واحدة هبعها مكانها في دار المسنين محجوز من سنة هبلة بقى ربنا يعنها تتحمل نتيجة طيبتها.
وفجأة فاقت عليها قلم يهوي على وجهها بشدة التفتت هبة لتجد خالتها قد سمعت كل المكالمة الهاتفية نظرت لها خالتها والدموع تنهمر من عينيها وقالت:
- ليه ليه أنتي أنا فضلتك على أولادي ليه يا هبة أنا خربت بيت عاصي علشان تكوني أنتي مراته كسرت فرحة رنا علشانك ليه يا هبة أنا كنت معتبراكي بنتي ليه الكره ده كله؟
قالت هبة بصوت جهوري:
- علشان كل نجاح ليكم بيحسسني إزاي أنا فاشلة نجاح رنا بيوريني خايتي رنا العجوزة بقت معاها شهادة وأنا لأ رنا اللي كانت بتاخد حاجتي بعد ما زهقت منها وأرميها كل اللي يشوفها بيحبها وأنا هبة هانم محدش شايفني أصلاً.
قالت رنا من خلفها:
- وأنا عمري ما حسستك بده أنتي اللي كل مرة كنتي متعمدة تحسسيني بعجزي وأنا ماكنتش برد عليكي ولا بقولك بتقولي إيه ولا بتعملي كده كنت بصبلك وأسكت.
اقتربت منها هبة بغل وقالت:
- علشان اللي زيك مش لازم بعيش أنتي لازم تموتي علشان أنتي مش أحسن مني لازم تموتي موتي.
وبدأت تحاول أن تخنق رنا من عنقها تحت صراخ أمها جري عاصي ومحمد عليهم محاولين انتزاع هبة من على رنا التي كانت تسعل بشدة.
احتضن عاصي رنا وقال لها بخوف شديد:
- حبيبتي أنتي كويسة فيكي حاجة؟
هزت رنا رأسها أنها بخير.
التفت عاصي نحو محمد وقال:
- خد رنا وماما من هنا يا محمد.
محمد كان يمسك هبة حتى لا تفلت منه قال محمد وهو ينظر اتجاه عاصي:
- ناوي على إيه يا عاصي بلاش تعمل حاجة تضيعك.
قال عاصي وهو يأخذ هبة من يد محمد:
- متقلقش عليا أنا هعمل الصح اللي كان مفروض يتعمل أنا بقالي مدة مراقبها ومسجل كل مكالماتها مع الحيوان التاني اللي زمان الشرطة قبضت عليه خلاص.
وأخذ هبة وحبسها في زريبة الحيوانات وأغلق عليها النور وسط صراخها تركها وسط الحيوانات ثلاثة أيام بدون طعام أو ماء كادت تختنق من الرائحة الكريهة المنبعثة منها ومن الحيوانات.
اتصل عاصي بمصحة نفسية وأحضرت سيارتها وأخذت هبة.
وفي القاهرة اندمجت روز وحياتها الجديدة وبدأت تتأقلم عليها عجبها شغل التدريس في الجامعة اختلفت حياتها عن حياة المزرعة بدأت تهتم بملابسها وشكلها الاجتماعي وكانت محل إعجاب لكثير من زملائها ولكنها كانت تتجاهل نظراتهم مر شهر وروز تعمل وآخر اليوم ترجع منزلها تغلق بابها وتستعيد ذكرياتها ولكن كل يوم تشعر بإجهاد شديد قررت الذهاب إلى الطبيبة لمعرفة سبب الإجهاد المستمر ولكنها أخبرتها بخبر حملها.
رواية مزرعة الغضب الفصل العشرون 20 - بقلم نرمين قدري
وفي القاهرة اندمجت روز وحياتها الجديدة وبدأت تتأقلم عليها.
عجبها شغل التدريس في الجامعة، اختلفت حياتها عن حياة المزرعة.
بدأت تهتم بملابسها وشكلها الاجتماعي، وكانت محل إعجاب لكثير من زملائها، ولكنها كانت تتجاهل نظراتهم.
وفي يوم طلب زميل لها في العمل التحدث معها.
اقترب منها زميلها مبتسما وقال:
+ صباح الخير دكتوره روز، ممكن عاوز حضرتك في كلمة.
نظرت له نظرة تفحصيه وقالت:
- خير يا دكتور؟ نعم يا إبراهيم.
رفع الدكتور حاجبيه وقال:
+ أنا معجب بحضرتك وعاوز أتقدم ليكي.
عدلت روز نظارتها الطبية وقالت:
- سوري يا دكتور، أنا مش بفكر في الجواز. عن إذنك.
قطع طريقها وقال:
+ بس أنا يا دكتوره مش هيأس وهفضل وراكي لحد ما توافقي عليا، علشان أنا معجب بيكي بشدة.
نظرت له روز باستغراب وتركته ومشت وهي تحدث نفسها عن مدى اختلال عقله، وأن أكيد مجنون.
مر شهر عليها وهي تعمل طول النهار في الجامعة، وآخر اليوم ترجع منزلها، تغلق بابها وتستعيد ذكرياتها وتحن للمزرعة ولعاصي.
ولكن سرعان ما ترجع تستعيد توازنها من جديد.
ولكن كل يوم تشعر بإجهاد شديد.
قررت الذهاب للطبيبة لمعرفة سبب الإجهاد المستمر، ولكنها زفت لها خبر حملها.
تلقت روز خبر حملها، ولكن لا تستطيع تحمل الخبر.
ظلت صامته، لا يوجد رد فعل.
ظلت الدكتورة تتحدث معها على كيفية الطعام والعلاج، وروز في عالم آخر.
لا تدري ماذا ستفعل؟ هل تجهض طفلها وتقتله بيدها؟ أم تبقى له الأم والأب في آن واحد؟
هل تخبر عاصي بطفلهما أم تحرمه من هذه الفرحة وتحتفظ بها لنفسها؟
تشابكت الأفكار كثيراً في رأسها.
انتبهت أنها ما زالت في عيادة الطبيبة.
اعتذرت منها واستأذنت.
ظل روز تمشي دون أن تدري ماذا تفعل.
أخذت هاتفها واتصلت على محمد.
قالت له وهي تحاول أن تخفي قلقها، ولكن صوتها كان يعلن عن وقوع مصيبة.
كان محمد ما زال مع عاصي عندما رن هاتفه.
نظر محمد لهوية المتصل ولم يجب، ولكن روز ظلت ترن.
ولكن عاصي توقع أنها المتصلة من عدم رد محمد على الهاتف.
قلق محمد لأن مش بعيد روز الإلحاح في الاتصال.
أخذ التليفون وذهب بعيداً عن عاصي، ولكن ظلت عيون عاصي متابعة.
وفور أن استدار، ذهب عاصي مسرعاً ليستمع ماذا يقول، ومثل ما توقع كانت المتصلة روز.
سمع محمد يقول لها بخوف:
- صوتك ماله؟ فيكي حاجة مش طبيعية.
قالت روز وهي تحاول أن تخفي شعورها بالقلق:
= انت جاي إمتى يا محمد؟ محتاجك ضروري.
- هيجيلك بكرة. بعد ما تخلصي شغلك في الجامعة هتلاقيني مستنيكي على الباب. المهم انتي كويسة، صوتك فيه حاجة مش مظبوطة.
شعر عاصي بقبضة في صدره عندما علم أن في أمر ما يخص معشوقته.
ولكن اسم الجامعة رن في أذان عاصي وتذكر عندما قالت له روز في إحدى المرات وهي بتتخانق معاه أنها سوف أرحل من هنا وأرجع شغلها في الجامعة.
لم يكتب عاصي خبر، ومع ظهور أول ضوء سافر القاهرة.
دخل الحرم الجامعي وسأل عليها.
دخل عاصي عليها دون استئذان وهي تجلس على مكتبها في الكلية.
يتقدم منها ويقول بهمس:
- وحشتي قلبي يا وردتي.
ترفع روز عينيها فور سماع صوته وتنظر له بعينين دامعتين غير مصدقة، وهي صامته وقلبها يخفق بشدة.
يبتسم عاصي شبه ابتسامة ويخفض عينيه لأسفل ويقول:
- مبروك يا روزتي.
تستغرب روز وتظهر علامات القلق عليها، ويخفق قلبها.
تخشي أن يكون علم بخبر حملها.
تفتح عينيها ثانية وتقول باستهزاء:
- مبروك على إيه؟ معلش يا بشمهندس.
يجلس عاصي يضع ساق فوق الأخرى ويقول مازحاً:
= ببارك لنفسي نيابة عنك.
ترفع روز حاجبها مستعجبة:
- أنا ما أعرفش عنك حاجة يا باشمهندس. تخليني أبارك لك؟ خير، كملت عقد جوازك من هبة ولا إيه؟
- لازم تعرفي أنه ما حصلش أصلاً ولا عمره هيحصل، وهبة خرجت من حياتنا للأبد. المهم إن مزرعتنا أخدت شهادة دولية وبقت من أشهر المزارع الموجودة من حيث الجودة.
تقول روز باستخفاف:
- حصل محصلش، مش فارقة. أعرف بقى إيه المطلوب مني.
يقف عاصي يقول وهو ينظر داخل عيونها التي افتقدها، يشده وهو يكمل كلامه، وتعمد يتجاهل نبرة السخرية:
= ومش أنا بس، محمد كمان وتقريباً كل الموظفين في المزرعة. كلنا بصراحة عملنا مجهود جبار.
تضحك وتقول بسخرية متعمدة:
- طيب ليه عاوزني أبارك لك انت بشكل خاص؟ ما الموظفين كلهم معاك، يعني حاجة عادية، وأكيد ده حصل بفضلهم كلهم مش اجتهاد شخصي منك.
زفر أنفاسه، وقد علم أنها لن تلين بسهولة.
قال محاولاً احتواء قلبها الذي يعلم جيداً أنه السبب في تهشيمه:
= ما انتي لو كنتي شفتي الرسائل اللي بعتها لك ما كنتيش قلتي الكلام ده، كنت عرفتي أنا تعبت قد إيه وإيه اللي حصل لي عشان أقدر أوصل لكده، وإزاي غيابك المفاجئ.
أقطعت كلامه روز بحدة:
- بشمهندس عاصي، لو سمحت أنا ما فتحتش ولا رسالة من رسائلك، أو بمعنى أصح ما كنتش بكمل أول سطر من الرسالة وبمسحها. كان أول سطر فيها كفاية عشان أكرهك وأكره اللي فيها.
كانت تحاول جاهدة أن تصد أي مشاعر يحاول أن يرسلها لها، فهي أعلم الناس بقلبها، فهي تخشى أن يحن له.
فقالت بحدة لإنهاء الحوار:
- بص بقى يا باشمهندس، اختصار لأي كلام عاوز تقوله يوفر وقتي ووقتك، عشان أنا أصلاً ما عنديش وقت أضيعه معاك. وجودك دلوقتي ما بيعنيش ليا. وجودك هنا بيخنقني، بيفكرني بمرحلة تافهة سقطت من حياتي، مرحلة كنت بندم فيها على سذاجتي وعلى هبلي.
ينظر لها عاصي بحدة ويقول وهو يأخذ نفس عميق، فهو يعلم أنه في حرب صعبة:
= أنا مش جاي أعتذر أو أطلب الصفح. أنا معترف إني ارتكبت في حقك جرم، عارف إنه أكبر من أي محاولة للغفران. أنا جاية أقول لك متشكر.
تضحك نصف ضحكة:
- أنا ما عملتش أي حاجة ممكن تشكرني عليها.
= دلوقتي جايز، لكن زمان عملتي، وعملتي كتير قوي. علاجك ليا، كفاية إنك غيرتي نظرتي للحياة.
تضحك روز بشدة حتى تدمع عينيها وتقوله وهي تنظر له بعين ممتلئة بالدموع:
- ياااه، انت لسه فاكر اللعبة البايخة دي؟
يقطع عاصي كلامها مسرعاً ويقول بلهفة:
= ما كانتش لعبة يا روز، ما كانتش لعبة. عمر اللي عملتيه معايا أو مع رنا ما كان أبداً.
تقطع روز كلامه بصرامة وتقول:
- لا، كانت لعبة زي لعبة الاستغماية، وانت بصراحة لعبتها معايا بمنتهى الحقارة، وما قصرتش، عملت معايا كل حاجة وما قصرتش يا باشمهندس.
يقول عاصي بصوت نادم:
= مش هقول لك حاجة أو هعرضك عشان معترف بغلطتي، مع أن اللي حصل غصب عني خارج عن إرادتي. لو كنتي صبرتي أو شوفتي رسائل كنتي عرفتي إن ماليش يد في اللي حصل. أنا كنت زمان حاطط شروط لقبي في الحب، لكن انتي كسرتي كل القواعد والشروط.
تضحك روز بشدة وتقول بسخرية:
- مافيش حب مشروط، الحب باكدج على بعضه، يا أحبك زي ما انت، يا ملهوش لازمة. الحب من الآخر لازم أحبك بعيوبك كده. لو حطيت شروط يبقى هتجمل عشان أعجب، وده مش حب، ده إعجاب. مافيش شروط في الحب يا بشمهندس.
= بس أنا اتغيرت، وانتي اللي غيرتيني. صحيح انتي دفعتي ده ودفعتي ثمنه غالي جداً، بس أنا كمان دفعته زيي زيك بالضبط.
ثم ترتفع نبرة صوته دون إرادة منه محاولاً أن يجعلها تصدق ما يقول:
حسرتي على ضياعك مني خلتني أراجع نفسي كويس قوي. اكتشفت إني كنت أناني، مش بفكر غير في نفسي وانتقامي. بس أقسم لك يا روز، أنا اتغيرت وندمان على كل لحظة ضيعتك من إيديا، ندمان على كل حاجة عملتها معاكي.
ثم اختنق صوته فجأة وهو يحاول جاهداً أن ينال رضها ويحاول يستسمحها قائلاً:
= وجاي دلوقتي أستسمحك وأقول لك يا ريت تسامحيني على غيابي عنك. أنا عارف إن المفروض أجلك من أول يوم وأشرحلك، بس دورت عليكي كتير. حتى موبايلك سبتيه في المزرعة، لولا رسائل اللي كنت ببعتها على حسابك على الفيس، وكمان محمد مرضيش يقولي مكانك لحد ما كنت براقبه زي ضله، وكنت عارف إنه أكيد هيجيلك.
أنا عمري ما هنسى فضلك عليا. أنا كنت معيش نفسي جوه صدفة، حاجب عني أي نور. الصدفة دي انتي كسرتيها. صحيح جرحتي إيدك وسيحتي دمك، لكن ألمك ما راحش هدر.
ثم نظر في عينها محاولاً اكتساب عطفها وقال بنفس نبرة الصوت:
انتي عملتي مني إنسان جديد، إنسان بقى يحس بكل اللي حواليه. بقيت إنسان بمعنى الكلمة، بيحس بالناس وبيقدر. كنت ظالم نفسي وظلمت رنا لما كنت معيشها داخل القوقعة، قافل على نفسي وادفنها مع ذكرياتي. وجبتي انتي كسرتي القوقعة وخرجتيني أنا وهي منها.
ثم اقترب منها أكثر وقال برعشة:
انتي صنعتي المستحيل يا حبيبتي، من واحد كان هدفه الانتقام وبس، لوحد عرف يحب الدنيا والحياة من جديد.
قطعت كلامه روز بحدة لإنهاء الحوار وقالت:
- مبروك يا بشمهندس. مش ده اللي كنت عاوز تسمعه؟ اديني قلتها لك.
ثم حاولت جاهدة أن تخفي دموعها وتأثرها بكلامه وتصنعت القسوة:
- بس أنا كمان اتغيرت. ما عدتش روز اللي عرفتها. روز البنت البريئة الساذجة اللي أبوها مات وساب لها وصية غيرت كل حياتها. أنا اتغيرت كتير. روز اللي انت ذبحتها ماتت في نفس الليلة اللي انذبحت فيها. اللي قدامك دي روز أستاذ الجينات الوراثية للحيوان في كلية الطب البيطري. إنسانة كل حياتها كتب ومراجع ومحاضرات، حبر على ورق وبس. إنسانة ممكن تقراها لو وصلت للمستوى المكتوب جواها، لكن ما تقدرش تتعامل معاها بالمشاعر، مهما كانت المشاعر دي ندم، حب، غفران.
ولكن قطع كلامها دخول الدكتور الذي كان يرغب في الارتباط منها دون استئذان، ولم يأخذ باله من وجود عاصي.
ذهب لها وقال بحده:
- بصي بقى يا دكتورة روز، ما انتي هتوافقي عليا بمزاجك أو غصب عنك، أنا هتجوزك... هتجـ...
ولم يتم الكلمة.