في سيارة أدهم نظرت كارمن من خلف نافذة السيارة، ربما تعلم إلى أين سيأخذها زوجها، لكن لم يتبين أمامها أي شيء مألوف. فسألت بهدوء: "ممكن تقولي احنا رايحين فين؟ قال أدهم بمرح بينما نظراته مسلطة علي الطريق أمامه: "قولتلَك حضري نفسك لمفاجأة كبيرة." ضحكت كارمن بنعومة وقالت: "ماشي." تمتم بعفوية: "أنا قولتلك قبل كده إن ضحكتك دي بتخطف قلبي."
توردت وجنتاها خجلاً من الإطراء الرقي الذي يغمر وجدانها به، من حين لآخر دون أن يكل أو يمل. فاقتربت منه بشكل تلقائي، وطبعت أسفل فكه قبلة ناعمة قبل أن تتظاهر بالذعر قائلة: "أوعى تكون خطفتني." رفع حاجبه ناظراً إليها من زاوية عينه وتساءل: "إنتي خايفة ولا إيه؟ قالت بتنهيدة: "صراحة أنا اتوترت شوية." ناظرها أدهم وقال بضحكة: "بجد؟ أومأت كارمن بابتسامة وقالت برقة: "أيوه، لإنّي هبقى لوحدي معاك." قال أدهم بعدم تصديق: "لا والله."
ضحكت كارمن وقالت بعفوية، بينما أدارت جسدها تجاهه، وضمت كلتا يديها إلى صدرها: "إنت عارف إني كنت مسمياك دراكولا من كتر اللبس الأسود اللي دايماً كنت تلبسه.. وكنت أتوتر جامد من بصتك ليا." خرجت منه ضحكة قوية من حديثها الذي شعر منه بمدى قسوة تعامله معها في الماضي. ليستفسر بغيظ: "طيب ودلوقتي لسه دراكولا؟ ضمت كارمن شفتيها بابتسامة محرجة، قائلة بشقاوة: "لا دلوقتي اتغيرت جداً، بقيت دراكولا رومانسي." أدهم بتمتمة بينما
على شفتيه شبح ابتسامة: "لا والله." نطقت بنبرة بسيطة وصادقة: "أيوه، وفي كل الحالات عاجبني أصلاً." حدق فيها بابتسامة واثقة قبل أن يقول برضا: "أيوه كده، عدّلي كلامك لأني كنت على وشك افتراسك حالا." في منزل مراد داخل الصالة الرياضية
كان مراد واقفاً، ونصفه العلوي عارياً، والعرق يتدفق من جميع أنحاء جسده العضلي القوي من مجهوده أثناء لعب الملاكمة أمام كيس الرمل الذي يدعي السند باج، حتى أفرغ شحنة الغضب التي شعر بها، وتلك عادة من عاداته التي يلجأ إليها منذ الصغر عندما يصاب بالغضب الشديد حتى أتقنها بمهارة. هتف حاتم الذي كان جالساً على أحد المقاعد القريبة منه بضحك صاخب، وهو يريح جسده إلى
الوراء في استرخاء ومرح: "هو مافيش مرة تستر في مكان أبداً.. أنا لحد دلوقتي مش متخيل إنها هزأتك كده، يا ريتني روحت معاك عشان أشوف اللقطة دي." تمتم مراد بغضب من بين أنفاسه السريعة، ولا يزال يلكم الكيس الرملي بقوة: "حقك تضحك، أنا الغلطان إني حكيتلك وأنا عارف إنك هتفضل تتريق عليا للصبح." حاول حاتم كبح موجة الضحك التي انخرطت فيها رغماً عنه، بينما انهمرت الدموع من عينيه من الضحك المفرط وقال: "خلاص، روّق واهدى."
توقف مراد عما يفعله، وقال بسخط: "إنسانة غريبة، كانت في حجم العصفورة قدامي بس سبحان من صبرني على طولة لسانها اللي عايز أقطعه." حدق حاتم فيه بنظرة ارتياب، وتمتم: "واضح إنها دخلت دماغك." تطلع إليه بعيون مفتوحة على مصراعيها قبل أن يحاول تنظيم أنفاسه، لتهدئة نبضاته التي زادت رغماً عنه، قائلاً بتكبر يشوبه الاستنكار: "بتقول إيه؟ هي تطلع مين أصلاً عشان أدخلها في دماغي؟! هتف حاتم بتأكيد، وهو
يطلق ضحكة قصيرة بغلاظة: "آهو مش ملاحظ من ساعة ما جيت وأنت ماسكتش عن الكلام عنها وكل شوية توصف فيها.. شوية تقول ملامحها بريئة وجميلة وكل حاجة فيها تجنن وزي القمر، وشوية تقول إنها قطة برية عصبية ولسانها متبري منها." احتدمت عيناه بنظرة قاسية نحو حاتم، وصر على أسنانه بعنف شديد حتى كاد أن يكسرها عندما سمعه يكرر حديثه عنها خلال فورة انفعاله. ابتسم حاتم
قبل أن يردف بسخرية منه: "وحالياً بتطلع دخان من ودانك من كتر عصبيتك الفظيعة دي.. اللي مستغرب منه إنك ماجبتش سيرة كارمن خالص لو بكلمة!! زفر مراد بقوة بينما يحك ذقنه بتفكير، وقال ببساطة: "بيني وبينك، أنا مهمنيش خالص لما شفتها بترقص مع جوزها." تساءل بإستفسار: "قصدك يعني إنها مابقتش مهمة في نظرك وزهقت من الحوار؟ رد بنبرة عادية: "مش كده، أنا معجب جداً بشغلها، حقيقي بهرتني."
أصبحت نبرته أكثر حدة قليلاً، وهو يتذكر كلمات تلك الفتاة التي كانت أول من تجرأ على التحدث معه بهذه القوة والتحدي: "بس أنا دلوقتي مابفكرش غير في البت اللي تجاوزت حدودها معايا وناوي أربيها." ابتسم حاتم قائلاً بعبث ماكر: "مش بقولك إنها شغلتك، عيب ده أنا اللي مربيك." رد بإقتضاب بارد متجاهلاً كلماته أو ربما يحاول الهروب من التفكير بها، وهو يلتقط أغراضه ويتجه للخارج: "أنا طالع آخد دش وأنام." عند أدهم وكارمن
في مكان بعيد قليلاً عن المدينة والضوضاء توقفت السيارة أمام بوابة فيلا بحديقة صغيرة ولكنها رائعة، ثم ظهر رجل عجوز فتح لهم البوابة لدخول السيارة، ثم بعد أن حيا أدهم ذلك الرجل وأمره بالذهاب للنوم. نزلت كارمن من السيارة برفقته أمام باب المنزل، وهي تحدق حولها بدهشة مما رأته من جمال هادئ.
تقدم أدهم يتجاوزها نحو المدخل، ثم أدار مفتاحه في الباب ودفعه قليلاً ليدخل، ثم تبعته بخطوات بطيئة، تتأمل ذلك المنزل بأرضياته الخشبية وأثاثه البسيط والأنيق للغاية. همست كارمن بتساؤل وسط تأملاتها: "إيه المكان ده؟! التفت إليها أدهم بعد أن خلع معطفه وسترته ووضعهما على أحد الكراسي، ثم سألها بابتسامة: "إيه رأيك فيه الأول؟ ردت كارمن بعفوية: "جميل أوي." اتسعت ابتسامته وهو يقترب منها قائلاً
بتفسير: "ده بيتي السري، محدش عارفه.. باجي فيه لما بكون عايز أفضل لوحدي." تمتمت كارمن بتعجب: "يعني محدش جه هنا قبل كده؟ وضع أدهم يده في جيب بنطاله، مستقيماً بظهره بشموخ، وقال في نفي: "لا أبداً، مفيش غير الحارس اللي شوفتيه بره بينظف البيت وبس." سارت في أرجاء المنزل وهي تقول: "عجبني أوي البيت ودافي أوي كمان."
سار أدهم خلفها حتى أصبح بجانبها، وأمسك راحة يدها بين يديه، وهو يسحبها برفق ورائه لإدخالها في إحدى الزوايا قائلاً: "تعالي." همست كارمن بإنشداه: "دفاية كمان؟ رد أدهم مردفاً: "خليت عم إبراهيم شغلها قبل ما نوصل." قالت كارمن بفرح وهي تقف أمامها تتأمل النيران المشتعلة التي تضفي على المنزل لمسة من الراحة والدفء: "تحفة يا أدهم." قال أدهم بلطف وهو يشد خصرها ويسحبها نحو صدره،
فتمسكت بقميصه بقبضتها: "إنتي لسه ماشوفتيش حاجة.. شوفي بقى أول حاجة هنعملها نقفل موبايلاتنا ونفصل عن الدنيا خالص." جعدت حاجبيها وهزت رأسها برفض قائلة بنعومة: "مينفعش يا دومي، مامتي ومامتك هيقلقوا افرض احتاجونا." أجابها أدهم ببساطة: "ماتقلقيش من حاجة، كل الأمور تمام." عضت كارمن على شفتيها بتفكير قبل أن تقول: "طب ممكن قبل ما أقفل الموبايل أطمن على نسمة؟! أدهم بابتسامة هادئة: "ماشي حبيبي." عند كارمن استمعت
إلى صوتها الناعم تقول: "الو." ابتسمت كارمن بمرح وقالت: "حبيبتي." أجابت نسمة بابتسامة هادئة: "شغلتيني عليكي، روحتِ فين؟ كارمن بإختصار: "أنا وأدهم خرجنا من غير ما حد يحس." ثم أردفت بإهتمام: "المهم إنتي روحتِ ولا لسه؟ اتصلت أطمن عليكي." ردت نسمة بهدوء: "ماتقلقيش، أنا روحت ويدوب لسه مغيرة هدومي." كارمن بلطف: "ماشي يا قمر."
ثم سرعان ما هتفت بتساؤل بعد أن تذكرت شيئاً: "الأه، قوللي لمحتك بترقصي مع قرصان تقريباً وإحنا ماشيين.. إيه الموضوع؟ تذكرت وقاحة هذا الشخص معها، لتقول بعفوية بينما سرت رجفة في كامل جسدها لا تعلم سببها: "ده بني آدم همجي وقليل الذوق والأدب، خلاني أرقص معاه بالعافية، تخيلي." وضعت كارمن راحة يدها على فمها بعدم تصديق، قائلة بضحكة: "يا خبر أبيض، معقولة؟! أجابت نسمة وهي
تومئ برأسها كأنها أمامها: "أيوه، بس أنا ماسكتش، هزأته وبعدها اختفى، معرفش راح فين كأنه شبح." قالت كارمن بحماس: "ولا يهمك، روّقي وافتكري النجاح اللي حققناه انهاردة وبس." يلا هسيبك تنامي وترتاحي. قالت بتنهيدة مطمئنة بعد حديثها اللطيف معها: ماشي يا روما تصبحي على خير. كارمن بود: وانتِ من أهل الخير باي. نسمة: باي. عند أدهم. أتت إليه كارمن ووجدته واقفًا في المطبخ وقد شمر أكمام قميصه وهو يعبث بالثلاجة، فقالت
وهي ترفع الهاتف بيدها: تمام خلاص قفلت الموبايل أهو. غمز أدهم لها بعينه وقال مع إشارة من رأسه: شطورة يلا اطلعي فوق غيري هدومك على ما أحضر عشاء خفيف لينا. مطت كارمن شفتيها للأمام وقالت بنعومة: استني أساعدك طيب. قال أدهم بنفي وهو ينظر إلى محتويات الثلاجة أمامه: لا انتِ اطلعي تاخدي حمام دافي والبسي الفستان اللي على السرير وانزلي ماتشغليش بالك بحاجة. أومأت كارمن باستسلام وقالت بذهول جعل
ابتسامة تظهر على شفتيه: وفستان كمان.. ماشي يا مستر غامض. عند نسمة. دخل شاهين غرفتها بعد أن سمحت له بالدخول، قائلًا بدهشة: إيه يا حبيبتي لسه ما نمتيش ليه؟ ردت نسمة بابتسامة جميلة وهي تقترب منه ووضعت قبلة صغيرة على خده: كنت بتكلم مع كارمن يا بابا اطمنت عليها وهنام أهو. أومأ إليها شاهين بحنو وقال بفخر: ماشي يا قلبي مبروك على نجاحك العرض شوفته في الفيديوهات كان أكتر من هايل. قالت نسمة بشرود
عندما تذكرت تلك الحفلة: الله يبارك فيك يا بابا. لاحظ شاهين اختفاء ابتسامتها ونبرتها الشاردة، فقال بتساؤل: مالك يا نسوم حصلت حاجة مضايقاكي؟ أجابت عليه بسرعة وقد نفضت تلك الأفكار من رأسها، وللمرة الأولى تخفي ما حدث لها لأنها لم تكن تريد أن تجعله يخاف عليها أو تجعله ينفعل عندما يعلم عن تلك التمثيلية التي أدتها اليوم، والأكثر من ذلك أنها
تعرضت لهذا الموقف السخيف: محصلش حاجة أنا من الصبح واقفة على رجلي مارتحتش خالص يمكن عشان كده باين عليا الإرهاق. هز رأسه بفهم وقال وهو يسير معها إلى سريرها ليجعلها تتسلق عليه ويغطيها: خلاص مش هسهرك أكتر.. يلا نامي والصبح تحكيلي اللي حصل في الحفلة. همست نسمة بهدوء وهي مستلقية بعد أن عانقته بمحبة: حاضر تصبح على خير يا حبيبي. رد شاهين بابتسامة حنونة وهو يطفئ الأنوار بجانب السرير: وانتِ من أهله يا نور عيني.
عند أدهم وكارمن بعد أن تناولا العشاء. كانت كارمن تثرثر من أجل التهرب قليلاً من عينيه اللامعتين تجاهها بشغف، منذ أن رآها في ذلك الفستان بعد أن نزلت لتناول العشاء، ولم يرمش للحظة جعلها ترتبك من الخجل الواضح: أنا كل ما أفتكر أننا عملنا كده في المسكينة دي أزعل.. تخيل أنها وقعت في مشكلة مع حد بالحفلة لكن عدت على خير الحمد لله.
كانت مرتدية فستان زهري هادئ مع شق في الصدر، وشرائط حول العنق ملفوفة ومربوطة على شكل فيونكة على الرقبة، ويصل طوله إلى منتصف الفخذ. ابتسم بمكر وهو يعلم ما كانت تحاول أن تفعله بإستماتة لإخفاء خجلها قائلًا بهدوء: ممكن طلب؟ كارمن بخفوت: اتفضل. ترك أدهم الملعقة التي كان يمسكها وقال بابتسامة شاردة في ملامحها بعد أن وضع قبضته تحت ذقنه: أنا مش عايز نكلم عن حد غيرنا.. الليلة دي بتاعتنا إحنا وبس.
عضت كارمن شفتها محرجة قليلاً وخفضت عينيها إلى صحنها، بينما احمرار وجنتاها تزايد خاصة عند سماعها نبرته الرجولية المثيرة: تعرفي إن الفستان ده عليكي يجنن خليتي جماله يبان عليكي. ابتلعت كارمن اللقمة داخل فمها بصعوبة قبل أن تتنحنح بحرج وقالت بتلعثم: أدهم لو سمحت وحدة وحدة عليا أنا مكسوفة دلوقتي. زم أدهم شفتيه بتفكير قبل أن يهتف باقتراح: طيب إيه رأيك نقوم نرقص شوية وقتها الكسوف هيروح؟ فلتت ضحكة
من بين شفتيها قائلة بشك: تفتكر. رد أدهم ببساطة: نجرب. قام من مقعده بعد أن قال كلمته، وبدأ باللعب في المسجل الموجود فوق التلفزيون، ليصدر نغمات رومانسية تملأ المكان. بدأوا يرقصون معًا بعد أن مد يده لها، لتنهض ممسكة بيده، ثم حركت قدميها بخفة تتمايل معه على تلك النغمات الرومانسية الهادئة، وهو يعانق خصرها بكلتا يديه، بينما أراحت رأسها على كتفه.
أزاح أدهم بأنامله شعرها إلى جانب واحد، ثم وضع قبلة رقيقة بشفتيه على رقبتها قبل أن يدفن وجهه في عنقها، مطلقًا أنينًا خافتًا قبل أن يقول بصوته الرجولي المثير: بقيت بعشق ريحة الياسمين لأنها ريحتك يا كارميلتي. ارتجفت قليلاً وشدت عناقها له بحب مستكينة بين ذراعيه، واستمروا في رقصهم بحركات سلسة وإنسيابية هامسة بشوق: انت واحشني أوي رغم إنك كنت معايا كل لحظة بس حاسة إني مشتقالك خالص.. ثم رفعت حدقتيها ونظرت
إليه قائلة بصوت هامس: لما بتكون جنبي مش قادرة أوصفلك بحس جوايا بإيه.. شعور أكبر من إني أوصفه في كام كلمة حتى لما بغمض عيني مش بشوف غيرك قدامي. جعل جبهته ضد جبهتها، وهو يتنهد بحرارة مست بشرها، متمتمًا بعشق: انتي اللي عملتي فيا إيه.. ده كأني كنت عايش في كهف ضلمة وإنتي اللي قدرتي تخرجيني منه وغيرتي حياتي كلها بوجودك فيها حتى لمساتك البسيطة ليا بتولع قلبي. همست تضم شفتاها الوردية بتلقائية: سلامة قلبك.
لمعت عيناه المسلطة على شفتيها، ثم انحنى على أذنها وهمس بصوت غليظ فيه بحة، محاصرًا جسدها بكلتا ذراعيه أكثر: ما تعمليش الحركة دي لأني مش هبقى مسؤول عن اللي هيحصل. تغنجت كارمن بدلال، بينما تفرك طرف أنفه مع أنفها بشقاوة: لا هعملها براحتي ومش مهم أما نشوف هنوصل لحد فين.
كانت عيناه تتدفقان بأمواج من العشق والغرام الدافئ التي غمرتها بكلمات الحب قد قرأتها في عينيه دون الحاجة إلى تحرك شفتيه لقولها، لذا صدرت المبادرة منها، حينما اقتربت على مهل من شفتيه، ولمستها بشفتيها قبل أن تغمض عينيها، ثم شعرت أن يده ترتفع من فوق ظهرها وتجذب رأسها أكثر نحوه، بينما تلتهم شفتيه شفتيها بقوة أكبر. أحاطت رأسه بكلتا ذراعيها، وشدت خصلاته، وتبادلت القبلات معه بحب مماثل.
طالت قبلتهما العميقة بنهم بينما كاد أن يفقد عقله من تجاوبها معه، فصل قبلتهما عنوة حالما تطلبت رئتيهما بإلحاح إلى الهواء، وعانقها بقوة يمرمغ وجهه في عنقها برائحتها الجميلة وملمسها الناعم ملثمها برقة بالغة، وعيناه مغمضتين بينما اشتدت خفقات قلبه بجنون من فرط مشاعره.
كما أنها كانت تدفن وجهها بكتفه وتتشبث به، يغلفها الأمان بين ذراعيه، وتستمتع بلمساته فوق رقبتها، وبعد بضع ثوان، شعرت بأصابعه التي تلمس جسدها الرشيق من فوق قماش الفستان الرقيق. رفعها بسهولة للأعلى بيديه التي على خصرها، فلفّت قدميها تلقائيًا حول خصره. سار إلى الأمام حتى يصعد إلى الغرفة، ممسكًا بها بين ذراعيه، ليأخذها معه أخيرًا إلى عالمه الخاص الذي لا يوجد فيه أحد غيرهم، ليبث عشقه لها على طريقته الخاصة.
في الصباح الباكر. وقفت تنظر إلى الحديقة من خلف الزجاج، وفي يدها فنجان شاي ساخن والأخرى تحمل بها شطيرة صغيرة، وكانت ترتدي أحد قمصان أدهم، لأنها لم تستطع العثور على أي شيء ترتديه للنوم أمس، وكانت ترفع شعرها في كعكة فوضوية متبعثرة منها كثير من الخصلات حول وجهها بدت بريئة جدًا بهذا الشكل. نزل أدهم من فوق بعد أن استيقظ، ولم يجدها بجانبه، مرتدياً سروالاً قطنياً فقط، وكان صدره عارياً.
رآها تقف وظهرها إليه بهذا الشكل الفوضوي، لكنها فاتنة جدًا حتى عندما تستيقظ من النوم، لقد أرهقت قلبه للغاية لأنه مغرم بها في أصغر التفاصيل التي تخصها. همس أدهم بإمتعاض بعدما سار نحوها بخفة، وحاصر خصرها بامتلاك: هو أنا ليه مش شايف فطار جاهز ليا؟ أدارت كارمن رأسها إليه عندما سمعته يقول ذلك، ثم قالت بتمطق: أول حاجة الصبح الناس بتقول صباح الخير. ابتسم أدهم على مظهرها اللطيف،
وقال بنظرة مشرقة: صباح التفاح الأمريكي.. صحيتي إمتى؟ ردت كارمن بنعومة بعد أن ابتلعت ما في فمها، وهي تضع رأسها بخفة على كتفه: من شوية انت ليه قمت دلوقتي لسه بدري!! ولا انت ماشي عكس الناس وقت الشغل تصحي متأخر وفي الإجازة تقوم بدري. مرر أدهم أطراف أصابعه على خدها الناعم، وهمس بنبرة صادقة، بينما يشد عناقه على خصرها بيده الأخرى: وانتِ حواليا في الأوضة بكون مطمئن.. وبحب أدلع عليكي وأعمل نفسي نايم عشان تيجي وتصحيني.
رمشت كارمن بعدم تصديق وقالت بقهر: يا ابن اللذينة يعني كل الأيام اللي فاتت كنت بتشتغلني وبتكون صاحي. اتسعت عيناه بصدمة متمتماً بغيظ: لظينة وبتشتغلني.. خربتي اللحظة الحلوة. ثم أردف بضحكة متحسرة: أكيد بنت عمك كرفت عليكي، وبعدين انتي عندك مانع لو ادلعت عليكي؟ اتسعت الابتسامة على شفتيها وقالت بنظرة ماكرة: ادلع براحتك يا روحي. ضاقت عينيه عليها بدهشة وقال بشك: مش مرتاح للاستسلام دا منك.
ثم فجأة انحنى برأسه يلتهم جزءًا من الشطيرة التي في يدها، فابتسمت بينما قلبها ينبض بسيل من المشاعر التي تومض بوضوح في عينيها. قال أدهم وهو يمضغ اللقمة في فمه بصرامة: على فكرة ممنوع تبتسمي قدام حد بالطريقة دي.. إمبارح عديتها بمزاجي عشان كنتي فرحانة.
اتسعت ابتسامة على شفتيها رغم رؤية نظرة الغضب التي ظهرت بعينيه في تلك اللحظة، تعلم أنه يتحدث بجدية، لكنها كانت سعيدة عندما شعرت بغيرته عليها، لأنه نادرًا ما يظهرها، ولكن عندما يتكلم معبرًا عنها، يرتجف قلبها فرحًا. أضاف أدهم بغيظ مزيف وهو يتأمل ملامحها الجميلة بحب: برده لسه مبتسمة!! نظرت كارمن إليه ببراءة وقالت بتبرير: لأن مافيش حد معانا. همس أدهم بصوت رجولي مثير بجانب أذنها،
جعل وجهها يشتد حمرته: دا لمصلحتك انتي، لو فضلت بصالي كدا هتهور وأنا مابصدق، وأنتي عرفاني. همست بإحراج تحاول تغيير الموضوع، وهي تلكمه في صدره بقوة طفيفة: هو الجو فجأة بقى حر ليه!! رفع أدهم حاجب واحد ونظر إليها قائلاً بسؤال: مش عاجبك كلامي ولا إيه؟ تمتمت كارمن بعبوس متصنع: لا. ابتسم أدهم بجانبية، وهو يقول بإصرار ماكر: ولو انتي اتورطتي أنا مابشبعش منك. قالت كارمن بهمس،
بينما تستند على صدره أكثر: حتى أنا مش بشبع منك حبيبي، بس نعمل إيه!! ابتسموا لبعضهم البعض في نفس الوقت قبل أن تقترب منه بجرأة، وقطعت المسافة الصغيرة بينهما، ثم تطبق على شفتيه قبلة متمهلة رقيقة، بينما كانت تكمش بقبضتها الصغيرة على ذراعه العضلي ليلتصق بها أكثر. ارتشف رحيق شفتيها بعمق أكبر، بينما كانت تمسك الفنجان بيدها الأخرى بقوة، جاهدة ألا يسقط منها.
مرت على القبلة بضع لحظات حتى شعر بحاجتها للهواء، فابتعد برأسه على المضض، ورأى ابتسامتها الصغيرة مزينة شفتيها، فابتسم لها، وعيناه تلمعان برضا. ابتعدت كارمن عنه قليلًا وقالت على عجل، وهي تضع الكوب من يديها على المنضدة، وهرولت للأعلى تحت نظراته المندهشة: لحظة بس وهرجعلك.
عادت إليه بعد فترة وجيزة حاملة أحد قمصانه في يدها، لكنها لم تجده في الصالة الداخلية للمنزل، فسارت مباشرة نحو المطبخ، لتراه جالسًا على أحد الكراسي الخشبية أمام طاولة الطعام. مشيت كارمن لتقف خلفه، ووضعت ذلك التي شيرت على ظهره من الخلف، ثم همست بهدوء في أذنه: ممكن تلبس دي عشان ما تاخدش برد. قبل يدها بحب قبل أن يقول بخبث: خايفة عليا من الجو السقعة ولا مكسوفة كالعادة، اعترفي. عضت شفتها السفلى في حرج، وقالت بعينين
زائغتين تحاول الإنكار: أنا مش مكسوفة. نظر أدهم إليها بتمعن، وقال بسخرية: مهما أنكرتي نظراتك بتفضحك. أنهى أدهم عبارته ثم أجلسها على ساقه فجأة، حالما سحبها من ذراعها، لتنظر إليه باستسلام، هو يعرف ما تشعر به دون الحاجة إلى النطق به، ومهما كانت أفعالها جريئة في بعض الأحيان، لكن خجلها يشتعل في وجنتيها منه بسرعة قصوى، وهذا لا يضايقه بل على العكس من ذلك، فهو يجعلها أكثر فتنة في عينيه ويؤجج شوقه للمزيد منها.
همست كارمن تحاول تغيير الحديث عبثًا: تحب أحضرلك إيه على الفطار؟ غمغم أدهم أمام شفتيها بمكر: أنا بحب حاجات كتير، منهم الخدود دول اللي بيحمروا في السقعة. همست كارمن وهي تغمز له بشقاوة، وقد تبدد خجلها بعيدًا: ده أنت مركز أوي. أومأ أدهم برأسه وقال بثقة وعيناه تلمعان بلهفة: حافظك مثلًا، لما بتكوني مبسوطة بتقدري تتغلبي على خجلك ولسانك بيقول أحلى كلام، ولما بتتوتري بتشوحي بإيدك كتير وتغيري الموضوع زي دلوقتي بالظبط.
لقد أذهلها حقًا إدراكه لتلك التفاصيل الصغيرة بها، ونطقت مستسلمة: عمري ما هقدر أغلبك أبدًا.. يالهوي بص أنت اللي كسبت، أنا بعترف، أنت هزمتني. أجابها بشرود في ملامحها اللطيفة بينما كانت تلمس أنفاسه بشرة خدها بحرارة أذابتها: وأنا عايز أحب فيكي طول الوقت، انتي دلوقتي حياتي وعايز أعيش فيكي كل لحظة في عمري. عضت بشفتيها على خده بلطف، وقالت
بصوت ناعم مليء بالعشق له: بعشقك أنا، وماقدرش أتحمل كل الدلع ده منك على فكرة، براحة عليا. ثم أضافت في نفس الهمس الخافت، وهي تنظر إليه بحب شعر به فور أن سمع النبضات العالية في صدرها الملتحم بصدره: لما بتبصلي بالطريقة دي بحس كأنها أول مرة، عشان كده بتلخبط وأتكسف. طبع أدهم قبلة عميقة بين حاجبيها المعقودة، وقال هامسًا بصوت أجش،
دغدغ إحساسها: اللي ما تعرفيهوش إن بنظرة منك بتاخدي عقلي وتسرقي تفكيري، ومش بكون عايز أبعد عن حضنك الدافي ده أبدًا. *** مرت عدة أيام. في مكتب كارمن. دخلت نسمة بخطواتها الهادئة لأنها نادرًا ما ترتدي حذاء بكعب عالٍ، وقالت بدهشة: انتي هتمشي ولا إيه؟ ردت كارمن عليها، وهي تعبث بمحتويات حقيبتها بعد أن ارتدت معطفها: نسومة، كنت هعدي عليكي. سألت نسمة بحيرة: إيه حصل معاكي حاجة مش على بعضك ليه؟
أجابت كارمن بسرعة: مستعجلة، أدهم في اجتماع وهيطول وأنا عايزة أستغل الفرصة. هزت نسمة رأسها بتوجس، وقالت بعدم فهم: مش فاهمة منك حاجة. همست كارمن، وهي تتطلع حولها بريبة: هفهمك، بس عايزة أهدي تيجي معايا ضروري. جلست نسمة، لتتمتم مستاءة: على فين؟ أنا من وقت الحفلة واللي حصلي فيها وأنا متعصبة منكم. وضعت كارمن يدها على كتفها، وقالت بمواساة: عارفة إننا دبسناكي، ما تزعليش عشان خاطري، بس فعلاً الموضوع المرة دي مهم أوي عندي.
نسمة بقلق: قلقتيني بزيادة، كلميني. قالت كارمن بحرج: عيد ميلاد أدهم بعد 4 أيام، وبصراحة كده عايزة أجيب له هدية واحتفل معاه.. هو كل مرة يفاجئني.. المرة دي عايزة أعمل له أنا مفاجأة. نسمة باستفهام: طب إيه المشكلة في كده؟ نفخت كارمن خديها بضجر وقالت بغيظ: الحرس تحت معايا في كل متروح روحه، وأكيد لو راحوا معايا هيقولوا له، وهو هيفهم الفولة. قامت من على الكرسي وقالت بذهول: والمطلوب؟ أوعي تقوليلي أروح أنا أجيب الهدية!!
لوحت كارمن بيدها بنفي، موضحة كلامها: لالا، مش كده، أنا عايزك تيجي معايا، وبالمرة تفديني بذوقك يا فنانة. لعبت نسمة في أطراف شعرها المربوط على شكل ذيل الحصان بغرور مصطنع وقالت: إذا كان كده، مفيش مانع. قبلتها كارمن على خدها بسعادة، وقالت بسرعة لكي لا تهدر مزيدًا من الوقت: فل عليكي.. روحي هاتي شنطتك وحصليني عند الأسانسير بسرعة عشان نرجع قبل ما يخلص أدهم اجتماعه. همت نسمة بالتحرك للخارج قائلة: أوكي، دقيقة وأجيلك. ***
بعد عدة دقائق أمام الشركة. صاح رجل سمين بصوت غليظ داخل سيارة متوقفة على جانب بعيد نسبيًا، على الرجل الآخر الذي يجلس بجانبه نائمًا على عجلة القيادة أمامه: واد يا سمير، أنت يا زفت، فوق، أنت نايم!! قال بتذمر خشن، وهو يرفع رأسه إلى الآخر: عايز إيه من أمي يا رجب؟ ماتسيبنا نكوع شوية، الدنيا هادية. وبخه رجب وضربه بقوة طفيفة في مؤخرة رأسه: بص قدامك يا غبي، مش دي البت اللي بنراقبها؟ ألقى سمير نظرة فاحصة إلى الأمام
قبل أن يومأ برأسه بغباء: آه، هي. قال رجب مثبتًا عينيه على ما يحدث في الخارج: خلينا نركز معاهم. سرعان ما أمره قائلاً بلهفة: الحق دور العربية أوام، دي طالعة مع البت اللي معاها بالعربية لوحدهم. تمتم وهو لا يفهم شيئًا ثم أدار محرك السيارة كما أمر رجب: مش المفروض الاتفاق تكون لوحدها؟ صاح في اشمئزاز من غباء صديقه، وقال
بتفسير خبيث مليء بالطمع: وهي دي بتطلع لوحدها أصلًا، دي فرصتنا، والاتنين حريم مش هياخدوا في إيدينا غلوة، ويمكن الكاشات تزيد. أنهى عبارته ثم أدار رأسه إلى الوراء، وهو يصرخ على أولئك الذين كانوا مستلقين على الأريكة الخلفية: أنت يا لوح أنت وهو، فوقوا، العملية هتم دلوقتي. *** عند كارمن في السيارة. زفرت كارمن براحة وقالت بحماس: أخييييرا، مش مصدقة إني عرفت أتحرك من غيرهم.
نسمة بتعقل بينما كانت تتأمل السماء ذات اللون الغامق بفضل الغيوم المتلبدة، والتي تعلن سقوط أمطارها من خلال النافذة: دول أمان ليكي يا بنتي. أومأت برأسها قائلة بهدوء: أيوه عارفة، وأنا مش مضايقة، بس موقف زي ده محتاجة شوية خصوصية يعني. سألت نسمة بحيرة، وهي تنظر من النافذة بجانبها: ناوية تروحي فين؟ أجابت كارمن ببساطة: هنشوف المول القريب من هنا.
بعد لحظات قليلة، ضغطت على الفرامل بشدة للفرملة بسرعة عندما قطعتها سيارة أخرى فجأة، مما جعل الفتاتين تفزعان بشدة. وسرعان ما نزل من السيارة الأخرى أربعة رجال من ذوي الأجسام الكبيرة ذات الملامح القاسية للغاية، واقتربوا من السيارة وسط دهشة الفتيات، وعدم فهمهم لما كان يحدث. على الناحية الأخرى
اتسعت عيون رجال مراد الذين كانوا يراقبون كارمن كالمعتاد حالما رأوا هؤلاء الأوغاد يخطفون كارمن والفتاة الأخرى معها ويضعوهم في سيارتهم فانطلقوا وراءهم بأقصى سرعة. تحدث أحد الرجال إلى حمدي: اتصل حالا بمراد بيه. هب مراد من كرسيه وهو يصرخ عليهم بزمجرة عنيفة، وقد تمكن منه القلق عندما سمع ما حدث، معتقدًا أن الجناة هم المافيا أنفسهم، والذي كان في الواقع خائفًا من ذلك الحدث منهم رغم أنه
طوى تلك الصفحة إلى الأبد: إيه الهبل اللي بتقولوه دا مامنعتهمش ليه!! هتف حمدي بتبرير: يا مراد بيه إحنا وراهم ماغفلوش عنا لحظة وهما طالعين على الطريق الصحراوي قولنا نتصرف إزاي!! سب مراد بألفاظ نابية قبل أن يقول بسرعة: اكسروا عليهم يا بهايم وتمسكوهم دي عايزة سؤال يعني. تمتم حمدي بطاعة: أمرك.
أردف مراد بحدة محذرًا: اسمع أيّاك وحدة فيهم يحصلها حاجة وتجيبو العيال دول والبنات على المخزن اللي جنب الشركة فاهم وأنا هلحقكو على هناك. أغلق حمدي المكالمة وهو يقول: حاضر يلا يا فهمي اكسر عليهم. في شركة البارون خرج أدهم من غرفة الاجتماعات وتوجه مباشرة إلى مكتب كارمن، لكنه لم يجدها.
جعد حاجبيه وهو يزم شفتيه في حيرة، وأخرج هاتفه للاتصال بها، لكن هاتفها وجده مغلقًا، ولم يكن هناك أثر لحقيبة ومعطفها، كما أنه وجد عدة اتصالات من قائد الحرس الخاص به. أثار ذلك ارتيابه قليلاً، ثم ضغط على رقم حارسه للاتصال به، فأجاب بعد لحظات باحترام: أؤمر يا أدهم بيه. تساءل أدهم قائلاً: إنتو خرجتو مع مدام كارمن يا صبحي!! أخبره صبحي مفسرًا
ما حدث باختصار: لا يا فندم كارمن هانم من شوية خرجت مع آنسة نسمة وقالولي عندهم مشوار هنا قريب وهيرجعوا على طول وأمرتنا مانروحش معاهم. أدهم بتمتمة: تمام يا صبحي. أنهى المكالمة وهو شعر بتوجس داخله يفكر إلى أين ذهبت مع صديقتها الآن، ودون أن تخبره هذه ليست عادتها معه. في سيارة رجب
يجلس في الأمام سمير على عجلة القيادة وبجانبه رجب، وخلفه من الجانبين الرجلان الآخران، وفي الوسط كارمن ونسمة مخدرتان وغير مدركتين لما حولهما، بينما تبرز نظرات الرجال برغبة حيوانية على أجسادهن الفاتن في عيونهم، وتدور في مخيلتهم أفكار مقززة. هتف رجب بنبرة غليظة: أيوه يا ست نادين أنا بتصل على قاسم بيه مابيردوش ليه!! نادين بإستغراب: معرفش هو فين بس طمني في أخبار جديدة؟
رد بخبث بينما عيناه تلتمع بطمع متخيلاً كثرة النقود التي سيحصل عليها من تلك العملية: أيوه البنتين معانا في العربية وطالعين على الوكر بتاعنا. هتفت نادين بإنشداه: بنتين إيه هي واحدة بس إنت هببت إيه؟ انزعج رجب من صراخها الحاد في أذنه وقال غاضبًا: فاهم فاهم بس الست اللي إنتو اتفقتو عليها ماكنتش بتطلع لوحدها.. ودي أول مرة تخرج وهي معاها وحدة كان لازم نستغل الفرصة. نادين بإستفهام: ماخدوتهاش لوحدها ليه وسيبتو اللي معاها؟
أجاب رجب قائلاً بتبرير: كانت هتعملنا دوشة وزيطة. تفاجأ الجميع بعدة سيارات تحيط بهم من الجانبين وتكسر الطريق عليهم، ففرمل سمير بسرعة، بينما يوزع نظراته التائهة والمذعورة على باقي الأشخاص في السيارة. هتف سمير بإنكماش متسائلاً بخوف: مين دول يا رجب؟ رمش رجب بعينه عدة مرات غير مستوعب، وقد تمكن منه التوتر أيضًا قائلاً بتقطع: ممـ معرفش!! نطقت نادين بسؤال من الصوت الصاخب الذي سمعته بوضوح من الهاتف: إيه الصوت دا؟ صرخ بها
بحدة وقد نفذ صبره منها: إش عرفنا ناس مانعرفهمش بعربيات كتير هجموا علينا وشكلهم مسلحين. صفعت نادين على خدها في رعب، وسقط قلبها في صدرها قائلة بخوف: يا نهار أسود دول أكيد رجالة أدهم اسمع أيّاك تجيب سيرتي فاهم. هدر رجب بزمجرة شرسة، وهو في داخله يكاد يموت من الارتباك الشديد: هو إحنا فينا من كدا بتخلعي لا دا أنا أسلمك وقتي يا أمورة إنتي والفرفور بتاعك...
لم يكمل جملته لأن السيارة تعرضت لهجوم من قبل حراس مراد الذين أحاطوا بهم بالأسلحة النارية، ولم يمض سوى دقائق معدودة، وتم تقييد المجرمين بأيديهم وأرجلهم، واستلقوا في حقائب سيارات في الخلف بسرعة قصوى بسبب القدرات العالية للغاية لهؤلاء الحراس المدربة على مستوى عال، بعدها أخذوا الفتاتان المخدرة معهم في السيارات، وتوجهوا إلى المكان الذي أخبرهم به مراد بعد أن اتصلوا به، وأخبره حمدي بما حدث للتو. في منزل ميرنا
رن الهاتف على المنضدة بينما كان مستلقى بجانبها على السرير، لكنه تجاهله فأخيرًا تحققت اللحظة التي أرادها منذ وقت طويل، وهي الاقتراب منها، بعد أن تمنعت كثيرًا عليه، فاستعمرت عقله بإغوائها له في الفترة الماضية. تمتمت ميرنا في استياء ناعس: اوف مش هترد على البتاع اللي بيرن دا صدعني موت. تمتم وهو يقبل ظهرها بقبلة عميقة: سيبك من التليفون وصحصح لي شوية أنا لسه ماشبعتش منك. فتحت عينيها، ونظرت
إليه قائلة باستنكار رقيق: ما إحنا طول الليل مع بعض!! عض طرف شفته والرغبة في عينيه، وقال بصوت رجولي: أنا مابشبعش من الحلويات اللي زيك أبدًا. في منزل نادين ترزع الأرض بقدميها ذهابًا وإيابًا بتوتر عصبي، وتحاول الاتصال بهما، لكنها لا تتلقى أي رد، فتزفر بغضب متمتمة: اوووف راحوا فين دول إحنا روحنا في داهية.. مافيش حل غير إني ألبس بسرعة وأروحلها ممكن في أي لحظة البوليس يخبط عليا أصلًا.
ركضت إلى غرفتها، وارتدت ملابسها على عجل، ثم فتحت أحد الأدراج، وأخرجت مسدسًا صغيرًا يخص والدها، وتأكدت من وجود ذخيرة فيه، حتى إذا حدث شيء ما في الطريق، يمكنها التصرف معه ثم خرجت من المنزل في انتظار مرور سيارة أجرة. في مستودع بمكان شبه مهجور، ومخيف بعض الشيء بسبب الجو الممطر، والغيوم المتلبدة في السماء جعلت المكان شبه مظلم.
جلس مراد على عقبيه أمام نسمة، وهي جالسة على أحد الكراسي في المستودع حيث كان يحتفظ بهم فيه، لحين وصول الشرطة.
شعر مراد بخفقاته تعلو بفزع عندما رآها مخدرة أمامه، وبجانبها كارمن لا يدري ما حدث له أو ما كان يفكر فيه، لكن الفكرة الوحيدة التي سيطرت على عقله كانت أن هؤلاء الأوغاد وضعوا أصابعهم القذرة عليها، فجأة تحولت عيناه إلى ألسنة اللهب، وخرج الغول المفترس من داخله، الذي ما أن يتمكن منه لا يرحم أحدًا، وأطاح بهؤلاء الأوغاد الملقون على الأرض الآن بضرب عنيف، قد تهشمت عظامهم بسببه.
لاحظها ترتجف فخلع سترته ومد يده إليها بها، فأخذت السترة ورفعت نظرتها إليه، لتنظر بصدمة إلى حمالة السلاح التي كان يرتديها، وهذا زاد من قلقها كثيرًا منه، وما جعلها أكثر توترًا هو نظراته الثاقبة التي يحدقها بها، لكنها تمتمت: شكرًا. صاح بصوت أجش موجهًا حديثه إلى كارمن التي كانت جالسة بجوار نسمة: الحمدلله إنكم بخير.. إنتي كويسة دلوقتي؟
هزت كارمن رأسها بصمت دون رفعها، لأنه يراودها شعور بالدوار البسيط من تأثير المخدر، لكنها رفعت وجهها تنظر له بلهفة ملحوظة، حالما سمعت اسمه الذي ردده مراد أمامها: أنا اتصلت بجوزك وهو جاي في الطريق وكمان الشرطة هتوصل دلوقتي.. معلش لو اعتبرتيه تطفل إني أمسك تليفونك لكن كنت مضطر. أومأت برأسها وقالت بعقل شارد: ولا يهمك متشكرة. أضافت كارمن متسائلة بصوت
خجول مضطرب بعد أن تذكرته: معلش مش حضرتك مراد عزمي اللي قابلتنا قدام الشركة من فترة.. بتعمل ايه هنا وايه علاقتك باللي حصل؟ عرف مراد أن هذا السؤال سيوجه إليه، فأجابه بثقته المعتادة: الكلاب دول خطفوكم من قدام شركتي تقريبًا، وشئ طبيعي لما رجّالتي يشوفوا حاجة زي كدا بتحصل قدامهم يدخلوا فورًا. استطرد مراد حديثه بعدما استقام واقفًا بجسده في شموخ يليق به، ناظرًا
حوله: وبالنسبة للمكان دا مخزن بتاعي قريب من الشركة. مش بستخدمه عشان كدا جبتهم فيه. كلتا الفتاتين هزتا رأسهما بفهم، لأنه كان يتحدث بثقة عالية دون أن يرمش له جفن، وهذا ما اكتسبه من ممارسة الرياضة العنيفة بشكل دائم. ولكن كان يبدو على نسمة النصيب الأكبر من الصدمة لرؤيتها له مرة أخرى بتلك السرعة، وفي مثل هذه الظروف.
تنهدت نسمة داخلها تشكر ربها لإرساله لهم، لأنه بدونه لم يكن أحد ليعلم ما كان سيحدث لهم. لكن ما أثار خوفها قليلًا هو نظراته الغاضبة التي كان يحدقها فيها من وقت لآخر دون سبب واضح. كما أنها لا تنكر أيضًا أنها اعتقدت للحظة أنه هو الذي خطفهم من أجل الانتقام منها كما هددها. لكنها نفضت هذا الاعتقاد من عقلها عندما سمعت مكالمته لأدهم، لأنها استيقظت قبل كارمن بدقائق، وذلك جعلها أهدأ قليلًا منها.
أما بالنسبة له، فقد شرد عقله في التفكير بها. فهو لم يحاول أن يعرف عنها شيئًا، رغم أن عيناها لم تفارق خياله. كما كان يشتاق بشدة لسماع صوتها العذب. لكن بالرغم من ذلك، فهو لا يريد أن يتورط في شيء قد يؤثر عليه. ولا يفهم ما هذا الشعور الغريب الذي غزا كيانه لمجرد أنه رآها. فهو عادة لا يبالي بأي شيء.
أما الآن، كل تلك الأفكار ذهبت هباءً. هي أمامه للمرة الثانية، دون أي ترتيب منه. ثم لمس ذلك الشيء الصلب داخل جيب بنطاله، قبل أن تظهر ابتسامة غريبة على شفتيه. عند أدهم كان أدهم جالسًا خلف عجلة القيادة، متجهًا بأقصى سرعة نحو العنوان الذي أرسله الشخص الذي اتصل به، وأخبره أن زوجته وصديقتها قد اختُطِفتا. بعدها تحرك لا يرى أمامه بهلع. بينما كان يجلس بجانبه مالك متوترًا للغاية، بعد أن أجرى مكالمة للشرطة، وهم بالطريق إليهم.
هتف مالك بإرتباك طفيف: يا أدهم، عارف إنك متوتر، بس خفف السرعة شوية كدا. هنتقلب قبل ما نوصل. قال أدهم بوجه مقتضب: سيبني في حالي دلوقتي يا مالك، الله يخليك. تساءل مالك بحيرة: تفتكر مين يكون عمل حاجة زي دي؟ أجابه أدهم بثقة: مافيش غيرها. العقربة اللي سيبتها تفلت من إيدي بغباء. تمتم مالك بذهول: نادين!! هدر أدهم بغضب ناري وهو يشعر بداخله بمرارة شديدة من شعوره بالعجز، لأنه لم يستطع حماية زوجته من تلك الأفعى التي لدغتها
أصبحت أقوى تلك المرة: هو في غيرها ممكن يتجرأ يعمل معايا كدا. المرة دي مش هرحمها. كفاية استحملت جنانها سنين. حاول مالك تهدئته قائلًا بثقة: اطمن، أنا بلغت الشرطة عن عنوان شقتها، وأكيد هيمسكوه وهيحققوه معاها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!