الفجر أذن وأنا على نفس الوضع، مقتنعة أن بابا مات. بعد صلاة الفجر، جدتي طلعت شقتنا وجايبة معاها فطار وقالت لأمي: "أنا معايا شيك دم، أول ما النهار يطلع هروح المستشفى، هيدخلوني". وأول ما النهار طلع، نزلوا. أنا قمت غسلت وشي وروقت البيت ولبست أسود، كانت الساعة 9:30ص. كنت بمسح السلم علشان كنت عارفة إن بابا مات. وأنا بمسح السلم، وقعت. في اللحظة دي دخلت أخت خطيبي وشافتني واقعة على الأرض. قومتني وقالتلي: "انتي كويسة؟
وليه لابسة أسود؟ "بابا مات." "مين قالك كده؟ "أنا اللي بقول كده." "اخرسي، حرام عليكي. روحي غيري هدومك، أنا هكمل مسح السلم." وبعد ما خلصت، قالتلي: "أنا رايحة مشوار وجاية تاني." وفجأة سمعت صوت عربية وأمي بتقول: "يا عشرتك الغالية يا إبراهيم." وجدتي بتقول: "اللي بيحب ابني يروح يخلص الورق بتاعه." وأمي طالعة على السلم بتصرخ. نزلت أجري عليها ومسكتها من هدومها وقعدت أضرب فيها وهي تحاول تحضني.
وأنا أزقها وأقول: "ما تقوليش كده، إزاي بابا يموت." مع إني شوفت وعرفت، بس في اللحظة دي عقلي وقف ومش قادرة أستوعب. كلهم مشيوا علشان يدفنوه وأنا لوحدي. عمتي الصغيرة جات مسكت إيديها وقولتلها: "أبوس إيدك خديني معاكي." وأخذتني. وصلت المستشفى وبابا كان اتغسل وخلاص طالع بعربية الإسعاف. مشينا وراه أنا وعمتي في عربية. حصلت حاجة غريبة. العربية بتاعتنا كل ما تتأخر، الإسعاف بتوقف، متتحركش. لحد ما سواق الإسعاف
نزل من العربية وسأل: "مين في العربية دي؟ قالوا بنته. "هاتوها تركب مع أبوها." وبالفعل، روحت ركبت معاه. وكنت أول مرة أشوف حد ميت. ما كنتيش متخيلة أول حد أشوفه ميت يكون أبويا. ركبت جنبه وحطيت إيدي على راسه وقريت شوية قرآن أنا حافظاه. العربية كانت سريعة، طايرة بينا طير. وصلنا المقابر. شوفته هو وبيتدفن وعلى لساني: "حطيناك في التربة يا قلبي وهنمشي." لحد ما قام. ينزلوني. ودي فعلاً آخر حاجة كنت فاكراها ساعتها.
وقعت من طولي. ولما فقت، ما بقولش غير جملة واحدة بس: "حطيناك في التربة ومشينا يا حبيبي." لحد ما وصلت البيت. وأنا بنزل من العربية، أغمي عليا. ما حسيتش بأي حاجة، ولا شوفت العزا ولا أي حاجة. بعد يومين، فقت معلقين لي محلول. قمت وأنا بنادى على بابا. "بابا مات يوم الاثنين وأنا فقت يوم الأربعاء." طلبت من جدتي أروح أزور أبويا. قالت: "بكرة هنروح كلنا، انتي وإخواتك."
وتاني يوم الصبح، روحنا كلنا. أنا وأمي وعماتي وإخواتي وأعمامي وجدتي. أنا واقفة، كان عمي الصغير على شمالي وأخويا محمد على يميني. وفجأة شفت باب التربة بيفتح. وفي اللحظة دي، كل حاجة ثبتت عن الحركة. ده حتى كان في دبانة طايرة عند وش عمي، والله العظيم وقفت ثابتة في الهوا. كأن فيديو شغال واتعمل له إيقاف. حواليا كلهم ثابتين. بصيت على باب التربة لقيت بابا طالع زي القمر.
فرحت أوي أول ما شوفته. حاولت أجري عليه، مش بتحرك، ثابتة زيهم. بص لي وابتسم، وبص علينا كلنا وقرب مني. بص لي ونزلت دموع من عينه. قرب على محمد أخويا، كان قاعد على الأرض. مسح بإيده على راس محمد وفجأة محمد نام. ورجع دخل تاني التربة وهو بيبتسم لي. واتحركنا تاني طبيعي إلا محمد كان نايم. بدأت أقول: "شفتوا؟ بابا! والله العظيم بابا كان هنا." جدتي طلعتني من التربة بسرعة وخافت عليا وقالت: "تعالي يا نعمة، مالك بس؟ في إيه؟
قولت اللي حصل. جدتي قالت لي: "ما فيش حاجة يا حبيبتي، بابا خلاص مات والميت مش بيرجع." قولتلها: "طيب اسألي محمد، هو نام إزاي؟ ولما سألوا محمد قال: "كنت بقرأ قرآن وفجأة حسيت إيد بابا بتمسح على راسي ونمت." جدتي قالت: "انتي مش هتخشي المقابر تاني." وبعد كم يوم، روحت التربة لوحدي من الساعة 8م لحد 11م. وكلهم بيدوروا عليا لحد ما وصلوا جدتي وأمي وأعمامي التربة ولقوني قاعدة هناك عند قبر أبويا.
كنت قاعدة مع بابا بحكيله كل اللي بيحصل معايا. كنت خايفة من جدتي، بس طبطبت عليا ووقفوا قروا قرآن. سمعت صوت واحدة بتتألم. بصيت حواليا ما لقيتش حد. اتكرر الصوت تاني وفجأة الأرض فضلت تموج زي موج البحر من تحت رجلي والصوت بيزيد. بدأت أتوتر وقولت لجدتي: "سامعة صوت واحدة بتتألم والأرض بتتموج تحت رجلي." جدتي قالت: "بسم الله الرحمن الرحيم، يلا كلكم اطلعوا دلوقتي حالا." ومشينا.
كلنا تعبنا على فراق أبويا. ومع مرور الوقت، بدأت أبعد عن الناس، حتى أهلي وخطيبي. كل حاجة بالنسبة لي ماتت. عمامي قالوا: "نعمة هتتجوز في الميعاد اللي قال عليه أبوها الله يرحمه." بابا كان محدد شهر 10، لكنه مات في شهر 2، يعني 8 شهور. وأنا كنت مش حاسة بأي حاجة غير فقدان أبويا واللي أنا بسمعه في ودني. بسمع حد بيتكلم معايا دايماً، بنتكلم عن بابا. جدتي كانت خايفة عليا وكانت عايزاني أتتجوز علشان الوحدة اللي كنت فيها.
وقتها كان عندي 18 سنة. جوزي كان محترم جداً. قدر خوفي وقلقي وقال: "أنا عارف إنك ما كنتيش عايزة الجواز دلوقتي علشان أبوكي، بس أنا جنبك يا نعمة ومش هجبرك على حاجة انت مش حاباها." وسابني أنام وأنا كل تفكيري في أبويا وحزني. ما كنتش عارفة إيه اللي جاي. واتضح إن اللي جاي كوارث. جدتي جات تاني يوم هي وأمي ومرات عمي. جدتي قالت: "إيه، فرحيني." قولتلها: "يعني إيه؟ رد جوزي: "سيبيها براحتها." قالت: "يعني إيه؟
هو انتي مش عايزة جوزك يقرب منك؟ ده انتي يومك أسود." جوزي قال لجدتي: "بالراحة عليها." قالت: "أنا ماشية وجاية بكرة، ونهارك هيبقى أسود لو ما تمتش." وفي نفس الليلة، جوزي قرب مني، سمعت صوت صريخ جامد وكنت مغمضة عيني، والأصوات بدأت تزيد، ودني بدأت توجعني. وتاني يوم، جات وفرحت ومشيت. وحاولت أفرح وأعيش حياتي. أطلع نفسي من الحزن، خصوصاً إن جوزي محترم جداً، كان عوض ربنا بعد أبويا. ودي كانت المصيبة.
جوزي كل ما يجي جنبي، أشوفه بابا وصوت الصريخ يزيد أكتر وأكتر، لحد ما بدأ يجي لي نوبات رعشة وخوف. جوزي بدل ما يعيش أسعد أيام حياته، عاش مرحلة رعب. كانت عندي قوة رهيبة. جوزي لما يكون معايا، كنت أشوف وشه بابا مش جوزي. أضربه وأزقه من فوق السرير، وفي مرة كسرت الدولاب. جوزي علشان أهدى، يقوم يجيب لي ميه ويتكلم عن بابا، وفعلاً دي الحاجة الوحيدة اللي كانت بتهديني وأنام. جوزي كلم ماما وبدأ يسأل: "نعمة مالها؟
ماما حكت له كل حاجة. قرروا يودوني لشيخ علشان يعرف إيه اللي عمل فيا كده. علشان هو كان عارف إني كده من زمان، بس عمري ما اشتكيت. كنت كويسة، إيه اللي اتغير بعد الجواز علشان أتعب كده؟ أنا كنت خايفة من الشيخ أوي. روحنا أنا وجوزي وأمي وأخت جوزي. قعدنا معاه. الشيخ سأل وجوزي حكاله. وبدأ يقرأ عليا وأنا كنت بقرأ معاه وأسرع منه. الشيخ استغرب، حتى أمي وأحمد. أنا مش متعلمة ولا كنت حافظة قرآن، ما فيش غير قرآن قليل اللي حافظاه.
وقتها ما كنتش في وعي، هما اللي حكوا لي. الشيخ عرف مين معايا. وقال لجوزي وأمي: "نعمة تمتلك قوة وسر كبير، والحاجة اللي معاها كويسة مش وحشة، بس ما كانتش حابة إنها تتجوز. بس خلاص، هي تمام، نعمة تعالج مش تتعالج." ومشينا من عنده وكل حاجة كانت تمام وفعلاً بقيت كويسة. وبعد شهرين، طلعت حامل. بس مع إن كل حاجة بقيت تمام، الوضع ما بقاش صوت بس. بدأت أحلم بحد دايماً جنبي وبدأ الحمل يكبر وخوفي يزيد. وبقيت أكلم
الحاجة اللي معايا وأقول: "أنا مش مجنونة، أنا بحس بكل حاجة حواليا وعارفة إن في حد دايماً جنبي ومراقب كل حركتي." "أنا حامل دلوقتي. ابني لما يجي هقوله إيه لما يشوفني وأنا بكلم نفسي؟ ما حدش بيسمعهم غيري. أنا عايزة أشوفكم، يا تبعدوا عني." لما قولت: "عايزة أشوفكم"، سمعت صوت في ودني بيقول: "لا، أنا بحبك ومش عايزك تخافي مني." قولت: "لا، أنا مش بخاف." مع إني فعلاً كنت مرعوبة من القرار ده.
وفضلت فترة حوالي شهر ونص، كل لما أسمع أي حاجة أو أي أخبار منهم، أتضايق وأقول: "مش عايز أعرف منكم حاجة." لحد ما في يوم، كنت فعلاً فيه عصبية جداً وده كان بسبب الحمل. سمعت زعيق جامد، نزلت بسرعة عشان أشوف في إيه. كانت في مشكلة مع أخت جوزي بينها وبين جوزها. جوزها كان بيضربها وماسك شعرها. جريت وحاولت أشيل إيده من على شعرها، زقني وكنت هوقع ولقيت حاجة ساندتني وما وقعتش.
بس حصلت حاجة غريبة، جوز أخت جوزي هو اللي وقع على الأرض بطريقة غريبة واتجرح. وفضل يصرخ ويقول: "في حد شدني، والله العظيم في حد شدني." وفعلاً هو مش بيكذب، أنا شفت حاجة غريبة. خيال زقه من صدره. ودي كانت أول مرة أشوف حاجة زي دي. سحبت نفسي وطلعت شقتي وأنا أعصابي متوترة ونمت يوم ونص كاملين. ولما صحيت، لقيت جوزي وأمي واخت جوزي قاعدين جنبي. سألتهم: "في إيه؟ مالكم؟ انتوا قاعدين كده ليه؟ أمي قالت: "انتي كويسة يا نعمة؟
قولت: "آه، هو في إيه؟ جوزي سألني: "انتي كنتي بتحلمي؟ قولت له: "لا، ما كنتش بحلم." فهمت إن في حاجة حصلت معايا ومش عايزين يقولوا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!