داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة.
وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود المقدرة المادية لشراء كرسي متحرك يساعدها في التنقل والحركة. ورغم ذلك، هي دائمًا ما تنشر السعادة حولها بمزاحها وروحها المرحة على الدوام. "ياستي خلاص كفاية، انتِ لسة مخلصتيش؟
دا انتِ بقيتي بطيئة أوي." قالت زهرة لتشاكس جدتها التي نكزتها بخفة خلف كتفها بالمشط الخشبي ترد: "انا برضوا اللي بطيئة يامقصوفة الرقبة، ولا انتي اللي شعرك دا مابخلصش من طوله." "كبري في قلبك ياستي، هو انتِ هاتحسديني ولا إيه؟ دا انا حتى غلبانة وماملكش غيره والنبي." شهقت رقية بصوت أثار ضحك حفيدتها بهسترية وهي تردف بانفعال: "احسدك دا إيه يابت؟
لهو انتِ فاكرة ان شعرك أحسن من شعري، اشحال إن ما كنتِ ورثاه عن امك، اللي هي في الأصل بنتي وورثاه عني أنا ياقليلة الأصل انتِ." قهقهت زهرة صامتة مستمتعة بمناكفة جدتها، والتي تابعت بغيظ: "دا بدل ماتحمدي ربنا إنك ورثتي حاجة مني، أحسن ما كنتِ ورثتي شعر المنيل أبوكي." "شعر أبويا مين ياستي بس؟ دا طار من زمان ومافضلش فيهم غير شوية على الجانبين فوق ودانه، دا اتبهدل خالص يعيني." وصل إليها صوت جدتها وهي تردف باستمتاع:
"أيوه ياختي ما أنا واخدة بالي، دا فرق راسه بقى وسع رصيف العربيات ومع ذلك برضوا مش نضيفة ولا بتلمع، فاضلين فيهم ياعيني كام شعرة متنتورين كده في النص، واكنهم زرع شيطاني في صحرا فاضية هههههه." توقفت زهرة عن الكلام بعد أن أفحمتها جدتها بخفة ظلها، فجعلتها تضحك حتى أدمعت عيناها. حتى أجفلها صوت رنين هاتفها الخلوي الصغير من داخل غرفتها. "يالهوي ياستي، دا أنا بايني اتأخرت ودي كاميليا اللي بتتصل تستعجلني."
"ولا اتأخرتي ولا حاجة، الوقت لسة في أوله، بدليل إن المنيلة غادة بت احسان لساها مرزوعة مكانها، ومطبتش زي القدر المستعجل فوق راسنا." أنهت جملتها رقية، لتفاجأ بصوت الجرس المزعج وصوتٍ يهتف بميوعة: "يالا يازهرة بقى بدال ما نتأخر عن الشغل." لوحت بكفها زهرة في اتجاه مدخل المنزل لجدتها قائلة: "شفتي؟ أهي جات عالسيرة أهيه، ياريتنا افتكرنا مليون جنيه." خطت لتتحرك نحو الباب، ولكن رقية فاجأتها بجذبها من طرف عباءتها
متمتمة بهمس وتحذير: "لمي شعرك الأول قبل ما تفتحي الباب." فتحت فاهها لتعترض، ولكن أمام إصرار جدتها فعلت مضطرة تلملم شعرها خلف رأسها كدائرة على عجالة، قبل أن تهرول لباب المنزل وتفتحه لغادة التي كانت مائلة على إطار الباب. رمقت زهرة وما تريده قائلة بحنق: "لسة بعباية البيت؟ هو انتِ عايزاهم يدونا خصم عالتأخير في الشركة يازهرة؟ "ربنا ما يجيب خصم ياستي ولا حاجة، ادخلي انتِ بس وأنا حالًا هاكون مخلصة."
قالت زهرة وهي تخطو عائدة نحو غرفتها. دلفت خلفها غادة لداخل المنزل تلقي التحية على رقية وهي تنظر بالمرآة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبتها لتتأكد من زينتها: "صباح الخير ياستي، عاملة إيه النهاردة؟ تفحصتها رقية قليلًا قبل أن ترد بتمهل: "أهلًا ياغادة، ازيك انت وازاي امك إحسان اللي بطلت ماتسأل عني؟ "كويسين والحمد لله، هي بس تلاقيها مشغولة حبتين، لكن أول ما تفضى، أكيد هاتجيلك."
أجابت غادة بعدم انتباه، لتفاجأ برد رقية المنتقد وعيناها مرتكزة على ما ترتديه: "طب ولما انتِ حلوة ومطولة الجيبة على ناحية كده، مش تكملي جميلك وتكملي الناحية التانية، بدال الحيرة دي والواحد مش عارف يشوفها إن كانت طويلة ولا قصيرة! عوجت غادة فمها بزاوية وهي تردف من تحت أسنانها: "دي الموضة ياستي ولا انتِ ماسمعتيش عنها؟ تبسمت رقية بسخرية أثارت غيظ غادة قائلة: "موضة برضو يابت؟ ودي جابوها في الجرايد بقى ولا في التليفزيون؟
صكت غادة على فكها وهي تشيح بوجهها عن هذه العجوز الماكرة، تعلم أنها الخاسرة لو استمرت في الجدال معها، فهي لن تسلم أبدًا من لسانها السليط. ولكن حينما خرجت إليها زهرة من غرفتها وجدت فرصتها في الرد: "ومكلفة نفسك ليه بس؟ ما كنتِ لبستي شوال أسهل." "شوال في عينك." هتفت بها رقية بحدة على الفور. أما زهرة التي أجفلتها السخرية على ملابسها، ففضلت التجاهل وإكمال لف حجابها الطويل، قبل أن تتناول حقيبتها وتخرج معها.
خارج الشقة القديمة في المبنى المتهالك، بررت غادة لزهرة أثناء نزولهما الدرج: "ماتزعليش مني يازهرة بس أنا بصراحة بضايق لما أشوفك لابسة الدريسات الواسعة قوي دي، حاجة كده ملهاش أي منظر وبتبيّنك تخينة." ردت زهرة بعتب: "تخينة ولا رفيعة، مية مرة أقولك إن دا نظامي في اللبس ياغادة، زي انتِ ما بتحبي لبسك يكون محدد جسمك ومبين رشاقته، أنا كمان بحب لبسي يكون حشمة ودا اللي برتاح فيه." عوجت شفتها قائلة باستخفاف:
"طب عرفنا إنك بتحبي الحشمة وعدم الزواق بالمكياج، طب الحجاب بقى ما ينفعش يبقى حلو كده وعالموضة بدال الكبير ده واللي مخليكِ زي ستي الحجة." كتمت زهرة ضيقها وردت بحرج: "حتى دي كمان نبهتك عليها وقولتلك، أنا ماتحملش أي راجل عينه تيجي عليا، يقولوا تخينة يقولوا حجة المهم أكون مستورة وخلاص." أوقفتها غادة فجأة على إحدى الدرجات، حينما أرسلت ذراعها على درابزين الدرج، تردف بنظرة ذات مغزى أثارت القشعريرة لدى زهرة:
"أقسم بالله أنا أكتر واحدة فاهماكي، بقى ياخايبة لما تبقى الواحدة عندها إمكانيات جامدة كده وجبارة بدال ما تظهرهم للناس وتفرح بيهم، تخبيهم وتدفنهم؟ دا انتِ هبلة أوي." خرج صوت زهرة الغاضب بنفاذ صبر: "ابعدي ياغادة خلينا نمشي، وبلاش تلميحاتك المستفزة دي." ابتعدت عنها تبتسم بسخرية واستخفاف أثار حنق زهرة، التي أجفلت على سماع صوت الصرخات الآتية من شقة أبيها الساكن أسفلهم بزوجته الثانية وأولاده منها.
"يانهار أسود، دا باين أبويا بيضرب واحدة من خواتي وخالتي سمية بتحجز منه، تعالي نخش." قاطعتها غادة تجذبها من يدها: "لاهنروح ولا نيجي، اخلصي إحنا متأخرين على الشغل." "ياغادة بس خواتي." "انجري يابت مش ناقصين نترفد." .......................................
بعد ساعة وأمام المبنى الشاهق الارتفاع، توقفت سيارة الأجرة خاصتهم بالقرب منه. كانت تهرول غادة وهي متقدمة بخطواتها عن زهرة المنشغلة بالحديث مع شقيقتها الصغرى في سردها عن الشجار الذي حدث بينها وبين أبيها. التفتت إليها تخاطبها بحدة: "يابت مدي رجلك شوية خلينا نعدي الرصيف ونوصل الشركة، دي الساعة خلاص قربت على ٨ وبيننا هانتجازى صح." أنهت زهرة المكالمة سريعًا وقالت بحدة:
"ماتهدّي بقى ياغادة شوية، مش كفاية جرتيني معاكي زي البهيمة من غير ما أدخل وأحجز عن أختي صفية." "ومالها ياختي أختك صفية بقى؟ ماتت إن شاء الله ولا خدتها الإسعاف." قالت غادة وهي متخصرة بوسط الشارع. هتفت زهرة عليها بغضب: "فال الله ولا فالك ياشيخة، مش تخلي بالك من كلامك، دا اللفظ سعد، والبت أساسًا كانت بتكلمني وهي مفلوقة من العياط، بعد أبويا ماعدمها العافية هي وخالتي سمية معاها عشان بس طلبت منه فلوس الدرس."
مصمصت تلوك فاهها بسخرية: "وطبعًا طالبة منك انتِ الفلوس، وانتِ وعدتيها إن بعد ما تقبضي النهاردة هاتديها وتأجلي شرا تليفون كويس، بدل عدة النحس اللي ماسكاها من سنين دي، ماهو دا العادي بتاع كل قبض." صمتت زهرة وملامح وجهها أظهرت صدق توقع غادة، التي هتفت حانقة: "أنا اتفقعت منك يابت انتِ، هامشي قدامك وانتِ حاصِليني، جاتك خيبة فيكِ وفي هبلك." "الله يسامحك ياشيخة."
تمتمت بها زهرة وهي تفتح حقيبتها الجلدية كي تضع بها الهاتف، ولكنها تفاجأت بصدمة بجسم معدني كبير أوقعها وسط الطريق وأوقع هاتفها أيضًا. صرخت بجزع، حينما فرق بينها وبين مقدمة السيارة التي كبحت فراملها بحدة أصدرت صريرًا حادًا كي لا تتدهسها والمسافة بينهم لا تتعدى الشبر. "مش تخلي بالك ياجدع انت." "أنا برضوا اللي أخلي بالي؟ ولا انتِ اللي سرحانة وكنتِ هاتوديني في مصيبة دلوقتي."
هتف بها بحدة سائق السيارة الذي خرج على الفور لزهرة، والتي دنت تتناول القطعة الأخرى من الهاتف، كي لا تدهسها السيارة. ثم رفعت رأسها إليه دون رد، فتابع السائق بوقاحة: "امشي غوري اتعتعي بقى من وش العربية، مش ناقص بلاوي أنا على أول الصبح." "الله يسامحك، أنا مش هأرد عليك."
هتفت بها زهرة وهي تحتجز سيل دموعها بصعوبة جراء الإهانة التي تلقتها. انتقلت عيناها لداخل السيارة الفارهة، فوجدت بها رجلين. أحدهما كان في الأمام بجوار السائق، رجل ضخم يبدو كأبطال المصارعة يحتل المقعد الأمامي. والآخر كان جالسًا في الخلف، يبدو بهيئته المهندمة والبراقة بشدة، كأنه إحدى المسؤولين أو أحد أبطال السينما المشهورين بوسامته الشديدة. أجفلها هذا الرجل حينما ترك مكالمته التليفونية فجأة، وهتف على السائق:
"في إيه ياعبدة؟ خلصنا وفض المهرجان دا بقى؟ رد السائق ببجاحة وهي يعود لمكانه خلف عجلة القيادة: "أهي بلاوي وبتتحدف علينا ياباشا." ابتلعت زهرة الإهانة بصمت وهي تتحرك لتبتعد من أمام السيارة الفارهة، لتفاجأ بعودة غادة التي ظهرت من العدم، تجذبها بغير استئذان نحو السيارة قبل أن تتحرك، والرجل الجالس في الخلف. "معلش ياجاسر بيه على اللي حصل، بس بنت خالي عندها ظرف وحش، وأكيد ماخدتش بالها وهي معدية قدام عربيتك."
أومأ لها الرجل بكفه بعنجهية قبل أن يشير للسائق بالتحرك، دون أن يلتفت نحوهم، مما جعل إحساس الذل يجتاح زهرة. التي أفلتت ذراعها تصرخ بانهيار: "انتِ إيه اللي عملتيه ده؟ وايه اللي رجعك أساسًا؟ كنت ناقصاكي وناقصة جنانك مع واحد زي ده، مش كفاية اللي صابني منهم." وكأنها لم تسمع، ظلت غادة على وضعها مراقبة سير السيارة أمامها، حتى اختفت بمكان موضع السيارات داخل مبنى الشركة. ثم التفتت إليها بابتسامة متسعة:
"أنا مش مصدقة نفسي وربنا، أخيرًا شفته عن قرب وكلمته، يالهوي ياما دا حلو قوي من قريب." لكزتها بقبضتها غاضبة: "هو مين اللي حلو يازفتة انتِ؟ ماتفوقي بقى إحنا لسه في نص الطريق، ولا انتِ عايزة عربية تانية تدوسنا؟ غادة وهي ترد بهيام: "دا جاسر بيه ابن صاحب الشركة ياهبلة، لهو انتِ معرفتيهوش؟ "ومش عايزة ياستي أعرفه ولا أعرفك انتِ كمان." أردفت بها زهرة وهي تعدو مبتعدة عنها، والأخرى تتبعها من خلفها تردد:
"استني يازهرة، يابت استني أنا مش قادرة ألحق خطوتك من الكعب العالي." ..................................... وبداخل الشركة وأمام المصعد الكهربائي، بعد أن لحقتها بصعوبة، هتفت عليها بلهث: "ما خلاص بقى يابت افردي بوزك ده، مش كفاية إنك قطعتي نفسي بالجري وراكي." تكتفت زهرة دون أن ترد عليها، تكبح غضبها حتى لا تلفت إليها أنظار العمال وموظفين الشركة. ولكن مع إصرار غادة الاحتكاك بها ومداعبتها للتصالح، هتفت بعدم سيطرة:
"بس بقى، مش كفاية خليتي منظرنا زي الشحاتين قدام الراجل ده والسواق بتاعه قليل الأدب." انتبهوا على صوت طرطقة من الفم أتت من خلفهم وصاحبته تخاطبهم: "إيه دا إيه دا؟ انتوا بتتخانقوا ولا إيه؟ طب مش تستانوني طيب عشان أتفرج ولا أقوم بالواجب معاكم." "قولي لها ياكاميليا، حتة دي عايزة تعملها فضيحة وتلم علينا الموظفين." أردفت بها غادة لصاحبة الصوت، فرمقتها زهرة بحدة قائلة: "أنا برضوا اللي عايزة أعمل فضايح؟
ولا انتِ اللي بتنقصينا قدام اللي يسوى واللي ما يسواش." شهقت غادة ضاربة على صدرها: "يخرب بيتك! تبعتها كاميليا مستفسرة: "هي تقصد مين باللي ما يسواش؟ انفتح أمامهم باب المصعد فجأة ليدلفن الثلاثة به، وردت غادة: "أنا هاقولك هي تقصد مين وأحكيلك على اللي حصل، عشان بس المجنونة دي لما تقطع عيشك تبقي على علم! قطبت كاميليا حاجبيها سائلة بدهشة: "تقطع عيشي أنا ليه بقى؟ هو انتوا هببتوا إيه بالظبط؟
................................... بوقتٍ لاحق وسط اليوم، وأثناء فترة استراحة الموظفين، كانت زهرة جالسة أمام مكتب كاميليا، يتحدثن وبيد كل واحدة منهن شطيرتها. كاميليا وهي تقضم من شطيرتها ويدها الأخرى تعمل على الحاسب الآلي أمامها: "ماتزعليش منها يازهرة، بنت عمتك خفيفة وما صدقت تلاقي فرصة عشان تكلم جاسر بيه." "فرصة! أردفت بها زهرة باستنكار وتابعت:
"دا الراجل ما كلفش نفسه حتى يهز لها راسه أو حتى يبصلها، دا يدوبك شاور بإيده كده واكننا دبان قدامه، أنا مش عارفة هي ليه كده؟ تتكبر على أي حد أقل منها أو زيها، إنما قدام واحد زي ده، تقلب كده واكنها شافت ملك قدامها." تبسمت كاميليا وهي تلتفت إليها: "ماكدبش عليك، بس هو فعلًا بالشركات والأموال اللي تخص عيلته واللي بيديرها بنفسه، يعتبر ملك. هو انتِ بجد ما تعرفهوش؟ مطت شفتيها بعدم اهتمام: "وهاستفيد إيه من معرفته يعني؟
اهو واحد غني زي اللي بنشوفهم في التليفزيون وخلاص، بس هو إزاي ابن صاحب الشركة ودي أول مرة أشوفه فيها؟ ردت كاميليا بتحليل كعادتها: "ماهو ما بيجيش غير في الشهر غير مرة أو مرتين تقريبًا، لما يكون في اجتماع مع الباشا الكبير والده، أو لما يكون في حاجة مهمة، وانتِ متعينة يدوب من تلت أشهر، دا غير إنك مش متابعة السوشيال ميديا، فشئ طبيعي إنك متعرفيهوش." زهرة برد قاطع:
"ولا عايزة أعرفه، أنا كفاية عليا أوي، إن أشتغل في الشركة دي اللي لحقت فرصتها أخيرًا بمساعدتك، عشان أفضل شايلة جميلك فوق راسي طول العمر." قالت كاميليا باستياء: "لا ما تقوليش كده يازهرة، الفضل بإيد ربنا وحده، وإحنا يدوب أسباب." "طبعًا أكيد، بس بجد انتِ تستاهلي كل خير، عمرك ما تكبرتي على حد منا، رغم المكانة اللي وصلتي لها، لا وكمان فضلتِ ورانا لحد ما وظفتينا معاكي في الشركة، بجد أنا مش عارفة أقولك إيه؟
أردفت بها زهرة بامتنان نحو ابنة حارتهم، التي كافحت بمجهودها وإخلاصها في هذه الشركة العملاقة، حتى وصلت لصفة مدير مكتب رئيس الشركة، ثم مساعدتها هي وغادة في العمل بها. ردت كاميليا متصنعة الحزم: "بس يابت لا تشكريني ولا زفت، وغوري يلا على شغلك، البريك قرب يخلص، ولا أقولك استني أنا عايزاكي في حاجة." "عايزاني في إيه؟
سألت زهرة قبل أن يفتح أمامهم باب المكتب الكبير، ليخرج منه أحد الموظفين الرجال، والذي اقترب يلقي التحية بابتسامة مشرقة نحو زهرة بمجرد أن وقعت عيناه عليها. "صباح الخير يا آنسة زهرة، عاملة إيه النهاردة؟ أومأت له برأسها تهمس بخجل أثار التسلية لدى كاميليا التي تركت مابيدها من عمل كي تستمتع بمتابعتهم: "كويسة والحمد لله، تسلم يا أستاذ عماد." أردف هو بتساؤل: "أخبار الكمبيوتر بتاعك إيه؟ شغال كويس ولا فيه أي عطل؟ حركت
رأسها نافية بصوتها الخفيض: "لا الحمد لله، من ساعة ما صلحته حضرتك، وهو بقى تمام معايا في الشغل." رد باهتمام: "طب لو هنج أو قصر معاكي في أي حاجة قوليلي على طول، وأنا تحت أمرك في أي وقت." "الأمر لله وحده، تسلم." أومأت بها هامسة، وهو ظل للحظات متسمرًا مكانه لا يريد التحرك، حتى تمكن من جر أقدامه للمغادرة بصعوبة أمام كاميليا التي كانت تتابع بابتسامة على وجهها، حتى إذا ذهب سألتها: "إيه ده بقى؟ هو عماد عينه منك؟
"وأنا إيش عرفني." قالت زهرة تهز بكتفاها ووجهها تورّد بالخجل. جزت كاميليا على أسنانها ضاحكة: "أموت أنا في الحب البريء وشغل الكسوف ده." "حب إيه وكلام فارغ إيه بس؟ إيه اللي بتقوليه ده يا كاميليا؟ غمغمت بها زهرة بخجل، فنهضت كاميليا قائلة بمرح: "بت انتِ، أنا هاقوم أدخل الكام ملف دول لعامر باشا، استني انتِ هنا حلي المسألة دي على ما أوصلك." "مسألة إيه؟
سألت زهرة وهي تتناول الورقة الكبيرة التي وضعتها أمامها كاميليا، والتي أجابتها وهي تعدل من ثيابها قبل التحرك: "دي مسألة قسمة مطولة، ميدو طالب مني أحلها وأساعده فيها، وانتِ عارفة بقى صاحبتك خيبة في الحساب." لاحقتها قبل أن تدلف لرئيسها: "طب والبريك اللي قرب يخلص؟ "البريك فاضل عليه تلت ساعة يازهرة وأنا ثواني وخارجالك."
أردفت بها كاميليا وهي تنظر لساعة يدها قبل أن تترك زهرة التي انْكفأت على الورقة تركز في مسألة القسمة التي أمامها باهتمام، حتى أجفلت على صيحة من خلفها: "بتعملي إيه عندك؟ انتفضت واقفة تلتفت لمصدر الصوت، فجحظت عيناها برعب وسقط قلبها من الخوف وهي تفاجأ هذا الرجل الذي رأته في الصباح داخل السيارة التي كادت أن تدهسها، وهو يتقدم نحوها بوجه متجهم وعنجهية رأتها منه سابقًا، مرددًا بحدة: "انتِ مين انتِ؟ وايه اللي مقعدك هنا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!