واقفة باعتدال وأناقة، فاردة ظهرها بعزة. من يراها لا يصدق أنها مولودة في حارة، فملابسها المهندمة وأسلوبها الراقي في التعامل يعطي صورة مثالية لكل فتاة طموحة مثلها. جاهدت وثابرت لكي تصل لهذه المكانة، في شركة عريقة مثل هذه ومع رجل كعامر الريان، لا يرحم ولا يتساهل بعمله، رغم طيبته ومودته الدائمة لها. كانت ممسكة بإحدى الملفات، تنتظر انتهاء رئيسها ورئيس الشركة كلها من مراجعة إحدى العقود قبل أن يمضي بقلمه عليه.
رفع رأسه إليها سائلًا بملل: -هو انتِ عايزة الإمضة ضروري النهاردة؟ تبسمت بدهشة قائلة: -مش أنا اللي عايزة ياعامر بيه، دا الشغل هو اللي عايز! عوج فمه بفكاهة وهو ينظر لورق العقود أمامه على المكتب قبل أن يعود إليها قائلًا: -بس النصوص اللي في العقد ده كتير قوى، وحاطين شروط كمان ورغي كتير، لا بقولك إيه؛ أنا زهقت. ختم جملته وهو يدفع بملف العقد أمامه على المكتب ناحيتها. ضحكت هي بعدم تصديق:
-الله، امال مين بس اللي هايمضي ياعامر بيه؟ اجيب حد من الشارع يعني يمضي مثلًا؟ -وتجيبي من الشارع ليه ياستي؟ هو أنا ماعنديش ولاد بقى عشان يمضوا ويشيلوا عني؟ قطبت سائلة بدهشة: -ولاد! انت قصدك إيه ياباشا؟ أجابها وهو يخلع نظارته ويجيبها منتهدًا بتفكير: -قصدي إني كبرت يا كاميليا ومعدتش عندي صحة للضغط زي زمان. حركت رأسها بعدم فهم فتابع:
-أنا قررت أستسلم لزن مراتي يا كاميليا وأسافر أوروبا آخد لي أجازة طويلة شوية وبالمرة أكمل علاجي في ألمانيا. -طب والشغل ياعامر بيه، مين اللي هايقوم بيه؟ سألت بحيرة، أجابها: -ماهو دا اللي كنت عايز أ فاتحك فيه من الأول يا ست كاميليا. بصراحة كدة أنا عايزك تشدي حيلك شوية في الشغل الفترة اللي جاية، لأن الشركة هاتبقى من ضمن المجموعة اللي بيديرها جاسر ابني، وانتِ عارفة ابني بقى وقته قليل ومسؤلياته كتير. تمتمت
كاميليا بذهول أمام الرجل: -جاسر بيه! بس دا عصبي جدًا والشغل معاه صعب أوي كمان. ضحك الرجل مخاطبها: -وافرضي بس إنه عصبي والشغل معاه صعب كمان؛ انتِ قدها يا كاميليا ولا انتِ معندكيش ثقة في نفسك. أومات له تتصنع الابتسامة وهي تغمغم بداخلها: -وأنه ثقة دي اللي تنفع مع ابنك؟! ***
تلعثمت الكلمات بفمها بعد أن ضاع تركيزها ونست ما كانت تفعله منذ ثوانٍ قليلة، قبل أن يجفلها هو بدلوفه إليها وسؤالها بتشكك. قلبها يضرب بقوة داخل أضلعها، تشعر ببرودة تجتاح أطرافها خوفًا من هذا الرجل الواقف أمامها بصمت وملامح وجهه المغلفة بغموض وتجهم، تشعرها وكأنها متهمة ويجب عليها إثبات براءتها. -بتمأمأي ليه ماتردي؟ انتِ مين وبتعملي هنا إيه؟ أجابت سريعًا:
-أنا زهرة سكرتيرة الأستاذ مرتضى حسنين مدير الحسابات، كنت جاية أشوف صاحبتي وماشية على طول أهو والله. سألها بتجهم رافعًا حاجبيه الأيسر بشر: -ولما انتِ سكرتيرة مرتضى، بتعملي إيه في الملفات هنا في الشركة وكاميليا مش موجودة؟ -أقسم بالله ماهو ملف ولا مستند حتى! صرخت بها تدافع عن نفسها وتابعت وهي تناوله الورقة التي تذكرتها أخيرًا بعد أن رأت نفسها في موضع اتهام بالفعل. نظر هو للورقة سريعًا ثم عاد إليها يردف باستنكار:
-قسمة مطولة! ليه بقى؟ هو إحنا في حصة حساب هنا ولا في شركة محترمة؟ إيه لعب العيال ده؟ صرخته الأخيرة جعلت قلبها يكاد أن يتوقف من الخوف، فخرج صوتها بقوة رغم اهتزازه: -مش أنا اللي بلعب على فكرة، دي مسألة أدتهاني كاميليا تخص أخوها ميدوا في تالتة ابتدائي، قالتلي أساعدها في حلها عشان تراجعها هي لأخوها بعد كده... قاطعها بحزم سائلًا: -وانت بقى سايبة شغلك في الحسابات عشان تيجي تساعدي كاميليا وأخوها هنا؟ هتفت بعدم سيطرة:
-أنا مش سايبة شغلي ولا حاجة، أنا جيت وشوفت صاحبتي في البريك عادي يعني، واديني ماشية أهو قبل ما ينتهي كمان. -استني عندك! أوقفها هادرًا بمجرد أن تحركت أقدامها وأكمل: -تخرج كاميليا الأول واتأكد من صدق كلامك، وبعدها بقى ممكن اسمحلك تنصرفي. تماسكت تقف محلها كما أمرها هذا الرجل المرعب. تمنع قدميها بصعوبة من السقوط وبداخلها تناجي ربها لخروج كاميليا إليها بسرعة. سألها فجأة مضيقًا عيناه:
-انتِ البنت اللي اتصدرتِ قدام العربية الصبح واتخانقتي مع عبده السواق؟ رغم دهشتها من تذكره لها ليضيف إليها اتهامًا آخر وهي تجزم بداخلها أنه لم يكلف نفسه عناء الالتفاف نحوها، تمكنت من الإجابة نافية تدافع عن نفسها: -مش أنا اللي اتصدرت على فكرة، سواقك هو اللي كان هايدوسني وهو اللي شتمني كمان من غير ما أعمله حاجة. هز برأسه قائلًا بابتسامة مستخفة:
-يعني انتِ كمان بتجيبي اللوم على السواق مش على نفسك. على العموم كاميليا خارجة دلوقتي، واما أشوف حكايتك إيه.
تكتفت بذراعيها ورفعت ذقنها للأمام تنتظر خروج كاميليا بثقة، رغم النيران المشتعلة بداخلها. فرد نفسه هو يضع يديه بجيبي بنطاله وسترته عائدًا للخلف، يحدق بها ويتفحصها جيدًا، من حجابها الطويل على غير عادة الفتيات في شركاته، ملابسها الفضفاضة بشدة، وجهها البيضاوي، ملامح عادية لفتاة جميلة لا تختلف كثيرًا عن معظم الفتيات، سوى أنها لا تضع شيئًا من مساحيق الجمال، حتى كحل عينيها التي لم ترفعهم إليه جيدًا ليتحقق من لونهم، رموشها
السوداء الطويلة تبدو طبيعية كباقي ملامح وجهها. انفاسها تعلو وتهبط باضطراب أو غضب لا يعلم، وهي واقفة بتملل من نظراته المتفحصة وعيناها التي لا ترفعهم كالعادة بوجه أي رجل غريب. كانت تتنقل ما بين النظر إلى باب المكتب الكبير، أو الالتفاف نحو أي شيء في الغرفة، إلا هو.
التفت الاثنان فجأة على فتح باب المكتب الكبير وخروج كاميليا التي سألتهم بإجفال من هيئتهم المتخفزة: -في إيه؟ هو إيه اللي حصل؟ *** بعد قليل: -ما خلاص يابنتي كفاية بقى، هي حنفية وفتحت؟ كدة الموظفات هاياخدوا بالهم. همست بها كاميليا لزهرة كي تحثها على التوقف عن البكاء وهي واقفة معها بداخل الغرفة الكبيرة الخاصة بحمام السيدات. زهرة وهي تمسح بالمحرمة الورقية وصوتها خارج ما بين بكائها:
-مش قادرة يا كاميليا، الراجل ده خوفني قوي، دا كان بيحقق فيا وكأني حرامية أو بنت حرام. ردت كاميليا بأسف: -سامحيني يازهرة عشان كنت السبب في الموقف الزبالة اللي حصل معاكي ده، بس أنا كنت هاعرف منين بس إن جاسر الريان هايطب فجأة كدة. بصراحة عامر بيه بكل شدته، ما يجيش نقطة في جاسر ده. -انتِ بتقولي فيها، دا أنا حاسة برجلي شايلاني بالعافية وجسمي لسة بيتنفض من ساعة ما قابلته وشوفته. -طب ثواني. اقتربت منها كاميليا
تمسك يدها فهتفت مذهولة: -يانهار أبيض، دا انتِ إيدك متلجة يابنتي، هو لدرجادي اترعبتي منه؟ أومأت برأسها زهرة وازدادت في البكاء فاأكملت كاميليا: -يابنتِ اهدي بقى، دا مكانتش مقابلة دي؟ امال أنا بقى اللي هايبقى رئيسي في الشغل وتقريبًا ممكن أشوفه يوميًا أعمل إيه؟ أنتحر يعني؟ شهقت زهرة قائلة:
-أنا مش هاعد مكتبك دا تاني أبدًا يا كاميليا، وانتِ لو عايزتيني تبقي تتصلي بيا أو تجيني لكن طول ما الراجل ده رئيسك في الشغل انسى إن أروحلك نهائي. رتبت كاميليا على ذراعها بحنان: -خلاص ياحبيبتي ولا يهمك، أجملك أنا ياستي ولا تزعلي، بس اهدي كدة انتِ بقى وانسي. دا النهاردة يوم القبض، يعني هاندلع نفسنا بقى ونروّش زي الشهر اللي فات ولا انتِ نسيتِ؟ أشرق وجهها بابتسامة فهتفت كاميليا:
-أيوه بقى لما جبنا سيرة القبض وشك نور أهو، حبيبتي يازوز اغسلي وشك بقى وفوقي. *** -في مقر شركته الأصلية، كان منكفئ على مراجعة مجموعة من الأوراق والعقود التي الموضوعة أمامه على سطح المكتب، متناسي كالعادة الوقت رغم حجم الإجهاد الذي يشعر به. رفع رأسه فجأة نحو باب المكتب الذي اندفع فجأة بعد طرقة خفيفة من صاحب عمره والذي هتف بملل: -انتِ لساك برضوا بتراجع في العقود؟ ارحم نفسك يابني شوية بقى.
تبسم له ناهضًا يتقبل عناقه وترحيبه قبل أن يومئ لها للجلوس على الأريكة الجلدية في إحدى زوايا المكتب وجلس هو بجواره فارداً ذراعيه على أطرافها براحة، وقال: -أعمل إيه بس ياعم طارق؟ عمك عامر الفترة اللي فاتت وقع على عقود واتفاقيات كتير، وأنا مش عايز أغفل عن حاجة منهم، دا غير إني عايز أفهم كل صغيرة وكبيرة في الشركة مدام خلاص، هاتبقى تحت مسؤوليتي. -طب إيه؟ انت هاتدير المجموعة من هنا بقى، ولا هاتستمر بنفس الوضع القديم.
سأل عمر باستفسار أجاب عليه جاسر: -لأ طبعًا دا هايبقى وضع مؤقت على ما أفهم الجو هنا في الشركة الأول وأعرف النظام اللي هاتعامل بيه مع الموظفين. ربت على ركبة صديقه بدعم: -ربنا يديك الصحة ياحبيبي ويقويك على المسؤولية الكبيرة دي، بس برضوا؛ انت لازم تراعي لنفسك شوية مش كل حاجة شغل شغل، ألا لبدنك عليك حق ياعم يا جاسر ولا إيه؟ مط شفتيه بعدم اكتراث فتابع طارق سائلًا: -هو انت لسة برضوا على وضعك انت وميرا؟
مفيش أي تقدم في علاقتكم نهائي؟ غمز بوجنته باستخفاف قبل أن ينهض فجأة قائلًا: -كبر مخك ياعم طارق وخليني أضيفك في مكتب السيد الوالد، تحب إيه بقى، إنه حاجة ساقعة من دول ولا أجيبلك عصير أحسن؟ قال الأخيرة مشيرًا بيده على مجموعة كبيرة من المشروبات الغازية والعصائر، المطفأة بداخل الثلاجة الصغيرة التي فتحها بجوار المكتب. أجابه طارق: -لا دي ولا دي، هاتلي إزازة ميا أشرب منها وخلاص. ***
في نهاية اليوم وبعد أن تسوقوا قليلاً بزيارة بعض محلات الملابس والأحذية والهدايا، فرحين بصرف المرتب الشهري، ابتاعت كاميليا طقمين للخروج وحذاء وبعض البيجامات البيتية المريحة، قلدتها غادة في الشراء وزادت بشراء أنواع عدة مساحيق التجميل والكريمات الخاصة بالبشرة. أما زهرة والتي كانت مقررة شراء هاتف جديد تنازلت تؤجل شراءه للشهر القادم حتى توفر ثمن حصص الدرس لشقيقتها وعلاج جدتها. ولكن مع إصرار كاميليا وغادة، أذعنت لإصرارهم وابتاعت لها فستان واسع بألوان مبهجة مع حجاب من اللون الوردي انعكس على بشرتها الخمرية والمختلطة بحمرة زادها بهاء وجمالًا.
وفي نهاية الجولة لم تسمح لهم ميزانيتهم بتناول وجبة الغداء في مطعم، فاضطروا لشراء شطائرهم من إحدى العربات المصطفة في الشارع، يكملوا التسكع بالسير ومشاهدة المحلات وكل واحدة بيدها شطيرتها وعلبة مياه غازية. قالت كاميليا بسعادة: -الله يابنات، دا الخروجة معاكم تطول العمر بجد. -عشان تندمي إنك مشاغلتناش معاكِ من زمان. قالت غادة متصنعة المزاح، ردت كاميليا بحرج:
-ويعني هو كان بإيدي بس ياغادة، أنا كنت في كل مرة يطلبوا فيها موظفين ببعتلكم، وأنا موظفة صغيرة، لكن بقى لما وصلت إني أبقى مديرة لمكتب عامر بيه، قدرت وقتها بس إني أتوسط لكم. رمقتها زهرة بنظرة محذرة قبل أن تخاطب كاميليا بامتنان: -سيبك منها يا كاميليا هي بتهزر وانتِ عارفة بقى هزارها تقيل، دا انتِ تشكري ياحبيبتي إنك افتكرتينا أصلًا، هو في حد في الزمن ده بيفتكر أصحابه ولا أهله حتى؟ صمتت غادة بخزي قبل أن تغير مجرى الحديث:
-أيوه صح عندك حق يازهرة، طب بقولك إيه يا كاميليا؛ هو انتِ مفكرتيش كدة تشتري عربية أقله عشان ترحمي نفسك من المواصلات وبرضوا عشان الوجاهة وصفتك في الشركة. تبسمت كاميليا مستجيبة لحديثها وقالت: -لا ياستي أكيد فكرت طبعًا وبحاول، بس شرا العربية عايز فلوس كتيرة الأيام دي، خصوصًا مع واحدة زيي لساها بتساعد عيلتها، لكن إن شاء الله أقدر أشتري واحدة محندقة على قدنا قريب، عشان آخدكم في المرواح والمجي معايا يابنات.
صفقت غادة مهللة بمرح: -أيوة بقى خلينا نبان هوانم، زي المضاريب الموظفات اللي في الشركة معانا، حبيبتي والله يا كاميليا. تبسمت الفتاتين لمزاح غادة قبل أن تنتبه زهرة للوقت: -طب مش يدوبك بقى نروح، أنا اتأخرت أوي على ستي وقلبي اتوهوهش عليها. قالت زهرة بقلق، استنكرته غادة قائلة: -قلبك اتوهوهش إزاي بس يازهرة؟
إشحال إن ماكنتشِ بتتصلي بيها كل شوية، دا غير إن أختك صفية مراعياها حسب ما سمعت منك، ولا انتِ صعبان عليكِ تشمي هوا نضيف برة الجحر اللي حابسة نفسك فيه بقالك سنين. احتقن وجه زهرة بالغضب فسبقتها كاميليا في الرد: -هي عندها حق على فكرة إحنا فعلًا اتأخرنا ويدوبك نمشي. همت غادة تعترض فلم تُعطها كاميليا الفرصة فتابعت: -السندوتش اللي في إيدي ده ماينفعش أروح بيه، أنا هاديه للراجل اللي هناك ده، شكله غلبان وعلى البركة.
تأففت غادة وهي تتبع الاثنتان حتى توقفوا أمام رجل رث الثياب، جالس على كرتونة من الورق في ركن آمن نسبيًا من السيارات والمارة، يهز برأسه ويضحك للفتاتين ببلاهة. تبسمت قائلة: -يامشاء الله، دا انتوا اديتوه سندوتشات الكبدة والسجق بتوعكم، وعلبة العصير بتاعتك كمان يازهرة عشان يبلع بيها، يعني ياكل ويحلي براحته كمان. حذرتها غادة قائلة: -خلي بالك من كلامك معاه يا غادة، دا راجل على البركة أه؛ بس بيفهم.
-اممم على كدة انت صح على البركة ياعم؟ سألت الرجل باستخفاف، فكان رده أن تلاعب لها بحاجبيه يهز رأسه بابتسامة غير مفهومة، جعلت الفتيات يضحكن على فعله بمرح. شاكسته كاميليا: -إيه ياعم انت هاتعاكس ولا إيه؟ وأنا اللي قولت عليك طيب وجميل. ردد بأسلوب أثار ابتسامة مختلطة بالاندهاش على وجه الفتيات: -ما أنا جميل واسمي جميل وحتى ابني كمان هاسميه جميل. -طب قولنا بقى يا جميل لو تعرف، مين فينا اللي هاتتجوز الأول، أنا ولا دي ولادي؟
سألته غادة وهي تشير نحوها ونحو زهرة وكاميليا أيضًا. كور هو شفتيه المنغلقة بشكل فكاهي، يهز رأسه بمراوغة وينظر إليهم بتفحص أثار ضحكات الثلاثة. فقال أخيرًا باقتضاب: -هاتتجوزوا انتوا التلاتة. شهقت غادة مستنكرة باعتراض: -بس كدة هو دا اللي ربنا قدرك عليه، طب حتى اعمل بسندوتش الكبدة وعلبة العصير اللي في إيدك وقول حاجة مفيدة تريح قلبنا، مش انت مبروك برضوا؟ لكزتها زهرة لتنبهها بعدم إحراجه ولكنها لم تبالي فوجدته
فجأة يجيب والطعام في فمه: -واحدة فيكم هاتتجوز غفير والتانية هاتتجوز وزير والتالتة هاتتجوز أمير. انطلقت ضحكات الثلاثة مرة أخرى فخاطبته كاميليا بسخرية: -غفير ووزير وأمير، إيه الجو القديم ده، هو إحنا في ألف ليلة وليلة ياعم؟ أومأ لها بتأكيد: -أنا مابقولش قديم أنا بتكلم صح. رفعت غادة كفيها أمامه قائلة بمرح: -حلو ياعم، يبقى أنا اللي هاتجوز الأمير. هز رأسه بنفي وهو يشير بسبابته:
-لا انتِ هاتتجوزي الغفير، دي اللي هاتتجوز الأمير. شهقت ساخرة وهي ترى وجه سبابته نحو زهرة: -يخيبك، طب كنت قول كاميليا يمكن كنت أصدق، أنما زهرة... قطعت جملتها وهي تشير إلى الفتيات كي يذهبوا: -امشي يابنتِ امشي، دا باينه راجل خرفان واحنا هبل اللي نصدقه. تبسمت زهرة كي تخفي حرجها من تلميح غادة الجارح لها: -قلبك أبيض يا غادة، هو كان جد يعني! ردت كاميليا بفكاهة وهي تتحرك معهم:
-بس أنا بصراحة انبسطتني لما قال وزير، أهو قدرني وخلاص يا جدعان. غمغمت غادة بكلام حانق وهي تسير مع الفتيات عائدات لمنزلهن، فنظر الرجل لأثرهم بعد أن ابتعدن وهو يهتف: -برضوا هي اللي هاتتجوز الأمير وانتِ هاتتجوزي الغفير! ***
حينما عادت زهرة لبنايتهم، دلفت لشقة أبيها أولًا لتطمئن على شقيقاتها وزوجة أبيها سمية المرأة الطبية، البائسة، متعوسة الحظ، كما تسمي نفسها دائمًا. كانت تشتكي وتصف عن ضرب زوجها لها بسبب دفاعها عن ابنتها، والتي تركت آثاره على جسدها كالعادة. -شوفتِ يازهرة، أهي العلامات اللي في إيدي دي ماتجيش شكة في اللي مزهرين في ضهري من ورا وعلى كتفي، أنا مش عارفة أبوكي دا امتى بس ربنا يهديه ويفهم إني كبرت عالبهدلة وقلة القيمة دي؟
لما أخلص في إيده ولا لما أموت وحدي من القهرة والظلم اللي أنا عايشة فيه؟ ختمت جملتها بشهقة كبيرة وبكاء حارق، أوجع قلب زهرة التي ربتت على كتفها تهون: -معلش يا خالتي سمية، ربنا يفك كربك، بصراحة أنا مش عارفة أقول إيه؟ أدعي عليه وهو أبويا! ولا أدعيلوا بالهداية عسى إنه يحصل. -يحصل فين بس يابنتي؟ دا أنا بقالي سنين بدعيها الدعوة دي لحد ما تعبت وقرفت، ولساني تقل عليها، ومابقتش أخرج غير على الدعوة عليه وربنا يسامحني.
صمتت زهرة لا تقوى على مجادلتها فمن وضعت مكانها تملك الحق في قول كل شيء. تابعت سمية: -عارفة يازهرة، معلش يعني لو هاقولها في وشك، بس حقيقي بجد؛ أنا بحسد الست والدتك إن ربنا لطف بيها ورحمها من عشرة أبوكي. ابتلعت زهرة الغصة بحلقها تتجرع الألم، تُعطي العذر للمرأة في طيبتها وحسن نيتها، لنبشها عن الجرح القديم بداخلها، وتذكيرها بعقدة حياتها! خرج صوتها بصعوبة وهي تناول المرأة بعض الأوراق المالية:
-خدي يا خالتي، ادي لصفية حق الدرس وتبتي انتي على الباقي بعيد عن أبويا. اعترضت سمية: -لا والنبي يابنتي ما أنا واخدة حاجة منك، دا حتى يبقى حرام. قاطعتها زهرة بإصرار: -حلفان على حلفانك ها تاخديهم يعني ها تاخديهم. بعد خروجها من شقة والدها وإعطاء سمية ما تحتاجه من نقود هي وابنتها صعدت زهرة لشقة جدتها في الطابق الأعلى والذي ما أن وطئت أقدامها أقرب درجاته، تفاجأت بأبيها أمامها مستندًا على إطار الباب بجسده النحيف وبيده
سيجارته التي يدخن بها: -أهلًا بالبرنسيسة، أخيرًا افتكرت إن ليكي بيت عشان ترجعيلوا؟ تفوه بها، قبل أن يصمت قليلًا وعيناه أتت على الكيس البلاستيكي الذي يضم فستانها الجديد وبعض الأشياء التي ابتاعتها بصحبة الفتيات. رفع رأسه إليها سائلًا بحدة: -فضلتي حاجة بقى من مرتبك بعد اللي بعزقتيه وصرفتيه النهاردة يابت فهمية؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!