شعرت بأن رأسها على وشك الانفجار، رغم أنها كانت ترتشف فنجانها المفضل القهوة باللبن. أحضره لها عامل الكافتيريا بلال في آخر لحظة قبل بدء الاجتماع، وكأنه نجدة لها. كانت تجاهد لتركّز على مناقشات العذاب وهي جالسة على يمينه. تعمل بربع طاقتها في تدوين محضر الاجتماعات وملاحظاته التي لا تنتهي. كانت تزفر بداخلها كلما وقعت عيناها على ساعة يدها. الشيء الوحيد الذي كان يبعث بالطاقة بداخلها ويحثها على الاستمرار، هو رؤية صديقتها وهي تعمل بينهم كفرد منهم، تناقش وتجادل برأيها الحر دائمًا بثقة وقوة. "ما أجملها!
بهية الصورة وعزيزة النفس كاميليا." "طب أنا بقول كفاية بقى، ونأجل الباقي على المرة الجاية." انتبهت لمقولته التي ألجمت الجميع عن مواصلة النقاش وجعلتهم يضبون أغراضهم للمغادرة. كادت أن تصرخ مهللة بالنصر، فرحة بانتهاء الاجتماع على الثامنة وليس التاسعة كما توقعت. تمنت الهرولة بحرية أمامهم حتى تصل إلى باب الشركة، ومنه تطير إلى جدتها وحصن الأمان منزلهم. "إنتِ ياااقطبت؟
زهرة وهي تنظر إلى ناحية الصوت، لتجد امرأة في الثلاثينيات بشعر أصفر وبشرة برونزية على عينيْن باللون العسلي تخاطبها. "حضرتك بتكلميني؟ أومأت لها زهرة بسبابتها نحو نفسها تسألها. أشارت المرأة الصفراء بعنجهية: "هاتيلي منديل من العلبة اللي قدامك دي." "العلبة مش بعيد عنك يامرفت، طلعيلك منديل لوحدك." تفاجأت زهرة بصوته الخشن ورده السريع من قبل أن تفتح هي فاها، مما أحرج المرأة فجعلها تفعل على الفور دون مجادلة.
"طب أنا كدة بقى خلصت، عايز مني حاجة تاني يافندم؟
سألت زهرة بلهفة. أجابها صامتًا بنظرة مسيطرة كالعادة وهو يتناول دفترها وينظر به. زفرت بداخلها وهي جالسة في انتظار قرار إفراجها عنه، قبل أن تتنقل بأنظارها نحو صديقتها التي كانت تخاطبها بعينيها من قريب. فانشق ثغرها لها بابتسامة كادت أن تطيح بعقله بجوارها. وقد غفل عن المدون بالدفتر، وتركّزت عيناه على وجهها المضيء بإشراق. مع هذه الغمزة الموجودة أسفل ذقنها التي زادتها روعة. لأول مرة يراها هكذا عن قرب لفترة طويلة من الزمن. كان بإمكانه مدها أكثر، ولكنه أشفقًا عليها أنهى الاجتماع قبل موعده.
من تتبعه لنظراتها، انتبه على صديقه الذي أتى يقترب منه بصحبة كاميليا، التي ذهبت تلقائيًا إليها من الناحية الأخرى. "ايه ياعم؟ مش الاجتماع خلص برضوا ولا أنا بيتهيألي؟ قال طارق بمرح كعادته. استجاب جاسر مرددًا له: "خلص ياسيدي، بس أنا لازم كدة أديها نظرة أخيرة، ولا أنت مش عارفني؟ "عارفك طبعًا ياكبير ياجامد انت، لكن قولي مرفت دي تبقى صاحبة مراتك صح؟
سأل طارق الأخيرة بصوت خفيض وهو يشير بعينيه نحو المرأة وهي تخرج أمامهم مغادرة من غرفة الاجتماعات. أجابه جاسر بنظرة غير مبالية تفهمها الآخر، فتابع قائلًا: "طب مش كفاية شغل بقى، الساعة ٨ دلوقتي، يعني يدوب تروح وتاخدلك شاور تريح بيه جسمك شوية." أومأ له جاسر، وقبل أن يرد، تفاجأ بهتافها باسمه: "جاسر باشا." "نعم، في إيه؟ قال بجدية عكس ما يشعر به من دغدغة جميلة بأذنه فور سماع اسمه بصوتها لأول مرة.
"أنا خلاص مروحة مع كاميليا، يعني خلاص مش عايزة السواق ولا الحارس يوصلوني." "ليه؟ هي كاميليا في طريقك؟ سأل قاطبًا باستفسار. أجابته كاميليا: "لا طبعًا يافندم، بس أنا فرحانة بعربيتي الجديدة بقى وقولت أوصل زهرة معايا. ما أنا كدة كدة رايحة الحارة النهاردة على فرح واحدة كانت جارتنا زمان." أومأ لها قائلًا بصوته الأجش: "ألف مبروك ياستي عالعربية وفرح قريبتك، بس برضوا زهرة مش هاتروح معاكي." "ليه بقى؟ هتفت معترضة.
أجابها بتفكه غريب عنه: "إيه نسيتي العيال اللي بتشرب في الحارة؟ ولا أنتِ عايزة خالك خالد يزعل منك؟ أخفضت زهرة عيناها عنه بخجل، وقد اكتسى وجهها بالحمرة. أما كاميليا، فانفغر فاهاها بدهشة مما تراه من تغير بجاسر الريان لأول مرة، كما فعل طارق بالضبط. *** بعد قليل، وبداخل سيارة جاسر الريان، كانت جالسة في الخلف مع غادة التي كانت لا تصدق نفسها وهي تتأمل كل ركن وكل تفصيلة بالسيارة الفارهة.
"يالهوي يابت يازهرة، دا أنا حاسة قلبي هايوقف من الفرحة والنعمة." قالت غادة هامسة بصوت خفيض لزهرة التي كانت تنظر لها بجمود مكتفة ذراعيها. وتابعت: "رغم إني كنت هاموت النهاردة واركب مع كاميليا في عربيتها الجديدة، بس تتعوض بقى. هو كل يوم الواحد هايلاقي توصيلة بعربية جاسر الريان." حينما ظلت زهرة على صمتها، هتفت غادة: "ماتردي يابت مبلمة ليه كدة؟ ولا يكون مش قادرة تستوعبي انتِ كمان زيي؟ لا عندك حق بصراحة."
جذبتها فجأة زهرة من ذراعها، تهمس بغيظ في أذنها: "اهدي بقى الله يخرب بيتك وبطلي فرك. الرجالة اللي قاعدين قدام دول مراقبين وشايفين كل حاجة، ماتخليهمش يضحكوا علينا." شهقت رافعة شفتها باستنكار: "يضحكوا على مين ياما؟ هو إحنا قرود قدامهم؟ طب خلي واحد فيهم يعملها كدة عشان كنت أعرفه مقامه صح." "منورين يا أنسات." انتفضت الفتيات على الصيحة التي أتت من صوت جهوري في الأمام. فهتفت غادة نحو الرجل وهي واضعة يدها على قلبها:
"يخرب بيتك فزعتني، مش تدي إشارة الأول بدل ما توقف قلبنا بصوتك الغريب ده." "ههههههه" ضحك الرجل بسماجة أثارت حنق غادة ودهشة زهرة. تدخل السائق عابس الوجه دائمًا: "بطل غلاستك دي يا إمام، خلينا نخلص في يومنا." أردف إمام بمشاكسة وهو يغمز لها بالمرأة: "بلاها غلاسة عشان القمرات، انت تؤمر ياعُبد. اه ياني ياما، ياما نفسي أتجوز."
مالت زهرة بوجهها تخبئ بكفها ابتسامة متسلية، وقد فهمت مقصد الرجل من وجه غادة الذي تميز غيظًا حتى أصبح شكلها كالشخصيات الكرتونية. *** ...
وإلى جاسر الذي استقل سيارة صديقه وجلس بجواره في الأمام، ينظر بعينيه إلى الخارج من نافذة السيارة، غير منتبه لحديث طارق ولا غنائه خلف مذياع السيارة. فقد شرد عقله بصاحبة الابتسامة الرائعة بندرتها، يستعيد بذهنه كل أحداث يومه معها، رقتها، خوفها منه طوال الوقت، خفة ظلها وعفويتها في إلقاء الجمل بدون تفكير. تذكر حديثه معها منذ لحظات حينما خرجت معه من باب الشركة تتجه نحو سيارته لكي تستقلها مع حارسه الشخصي والسائق، فوجد هذه الفتاة ثقيلة الظل قريبتها منتظرة بجوار السيارة.
"زهرة." هتف بحزم، فالتفت عائدة إليه تجيبه بطاعة: "نعم يافندم، عايز حاجة قبل ما أمشي؟ أومأ بعينيه نحو غادة يسألها: "البنت دي مستنية هناك ليه؟ وإيه اللي أخرها أصلًا عن ميعاد انصرافها؟ أجابته زهرة: "يافندم البنت دي تبقى بنت عمتي وأنا اللي طلبت منها تستنى عشان تروح معايا." "ياسلااام." أردف بها ساخرًا وتابع: "وإنتِ بقى بتعزمي عليها من قلبك تركب عربيتي من غير ما تقوليلي؟ احتَدت عيناها فقالت باعتزاز:
"أنا ما عزمتش فسحة يافندم، لا حضرتك، أنا طلبت منها ترافقني عشان ما أقعدتش مع اتنين رجالة في عربية لوحدي، وأنا إيش ضمني؟ كتم ابتسامته حتى لا يحرجها، فتابعت: "وعلى العموم لو انت مش موافق، ناخدها من قصرها وحمد لله عربية كاميليا موجودة أهي مامشيتش." "امشي يازهرة." "نعم حضرتك؟ تابع مرددًا بصرامة وهدوء: "بقولك امشي يازهرة على العربية بسرعة وخدي قريبتك معاك، الوقت اتأخر."
همت لتجادل معترضة، ولكنه أوقفها بنظرته الحادة والمسيطرة، فاستدارت نحو السيارة مذعنة لأمره. ابتسم خلفها بتسلية قبل أن يذهب إلى سيارة صديقه. "آه، إيه دا الله يخرب عقلك هببت إيه؟ تفوه بها جاسر بفزع، يستفيق من شروده بعد أن اندفعت رأسه بقوة للأمام وارتدت في نفس الثانية بفضل حزام الأمان. رد طارق وهو يسرع بمحرك السيارة: "أعملك إيه بس ياصاحبي، كان لازم أفوقك؟ أصلك سرحان ومش معايا خالص." "تفوق مين يابني آدم انت؟
ما كنت أعمل بينا حادثة أحسن بهزارك السخيف ده." قال جاسر بغضب، قابله طارق بابتسامة باردة يردد: "آسف ياروحي، بس أنا بغير لما ألاقيك تنشغل عني ولا تفكر في حد غيري." "ياربي عليك ياأخي لما تطلب معاك غتاته، ياساااتر." أردف جاسر مغمضًا عينيه باشمئزاز أثار ضحك الآخر: "حبيبي ياجاسر والله، واحشتني قعداتك وهزارك ياجدع، ماتيجي تسهر معايا النهاردة." "وإنت هاتسهر فين بقى؟ "إيه دا؟ هو انت هتوافق بجد تسهر معايا؟
سأله طارق بعدم تصديق. أومأ له جاسر بعينيه، فهلل الآخر بترحيب: "أيوه بقى ياجسورة، واحشتني بجد لياليك." *** ... حينما وصلت السيارة الفارهة ذات الماركة العالمية في المنطقة الشعبية الفقيرة، واخترقت قلب الحارة، كل الرؤوس التفتت حولها، حتى أن بعض البشر تركت الفرح كي تتبع وجهة السيارة الغريبة بحارتهم. هتفت غادة بلهفة: "شايفة يازهرة، الناس في الحارة كلهم هايتجننوا على العربية."
أومأت لها زهرة بصمت، وقد نفذت طاقتها حتى عن الكلام. "أوقف هنا يا آنسات قدام العمارة القديمة دي؟ سألها السائق، وأجابته زهرة: "أيوه يا حضرت، ولو على أول الشارع تمام برضوا." "لا تمام إيه؟ انتِ لازم تنزلي من العربية على باب البيت عدل، دي تعليمات جاسر بيه." قال الحارس، وأومأت له زهرة برأسها. فالتمعت عينا غادة بالحماس، حتى إذا توقفت السيارة وترجلت زهرة منها، خاطبت غادة السائق:
"كمل بقى طريقك، عمارة بيتنا في الشارع اللي جاي ده." "لحد كدة وخلصت، أنا الباشا أمرني بتوصيل الآنسة بس، ماحدش جاب سيرتك انتِ." أجفلها السائق برفضه بصلف وقلة ذوق، فهتفت عليه غاضبة: "جرا إيه ياجدع انت؟ هما الخطوتين دول هايتعبوك ولا يبوظوا العربية لو كملتهم؟ أردف السائق بحدة وهو ينظر لها في مرآة السيارة: "ماليش في الكلام دا أنا، اتفضلي يا آنسة عشان عايز ألف وأخرج بالعربية من حارتكم."
"وحد قالك إننا اللي ماسكين فيك بلاخيبة، روح ياخويا في ستين داهية تاخدك بلاقرف." بصقت بكلماتها وهي تترجل من السيارة، صافقة الباب بعنف. لم يؤثر في السائق الذي خاطبه الحارس بتصنع الغضب وهو يترجل من السيارة خلفها: "أما انت قليل ذوق صح ياعبده، هي دي برضوا معاملة الآنسات؟ هرولت تطقطق بكعب حذائها على الأرض أمام نظرات الجيران الفضولية، وتتبعها هو حتى صار يسير معها:
"ماتزعليش ياقمر، هو كدة الواد عبده، جلف وما يعرفش يعامل النسوان الحلوة." لفت نظرها بتشديده على حروف كلمته الأخيرة، فتوقفت في أقرب شارع مختصر ترمقه بنظرة نارية وهي تجز على أسنانها، تردف: "هو في إيه بالظبط يا أخينا انت؟ كل ما تشوفني تغمزلي بعيونك، يا إما تلقح قدامي بالكلام. اعرفك منين أنا عشان تاخد عليا بالشكل ده؟ أجابها يبتسم ببرود وهو يتلاعب بحاجبه: "وهو لازم يبقى تعارف شخصي ياعسل؟ دي حاجة كدة اسمها تااَلُف ارواح."
أشارت بسبابتها مرددة بازدراء: "تااَلُف ارواح! وانت تقصد بزكائك الخارق، إن روحي أنا ممكن تاخد على روحك انت؟ دا على كدة بقى تلقيحك في العربية كان بقصد؟ برقت عيناه الواسعة وهو يردف لها بتفكه: "أييييوة، خدتِ بالك انتِ لما طلعت من قلبي بحرقة كدة وأنا بقول آآه ياما، ياما نفسي أتجوز؟ هاموت عالحلال والنعمة." فردت ظهرها ومدت بذقنها إليه بتعالٍ تردف:
"الحلال بتاعك ده ياشاطر تدور عليه مع واحدة من مستواك، مش أنا اللي يناسبها حلالك ده يابابا." "بلاش الحلال، طب يناسبك الحرام؟ أجفلها بوقاحته في الرد، مما جعلها بدون تفكير ترفع يدها إليه كي تصفعه، متناسية فرق الطول الهائل بينهم، مما جعله يتلقف كفها ببساطة. فضغط عليها حتى كاد أن يسحق عظامها بين قبضته القوية وقال: "طب مش تخلي بالك ياحلوة وانتِ بتطلقي إيدك كدة في الهوا، لا تروح منك وماترجعش تاني." صرخت بألم مكتوم:
"سيب إيدي يابني آدم انت، بدل ما أصرخ وألم عليك الحارة كلها، والبسك فضيحة تضيعك شغلك." ضغط على شفته المنفرجة بابتسامة وهو ينظر إليها باستمتاع، ثم تركها فجأة تركض هاربة منه نحو منزلها بخوف. تابعها مضيقًا عينيه بتفكير وهو يحك بطرف إبهامه على وجنته الخشنة قبل أن يستدير مغادرًا وهو يتمتم بتسلية: "شرسة شرسة يعني، وأنا إنسان مريض بتستهويني جدًا الأنواع دي." *** ...
وإلى زهرة التي انتظرت قليلًا بمدخل العمارة، حتى أتت إليها كاميليا بعد أن تتبعتهم بسيارتها. "اتأخرتي ليه؟ هتف بها زهرة فور رؤيتها. ردت كاميليا وهي تخطو إليها بسرعة: "مش على ما قدرت ألاقي مكان أركن فيه العربية ياقلبي." "أيوه ياعم عربيتي والكلام الفاضي ده، اتقنعري علينا ياختي اتقنعري." قالت متصنعة الحقد. جذبتها كاميليا بمزاح ثقيل من ذراعها وهي تسحبها نحو الدرج قائلة: "يخرب عقلك، هي غادة بهتت عليكي يابت ولا إيه؟
قولي يابت وطلعي السواد اللي جواكي ناحيتي قولي." ضحكت زهرة مقهقهة وهي تصعد معها الدرج. أردفت كاميليا: "بس الفرح برة إيه؟ يجننن. صحيح أنا شوفت عربية نوال في المكان اللي ركنت فيه عربيتي." "نوال خطيبة خالي، معقول! قالت زهرة قاطبة جبهتها بدهشة. *** حينما دلفن الفتيات لداخل المنزل، هللن بمرح ترحيبًا بنوال الجالسة على الأرض تتناول مع رقية وجبة عشاءها. "يا هلا يا هلا، الأستاذة نوال بحالها في بيتنا وبتاكل عالأرض كمان."
قالت زهرة ورددت خلفها كاميليا بمزاح: "لأ وكمان قاعدالك ياختي بالبيجامة والنص كوم في بيت خطيبها، فين الحياء ولا التربية، إيه قلة الأدب دي؟ "لأ ما إحنا خلاص قلعنا برقع الحياء ولغينا التربية، فاضل بس نبقى قلالاة الأدب." ردت نوال وهي تنهض عن الطعام بضحك مستجيبة لمزاحهم قبل أن تعانقهم الاثنتان باشتياق، ترحب بهن ويرحبن بها. "بس غريبة يعني ما اتصلتيش بيا ولا قولتي إنك جاية." سألتها زهرة فجاوبتها نوال:
"لأ ماهي الزيارة النهاردة كانت بسبب مفاجأة ليكِ ياقمر." "مفاجأة ليا أنا؟ سألت زهرة بدهشة فرددت شقيقتها صفية: "يالهوي ياأبلة دا اللي حصل النهاردة في الحارة ولا أفلام السيما؟ سألت كاميليا من ناحيتها هي الأخرى: "إيه اللي حصل؟ "حصلش ولا محصلش، اتنيلي انتِ وهي اطفحوا اتعشوا الأول وبعدين احكوا براحتكم." "صدقتي ياستي، والنعمة دا أنا هاموت من الجوع." قالت زهرة وهي تجلس بجانبهم تتناول الطعام، وهتفت كاميليا
وهي ترمي على رقية تحضنها: "ستي حبيبتي، وحشتيني ياقلبي." "وحشك عفريت، توك ما افتكرتي يابت الجز... ، أقطعلك شعرك اللي انتِ فرحانة بيه ده ها؟ قالت رقية وهي تلكزها بقبضتها والأخرى مقهقهة تتقابل تعنيفها المحبب. *** ... وإلى جاسر الذي دلف مع صديقه طارق لداخل الملهى الليلي، يتلقى الترحيب من رواده والعاملين به بحرارة بعد فترة انقطاع كبيرة. "عملت ثورة انت النهاردة في المكان ياكبير بمجيتك."
قال طارق وهو يجلس على طاولة خصصت لهم. جلس أمامه جاسر قائلًا باتزان: "طبعًا يابني هو أنا أي حد؟ "لأ ياعم مش أي حد دا انت جاسر باشا، بقولك إيه بقى إحنا عايزين السهرة النهاردة تبقى صباحي، نسوان ومشروب و... "حيلك حيلك بس اوقف عندك على كدة." أردف جاسر مقاطعًا صديقه، وأكمل: "من أولها كدة، أنا آخري مشروب معاك وبس، لاعندي دماغ لنسوان ولا الكلام الفاضي، لو انت عايز أسيبلك أنا الطرابيزة؟ هتف طارق على مضض:
"خلاص ياعم بلاها، هو انت بتيجي كل يوم يعني؟ قال جاسر بابتسامة مشاكسة: "طب افرد وشك طارق، عشان بس ما أحسش إنّي تقيل عليك ولا حاجة." رد طارق بابتسامة صفراء، قابلها جاسر بضحكة مجلجلة أثارت دهشة الآخر فقال مداعبًا: "هل هلالك، الضحكة دي بقالي سنين ماسمعتهاش منك ياعم ياجاسر، إيه جرا في الدنيا؟ لم يجبه جاسر فتابع بجدية: "طب معلش بجد بقى ماتزعلش مني، هو انت فعلًا قاطعت النسوان وزهدت فيهم؟ "مين قال كدة؟ سأله جاسر باقتضاب،
وأجاب الآخر: "أنت، بتصرفاتك وفِعلك، مراتك وكأنها عدوتك، إني أشوفك في علاقات عابرة أو حب حقيقي، مافيش خالص، يبقى إيه بقى؟ "حب حقيقي! سأله جاسر بتفكير وهو يتلاعب بأطراف أصابعه على شعر ذقنه النابت حديثًا. رد طارق بتأكيد: "آه حب حقيقي ياسيدي، مدام مش عايش الحب مع مراتك اللي بالأسم دي؟ يبقى تدور انت بنفسك على اللي تسعدك." سأله جاسر: "طب أنت جربت الحب الحقيقي؟ أجابه طارق وهو يهز برأسه:
"مش عارف والله ياصاحبي، أنا بنجذب لستات كتير أوي، اللي من لون عينها، اللي من شعرها، واللي من... توقف عن الكلام يصف معبرًا بكفيه، فنهره جاسر بقرف: "دا ما اسمهوش حب، دا اسمه حاجة تانية." "ياعم عارف بس بهزر معاك." رد طارق وتابع بجدية: "واصلي والله اللي تقصده وحاسه أوي كمان، خصوصًا اليومين دول." سأله جاسر باستفسار: "آه، ليه بقى خصوصًا اليومين دول؟ صمت قليلًا طارق محدقًا به، ثم أجابه بتردد:
"بصراحة بقى أنا منجذب ومشدود أوي لكاميليا، معرفش... قطع جملته متأثرًا بنظرة محذرة من جاسر الذي رفع له سبابته بتهديد: "إياك يا طارق، أنا بحذرك عشان ما أقلبش عليك." "ياعم يكفينا شر قلبتك، أنا مقصدش حاجة وحشة والله، أنا بس بقول مشدود ليها، لكن مش بغرض وحش." أكمل طارق بتبريره وجاسر يحذره بتهديد، حتى انتبه على مدخل الملهى خلف طارق وتساءل: "دي إيه اللي جابها دي؟ "هي مين؟ سأل طارق قبل أن يستدير بجذعه، فعاد إليه هامسًا:
"يانهار أبيض دي مراتك! *** ... "أيوه ياخالي، ربنا يخليك يارب وما يحرمني منك." قالت زهرة وهي تحادث خالها في الهاتف، بعد أن علمت من نوال الخطة التي رسمها ونفذتها هي بحرفية بالاتفاق مع شقيقها، ظابط المباحث، في القبض على فهمي واعوانه. وصلها صوته المحبب: "بس يابت، بطلي شغل الشحاتين ده؟ هو أنا عملت إيه يعني؟ بس لو حابة تعملي الواجب اشكري الأستاذة نوال عندك." "الأستاذة نوال آه، دي بترسم يابابا عشان تثبت رجلها عندك."
قالت زهرة بمشاكسة في نوال الجالسة أمامها على الكنبة الخشبية تبتسم بسعادة وبجوارها كاميليا ورقية وصفية يتابعن باهتمام. وصلها رد خالد عبر مكبر الهاتف: "هي لسة هاتثبت، ماهي ثبتت ياختي وانختت من زمان، هو أنا لسة هاقولك يابن اختي، اديهاني اديهاني." انطلقت الضحكات من الجميع ونهضت نوال تلوح لها بيدها كي تتناول الهاتف. هتفت زهرة بغضب مصطنع: "اخص عليك بعت بنت اختك وحبك القديم، اخص." جذبت الهاتف نوال مرددة لها:
"انت بنفسك قولتي حبه القديم، يبقى الجديد هو اللي يكسب. أيوه يا خالد أخبارك إيه؟ سألته بنعومة وهي تغلق المكبر مخرجة لسانها لهم قبل أن تتابع وتتحرك تاركة: "الصوت هنا مش كويس باينه من الشبكة، ثواني هاكلمك من أوضة ستي، دقيقة واحدة." هتفت كاميليا من خلفها: "كمان هاتكلميه من الأوضة؟ دي احتلت البيت بقى." "عقبالك انتِ كمان لما تحتلي بيت جوزك." خاطبتها رقية بمداعبة استجابت لها كاميليا بابتسامة، فقال زهرة بحالمية:
"بحب قوي قصة حبهم الغريبة دي، رغم التعب والصبر اللي فيها، لكنهم ما زالوا متمسكين ببعض وماحدش فيهم خان العهد." تابعت خلفها كاميليا: "سبحان الله عندك حق، شوف قعدوا كان سنة بنفس المكتب شغالين مع بعض، وماحدش فيهم عنده الجرأة يعترف، ولما حصل طلعت معاهم مشكلة أبوها اللي عايز لها شقة برا الحارة." "عنده حق يا كاميليا برضوا، أي حد في الدنيا بيبقى نفسه يربح بنته، وإحنا العمارة هنا زي ما انتِ شايفة، آيلة للسقوط."
"بس انت خالك حلو ويتحب." قالت كاميليا بشقاوة فلكزتها رقية بقبضتها جعلتها تتأوه ضاحكة: "آه ياستي خلاص كفاية والنبي، هو انتِ النهاردة مستلماني ولا إيه؟ "آه ياختي مستلماكي وعايزاكي تقري النهاردة، مدام جيتلي برجلك." ردت رقية مصطنعة العزم، وهتفت كاميليا: "يانهار أبيض يا أنا وقعت في الفخ بقى؟ أنا إيه اللي خلاني النهاردة بس، والغي مشوار الفرح." قالت صفية:
"القعدة الحلوة ياأبلة هي اللي خلتلك تلغي مشوار الفرح، زي أنا كدة ما سأيبة المذاكرة وقاعدة جنبكم." "آه ياناصحة وخلي القعدة تنفعك في آخر السنة." قالت زهرة فهتفت رقية: "بت ياصفية قومي من هنا وروحي ذاكري." "بس ياستي." "اخلصي يابت." نهضت صفية مغادرة الجلسة على مضض بعد إصرار رقية التي خاطبت كاميليا: "قوليلي بقى ياحلوة واعترفي، إيه اللي مخليكي بترفض في العرسان ومش عايزة تتجوزي." "إزاي بس ياستي؟ والنعمة عايزة بس النصيب."
"نصيب في عينك، برضوا بتلفي وتدوري ومش تقولي." "آه" تأوهت صارخة من قبضة أخرى على ذراعها فهتفت باستسلام: "هاقول والله وهاقول." قالت وصمتت قليلًا معهم قبل أن تتابع أمام نظراتهم المتفحصة: "بصراحة بقى أنا مقدرش أسلم واحد قلبي وجسمي غير وأنا متأكدة مية في المية إني بحبه، وإنه هايصوني ومايخونيش مع أي واحدة غيري." "ودا هاتجيبيه منين بقى؟ هاتِفصليه؟ قالت رقية بسخرية ضحك على أثرها الفتيات، قبل أن تردف كاميليا:
"خلاص بقى يبقى ماتلوموش البنت لما تتأخر ولا ماتتجوزش خالص، مدام المسألة صعبة قوي كدة." "يخرب بيتك." تفوهت بها رقية بعد أن ألجمتها كاميليا بردها. *** "جاسر، يا جاسر، استنى ياعم." هتف طارق من خلفه وهو يلاحق خطواته السريعة في البحث عن سيارته في موضع السيارات. توقف الآخر يرد بغضب: "بتنده ليه؟ مش خلاص السهرة انفضت وأنا قولتلك ماشي؟ اقترب طارق يرد عليه بلهث:
"يابني مش عايزك تفهمني غلط، والله ما أعرف إنها بتيجي هنا، أنا أصلًا بقالي فترة مابجيش هنا." تنهد جاسر يردف له: "خلاص يا طارق، اللي حصل حصل، مافيش داعي للاعتذار وأنا مسامحك خلصنا." أومأ طارق ببعض الارتياح، ثم ما لبث أن يتحدث بجدية: "بس الصراحة، انت كسفتها يا طارق، كونك تخرج من المحل بمجرد ما هي دخلت، أي حد هايفهمها دوغري." "خلي اللي يفهم يفهم بقى وياريت هي تحس على دمها لحد كدة."
قال جاسر بعدم اكتراث. حدق به طارق قليلًا يتمتم: "دا انت بقيت بتكرها فعلًا يا جاسر." "أكرها ولا أحبها حتى، خلاص بقى خليني أروح." قال وهو يلوح بكفه ذاهبًا من أمام صديقه، حتى إذا وصل إلى سيارته وجلس فيها، أخرج هاتفه على الفور يطلب رقمها بدون تفكير. "الو... "أيوه يازهرة." وصله صوتها المتردد بقلق: "الو.. أيوه يافندم، هو في حاجة حصلت؟ أربكه سؤالها له على الفور، فقال متحججًا: "لأ، أنا بس كنت بطمن عليكِ بعد ما وصلتي."
شعر بغباء قوله من صمتها، فغير بفكرة أتته على الفور: "زهرة هو انت معاكي حساب على الفيس بوك؟ قطبت تجيب عن سؤاله الغريب: "لأ طبعًا، أنا معنديش حساب في أي حتة، انت بتسأل ليه؟ ردد بمكر: "لأ يعني، أصل في واحدة دخلتلي على الخاص بنفس الأسم، افتكرتها انتِ." هتفت غاضبة بتشنج: "لأ طبعًا حضرتك، مش أنا اللي أعمل كدة ولا أنا بالأخلاق اللي تسمحلي أعمل حاجة قليلة الأدب زي دي." صمتت بعد أن وصل إلى أسماعها أصوات غريبة مكتومة،
فتابعت تسأله بقلق: "حضرتك هو في إيه عندك؟ وانت مابتتكلمش ليه؟ هو انت حصلتلك حاجة؟ بسؤالها الأخير أبعد السماعة ولم يستطع الإكمال، حتى لا يصل إليه صوت ضحكه الذي لم يقدر على كبحه ولا توقفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!