الفصل 12 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
21
كلمة
4,946
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

على الكرسي الجلدي الذي كانت جالسة عليه، تهزهز بأقدامها بعصبية، تنفخ دخان سيجارها الذي يخرج وكأنه حريق نابع من داخلها، تهذي بالكلمات الساخطة بعدم تصديق: -أنا يامرفت، أنا مرفت يعمل فيا كدة ويخلي شكلي زبالة قدام صحابي، بقى مريهاااان يتعمل فيها كدة يامرفت؟ لوت ثغرها الأخرى وهي تجيبها: -بصراحة أنا مش عارفة أقولك إيه؟ الموقف اللي حكيتيه يثبت فعلًا إنه موقف زبالة، بس أنا اللي مستغرباه هو بيعمل معاكي كدة ليه؟

هو مش عارف إن انتوا مشهورين وموقف زي دي الناس ماهتصدق تحكي فيه، دا غير إنه كدة بيحرجك فعلًا قدام صحابك. ردت ميري من تحت أسنانها: -إلا يحرجني! دا الأوباش أخدوها فرصة عشان يتريقوا ويهزروا بسخافة عليا أناااا، الحيوانات. -أديكي قولتي بنفسك، أوباش وحيوانات كمان، إيه بقى اللي مخليكي مستمرة معاهم؟ ماتسبيهوم وافضي لجوزك دا اللي هايروح منك وكفاية بقى. قالت مرفت بغضب، قابلته الأخرى بضحكة ساخرة تردد: -أفضى لمين ياقلبي؟

هههه ياحبيبتي جاسر الريان دا لو حتى عملتلوا أمينة وبقى هو سي السيد، برضوا مش هايحن، أنا عارفاه هو بيعمل كدة قصد عشان أطلب الطلاق. تساءلت الأخرى وهي تمط شفتيها بدهشة: -معقوول؟! هي لدرجادي الأمور اتعقدت مابينكم؟ -وأكتر كمان من الدرجادي ياروحي. أردفت ميري وهي تشعل سيجارة أخرى وتابعت: -جاسر قلبه أسود، من يوم الحادثة وهو مش راضي ينسالي اللي حصل. -لما سبيته يتعالج في أوروبا لوحده؟ قالت مرفت بتخمين، ردت ميري بتشدق:

-وافرض يعني سيبته؟ ماهو كان معاه والدته، بصراحة أنا كمان متحملتش عصبيته وجو الخنقة بتاع المستشفيات والقرف، وانتِ عارفاني يامرفت بحب الحرية والأنطلاق، ماليش بقى في الجو البلدي ده. زفرت مرفت بملامح ممتعضة قبل أن ترد عليها: -اهو الجو البلدي دا ياناصحة هو اللي خلاه قلب عليكي لما موفقتيش جمبه في شدته، بس أنا مازلت فاكرة يا ميري، انتِ مش بس رجعتي مصر وسبتيه، لا دي انتِ كنتِ عايزة تطلقي كمان. ردت ميريهان بتوتر:

-مما هو بصراحة أنا خوفت قوي لما الدكاترة خمنوا عدم وقوفه على رجله من تاني، دا غير كمان لما قالوا إن احتمال مايخلفش. خرجت الأخيرة بخزي وصوت خفيض، أومأت مرفت برأسها وقد وصلها المعنى: -اااه يبقى عشان كدة بقى، ياخسارة ياميري، كان لازم تصبري شوية وتفهمي من الأول؛ إن واحد زي جاسر الريان ده لا يمكن هايتقبل الهزيمة ولا الضعف، جاسر عنده إرادة حديدية مكنته إنه يتخطى ويرجع أحسن من الأول كمان.

زفرت ميري تشيح بوجهها عنها لعدم تحملها الحقيقة قبل أن تردف: -اهو اللي حصل بقى، طلبت الطلاق ووالدي مرديش وبعدها صاحبنا دا رجع على رجله، حاولت كتير أتقرب وهو رفض، صبرت عليه وحطيت في بُقي جزمة قديمة لما خاني مع أشكال زبالة وأنا مكانش بيقربلي وبرضوا لا حن ولا قدر حتى، بس المدة طالت قوي، وهو بيزيد في غباءه وعِنده معايا، وأنا هاموت والمسه وهو حرمني من قربه، بس زهقت بقى وقرفت. -ميري، بصيلي هنا وحطي في عينك في عيني.

أردفت مرفت وهي تمسك بأطراف أعصابها على ذقن ميري لتنظر إليها جيدًا وتابعت: -انتِ عارفة كويس إنه كان بيخونك عشان يردلك القلم ويثبت لنفسه إنه تمام، وانتِ اللي جبتيه لنفسك يبقى تصبري كمان وتحاولي تغيري من نفسك. نزعت يدها عن ذقنها بعنف هاتفة: -تاني انتِ كمان أغير من نفسي، أبوس على ايده مثلًا عشان يرضى عني؟ دا قافل في وشي بالضبة والمفتاح، عالعموم أنا بلغت والده عشان يشوفلي صرفة معاه، ماهو الإهانة دي لا يمكن أعديها على خير.

برقت لها مرفت بعدم تصديق: -يانهار أبيض، انتِ اشتكيتي لوالده ياميري وهو في المستشفى بيتعالج برا؟ أردفت الأخرى بعدم اكتراث: -امال يعني عايزاني اسكت على كرامتي اللي اتهانت؟ مش كفاية والدي اللي مرديش يسمعني أصلًا بحجة إنه مشغول بأمور الوزارة والكلام الفارغ ده! ........................................ -بتقول إيه؟ هتف بها جاسر وهو يترجل من سيارته إلى محدثه في الهاتف وأردف:

-هي البت دي معندهاش دم ولا إحساس، بتتصل بيك وانت راجل تعبان بتتعالج في آخر الدنيا على حاجة تافهة زي دي؟ وصل إليه صوت أبيه بضعف: -يابني مهياش حاجة تافهة، ثم كمان هي ماقلتس لحد غريب، امال يعني عايزها تشتكي لوالدها بقى عشان يكبر الموضوع وتبقى حكاية. صاح بغضب وهو يدلف لداخل منزله الكبير: -ولا يقدر يعمل حاجة، يتشطر الأول على بنته اللي داخلة ملهى ليلي الساعة ١٢ بعد نص الليل، هو ليه عين يكلمني أساسًا!

وصل إليه صوت والدته التي تناولت الهاتف من زوجها وتدخلت بحديثهم: -يابني ياحبيبي بلاش عصبيتك دي، أنا ميت مرة أقولك اتفاهم معاها، انت بس اديها ريق حلو دي ماهتصدق، أنا بنت اختي بتحبك وهاتموت عليك. أردف بضحكة متقطعة ساخرة:

-تاني برضوا ياماما بتحاولي معايا، بعد ماورطتيني فيها بحجة إنها بنت الغالية حبيبة قلبك، اللي ماتت في عز شبابها واتحرمتي منها، أقنعتيني إنها يتيمة ومحتاجة اللي يطبب عليها عشان تتعدل، وهي ضلع معوج بكتير الدلع وحب النفس والأنانية، أنا معدتش جاسر بتاع زمان ياست الكل ولا انت نسيتي؟ -يابني ياحبيبي.... -معلش والنبي الله يخليكِ ياأمي، اقفلي دلوقتي وبكرة الصبح هاتصل أنا وأطمن عليكم. -ياجاسر.......

كان قد وصل إلى غرفته وهو ينهي المكالمة بعد مقاطعة والدته، رمى الهاتف وسلسلة المفاتيح على المقعد الوحيد الذي وجده أمامه قبل أن يسقط بظهره على التخت، يتنفس بثقل، وكل عضلة بجسده تأن من التعب، بالإضافة تزاحم الأفكار السيئة بعقله بعد أن عادت إليه مشاهد الحادث القديمة، ومراحل العذاب في العلاج الشاق بعد ذلك حتى يستطيع الوقوف على أقدامه مرة أخرى، وقد ظن عدم النجاة وانهيار عالمه، أغمض عينيه يستعيد وجهها الجميل بمخيلته ويتذكر

مشاكسته لها منذ قليل وردودها العفوية التي تُسعده دائمًا، تنهد من العمق وهو يفتح أجفانه على رؤية الغرفة الكبيرة الخالية من الحياة، لأول مرة منذ فترة طويلة يكره شعور الوحدة فيها، بعد أن كييف نفسه عليها بل وكان يجد الراحة بها، لكن كان هذا قبل أن يراها!

............................................... بعد أسبوع. دلف إلى الشركة التي جعلها المقر الرئيسي لقيادة المجموعة، يقضي معظم يومه بها، يدير كل شئ من داخلها، عكس ما كان ينتوي سابقًا، قبل أن يراها وتتغير معه كل خططه، خطواته السريعة توقفت فور أن دلف للغرفة الواسعة، حينما رأى ابتسامتها التي تسلب لب قلبه؛ وهي تتحدث في الهاتف غافلة عنه، بطء بخطواته حتى أصبح قريبًا منها ويستمع إلى محادثتها:

-حبيبي والله زي مابقولك كدة، رقية حكمت عليها تبات معانا ليلتين وصاحبتك ماصدقت، دي روحت بالعافية والنعمة بعد ما والدها اتصل وبهدل الدنيا معاها، واقعة أوي بصراحة يعني؟ صمتت قليلًا تستمع لرده عبر الأثير فانطلقت ضحكة بصوتها كادت أن توقف قلبه من خلفها، ورأسها تميل للخلف حتى اصطدمت عيناها به فانتفضت تنهض مجفلة أمامه حتى أغلقت المكالمة دون أن تدري: -جاسر بيه، اسفة والله مكنتش واخدة بالي.

رغم الإحباط الذي انتابه بتوقف ضحكاتها، لكنه تمكن من رسم الجمود كالعادة في حديثه: -مش تخلي بالك يا آنسة من ضحكتك وانتِ في مكان شغلك. أومأت برأسها وردت وهي مطرقة رأسها: -عندك حق، مش هاتكرر تاني يافندم. صمت قليلًا وانتظرته هي أن ينصرف ولكنه فاجأها بسؤاله الفضولي: -كنتِ بتكلمي مين؟ رفعت عيناها إليه باندهاش وردد هو: -بسألك، مين دا اللي كنتِ بتناديه ياحبيبي؟ عضت على وجنتها من الداخل تكبح غضبها، فقالت متصنعة الابتسام:

-دا يبقى خالي يا جاسر بيه، أنا كل كلامي كدة معاه. -خالك خالد. أردف بها قبل أن يتحرك قليلًا ثم استدار قائلًا: -أنا بسألك بس عشان مصلحتك، مهما كانت معزة خالك عندي، الكلمة دي مايصحش تتقاله عشان بس ماحدش يسمعك ويفهمك غلط بعد كدة. أومأت برأسها بعدم اقتناع، أملًا في ذهابه الذي حدث بعد ذلك ولكنها أوقفته قبل أن يدلف لغرفته هاتفة:

-على فكرة يا جاسر باشا، أنا خلصت كل الملفات المتكومة، يعني النهاردة بقى يحقلي آخد فرصتي زي بقية الموظفين في البريك بتاعي. التفت برأسه لها بنظرة حانقة قبل أن يدلف لمكتبه صافقًا الباب بقوة أمامها. ....................................

بداخل دكانه الذي كان يعمل به بجهد وقد توفرت معه المواد الخام كي ينهي الأعمال القديمة والتي توقفت منذ زمن، بيده إحدى الوسادات التي يعمل عليها بتركيز، وبجواره من الناحية الأخرى العامل الصغير، المدعو عامري. يعمل هو الآخر بقطعة أخرى، ارتفعت رأس الاثنين فجأة على صيحة جهورية أجفلتهم: -صباح الخير عليك يا عم محروس. -فهمي! هو انت خرجت إمتى من السجن؟

تمتم بها محروس بعد أن انتفض وسقطت الوسادة منه على الأرض وهو يرى الظل الطويل أمامه بمدخل الدكان، يخطو ببطء وخطوات متمهلة، بوجهه الإجرامي وملابسه المتسخة بفعل السجن، قال مخاطبًا الفتى: -قوم ياعسل روح هاتلي حاجة ساقعة من البقال اللي في الشارع اللي ورانا. تسمر عامري بجلسته بعد تركه ما كان يعمل به أيضًا فانتقلت عيناه باستفسار إلى معلمه الذي هدر عليه فهمي: -في إيه يا جدع؟

ماتقول للواد يتحرك يجيبلي حلاوة خروجي من السجن ولا انت مش فرحان بخروجي من السجن يامحروس؟ استدرك نفسه محروس يستوعب الصدمة فهتف على صبيه: -روح ياعامري نفذ اللي قالك عليه عمك فهمي، قوم يابني اتحرك بسرعة، حمد الله عالسلامة، كفارة يا فهمي. أومأ له الفتى وهو ينهض على مضض كي يخرج ويتركهم. بعد مغادرته تناول فهمي أحد المقاعد ليجلس عليها بالعكس ليصبح مقابل محروس الذي كان يبتلع ريقه بصعوبة من الخوف. -عامل إيه يامحروس من غيري؟

بتعرف تصرف نفسك من الكيف؟ سأله بنبرة غريبة، أجابه محروس على تخوف: -لا ماهو الواد شمة اللي كان شغال معاك، مقصرش معايا بصراحة، كان بيديني اللي بطلبه منه وكله بحسابه. ردد فهمي بتمهل وهو يتناول سيجارة من جيبه ليشعلها: -اه صح عندك حق، كله بحسابه، بس ياترى بقى دفعت انت حسابه؟ رد محروس بعدم فهم: -اه طبعًا، وحتى اسأله، أنا مافيش مرة سحبت منه حاجة إلا وتمنها في إيده الأول. -والتمن بقى جايبه منين ياغالي؟

صاح فهمي فجأة وهو يباغت محروس بجذبه من قميصه، جعل الخوف يزحف بأوردته: -الله الله يافهمي، إيه اللي حصل يا جدع؟ وانت بتعمل معايا كدة ليه؟ هدر فهمي وهو يجز على أسنانه بعد أن أوقع السيجارة من فمه، وأصبحت أنفه تنفث دخانًا يلفح بشرة محروس:

-بعمل كدة عشان انت جبان، خيخة، اعتبرتك راجل لما اديتك الفلوس مهر البت عشان تجوزهاني وفي الآخر خدت أنا على قفايا، خطيبة المحروس اتفقت مع أخوها الظابط وعملوا عليا رباطية عشان يدخلوني السجن وماخرجش منه تاني، لكن لا يا حبيبي، العيال هي اللي شالت الليلة عشان أنا صفحتي بيضا والبوليس فتشني وملقاش في هدومي حاجة. -طططب ماهو دا كويس يافهمي، مدام ربنا نصرك عليهم وخدت براءة، قال محروس بتلجلج من الخوف، جز الآخر

على أسنانه أكثر في قوله: -لا مش كويس ياعنيا، عشان الزفت أخو المحروسة حطني في دماغه وحلف إنه هايسود عيشتي لو قربت من الكونتيسا بنتك، يعني لبست غضب الحكومة بسببك. دافع محروس يومئ بكفه نحو صدره: -أنا يافهمي؟! وأنا ذنبي إيه بس في الليلة دي؟ شدد فهمي من قبضته على تلابيب قميص محروس يهزهزه بعنف هادرًا:

-ماهو انت لو راجل وبتعرف تحكم أهل بيتك، مكانش أي حاجة من دي حصلت، اسمع أما أقولك ياض، قدامك فرصة أسبوع بالكتير، ياتردلي الفلوس اللي أخدتها على داير مليم، والكيف اللي كنت بتبلعه على حسابي، ياتجوزني البت وبرضاها تمنع الرباطية دول عني. فاهم ياخيخة. صمت محروس بصدمة فدفعه فهمي للخلف بقوة حتى اصطدم ظهره بالحائط حتى ألمه بشدة. -ومن غير سلام.

أردف بكلماته الأخيرة وهو ينهض بعنف عن كرسيه الذي ارتمي على الأرض، تاركًا محروس يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يشتكي من آلام ظهره، مصعوقًا مما حدث وما ينتظره من أيام سوداء بعد تهديد فهمي الصريح له. .................................. في الموقع الجديد لها وهي جالسة على مكتبها تعمل بكل طاقة ونشاط، سمعت طرق مهذب على باب غرفتها، رفعت عيناها فتفاجأت بمن يطل برأسه إليها مستأذنًا بدماثة ولطف: -صباح الخير، ممكن أدخل؟ -كارم!!

أهلًا بيك اتفضل طبعًا ودا برضوا كلام. قالت وهي تنهض عن مقعدها لترحب، تقدم هو ليصافحها قبل أن تشير إليه ليجلس أمامها. -المكتب نور. قالت بابتسامة ودودة، بادلها ابتسامتها مرددًا: -المكتب منور بصحابه ياستي، بس إيه الجمال ده، دا انتِ طورتيه وحطيتي فيه من روحك. ازداد اتساع ابتسامتها وهي ترد: -الله يخليك يارب، أشكرك على ذوقك. أومأ لها برأسه قائلًا بإعجاب: -حقيقي تستاهلي الترقية يا كاميليا، أنا بباركلك من قلبي فعلًا.

-الله يبارك فيك، بس انت كنت مختفي يعني طول الفترة اللي فاتت، دا حتى اجتماع المجموعة محضرتهوش؟ ابتسم بداخله على ملاحظتها لغيابه، وأجاب: -لا ما أنا كنت برا البلد بظبط الدنيا للباشا الكبير وحرمه، ولما اطمنت على كل حاجة رجعت. -واوو دا انت بتسد مع جاسر باشا بقى برا وجوا كمان، صدق اللي قال عليك إيده اليمين. تبسم بانتشاء وقد أطربه تعبيرها وقال:

-الحمد لله أنا ببذل المجهود في الشغل من قلبي وحمد لله ربنا بيوفقني والأقي التقدير، متهيألي إنك شبهي. أومأت بسبابتها نحوه تردد: -أنا شبهك انت معقول؟ -مين شبه مين؟ أتت فجأة من هذا الذي دلف إليهم دون استئذان، نهض كارم يرحب به مصافحًا: -طارق بيه أهلًا بيك. بادله المصافحة بأطراف أصابعه مرددًا: -أهلًا بيك ياسيدي؟ انت جيت من أمتى؟ أجاب كارم وهو يعاود الجلوس:

-أنا وصلت من السفر امبارح، عديت على مكتبك، قالولي إنك تحت مع العمال، قولت أجي أبارك للزميلة كاميليا على المنصب الجديد، بس الحمد لله إني شوفتك عشان يدوبك بقى أمشي. -أومأ له برأسه ليخرج؛ مشمئزًا من أدبه الزيادة كما يصنفه دائمًا، ولكنه تفاجأ بردها هي من خلفه: -طب استنى أشرب شاي حتى، هو انت لحقت تقعد. -ربنا يحفظك يارب، ملحوقة إن شاء الله الجيات كتير، سلام يا طارق باشا. أردف بكلماته قبل أن يغادر، فنهض طارق

خلفه يغمغم بحنق وصوت خفيض: -يقولها شبهي والجيات كتير وهي تعزم عليه بالشاي، اللي ما عملتها في مرة حتى معايا. -انت بتقول حاجة يا طارق بيه؟ -لا ياستي مفيش، عن إذنك. رد على سؤالها وهو يخرج بأناقة رغم غضبه: ................................... في وقت لاحق من اليوم.

حينما أتى وقت استراحة الموظفين، خرجت سريعًا وكأنها طفلة وهذا موعد خروجها، فاخيرًا سمح لها هذا المتجبر لتأخذ فرصتها كالاخرين، كانت تهرول بخطواتها وكأنها تخشى منه إيقافها، لا تعلم أنها مراقبة من شاشته كالعادة، دوى هاتفها باتصال دولي فبطئت من خطواتها لتجيبه: -الوو...... أيوه يا خالي بتتصل ليه تاني؟ -هو أنا لحقت أتكلم معاكي أصلًا يابت ال..... نسيتي إنك ناهيتي وقفلتي في وشي من غير استئذان. خبأت بكفها ضحكتها

قبل أن ترد على سبابه: -مافيش فايدة فيك، مهما وصلت ولا اتعلمت ولا حتى سافرت، برضوا واخد طبع رقية في الشتيمة. -أيوه ياختي أنا واخد طبع أمي في الشتيمة خليكي انت المؤدبة فينا. أردف خالد قبل أن يضحكها مرة أخرى ثم أكمل: -المهم بقى عشان أنا مش فاضي دلوقتي، بكرة إن شاء الله هايوصلك عالبنك بالمصري كدة يجي خمسة وخمسين ألف جنيه. -خمسة وخمسين.

-أيوه يابنتي، هاتدفعي منهم لسمسار الغبرة قسط خمس شهور الشقة على الشهور اللي فاتت والخمسة مصاريف ليكِ انتِ وستك. رددت زهرة على تخوف من المسؤولية: -ربنا يسهل يا خالي إن شاء الله. شدد خالد بكلماته: -خلي بالك من نفسك يازهرة وحرسي من الحرامية ياعين خالك، أنا سالف نصهم، يعني قدامي كام شهر تاني على ما أقدر أبعت غيرهم. -تمام يا خالي ربنا هو المعين. -ونعم بالله. ................................

بعد انتهائها من المكالمة مع خالها نزلت بالمصعد سريعًا إلى كافتريا الشركة وهي تطلب غادة كي تصاحبها إلى هناك، وقبل أن تصل إلى هناك، كادت أن تصطدم به خارجًا من إحدى الغرف، رفع كفيه يتراجع ضاحكًا بقهقهة حتى أخجلها فابتسمت له بخجل، ردد بغير تصديق: -أقسم بالله أنا لو حلفتلك إني كنت بفكر فيكِ، أكيد مش هاتصدقي صح. تساءلت بابتسامة مستترة تدعي الجدية: -ليه يعني؟

-عشان غيبتي كتير قوي المرة دي، وأنا كل يوم أدخل الكافتيريا مخصوص عشان أشوفك وانتِ مابتجيش. قال مباشرةً بدون مواربة أجفلها حتى انعقد لسانها عن الرد واخفضت عيناها كالعادة، هم ليتابع هو ولكن ظهور غادة أوقف كل شئ. -واقفين مكانكم ليه؟ ماتكملوا طريقكم عالكافتيريا. قالت غادة وهي تقترب منهم، رد عماد: -لا وحاجة، أنا بس كنت بحكي لزهرة عن فرح أختي اللي تم امبارح. -إيه دا؟ انت أختك اتجوزت صح امبارح؟

سألته غادة وارتفعت أنظار زهرة إليه لتتبين صدقه، أجاب هو بكل ثقة: -حمد لله ربنا تم على خير وسترناها، عشان أفضي بقى لنفسي وأدور أنا كمان على صاحبة النصيب. قال وعيناه على زهرة التي وصلها تلميحه، فتابع يخاطبهم: -تعالوا معايا جوا أجيبلكم حاجة تشربوها، وبالمرة أفرجكم عالصور.

وافقت غادة بحماس حتى سحبت معها زهرة المترددة، ليجلسن الثلاثة على طاولة وحدهم، يريهم صور شقيقته والعائلة وأجواء الفرح، وهن يعلقن على ما يرونه بتركيز، غافلين عن أعينٍ تراقبهم من خلف الشاشة بغيظ، حتى فاض به وخرج من الغرفة نهائيًا. ....................................

حينما قارب انتهاء فترة استراحتها، ذهبت زهرة إلى موقعها على الفور، حتى لا تترك له فرصة لمعاقبته بتأخرها، ولكنها اصطدمت به فور عودتها جالسًا على طرف مكتبها، واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ينظر أمامه في الفراغ، ظنته شاردًا فتمتمت داخلها بقلق: -استر يارب، ودا إيه اللي مقعده هنا؟ دا البريك حتى مخلصش. التفت إليها فجأة وكأنه شعر بحضورها، فاعتدل بحسده مخاطبًا إياها بأمر:

-البسي شنطتك عشان انتِ خارجة معايا دلوقتي حالًا، عندنا ميعاد مع عميل مهم. رددت بعدم استيعاب: -أخرج فين حضرتك؟ ثم إن جدول مواعيدك النهاردة مافيهوش مواعيد مع عملاء أساسًا. أردف لها بحزم: -دا ميعاد ظهر فجأة، فبلاش تجادلي معايا واخلصي ياللا أنا مستنيكي في العربية تحت، تحرك ليذهب ولكنها أوقفته هاتفة: -بس يافندم أنا مابخرجش معاك في المواعيد اللي زي دي، كارم هو اللي بيقوم بالمهمة. التفت برأسه إليها ناظرًا

من طرف عينيه يجيبها بغموض: -لا ماهو الوضع اتغير، زي مافي حاجات كتير هاتتغير بعد كدة! ............................... بعد قليل بداخل المطعم الفاخر، والجديد عليها بديكوراته الغريبة، وألوانه الهادئة، إضاءته الخافتة وموسيقى بالكاد تسمع، وزعت الطاولات فيه بشكل متباعد، يناسب خصوصية زبائنه القلائل والواضح من ملابسهم وما يرتدونه، حجم الغناء الفاحش، عكس ما ترى دائمًا في المطاعم التي تعرفها، أو حتى التي دخلتها مع كاميليا.

بدأ القلق يسري بداخلها وهي ترى نفسها وكأنها من كوكب آخر بينهم، بالإضافة إلى نظراته المسلطة عليها مباشرةً والتي تشعرها بعدم الارتياح، تتملل في جلستها، تتهرب بعينيها بالنظر حولها في أرجاء المكان حيث تذهب كل دقيقة نحو المدخل، مع دخول كل فرد من الرجال وكأنها ستعلم بهوية العميل الذي لا تعرفه. -إيه مالك متوترة ليه؟ سألها بصوته الأجش، قالت هي بارتباك وهي تنظر حولها بطرف عينيها:

-ولا حاجة يافندم، بس حاسة نفسي غريبة بلبسي عن الناس اللي هنا. -انتِ مش غريبة يازهرة، بالعكس انتِ أحلى منهم كلهم. -نعم! أردفت بها وهي ترفع عيناها إليه ولا تدري إن كانت سمعت جيدًا أم لا، ليجفلها بقوله الآخر: -تعرفي تفرقي بين الرغبة والحب الحقيقي يازهرة؟ سهمت وهي تنظر إليه وقد ارتسم على ملامح وجهها عدم الفهم مع بوادر الغضب، فتابع: -أنا مش بسألك بنية وحشة بالعكس أنا عايزك تفهمي اللي عايز أقوله.

-وإيه هو اللي انت عايز تقوله؟ قالت بحدة لم تؤثر فيه، أردف بسؤال: -قوليلي يازهرة انتِ اتخطبتي قبل كدة؟ -لا. نفت بقوة فابتسم بزاوية فمه بارتياح وأومأ لها: -اشربي اللي قدامك يازهرة، أنا طلبتك قهوة باللبن زي مابتحبي، بس هي مختلفة شوية عشان هنا بيعملوها بشكل يجنن، أنا قاصد أجيبك هنا أساسًا عشان كدة. نظرت إلى الفنجان الذي يقصده فتفاجأت بحجم الرغوة التي تشكلت أمامها وكأنها قلوب، رفعت رأسها ناظرة إليه بقوة تسأله:

-هو انت عايز توصل لإيه بالظبط ساعدتك؟ -أوصلك انتِ. -إيه؟ خرجت منها بخوف حقيقي وأكمل هو: -أنا عايز اتجوزك يازهرة، ...... يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...