لما تكملي سنة. أومأت برأسها بخيبة أمل متمتمة تستأذن للذهاب. "تمام يافندم. عايز حاجة مني قبل ما أخرج؟ تنهد قانطًا وهو يعود لعمله ويتناول أحد المستندات. "خدي الملف دا راجعيه واعملي له ملخص."
همت تتناوله ولكنها تفاجأت بعدم سماحه لمرور الملف من يده إليها بتشديده على إمساكه. رفعت عينيها إليه بتساؤل فأعطته الفرصة بدون قصد للنظر جيدًا إلى وجهها الحزين وعينيها التي كان بها أثر احمرار من فرط بكائها أمس مع بعض الهالات الصغيرة حولها نتيجة لسهرها طوال الليل بالتفكير في الكارثة التي حلت عليها. فسألها: "انت كنت معيطة؟
نفت برأسها وهي تحاول سحب الملف من جديد ولكنه فاجأها بترك الملف ليقف فجأة مقابلها يحدق بها من مستوى طوله ويعيد إليها السؤال بقلق: "إيه يازهرة بالظبط؟ وايه اللي مزعلك قوي كده؟ أجابت بإنكار وقد أصابها التوتر من هذا القرب المفاجئ له ورائحة عطره غطت على الهواء حولها. "لا حضرتك مافيش حاجة. ماتشغلش بالك انت." صمت قليلاً ليزيد بداخلها الشعور بعدم الراحة قبل أن يردف بصوته الأجش:
"أنا مستعد أديك اللي انت عايزاه بس انت تقولي السبب." "سبب إيه؟ سألته وهي ترفع عينيها إليه. أجابها يومئ بذقنه نحوها: "السبب اللي مخليك بالشكل ده." ارتدت قليلاً بتوتر ثم قالت تواجهه بشجاعة: "حضرتك قولت من ثواني بس مافيش سلفة لموظفة جديدة زيي غير لما أكمل سنة. يبقى الفلوس اللي هاتهالي دي هاتبقى إزاي بقى؟ أجفلته بردها كالعادة فقال بهدوء مع ابتسامة جانبية: "أنا مستعد أعملك استثناء يازهرة بس انت قوليلي مشكلتك."
صمتت قليلاً وعيناها الجميلتان تقابل عيناه الصقرية دون الخجل الذي يعتريها كالعادة تفكر بكلماته بتأنٍ قبل أن تجيبه برد مناسب: "متشكر جدًا يافندم على اهتمامك بس أنا ما أفضلش أبدًا إني أعالج مشكلتي بإنك تستثنيّني عن بقية الموظفين." حينما لم يتحرك وظل على جموده أمامها تحركت بخطواتها تستأذنه للخروج وقد أصبح الملف في يدها. "طيب أنا ماشية يافندم. عايز مني حاجة تاني؟
بهزة بسيطة من رأسه أجابها بالنفي لتخرج وتتركه على وضعه. تبعها بعينيه حتى أغلقت الباب خلفها ليسقط على طرف مكتبه جالسًا يمسح بكفه على شعر رأسه ووجهه بتفكير. *** بعد خروجها من مكتبه وجدت غادة جالسة أمام مكتبه تتأمل بأظافرها التي طلتها منذ قليل في وقت انشغال زهرة بالداخل. "مديرها؟ صباح الخير. انت جيتي ياغادة؟ ماشوفتكيش يعني من الصبح." قالت زهرة وهي تجلس على مقعدها خلف المكتب. أجابتها غادة:
"جيت من زمان ياحبيبتي بس انت اتأخرتي قوي جوا. قولت أسلي نفسي." "غااادة! خلي بالك من كلامك." خاطبتها زهرة بتحذير. التفتت إليها الأخرى برأسها تقول بمكر: "الله بقى هو أنا قولت إيه يعني؟ ولا انت كل كلمة مني لازم تاخديها بضمير وحش؟ ردت زهرة بشبه ابتسامة ساخرة: "يعني المشكلة بقت فيا أنا دلوقتي إن ضميري بقى وحش. ماشي ياستي. المهم بقى أنا كنت عايزاكي في حاجة ضروري." رددت غادة وهي تعتدل بجلستها نحوها باهتمام:
"حاجة إيه دي اللي انت عايزاني فيها ضروري؟ سألتها زهرة بتردد: "أنا عرفت إن والدك سوى معاشه بعد ما كمل مدته في شغل الحكومة." "أيوه ياختي سوى معاشه وقعد لنا في البيت زي الست المطلقة دي. أمي هاتطق من جنابها منه." قالت غادة وهي تلوح بيدها في الهواء بنزق. أردفت إليها زهرة: "ده أنا سمعت كمان إنه مكافآت الشغل في المصلحة بتاعتهم بتبقى مبالغ حلوة."
"أيوه هي المكافأة كانت كويسة يعني بس طبعًا قبض المعاش قل كتير قوي على مرتب الشغل اللي كان بيقبضه كل شهر." توقفت فجأة عن استرسالها فسألت زهرة بدهشة: "بس عجيبة يعني. دي أول مرة تسأليني! ردت زهرة بسؤالها مباشرة: "غادة هو أبوكي يرضى يسلفني مبلغ كده أحل بيه مشكلتي وأنا والله هاأعمل جمعية وأرد له المبلغ كامل في أقرب وقت." أربكتها المفاجأة في البداية ثم تداركت ترددًا بتبرير:
"ياريت ياحبيبتي كنت أقدر أكلمه ولا أقوله حتى. أصل أبويا ده بـ 100 حال ومحدش يعرف أبدًا بيفكر في إيه." "بس عمتي تعرف. أبوكي مش بيمشي خطوة من غير شورتها. كلميها ياغادة ولا أجاي أنا أكلمها بنفسي. أبويا خد الفلوس اللي بعتها خالي لأقساط شقته وراح سد بيها دين فهمي. خليها توقف معايا والنبي. شقة خالي هاتروح مني." قالت زهرة كلماتها برجاء وكان رد الأخرى مصممة بشفتيها تدعي الحزن قبل أن تجيبها باصطناع:
"ياعيني عليك يابنت خالي. ده انت واقعة في مصيبة على كده. بس ياريت والنبي كنا نقدر نساعدك. ما أنا نسيت أقولك أبويا بعد ما سحب الفلوس من شغله راح بيهم دغري واداهم لواحد صاحبه هايعمل معاه مشروع. أهو يشغل نفسه بدل ما يناكف في أمي ويقرفها." "ينافخ في أمي ويقرفها! رددت زهرة بعدم تصديق وهي تتمتم بداخلها:
"ده يتعمل لهم تمثال أساسًا في التناحة والجلد التخين من كتر التهزيق اللي بياخده منها. على العموم أنا كنت عارفة من الأول إن مافيش رجا منك ولا من أمك. قال يا مستني السمنة من بطن النملة! *** وفي عملها كاميليا وبعد انتهائها من اجتماع مهم بانصراف الوفد الضيف والقادم من شركة على وشك التعاون معهم. زفرت بتعب وهي تلقي نظارتها على سطح الطاولة الجالسة عليها تفرك بأطراف أصابعها على جبهتها من الإرهاق. "ايه مالك؟
هو انت تعبتي ولا إيه؟ سألها طارق بعد أن عاد للجلوس أمامها. أجابته وهي تريح رأسها على كف يدها المستندة على الطاولة أمامها: "بصراحة هاموت. أنا كان هاين عليا أسيب الاجتماع وأهرب وأسيبكم." "ما دام تعبانة كنت عملتيها بجد. تيجي على نفسك ليه يعني؟ ردت وهي تفتح عينيها إليه جيدًا: "ده بجد بقى ولا هزار؟ "لا والله ما هزار. أنا بتكلم جد. هو البني آدم يملك إيه تاني غير صحته عشان يضحي بيها يعني." قال بصدق وصل إليها
فأجابته بابتسامة مشرقة: "مرسي ياسيدي. متشكرين على ذوقك." راقته ابتسامتها الصافية على وجهها الجميل ولون القهوة بعينيها وهو يتحقق من لونهم لأول مرة عن قرب فقال ليجلي رأسه من الأفكار التي طرأت فجأة بها: "هو أنا ممكن أسألك عن سبب تعبك والإرهاق الشديد اللي باين على وشك؟ أصل دي مش عوايدك بصراحة." وعلى عكس المتوقع أجابته: "بصراحة هي مش مشكلتي أنا. هي مشكلة واحدة صاحبتي أو بالأصح هي مصيبة مش مشكلة." "ياه. لدرجادي؟
"وأكتر من لدرجادي كمان. الخيانة لما تيجي من أقرب الناس إليك بتقسم الضهر خصوصًا لما يكون الشخص ده المفروض يكون هو السند أو الركن الحنين اللي ممكن ترمي حملك عليه بقلب مليان يطبطب عليك وقت جرحك ويقويك." قالت كلماتها الأخيرة بشرود لفت انتباهه فسألها بفراسة: "هو انت تقصدي راجل ولا ست؟ أصل أنا حاسك بتتكلمي عن الاتنين." أجفلت تتدارك نفسها وتعتدل بجلستها وهي تتناول نظارتها مرة أخرى. جعله يصيح بداخله معترضًا كارهًا إخفاءها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!