فقالت بجدية: كنت عايزة أسألك يعني لو تعرف عربيتي دي لو حبيت ابيعها تجيب كام. أصل أنا اشتريتها تقسيط ومعرفش التمن الأصلي. قطب يسألها بدهشة: ولما انتي اشتريتيها تقسيط عايزة تبيعيها إزاي بقى قبل ما تخلصي أقساطها؟ أجابته بابتسامة مرتبكة: يعني أنا بسألك عشان لو حبيت أبيعها عشان أجيب غيرها. هاتعرف تقدرها. مط شفتيه مرددًا بتفكير: مش عارف بصراحة لأني مجربتش النوع بتاعها. بس ممكن أسأل ناس أصحابي وأشوف وأقولك. ***
في وقت استراحة الموظفين، خرجت زهرة لتجلس بداخل كافتيريا الشركة بركن وحدها بجوار النافذة الزجاجية الكبيرة، تتأمل الأشجار الخضراء أمامها وعقلها يسبح في العديد من الأفكار لحل لهذه المعضلة. "مش عادتك يعني تقعدي لوحدك من غير غادة." ارتفعت عيناها إليه وقد علمته من صوته، وردت بابتسامة: لا ما إحنا حبينا نغير بقى. اقعد يا عماد، أنت محتاج عزومة؟ جلس على الفور وسألها: شكلك متغير. هو انت في حاجة مزعلاكي يا زهرة؟
رددت بابتسامة متوسعة رغم الحزن الذي سكن داخلها: هو باين عليا أوي كده؟ باين جدا يا زهرة، حتى لو خبّيتي وداريتي بابتسامتك. أومأت برأسها قبل أن ترتشف من فنجانها، فتابع: فكي يابنتي وسيبي حمولك على الله، قادر ربنا يحلها. قالت بابتسامة مشرقة: انت طيب أوي يا عماد. ردد خلفها: مش أطيب منك يازهرة، انت ربنا ميزك بالاتنين. حلوة من جوه ومن بره.
حاولت تخفي ابتسامة خجلة، فضّحها تورّد وجهها وهي تتهرب من نظراته بارتشافها من القهوة باللبن، طلبه الدائم. *** نهض فهمي من جلسته على القهوة التابعة له بعد أن نبهه أحد صبيانه عن وجود من يسأل عليه بزاوية قريبة من القهوة. تمخطر بخطواته وهو يتحقق من الجسد الصغير، والتي كانت تتلفت يمينًا ويسارًا بتوتر، قبل أن تنتبه لوجوده فانتفضت تلاقي من ضخامة جسده وهيئته الإجرامية، قبل أن تتدارك نفسها أمامه وقالت:
أنا اللي كنت عايزة أسألك يا عم فهمي. رد فهمي بابتسامة ساخرة: نعم يا بيضة، وكنت عايزة عمك فهمي في إيه بقى؟ ابتلعت ريقها تشجع نفسها وهي تحاول تذكر الكلمات التي ظلت تحفظها طوال الليل، عسى أن يرق قلب الحجر. طبعًا أنت عارفني يا عمي، ما أنت ياما جيت بيتنا قبل كده. والنبي وحياة غلاوة أغلى حاجة عندك، رجّع الفلوس اللي بعتها خالد لأختي دي، الشقة هاتضيع منه والله. ضحك بدون صوت وهو يحدق بها بنظراته الوقحة، يجيبها:
طيب ما أنا عايز أرجعها يا عسل، بس أختك هي اللي مش راضية. ماتقنعيها يا قمر، مدام انت كدة عاقلة وشاطرة. ولا أقولك... ما تيجي انت يا صغنن، حكم عمك يحب يرمي جسمه برضه بالبدارة. تسمرت صفية تنظر بصدمة من وقاحة الرجل التي تعدت الحدود، حتى أجفلت على صيحة من خلفها باسمها. التفتت إلى شقيقتها التي كانت واقفة وسط الشارع بوجهها الغاضب تشير إليها بكفها. هرولت على الفور إليها، تترك هذا البغيض الذي ردد من خلفهم بصوته العالي:
آه ياني يا أما! طيب أختار مين فيهم يا جدعان دلوقتي؟ الوظوظ الصغنن ولا الوحش اللي مطير النوم من عيني ليلاتي. *** هتفت زهرة فور أن أدخلتها إلى داخل المنزل معها وهي تدفعها بعنف أمام نظرات رقية الجالسة في وسط الصالة كعادتها في هذا الوقت: انت اتجننت يابنت واقفة مع فهمي في نص الشارع وبتتكلمي وتتحاكي معاه كمان؟ ردت صفية بتوتر وندم: أمال أعمل إيه يعني؟
وأنا شايفاه بيشتري ويبيع فينا أفضل ساكتة وأنا السبب في كل اللي حصل. قولت أكلمه يمكن قلبه يحن. ها يا أختي، وقلبه حن بقى على كلامك؟ سألتها زهرة ساخرة، فردت صفية تنفي برأسها: لا طبعًا، دا عاكسني وقالي اتجوزيني كمان. قال إيه يا أختي! هتفت عليها زهرة وهي ترفع بقبضتيها في الهواء تجاهد للتحكم في انفعالها معها، ثم ما لبثت أن دفعتها من أمامها وهي تتجه نحو غرفتها مغمغمة بالكلمات: أنا لازم أشوف صرفة، لازم أشوف حل النهاردة.
سقطت صفية بجوار رقية التي لكزتها بقبضتها: ارسي على حيلك بقى وبطلي عمايل العيال بتاعتك دي، مش كل الناس عبيطة زيك! وإلى زهرة التي تسمرت بجوار خزانة ملابسها بعد أن أخرجت سلسال والدتها الحبيبة من الصندوق القديم، تنظر إليه بحسرة وقد أجبرها الظرف المقيت لبيعه، عسى بالمال الذي سيأتي من خلفه أن يساهم بحل جزئي لمشكلتها. "كان نفسي أحافظ عليك عشان من ريحة الغالية، لكن أعمل إيه بقى. اسمحيني يا أمي."
تفوهت بها بقهر المغلوب على أمره. *** ترجلت من سيارة الأجرة التي أوقفتها سريعا فور أن رأت الرجل المقصود أمامها خارجًا من البناية التي بها مكتبه يتحدث مع الحارس قبل أن يتوجه لسيارته. أستاذ ماهر لو سمحت استنى. التفت على مصدر الصوت الرجل قبل أن يهم يفتح باب سيارته، ينتظر قدومها بنظرات متفحصة خلف النظارة الشمسية. اقتربت زهرة تحدثه بلهث نتيجة عدوها السريع نحوه: الحمد لله إن لحقتك. خوفت لا محصلكش زي امبارح.
أهلاً يا آنسة زهرة، يارب تكون جيتك على خير المرة دي. تفوه بها الرجل الأربعيني بلهجة ممتعضة، وصلت لزهرة التي ابتعلت ريقها تخاطبه بحرج: خير إن شاء الله يا أستاذ ماهر، أنا بس عايزة تفهمني الأول. أومأ لها بكفه معترضًا: لا عايز أسمع ولا عايز أفهم، هي كلمة وبس. خالك اللي قاعد يتمرغ في فلوس الخليج افتكر العبد الغلبان في الأقساط اللي عليه ولا لأ؟
والله بعت قسط خمس شهور أول امبارح وجيتلك هنا عشان أسددهم، حتى اسأل الساعي بتاعك بس انت بقى مكنتش موجود. قالت زهرة بلهجة مترجية، فعاجلها بطلبه: يا ستي واديني جيت وقدامك أهو، فين بقى الفلوس؟ عضت على شفتيها تردد بهمس: للأسف الفلوس اتسرقت. ردد خلفها بغضب: نعم! ولما هي اتسرقت بقى جايالي ليه آنسة؟ ولا دي حجة جديدة للتأخير تاني؟ لأ بقى بقولك إيه، ماتزعليش مني لما أفسخ من بكرة، أنا كده عداني العيب يابنت الناس. عن إذنك بقى.
استنى والنبي يا أستاذ ماهر واسمعني. هتفت بها وهي توقفه، حتى جذبته من مرفقه بدون قصد، فالتف إليها برأسه بنظرة مذهولة جعلتها تتدارك نفسها لتنزع يدها سريعًا مرددة باعتذار: أنا آسفة معلش، هما كلمتين بس عايزة أسمعهم منك. نزل بعينيه نحو كفها التي تشير بها، فسألها بغموض: كلمتين إيه بالظبط اللي عايزاني أسمعهم؟ أجابته ببرائة غافلة عن عيناه المتخفية تحت النظارة التي تغيرت بها النظرة إليها:
أنا جايالك النهاردة عشان أعمل معاك اتفاق يا أستاذ ماهر، وطمعانة في كرمك إن توافق عليه. تحمحم يجلي حلقه ليهتف على حارس البناية وهو يرفع بيديه حزام بنطاله الذي يتساقط دائمًا مع تهدل كرشه في الأمام: عبد السميع خلي بالك من العربية على ما أطلع شوية كده أتفاهم مع الآنسة في مكتبي. أومأ له الرجل بالإيجاب وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته، يجيبه بلهجة غير مفهومة: انت تؤمر يا بيه. هو أنا هاطلع معاك المكتب دلوقتي؟ سألته باستفسار.
أجابها بانفعال: أمال عايزانا نتفاهم في الشارع يا آنسة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!