هلل طارق بصوته: "أوبااا دا إحنا اتطورنا قوي وبقينا نشتري هدوم ستات كمان. فين جاسر صاحبي اللي أعرفه ياناس؟ رد جاسر بحزم رغم ابتسامته: "بس يازفت هتفضحنا. المهم، أنا كنت بتصل بيك عشان أسألك خلصت صفقتك مع الجماعة الصينيين؟ أجابه طارق: "خلصت يا كبير ومضينا العقود كمان. المهم بقى، هاترجع إمتى إنت من سفرتك؟ رد جاسر: "لأ ما أنا خلاص اطمنت على والدي، يعني بكرة أو بعده بالكتير إن شاء الله وأرجع."
"ياخالي رد عليا. بلاش سكوتك ده والنبي." هتفت زهرة نحو محدثها من الجانب الآخر بعد عدة محاولات من الاتصال الملح، حتى استجاب أخيرًا لفتح المكالمة. وصلها صوت تمتمة: "علي أفضل الصلاة والسلام." ثم تنهد بثقل قبل أن يجيبها بلهجة جليدية: "أيوه يازهرة، سامعك." "لأ انت مش سامعني ولا راضي تفهمني حتى. بقولك والله اتلخبطت وعقلي اتشتت ساعتها. أنا حتى مش فاكرة دا حصل إزاي." هتفت زهرة بلهجة باكية وانتظرت قليلاً حتى جاءها الرد:
"كبرتي يازهرة واتخطبتي كمان. لأ وخالك بقى يسمع بالخبر زيه زي أي حد غريب عنك. دا أنا كأن سكينة اتغرست في صدري وشقت قلبي من جوا. بقى تتخطبي وأبوك هو اللي يقرأ فاتحتك! طب وأنا!؟ سمع صوت شهقاتها وأكمل غير مبالٍ: "هو انت بنت مين أساسًا؟ دوكها أبوكي عالورق، لكن أنا أبوكي الحقيقي. لما أسمع إن بنتي اتخطبت واتقرأت فاتحتها من ورايا، عايزني أحس بإيه؟ ازداد صوت شهقاتها حتى اختطفت منها رقية الهاتف ترد عليه:
"ما خلاص ياخالد بقى براحة شوية يابني، إنت عارفها كويس. دا تلاقيها اتكسفت ماترد أساسًا." جاء صوت خالد الحازم: "ارجوكي يا أمي اقفلي دلوقتي، أنا مش قادر أتكلم." تفوه بجملته ثم أغلق الهاتف على الفور رغم هتاف رقية: "ياخالد، إنت ياواد ياواد رد عليا." لم تحتمل زهرة فارتمت لداخل أحضان جدتها تطلق بكاءها الذي أصبح بنشيج عالٍ. *** "مساء الخير." أردف بها طارق بعد أن دلف لغرفة كاميليا واستأذنها للدخول. رحبت به بابتسامة جميلة:
"مساء الفل، إيه الأخبار؟ ألقى أمامها عددًا من الملفات قبل أن يجلس مرددًا بزهو: "شوفي بنفسك وانت تعرفي." شهقت كاميليا بمرح وهي تقرأ ما بداخل المستندات مرددة: "دا انت خلتهم يوافقوا على شروطنا كمان." مط شفتيه مرددًا بفخر: "دي أقل حاجة عندي، مواهب بقى." ابتسمت بفرحة حتى ظهرت أسنانها البيضاء لتقول: "طبعًا يا عم، حقك تقول أكتر من كده كمان. دا جاسر باشا هايفرح قوي لما يعرف." انطلقت ضحكة مجلجلة من طارق قبل أن يرد عليها:
"لأ ماهو سمع قبل ما تعرفي إنت كمان. لكن مافرحش قوي زي ما بتقولي كدة." صمتت قاطبة بعدم فهم فاستطرد هو: "أصل دماغه مش فاضية، هو للشغل والصفقات والكلام الفارغ ده. عقبال عندك بقى هايتجوز." اخفضت عيناها عنه بحرج فتابع هو: "ماتخافيش ياستي، أنا مش هافتّن ولا أبلغ حد. ما أنا عارف اللي فيها، مش صاحبه بقى يعني مطلع على الموضوع من أوله. بس أقسم بالله ما كنت أتوقع." ردت هي أخيرًا:
"وأنا كمان ما كنتش أتوقع برضه. ولا كنت أتوقع كمان الحركة اللي عملها عشان يقنع زهرة. دا تقريبًا بمفاجأته دي اللي عملها كان قاصد يشل تفكير البنت." بابتسامة متوسعة رد طارق: "قصدك يعني عشان فاجأها بوالدها. طب كنت عايزاه يعمل إيه طيب؟ ما البنت كمان راسها ناشفة ومترددة، وجاسر شاطر بيخلق فرصة من تحت الأرض. ولا إنتي تابعة عني؟ "لأ طبعًا مش تابعة عنه، بس الكلام ده في الشغل مش الحياة نفسها." قالت كاميليا وجاء رد من طارق:
"طب والشغل ولا الحياة نفسها، إيه؟ ماهو كله واحد. بس بصراحة بقى عاجبني عشان بيعرف يوصل للي هو عايزه. واللي أنا شايفه بقى، هو عايز صاحبتك أوي. ياريت هي تحس بيه." وكأن بكلماته كان يتحدث عن نفسه، جاء الرد الحاسم من كاميليا: "لو كان إحساسه صادق بالفعل هاتحس بيه. أما بقى لو كانت نزوة وخلاص، فالست قلبها دليلها أكيد." أومأ برأسه وقد ألجمه منطقها، يستوعب بعقله كل حرف من كلماتها. ***
بعد عودته من الخارج، وبداخل غرفته بالمنزل الذي استأجره سابقًا لوالديه حتى ينتهوا من رحلة علاج الوالد، كان يتفحص في أكياس المشتريات التي ملئت التخت أمامه ليتأكد إن كان غفل شيئًا. الأحذية، وملابس الخروج، وأدوات التجميل، والعطور، والملابس ال...
توقف بابتسامة عبثية حينما وقعت يداه على الأخير، يتفحص ما بداخله بدقة ويخرج كل منامة منهم على حدة، ليرفعهم أمامه ويتخيل رد فعل زهرة حينما تتفاجأ بهم. شعر بتسلية غريبة عند تذكره لمشاكسته لها أمس حينما ضغط عليها بإلحاح لترديد اسمه بدون ألقاب، رغم خجلها الذي كان ينعش قلبه من الداخل وهي تراوغ بسذاجة للتهرب، ولكنه كان لها بالمرصاد حتى نطقت اسمه أخيرًا، والذي كان وقعه على أذنه أجمل من أجمل أغنية سمعها بحياته. تدفق الحماس بداخله وهو يتناول الهاتف يتصل بها ليعيد الكرة. وجاء ردها
بعد وقت بصوت خفيض كالهمس: "الوو... الـوو... "أيوه يازهرة، عاملة إيه ياقلبي؟ جاءه الرد منها بضعف، فاقدًا للذة الأمس: "الحمد لله." قطب يسألها بقلق: "مالك يازهرة؟ هو انت تعبانة؟ وصله صوت شهقة مكتومة قبل أن تجيب بالكذب: "لأ، كويسة. مافيش حاجة." أثارت غضبه، فهدر بصوته: "ماتبطلي بقى تنكري، وإنتِ عارفة إنك مفضوحة وما بتعرفيش تكدبي أصلًا. إيه اللي مزعلك ولا تاعبك؟ على صيحته انطلق صوت بكاءها بحرقة. تنفس بعمق يهدأ من غضبه،
ثم حاول مهادنتها: "خلاص يازهرة، اهدي وما تزعليش مني. بس معلش بقى، خدي نفس طويل كدة عشان أنا مش هاسيبك غير لما تتكلمي." حاولت من جهتها تنظيم أنفاسها والتوقف عن البكاء قليلًا، فجعلته يردف: "حلو قوي ده. ممكن بقى تقوليلي عن السبب اللي مخليكي منهارة بالشكل ده؟ صمتت قليلاً قبل أن تخرج إجابتها: "خالي زعلان مني." "خالك زعلان منك ليه؟
سأل باستفسار، فانطلقت هي عائدة لوصلة بكاءها مرة أخرى، مما جعله يمسح بكفه على صفحة وجهه مرددًا: "تاني برضه يازهرة؟ يابنتي فهمي، وبعدها ارجعي للعياط من تاني." *** في اليوم التالي.
وفي مكان آخر، داخل أحد المخازن الضخمة بصحراء إحدى الدول العربية، كان واقفًا بقلمه ودفتره يدون البضائع الصادرة بالسيارات الضخمة والواردة منها أيضًا. يمسح بمنديله الورقي العرق الذي أغرق جبهته وجميع وجهه حتى رقبته وأعلى قميصه الذي ارتداه منذ قليل فقط، ولكن بفضل الحرارة الحالية كالعادة لم يتحمل. تنهد بثقل وهو يردد لنفسه: "إحنا بس اللي مكتوب علينا نتحمل! أجفل فجأة على هتاف أحد العاملين باسمه بصوت أجنبي عن أهل البلدة،
يردف بالعربية الركيكة: "ياخالد، ياخالد، هناك من يسأل عنك." "مين يا بني اللي عايزني؟ الكفيل ولا صاحب المصنع؟ سأله خالد باستفسار، ولكن الرجل أومأ بكفه يراقص رقبته بحركة حفظها خالد وهو يردد له: "الله أعلم يا أخي، أحد الرجال أخبرني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!