أبلغك أن هناك من ينتظرك بصحبة المدير بداخل مكتبه. قطب قليلاً يتساءل بحيرة: وكمان مع المدير! ربنا يسترك. قالها بضيق قبل أن يتحرك وهو يناول العامل الأجنبي الدفتر ليأمره بحزم: طيب خد وسجل أنت الصادر والوارد على ما أرجع. أنا مش ناقص عوق ووقف حال. وانسحب على الفور، يغمغم مع نفسه: يعني اللي عاوزني ده مكنش قادر ينتظر على ما تخلص الوردية؟ جايبها جمايل يارب...
وصل بحيرته إلى غرفة المدير الذي أمره بالدخول فور أن سمع طرقه على الباب. دلف خالد إلى داخل الغرفة المكيفة يلقي التحية على المدير والرجل الآخر الجالس أمام المكتب. "مساء الخير." رَدَّد الاثنان التحية، ثم وقف مديره يتقدم نحوه قائلاً بترحيب: "ادخل يا خالد وسلم على الضيف الذي أتى إليك مخصوص." قطب خالد باستغراب وهو يصافح الشاب الثلاثيني ذو الهيئة المهندمة بارتدائه ملابس فاخرة تنضح بالرقي. "أهلاً بك يا فندم."
شدد الآخر بمصافحته مردداً: "أهلاً بك يا خالد." تعجب خالد وقبل يسأل عن الهوية، وجد مديره يستأذن للخروج. "طيب أنا هاسيبكم بقى تاخدوا راحتكم. منور يا باشا." ألقى الرجل جملته الأخيرة وهو يخطو مغادراً. فارتفع حاجب خالد مردداً الكلمة باستغراب: "باشا! انتقل بعينيه نحوه بتساؤل، فوجده يبتسم له. "هو أنت مين يا باشا كده بالظبط وعايزني في إيه؟ سأله خالد مباشرة، وأجابه الآخر على الفور: "أنا جاسر الريان."
ضيق خالد عينيه قليلاً بتفكير قبل أن يستدرك مردداً: "آه." أردف بها وهو يعتدل بجلسته، واضعاً قدماً فوق الأخرى بِلفتة انتبه لها جاسر قبل أن يقول: "أهلاً وسهلاً بك يا جاسر باشا، لكن يا ترى بقى إيه سر الزيارة الكريمة؟ أجابه جاسر بهدوء:
"أنت عارف أنا جاي ليه يا خالد، بدليل القعدة اللي قصدت تقعدها أول ما سمعت اسمي. أنا جاي لك عشان نصفي النفوس. أنا لو قابلتك في البلد أكيد يعني ما كنتش هالجأ لأبوها. ثم إن والدها هو الولي الشرعي على فكرة." عاد لجلسته الأولى خالد يردد بغضب:
"أنا اللي أبوها مش محروس، أنا اللي أول واحد شيلتها وكبرت في ودنها لما اتولدت. أنا اللي ضميتها في حضني على عمر سبع سنين لما اختي افتكرها ربنا في حادثة خلت زهرة تفقد النطق لمدة شهرين. شهرين وأنا ألف بيها على الدكاترة لحد ما استجابت ونطقت. أنا اللي ربيت زهرة لحد أما بقيت كده وردة مفتحة وعروسة يتمناها أي راجل. أنت لو كلفت نفسك وسألت أي عيل صغير في الحارة كان هايقول لك مين كبيرها زهرة عشان تروح له وتطلبها منه، مش تبعت لأبوها يجيلك الشركة عشان تطلبه منه."
أردف الأخيرة بصيحة غاضبة نحو جاسر الذي فضل التريث قليلاً في الرد حتى يمتص غضبه، ثم قال: "ماشي يا سيدي، أنا بعتذر لك، بس عايزك بس تقدر إن أنا وضعي حساس ومش عايز أبين في الصورة دلوقتي لحد أما أنظم أموري وأحل مشاكلي. أنا عارف إنك ابن بلد وبتعمل حساب للضيف، أشحال بقى لما يكون ابن بلدك اللي جايلك بطيارة مخصوص عشان يراضيك." تبسم خالد بسخرية يرد:
"حلو الشغل ده، بتعرف تلعب على مشاعر الخلق صح. على العموم تمام وهانعديها، رغم إن الزيارة دي لو جات من البداية كانت الأمور اختلفت بكتير. المهم بقى واللي عايز أعرفه منك، إشمعنى زهرة؟ أجفله بالسؤال بعد وصلة من التقريع. التزم جاسر بضبط النفس حتى يجيبه: "هاجاوبك يا خالد رغم غرابة السؤال، وهاقولك القبول دا من عندك ربنا. وأنا من أول ما شفتها عجبتني." "امممم." تفوه بها خالد قبل أن يرد باستعلاء:
"والله كون إنها تعجبك فدا شيء عادي، أنا بنت اختي تعجب الباشا ياااا باشا، لكن بقى مش شايف حضرته إن الفرق ما بينك وبينها في العمر كبير؟ يعني مثلاً زهرة في يونيو الجاي هاتكمل 25 سنة، لكن حضرتك اللي يشوفك ما يديلكش أقل من 40." ابتسم جاسر يعض على شفتيه قبل أن يرد:
"حركة حلوة منك يا عم خالد عشان تعرف سني، بس على فكرة بقى أنت لو سألتني مكنتش هاتردد وأقول لك أنا عمري 34، يعني الفرق يدوب تسع سنين، وأظن يعني إن ده مش فرق كبير، ولا أنت إيه رأيك؟ ارتد للخلف مردداً: "رأيي! يعني لو قلت لك مثلاً إن الجوازة مش داخلة دماغي، هتاخد برأيي وتبعد من نفسك؟ ما زال يحاول ضبط النفس مع هذا المتعجرف ويتحرى الطريق الآمن معه، ولكن يبدو وكأنه سيصبح عقبة قوية أمامه حتى بعد زواجه بزهرة. صمت قليلاً
بتفكير ثم رد بذوق: "أرجو إنك توافق يا خالد، أنا عايز زهرة وافتكر إنها هي كمان عايزاني، وكده أبقى عملت اللي عليا وجيت لك مطرحك. ارجوك تبقى رؤوف بزهرة وتنزل قريب وتصالحها قبل جوازنا. أنت أدرى الناس بيها، زهرة هشة جداً ورقيقة، أكيد يعني مش هاتستحمل جفاك معاها." ارتبك خالد وقد أصاب هذا الغريب في تحليل زهرة رغم قصر معرفتها بها. توقف جاسر ليلتفت إليه قبل أن يفتح باب الخروج:
"أرجوك لو قررت الرجوع بلغني، وما تشيلش هم تذاكر ولا أي شيء، يكفي بس تأشر... طرقة خفيفة دفعت الباب لتلج لداخل المنزل، وخلفها ابنتها وهي تردد بصوت تدعي به الفرح: "أنتم فين يا أهل البيت؟ أنا جاية أبارك وأهني." انتبهت زهرة عليهم بداخل المنزل وهي تعطي الدواء لجدتها التي التوى ثغرها بامتعاض وهي تشيح بوجهها عنهم. "أهلاً يا عمتي، اتفضلي. هو انت محتاجة عزومة؟ قالت زهرة بعد أن انتصبت بظهرها وخطت لترحب بهم.
التقطتها إحسان من نصف المسافة تطبق عليها بجسدها البدين داخل أحضانها وهي تقبلها بوجنتيها بقوة: "يا أختي يا قمر، أنت كبرتي يا زهورة وبقيت عروسة تشرح القلب وتملي العين، هاتي بوسة تاني يا بت خليني أشبع منك قبل ما يخطفك العريس مننا." هتفت من خلفهم رقية من تحت أسنانها: "براحة على البت يا إحسان، دي مش حملك." أطلقت ضحكة رنانة تدعي تقبل الهزار وهي تترك زهرة لتندفع نحوها مرددة:
"الله، ما أنا فرحانة يا مرات عمي بيها، مش غلاوتها من غلاوة بنت برضو، عاملة إيه بس يا غالية؟ صافحتها رقية على مضض بابتسامة متكلفة. وفي الناحية الأخرى اقتربت غادة هي الأخرى من زهرة تبارك لها بالأحضان والقُبلات وتردد: "عندك حق والنبي يا ما، ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا نصفك أخيراً بعد سنين الغلب والشقا." أومأت لها زهرة بشبه ابتسامة ترد عليها: "الله يبارك فيك يا غادة ويسعدك، تعالي اتفضلي تعالي."
استجابت لها غادة وهي تسحبها كي يجلسن على المقاعد المواجهة لرقية، والتي جلست بجوارها إحسان تقول: "والنبي يا مرات عمي وماليك عليا حلفان، دا أنا من ساعة ما سمعت بالخبر وأنا قلبي كده بيرفرف من الفرحة. بقى يا أخواتي الباشا ابن البشوات عايز يتجوز زهرة، حقاً دا ولا في الأحلام؟ بس إيه بقى، إحنا بنتنا قمر وتستاهل. آه، امال إيه، ولا أنت إيه رأيك يا زهورة؟ أومأت لها زهرة بابتسامة باهتة كسابقتها: "تشكري يا عمتي، ربنا يخليك."
نكزت رقية إحسان بقبضتها كي تلهيها عن حفيدها. "منورة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!