الفصل 81 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
25
كلمة
2,184
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

يعني اطمن بقى إني في حماية جاسر الريان وما أخافش. مال برأسه يتطلع إليها بنظرة متفحصة مع ابتسامة مرحة، وشقاوتها الحديثة عليه تثير بقلبه البهجة بعنف. فقال: بقولك إيه، ما تيجي تركبي الحصان وتجربي. شهقت رافضة وهي تحاول الإفلات من ذراعه. لا يا أخويا، أنا مش عايزة أركب، أخاف. والنعمة يا جاسر، سيبني وبلاش غلاسة. جلجلت ضحكاته الرجولية الصاخبة مرة أخرى وهو يمنع عنها الإفلات والهرب منه، مستمتعًا بمناكفتها. ***

ولجت إلى داخل منزلها، تتمايل بخطواتها بعدم اتزان من فرط فرحتها وحالة الانتشاء ما زالت تتملكها. دفعت بسلسلة مفاتيحها على أقرب طاولة وجدتها أمامها، قبل أن تسقط على الأريكة متكئة بجذعها وابتسامة متسعة على وجهها. لقد حدثت المعجزة، وجاءت الفرصة لكي ترد القلم القديم لجاسر الريان. تقسم بعمرها أنها لم تتوقع، ولا حتى في الأحلام، هذا الرجل بكل جبروته وسطوته. أخيرًا وجدت نقطة ضعف له، أخيرًا تنازل وسلم مفاتيح قلبه لامرأة.

وياليتها كانت امرأة من وسطه وتليق بقامته، أم أنها تمثل له تحديًا أو نزوة؟ لا تعلم. المهم أنها وجدت فرصتها أخيرًا. احتدت عيناها وهي تعيد تذكر الليلة المشؤومة حينما طردها ليلاً من منزله وكأنها بائعة هوى، بعد أن أهان كرامتها وقلل من أنوثتها التي تتفاخر بها أمام الجميع. استفاقت من شرودها على صوت الهاتف بجوارها، والذي كان يصدح بورود مكالمة.

تطلعت للرقم واسم صاحبته بتأفف، لا تريد إجابتها أو الخوض معها في الأحاديث التافهة التي لا تمل منها. تمتمت بضيق وهي تتطلع للاسم. مش وقتك خالص دلوقتي يا ميري، بعد ما كارتك اتحرق بالجديد واتعدى الموضوع كل تصوراتي. *** فور انتهاء المكالمة، ضغطت على أرقام الهاتف طالبة رقمًا آخر، فوصلتها الإجابة سريعًا من صاحبها. الوو... يا أهلا وسهلا بمرفت هانم، توك ما افتكرتي فينا. أجابت بلهجة بغنج. على الأقل أنا بفتكر يا سيدي، مش زيك.

المهم بقى، أنا هاقولك ما بتفتكرش فيا خالص. رد عليها الرجل. طب إيه بس، وشغل الجرايد وأخد كل وقتي، ما انت عارف صاحبك بيحب المغامرات والجري ورا كل خبر جديد. امممم. زمّت بفمها ثم قالت بميوعة. الله يقويك يا سيدي، على العموم أنا مقدرة وعارفة بأشغالك الكتير كمان. وعشان تصدقني، ليك عندي سبق صحفي هايرفعك لمدير ويشهرك كمان. دبت الحماسة في صوت الرجل من الجهة الأخرى ليسألها. بتتكلمي جد؟

طب ما تقولي يا بنتي على الخبر ده اللي هايرقيني ويشهرني كمان. ضحكت بصوت عالٍ وردت بمكر. هاقولك بس على شرط، أبقى برا الصورة ويظهر الموضوع وكأنه اجتهاد شخصي منك. وأنا يا سيدي، هاقولك على التفاصيل اللي تمشي عليها عشان تتأكد بنفسك. رد الرجل بمرح. حلو قوي يا فوفة، انت كده شوقتني أعرف الموضوع. ***

في نهاية الجولة، وبعد قضاء الوقت في مزرعة الخيل وتناول طعامهم في الهواء الطلق وسط الخضرة التي أخذت مساحة واسعة لهذا المنزل الريفي، كان اللقاء مع الوارد الجديد في الحظيرة الداخلية للفرسة بشرى، والتي لفت اسمها انتباه زهرة. فسألت جاسر وهي تشاهد المهرة الصغيرة. اسمها حلو قوي، مين اللي سماها كده؟ أجابها جاسر وهو يتفحص المهرة عن قرب بالحجرة الخاصة بهم في الحظيرة. أنا اللي سميتها كده يا زهرة، وأنا اللي مسمي معظم الخيول هنا.

أصل المزرعة دي في رعايتي من زمان. والدي ووالدتي بيجوا تقريبًا في السنة مرة أو مرتين. وعلى فكرة، أنا برضو اللي سميت الكتكوتة الصغيرة من وهي في بطن أمها. سألته زهرة بفضول. وسميتها إيه بقى؟ ترك الصغيرة ليخرج إليها ويجيبها. سميتها زهرة. فغرت فاهاها، وظهر على وجهها عدم التصديق. فاقترب يداعبها على أنفها بسبابته قائلاً. مش مصدقة ليه؟ حد قالك إني بكذب يعني؟ ولا انت كنت تعرفيلها اسم تاني مثلاً وأنا مش عارف؟

هتفت بابتسامة مستترة وهي تبتعد عن متناوله. يا باي عليك، بطل بقى غلاسة يا جاسر، خلاني أتكلم. ماشي يا ستي، اتكلمي. قالها وهو يكف عن مناغشتها ويتكئ بجسده على الفاصل الخشبي بينهم وبين حجرة الفرسة بشرى ومهرتها. هتفت زهرة. عشان طبعًا مش معقولة، أنا وأنت من ساعة ما اتجوزنا ماسيبناش بعض غير في اجتماعات الشغل الضرورية. يبقى إمتى جيت واخترت اسم البيبي اللي في بطن الفرسة؟ تنهد بعمق قبل أن يجيبها بصدق.

أنا اخترت اسمها في اليوم اللي انت رفضتي فيه، فاكرة ولا أفكرك؟ أطرقت برأسها تزم شفتيها بحرج. فاستطرد هو. في اليوم ده أنا كنت مضايق قوي، جيت هنا عشان أخرج بحصاني، فاكتشفت حمل بشرى. ساعتها حلفت إني هاسمي البيبي اللي في بطنها باسمك، معرفش ليه جالي الخاطر ده، رغم إني كنت متغاظ منك في يومها أوي. صمتت زهرة قليلًا تنظر إليه بعشق، ثم أهدته ابتسامة ممتنة وهي تقترب منه قائلة.

أنا متشكرة قوي يا جاسر، واحد غيرك بعد اللي حصل كان نجا بنفسه من النسب اللي يعر. لكن انت لا بينت تأثرك، ولا حتى بان على وشه. دا غير الخروجة اللي تجنن دي كمان. قطع جملتها بوضع سبابته على فمها، ثم اقترب ليقبلها من وجنتيها قائلاً بصوت متحشرج. أوعي تفتكري إني بعمل كده من ذوقي ولا حسن أخلاقي. أنا في سعادتك بلاقي سعادتي، وحزنك هو حزني. روحي فيك يا زهرة، واللي يزعلك أو يأذيك يبقى بيأذيني أنا.

أسعدتها الكلمات منه وهي تشعر بصدقها، وكأنه المطر الذي هطل فجأة ليعيد لأرضها الحياة، ثم تنبت بزهور العشق والمودة لهذا الرجل. تناولت كفه تعبر عن عشقها بقبلة رقيقة مثلها. ابتسم هو بمكر رافعًا حاجبًا خطيرًا، قبل أن يعتدل بجسده لها ليعيد إليها هديتها لأضعاف أضعاف، غير مبالٍ باعتراضها كالعادة. *** في اليوم التالي.

وبداخل حجرة الاجتماعات في الشركة، كان يتوافد مسؤولو المجموعة وموظفوها الكبار للجلوس في أماكنهم المحددة قبل بدء الاجتماع. زهرة، والتي كانت تجلس بمحلها بجوار مقعد رئيسها والذي لم يأتِ إلى الآن، كانت تعمل على مراجعة الملفات المطلوب البت فيها داخل الاجتماع. غافلة عن أعين متربصة لم ترفع أنظارها عنها من وقت أن دلفت وجلست على مقعدها.

تتفحصها بدقة وتتساءل بداخلها عن السر بهذه الفتاة، والذي جذب جاسر الريان بجلالة قدره ليلتفت إليها، بل ويضحي ليتزوجها، غير عابئ بالفروق الهائلة بينهم. إن كانت جميلة، فالعالم يمتلئ بالجميلات التي من وسطه ويناسبنه. أم أنه رغب فيها واستعصت عليه فلجأ إلى الحلال كي ينالها؟ ولكن حتى لو كان هذا هو السبب، فهي الأعلم بجاسر الريان أنه لا يسلم اسمه لامرأة لسبب مثل هذا. أيكون اقتنع بالبراءة التي تحاوط بها نفسها؟

أم أنها أحبها فعلًا؟ تشعر بغرابة الكلمة مع رجل مثله، جلف قاسٍ لا يعبئ بمشاعر امرأة. قطعت تفكيرها فجأة لتنهض وتبتعد قليلًا قبل موعد الاجتماع. لا تريد الاستسلام للذكرى القميئة برأسها. خرجت من الحجرة لتذهب نحو مرحاض النساء، لتخرج الهاتف وتتصل برقم الأمس. فجاءها الرد سريعًا. الوو يا فوفوتي، لحقت أوحشك. هتفت عليه بنزق. أوحشك ده إيه انت كمان؟ أنا بتصل عشان أسألك عملت إيه في الموضوع اللي كلمتك عليه امبارح.

طقطق بفمه صوت عتاب ساخر ليقول. أخص عليك يا فوفة، بقيتي صعبة قوي لدرجادي مش طايقة العبد لله. قال وأنا اللي قلت إننا هانعطف ونعيد الأيام القديمة. فـ... هتفت بها مقاطعة بحدة. فتراجع الآخر عن مزاحه يقول بصوت جدي. رغم إني مضايق من زعقك فيا، بس أنا هاطمنك وأقولك إني شغال في موضوعك وبظبطه على التمام. بس المفاجأة بقى اللي اكتشفتها أنا بقى وغفلت عنك انت. سألته قاطبة باستفسار. معلومة إيه؟ أجابها على الفور بحماس.

البنت اللي ادتيني عنوانها وسألت عنها في منطقتها، اتضح إن والدها مسجون في قضية مخدرات. يعني الخبر لو اتنشر والناس عرفت بنسب الباشا اللي بيهز البلد بمشروعاته، مش هايبقى خبر الموسم وبس، لا يا قلبي دي هتبقى فضيحة. شهقت بفرحة لم تقدر على كبتها. يانهار أبيض، انت بتتكلم يا فاضل؟ طب مستني إيه؟ ماتنشر بقى وسمّع الدنيا. رد الرجل. يا قلبي أنا مستعد أنشر من امبارح مش من دلوقتي.

بس بقى نفسي في صورة تظبط الحكاية كده وتخلي الخبر ما يخرش المية. صمتت قليلًا بتفكير قبل ترد. طب تمام يا فاضل، أنا هحاول أشوف الموضوع ده معاك، وأكيد هلاقي صرفة. أنهت المكالمة وشعور الفرح يزلزل كيانها. هذه المرة الحظ يخدمها بشكل غريب ليعزز ضربتها لجاسر ويجعلها في مقتل. لا بل هذه ستكون ضربة مزدوجة للاثنين. ***

وصلت مرفت قبل الاجتماع بدقائق، بنفس الوقت الذي وصل فيه جاسر ليأخذ مكانه على رأس الطاولة بصحبة أحد العملاء الكبار للشركة ومعهم طارق. والذي استوقفه كارم في وسط الحجرة ليرحب به ويصافحه ثم ينتهره. قال له فرصة ليسأله. هي كاميليا مجاتش معاك ليه المرة دي؟ قسى وجه طارق وهو يحاول كبح جماح غضبه والرد بلهجة تبدو عادية. هي حرة يا كارم.

قالها مقتضبة قبل أن يتركه على الفور ويجلس محله، غير سامحًا بإعطائه فرصة في الأخذ والرد والاستفسار عن سبب تغيبها. ومن ناحيته، مط كارم بشفتيه غير مستوعب لموقف طارق الغير مفهوم. *** بعد انتهاء الاجتماع وخروج معظم الأفراد منه واحد تلو الآخر، فلم يتبق سوى جاسر ومعه هذا العميل، وطارق، وزهرة تقوم بدورها كسكرتيرة. خرجت مرفت لتقف بأحد الزوايا وعقلها يدور في عدة اتجاهات، تريد لتنفيذ خطة ما لتحقيق مبتغاها.

تنظر في الخواء حولها والشركة تكاد تكون خالية بعد انتهاء دوام العاملين وانصراف معظمهم. وقعت عيناها على المصعد الخاص بالموظفين الصغار، والذي تستقله باعتبارها منهم، وهذه اليافطة المعلقة عليه منذ يومين لتخبر الموظفين أنه مغلق للتصليح. فومض عقلها بفكرة شيطانية. همت لتنفيذها، ولكنها تذكرت كاميرات المراقبة، فعدلت من وجهتها وقد أصابها الإحباط.

خصوصًا وهي ترى خروج جاسر الآن بصحبة العميل في مصعده الخاص، والأخرى تستقل مصعدها مع إحدى عاملات النظافة. صكت فكها بغيظ وقد تأجل تنفيذ مخططها، ولكن لايهم، فهي قد بدأت الطريق ولابد أنها ستجد الطريقة للتنفيذ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...