أمام مراَته التي كان يعقد عليها رابطة عنقه بروتينة وهو يزفر متأففًا من فمه، بعد أن اضطر لقطع إجازته ويعود ليلاً مع عروسه كي يحضر الاجتماع الدوري للمجموعة في هذا الوقت من الشهر. فالبرغم من حسابه لكل شيء واعتماده على طارق وكارم في تسوية معظم الأعمال في غيابه، إلا أن هذا الاجتماع لا يصح بدونه ولم يقدر على تأجيله مع حجم الموضوعات المطلوب مناقشتها والبت فيها سريعًا.
تابعت عيناه خروجها من حمام الغرفة وهذه الفرحة المرتسمة على وجهها ونظرة الشقاوة التي تناظره بها، فتمتم لانعكاس صورتها في المرآة: "لم نفسك يازهره، أنا على آخري." ردت ببرائة: "الله وأنا عملتلك إيه طيب؟ استدار بجسده إليها قائلًا بوجهه العابس: "بتغيظيني يازهره، الفرحة اللي هاتنط من عينك دي لوحدها بتغيظني." "برضوا أغيظك ليه بس يابني؟ مش فاهمة أنا."
هتفت بها مدعية عدم الفهم قبل أن تشهق مجفلة على تحركه سريعًا نحوها ليتمكن من القبض عليها بين ذراعيه، قائلًا من تحت أسنانه وعيناه تحدقها بحدة: "يعني انتِ بجد مش فاهمة أنا متغاظ ليه؟ ردت بمهادنة لحالته: "صلي على النبي ياحبيبي وماتعصبش نفسك، أنا عارفة طبعًا إنك مضايق عشان قطعنا الإجازة بسبب اجتماع المجموعة الضروري ده، لكن أنا بقى مضايقاك في إيه؟
"مضايقني إنك بتضحكي ومبسوطة عشان رجعنا وانت شايفة وعارفة إني قطعت الإجازة مضطر، يبقى تخلي عندك دم وتقدري إحساسي." رددت خلفه بعدم فهم: "أقدر إحساسك! يعني أعمل إيه؟ أجابها بجدية: "تقلبي وشك انتِ كمان وتكشري، ماشوفش ضحكتك ولا ابتسامتك الحلوة دي خالص لحد ما أخرج." هزت برأسها تراضيه وهي تكتم ابتسامة ملحة وكأنها تعامل طفلًا صغير: "حاضر تمام مش هاضحك وابتسم خالص."
تنفس من صدره بقوة لتتركها ذراعيه ويلتفت عنها نحو المرآة يكمل ما يفعله، فغمغمت بصوت خفيض من خلفه: "كل ده عشان رايح شغلك، اشحال إن ماكنتش ممدد إجازتك من يومين لعشرين يوم." "بتبرطمي بتقولي إيه؟ قالها وهو يرمقها بنظرة حانقة قبل أن يتناول سترة بدلته ويرتديها. أجأبته بابتسامة مترددة: "كنت بقول يعني مدام أنا مش رايحة الشغل زيك غير على أول الأسبوع زي ما اتفقنا، فا أنا عايزة أروح لجدتي بقى." التفت يرد عليها وهو يسحب
في أكمام سترته والقميص: "يعني مش قادرة تصبري يومين كمان؟ هو انتِ لحقتي تريحي من تعب السفر؟ ردت بلهفة: "لا ياجاسر أنا مش تعبانة والحمد لله، ولو تعبانة هبقى أريح هناك في أوضتي وعلى سريري." عبس وجهه من جديد وهو يستدير ليمشط شعره وقال: "تنامي فين يازهره؟ مافيش نوم طبعًا، هي ساعة ولا ساعتين وتيجي على بيتك." ردت قاطبة وقد تغير لون وجهها وذهب عنه المزاح: "ليه بقى ساعة ولا ساعتين ومنامش كمان؟
وانت أساسًا بتتأخر في اجتماعك ده ومش بعيد تيجي على آخر اليوم." دفع بعنف فرشاة شعره أمامه والتف إليها متخصرًا بقبضتيه، يتطلع إلى غضبها فتنفس قليلًا بعمق يستدعي الحكمة قبل أن يرد عليها: "أنا مش عايز أضايقك، بس بصراحة أنا خايف عليكِ، من العمارة بتاعتكم دي اللي آيلة للسقوط يازهره." عقدت حاجبيها قليلًا قبل أن ترد بابتسامة مندهشة:
"وافرض يعني زي ما بتقول، ما أنا طول عمري عايشة فيها وستي وعيلتي كلها، وخالي دا اللي سافر من غير ما أشوفه، برضوا هيفضل عايش فيها لحد أما يتجوز وياخد ستي معاه." تأمل هيئتها المتحفزة فقال ملطفًا وهو يقترب منها: "عارف والله كل اللي بتقوليه ده، بس أعمل إيه أنا بقى في عقلي ده اللي هيفضل مشغول عليكِ طول الوقت، أنا راجل بخاف ياستي." عادت إليها ابتسامتها فقالت برقة وهي تمسح بكفها على صدره العريض من فوق السترة:
"لا ياحبيبي ماتخافش ولا تشغل بالك حتى، دا بيتنا واحنا متعودين عليه." "انتوا متعودين لكن أنا مش متعود." تفوه بها وتابع بحدة: "لولا خايف بس من دماغ خالك لايعند ويعملنا مشاكل لكنت نقلت عيلتك كلهم في شقق جديدة خارج الحارة والمنطقة كلها، بس شكلي كده هاعملها قريب وعنه مارضي." قاطعته على الفور مرددة: "لا اوعى ياجاسر تعمل كده، أنا خالي صعب وحاجة زي دي هياخدها على كرامته، دا أنا لسه شايلة هم شقته اللي انت سددت أقساطها."
قربها يضمها إليه أكثر وهو يقول بصوت أجش: "طب أمّال أعمل إيه بس؟ وأنا مش قادر أمنعك ولا قادر ألاقي حل مع راس خالك الناشفة دي؟ ردت زهرة وهي تلف ذراعيه حول جذعه: "سيبها على الله ياسيدي." "ونعم بالله." أردف ومال عليها يقبلها ويزيد من ضمه إليها بشوق لا ينضب ولا يهدأ أبدًا. بعد قليل وحينما تركها يجبر أقدامه جبرًا للذهاب، أردف لها: "عم رزق السواق الجديد هاياخدك ويرجعك، ومافيش مشوار تاني هاتعمليه من غيره، حتى مشاوير الشركة."
هتفت إليه بعدم تصديق: "أنا بقى عندي سواق مخصوص؟ أجابها بثقة: "وعربية مخصوص كمان." *** خرج محروس من غرفته وهو يسعل بصوت محشرج في عرض يومي كل صباح نتيجة لامتلاء صدره بالتدخين والمواد المخدرة، ورغم ذلك لا يتوانى عن إخراج سيجارته ليشعلها ويدخنها في نفس الوقت. "أرحم صدرك يامحروس أو حتى اشربلك حاجة سخنة تريحه الأول قبل ما تدخن."
هتفت بها سمية وهي تعمل بروتينها اليومي في ترتيب المنزل ونظافته، نفث أمامها دخانًا كثيف بتحدي لما تقوله قبل أن يجلس على أريكته الخشبية المنجدة، يخاطبها والسيجارة في فمه: "ملكيكيش دعوة بصحتي ياختي، أنا فل وعال العال بطلي انتِ رغي وحضريلي الفطار." استقامت بجذعها عن تنظيف الأرض لتسأله بانتباه: "عايزني أحضرلك الفطار والساعة داخلة على عشرة، هو انت مش رايح ورشتك كمان النهاردة؟ أجاب بتعالي وهو يضع قدمًا على قدم:
"وأروح ليه وأتعب نفسي؟ وأنا عندي بدل الصبي تلاتة وأربعة يشتغلوا تحت إيدين الواد عامري، هما يخلصوا الطلبية وأنا أسلمها للزبون واستلم حقها." كفاية كده. لوت ثغرها بامتعاض قبل أن تقترب لتجلس بجواره قائلة بلطف حتى لا تثير غضبه: "يامحروس، المال السايب بيعلم السرقة، والفلوس اللي انت خدتها مهر لزهره وبتتبعتر فيها شمال ويمين دي؛ حاول تلم إيدك فيها شوية، انت معاك بنات عايزين يتعلموا وعايزين جهاز لما يجيلهم عدلهم."
رمقها بنظرة مستنكرة صامتًا فتابعت هي: "ده غير الشقة اللي إحنا ساكنين فيها دي، حل الكيس وشوفلنا لو حتى أوضتين في عمارة تانية غير اللي ممكن توقع علينا دي." رد محروس مستخفًا بكلماتها: "والله وبقالك حس يا سمية وبقيتي تخططي كمان، عايزاني أسيب الشقة اللي عايشين فيها بقالنا سنين وأغير؟
لا وكمان عايزاني أحوش لجهاز بناتك، أحوش ليه أنا وأضيقها على نفسي من دلوقتي، مايشدوا هما حيلهم لما يكبروا ويتعلموا من أختهم الكبيرة، اللي وقعت الباشا على بوزه." ضربت سمية بكفها على صدرها قائلة بجزع: "يالهوي يا محروس، انت برضوا اللي بتقول كده على بنتك؟ دي زهرة مافيش في أدبها ولا احترامها." لسعته كلماتها الحادة فانتفض يصيح نحوها بغضب: "وانتِ بقى هاتعلميني أتكلم إزاي على بنتي؟
قومي ياولية انتِ حضري الفطار زي ماقولتلك، بلا وجع دماغ ورغي كتير على أول الصبح، قومي." نهضت سريعًا من جواره، تتفادى يده التي امتدت لضربها، واتجهت نحو المطبخ مذعنة لطلبه، وهي تتمتم داخلها: "روح يا شيخ ربنا يهدك على بهدلتك وعمايلك فيا." *** وصلت زهرة بالسيارة السوداء الفخمة التي اقتحمت الحارة لتلتفت إليها جميع الوجوه من مارة وسكان، وزاد الفضول حينما توقفت أمام بنايتهم. سألت زهرة في الوجوه الناظرة بتساؤل نحوها بتخوف:
"مش هو ده البيت حضرتك ولا أنا غلطت في العنوان؟ أردف بها السائق وهو رجل في عقده السادس، يتكلم بتهذيب وعيناه لا يرفعها نحوها. ردت زهرة باحترام للرجل المسن والذي اختاره جاسر بعناية: "لا هو نفسه يا عم رزق، أنا اللي سرحت شوية بس حالا نازلة أهو." قالتها وتناولت حقيبتها وأكياس الهدايا المعلبة فسألها الرجل: "تحبي أشيلهم أنا حضرتك؟ نفت برأسها وهمت لفتح الباب فتابع لها:
"طب أرجو منك يازهره هانم، ترني في أي وقت تعوزيني فيه على أي مشوار، مش المرواح بس." أومأت لها برأسها وترجلت بالخطوة السريعة تدلف للبناية لتصعد لجدتها. وجدت والدها أمام باب شقته الذي كان خارجًا منها حالاً، فهتف عليها بصوت عالي: "حبيبة أبوكي، انتِ جيتي يامرات الباش... قصدي الشيخ."
قالها واقترب يضمها بذراعيه ويقبلها بوجنتيها. ردت بابتسامة مجاملة على كلماته باقتضاب قبل أن تفلت نفسها منه لتحتضن سمية التي خرجت إليها وشقيقاتها، وترد على تهاني الجيران الذين خرجوا على هتاف أبيها. ثم هرولت بسرعة لجدتها التي استقبلتها فاتحة ذراعيها من مكانها وقد تنبهت هي أيضًا لعودتها. ارتمت زهرة بأحضانها تعود لأمانها وحصنها الدائم حتى لو كانت قعيدة ومريضة. "وحشتيني يابت الجز...
هتفت بها رقية وهي تشدد من احتضانها وتلكزها بقبضتها بخفة. رفعت إليها رأسها من داخل أحضانها زهرة ترد بابتسامة باكية: "مافيش فايدة يارقية، لازم لسانك يشتم." تأملتها جدتها جيدًا عن قرب، وجهها المضيء وقد ازداد توهجًا، عيناها التي تلمع بالسعادة مع هيئتها الجديدة والملابس الغالية التي ترتديها، مما أدخل السرور بقلبها فقالت مناكفة: "وشك منور وعنيكي بتلمع، ده باينه حصل." "إيه هو اللي حصل ياستي؟ سألتها بعدم فهم، لكزتها
رقية مرة أخرى مجيبة بمرح: "حبتيه ووقعتي ياموكوسة، هو إحنا لسه هانفسر؟ "يئست منها زهرة لتدفن رأسها داخل أحضانها مرة أخرى مرددة بخجل: "ياباى عليكِ يارقية، مافيش فايدة فيك أبدًا." صدرت ضحكة رنانة من رقية وهي تقبلها فوق رأسها وقد تأكد تخمينها. *** دَلفت مرفت لحجرة الاجتماعات التي قاربت على الاكتمال بأعضائها، جلست بالقرب من جاسر المشغول بمراجعة بعض الأمور مع كارم قبل بدء الفعلي للاجتماع فخاطبته تجذب انتباهه:
"حمد الله على السلامة ياجاسر." التفت إليها برأسه مرددًا التحية على مضض: "الله يسلمك يامرفت، عاملة إيه انتِ بقى؟ ردت بميوعة وهي تعيد في خصلات شعرها للخلف: "أنا كويسة ياسيدي، انت بقى اللي اختفيت وقولت عدولي. الا قولي صحيح ياجاسر، هو انت فعلاً مضيت عقود مع شركاء مهمين زي ما عرفنا؟ اعتدل بجذعه للخلف فقال بابتسامة متسلية:
"في الحقيقة يامرفت أنا مامضتش ولا حتى ناقشت أي مشروع في الفترة اللي فاتت، دي كانت حجة عشان أطمن بيها والدي وأي حد يسأل عليا." تغير وجه مرفت فرددت باستفسار: "حجة! أمّال انت كنت فين بقى؟ طقطق من فمه بصوت ساخر يجيبها بابتسامة متلاعبة: "عيب يامرفت، إن أقول ولا أصرح حتى بالكلام ده وانتِ ست مطلقة بقالك فترة كبيرة، يمكن تفتكريني بتحرش بيكِ."
سهمت بوجهها تنظر إليه بازبهلال وقد وصلها تقريعه الغير مباشر والمختلط بسخرية، بلعت ريقها تعتدل بجذعها بعيدًا عن محيطه، لتلملم كرامتها. فوقعت عيناها على كارم الذي كان يخبئ بطرف كفه ابتسامة أو ضحكة كبيرة مستترة جعلت وجهه الأبيض يتحول للحمرة الشديدة وهو مطرق برأسه ينظر للأوراق التي على سطح المكتب أمامه مدعي التركيز، مما ساهم بامتقاع وجهها واشتعالها غيظًا من جاسر الريان الذي كان مازال على نفس وضعه ينظر إليها بثقة وتحدي.
قطع شرودها مجيء طارق وخلفه هذه كاميليا فارتفعت أنظار كارم إليها بتركيز ليتلقى تحيتها بابتسامة عريضة زينت وجهه. تتابعهم أنظار طارق بوجه واجم على غير عادته ليلقي التحية على صديقه الذي نهض عن مكتبه يتلقفه بالأحضان والاَخر يبادله بابتسامة شاحبة لفتت انتباه جاسر، قبل أن يتبادل المصافحة والتحية مع كاميليا التي التفتت بعدها لتجلس على مقعدها المخصص على الطاولة الكبيرة المستديرة ليتبعها طارق بتجهم يأخذ مكانه بجوارها وانظار جاسر تتابعه بقلق.
عاد إليها فضول مرفت لتخاطب كارم بلؤم: "كتير قوي عليك المجهود ده ياكارم وانت شايل فوق طاقتك، هي البنت السكرتيرة دي مش ناوية بقى ترجع لمكانها وشغلها، ولا هي استحلت الدلع؟ تغير وجه كارم واتجهت أنظاره نحو جاسر الذي تكلف هو بالرد بحزم: "تدلع ولا تستحلالها حتى، انت مالك يامرفت، هي شغالة تبعي أنا ولا تبعك انتِ؟ صكت على فكها وقد أفحمها رده المفاجئ وزاد بداخلها الشكوك أيضًا. *** "انت متأكد إنها هي يالا؟ تفوه بها فهمي سائلًا
لصبيه الذي أجابه بحماس: "والنعمة زي ما بقولك كده يامعلم، أنا شوفتها بنفسي وهي بتخرج من العربية السوداء الكبيرة وجريت تدخل عمارتهم جري، بس إيه بقى يامعلم، بقت حاجة تانية خالص، لبس إيه وحلاوة إيه، دي بقت ولا الهوانم بجد يامعلم." هرش فهمي بطرف سبابته يردف بغيظ وعيناه نحو مدخل العمارة: "زهره بنت محروس بقت هانم؟ دي سابت وعالت قوي." هز الفتى رأسه باستنكار إرضاءً لمعلمه يقول:
"عندك حق يامعلم، دي بت قادرة وعينها قوية عشان سابتك ولحقت تلاقي غيرك." ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة يردد: "دي لحقت في ظرف يومين تتخطب وتتجوز كمان، ولا اكنها كانت مرتبة من الأول." ارتفعت أنظاره فجأة للفتى يأمره: "روح انت دلوقتِ وشوف وراك إيه، بس ماتغيبش عن عيني عشان لما أعوزك ألاقيك وخليك صاحي لأي حركة غريبة في الحارة." "عنيا يامعلمي." هتف بها الفتى وانطلق مهرولًا إذعانًا لأمر فهمي الذي تمتم بتصميم:
"وأنا بقى قاعد هنا ومش متعتع من عالقهوة، اما أشوف السنيورة الهانم دي كمان بقت إزاي؟ *** وفي الأعلى كانت زهرة مازالت ملتصقة بجدتها وشقيقتها وسمية يتفحصن الهدايا التي أتت بها إليهم. "الله يا أبلة، حلو قوي الشوز اللي جبتيه ده؟ ده مش غالي قوي كمان." هتفت بها صفية بانبهار وهي ترتديه، ردت زهرة بابتسامتها الرائعة:
"أنا عارفة إني من الأول نفسك في النوع ده، عشان تقلد البنات أصحابك، قلت بقى أجيبهولك عشان تريحينا من زنك ياستي عن سيرة البنات اللي بيلبسوه وانتِ لأ." لاح على وجه صفية التأثر وقالت سمية بامتنان: "وأنا بقى كنتِ عارفة إني هاموت وألبس الدهب عشان كده جايبالي الخاتم الحلو ده صح؟ ردت زهرة بذوق حتى لا تخجلها:
"لا طبعًا أنا ماكنتش أعرف بحكاية إن نفسك في الدهب، أنا قلت أجيبلك زي ما جيبت لستي، وأنا أش عرفني باللي نفسك فيه ياولية انتِ أساسًا؟ حتى بصي كده." قالت الأخيرة وهي ترفع إليها كف رقية التي قبلتها من رأسها هي الأخرى. وسمية تهتف بانبهار: "الله ياخالتي، ده حلو قوي الخاتم على إيدك، زوقك حلو أوي يازهره." ردت رقية بمرح: "مش زوقها وبس ياختي، ده إيدي هي اللي حلوة."
انطلقت الضحكات على جملة رقية ثم تابعوا اكتشاف بقية الهدايا الخاصة بشقيقتها الصغيرات قبل أن تنهض سمية لتحضير وجبة الغذاء لهم جميعًا. *** انتهى الاجتماع الذي استمر لساعات وانسحب الأعضاء تباعًا ولم يبقى سوى جاسر الذي كان يفرك وجهه من التعب والإرهاق مع بعض الأعضاء القلائل، وكارم الذي كان يراجع على محضر الاجتماع وملاحظات الرئيس والقرارات التي اتخذت أيضًا.
وقف جاسر ليهندم سترته وهو ينتظر صديقه ليخرجا معًا وقد أقلقه هيئته الغريبة عنه، والذي أتى إليه بعد ذلك بخطوات مثقلة وكأنه يجر أقدامه جرًا: "إيه يابني مالك؟ هو انت تعبان؟
أردف بها جاسر متسائلًا وهم الآخر أن يجيبه ولكن توقفت الكلمات على لسانه وهو يلمحها تغادر بهيئتها الأنيقة دومًا، وخلفها خرج كارم يلحق بها. اتسعت عيناه لتنهش الغيرة بصدره وهو كالعاجز لا يملك حق الاعتراض أو التحرك لمنع تواصلهم معًا. أقدامه تحثه على اللحاق بهم وعقله يصرخ رفضًا لكرامته. قطع شروده جاسر الذي انتبه إلى ما يتطلع إليه صديقه، فخاطبه بصوت خفيض:
"بقولك إيه انت منظرك كده مش عاجبني تعالى روح معايا في عربيتي خليني أشوف إيه حكايتك." أجابه بلهجة يائسة: "حكاية إيه؟ هي بدأت أساسًا عشان أحكي عنها، أنا حكايتي انتهت من قبل ما تبتدي." قطب على لهجته المحبطة فجذبه من مرفقه بحزم خفيف ليسحبه معه مرددًا: "لا دا انت ماتتسبش، تعالى معايا." استسلم له طارق وخرج ليغادر معه. *** فور خروجها من الاجتماع على الفور اتصلت بشريكتها لتخبرها بما حدث:
"والله زي ما بقولك كده، ده حتى مرعاش العيش والملح وهو بيحرجني ويلقح بالكلام قدام كارم اللي ممسكش نفسه ده كمان وضحك عليا." سألتها ميري بعدم فهم: "طب أنا مفهمتش برضوا، يقصد إيه بكلامه ده؟ زفرت مرفت بضيق وهي تقطع الرواق المؤدي للباب الرئيسي للخروج:
"كل ده وما فهمتيش ياميري، معنى كلامه إنه كان مقضيها صرمحة ولعب، لا ومن بجاحته بيقولي عيب أتكلم لا تفتكريني بتحرش بيكِ. جوزك بيقولنا اخبطوا راسكم في الحيط ياميري، عشان عارف إني صاحبتك ويهمني اللي يهمك." غمغمت ميري تسب ببعض الكلمات الإنجليزية على جاسر قبل أن تتابع سائلة: "طب والبنت السكرتيرة دي كمان، رجعت النهاردة بقى من إجازتها برضوا." أجابتها بلهجة مغيظة:
"لا ياحبيبتي مارجعتش وأنا لما سألت كارم عن تأخرها رد عليا جوزك المحترم وقالي، هي شغالة عندك ولا عندي. اقطع دراعي إن ماكان في بينهم حاجة وحكاية جوازها بالراجل العربي، أنا مش بلعاها." رددت ميري خلفها بيأس: "عندك حق يا مرفت، أنا دلوقتي قلقت أوي وبدأت أشك زيك." تنهدت مرفت بصوت عالي قبل أن ترد على صديقتها وقد وصلت بخطواتها بالقرب من سيارتها: "عشان تعرفي بس إني همي على مصلحتك، وإني...
قطعت جملتها مرفت وارتخت ذراعيها عن فتح باب السيارة وهي تلمح غادة وهي تطرق بكعب حذائها على الأرض لتنعطف نحو الجهة الأخرى من الطريق لتلحق بسيارة تقلّها للعودة لمنزلها. تطلعت إليه جيدًا تقيمه بنظرة متفحصة، مما ترتديه ملابس محكمة على جسدها وطريقة سيريها بتمايل لتلفت إليه الأنظار، مساحيق وجهها الثقيلة، من مظهرها أخذت فكرة عامة عن شخصيتها. قطع شرودها صرخة بصوت رفيع وحاد: "روحتي فين وسيبتيني؟ هو أنا هاكلم نفسي بقى ولا إيه؟
جزت على أسنانه تفتح السيارة لتندس داخلها بعنف تهتف: "بتصرخي في ودني، هاتخليني أنطرش، فيه إيه يابنتي؟ بالراحة شوية مش كده." صمتت ميري وظهر فقط صوت أنفاسها العالية، فتابعت لها مرفت ببعض التحكم في عصبيتها: "بقولك إيه ياميري، أنا هاجيلك النهاردة وأرغي معاكي ماتقلقيش، أنا بس هاقفل وأسيبك دلوقتي ولما أجلك هافهمك إللي في دماغي." ***
وبسيارة جاسر التي أصر أن يقودها بنفسه بصحبة صديقه الذي تولى قيادة سيارته، وتولى السائق عبده وإمام الحارس الخاص لجاسر قيادة السيارة الأخرى ليتبعهم من الخلف، كان طارق يتكلم ويبوح بما بداخله وكأنه انتهزها فرصة ليجد من يشاركه أوجاعه: "قلبي محروق منها يا جاسر، نفسي أفهم هيا بتعاملني كده ليه؟
طيب لو عشان سمعتي، تديني فرصة عشان أتكلم وأقولها إني من يوم ما عرفتها وأنا مش قادر ألمس ولا أشوف واحدة غيرها، أنا إنسان مش وحش ياجاسر، أنا عندي عيوب وعيوب وحشة كمان، بس أقسم بالله مستعد أصلحها وأتوب عنها عشان خاطرها، بس هي تديني فرصة، فرصة بس أثبت لها فيها أنا بحبها قد إيه ونفسي أعمل عشانها إيه؟ تأمل جاسر صديقه بشفقة قبل أن يرد على كلماته الحارقة:
"أنا ماكنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده، بصراحة كنت فاكره إعجاب أو نزوة من نزواتك." ابتسم طارق بسخرية وهو يلتفت للنافذة ويرد عليه: "حتى انت كمان! دي على كده بقى هي عندها حق إنها تقفلها في وشي وتفتح أبوابها لكارم." "كارم! قالها جاسر بدهشة قبل أن يتذكر ماشاهده منذ قليل، فقال باستدراك: "أنا آسف يا طارق، إني ماخدتش مشاعرك بجدية واتلهيت عنك بمشاكلي، بس انت لو تحب وأفاتحها أنا تحت أمرك." تجهم وجه طارق فالتف يرد باعتزاز:
"لا يا جاسر أنا مش هأتذلها، إن ماكنتش هي تحس من نفسها يبقى بلاها أحسن، مش يمكن بتحب اللي اسمه كارم ده، ساعتها بقى هايفيد بإيه الكلام معاها غير إنه هاينقص من كرامتي."
صمت جاسر وقد ألجمه منطق صديقه في الدفاع عن ماتبقى من كرامته التي لا يريد إهدارها أمام عشق يائس، أو كما يظن هو لا أمل منه. تذكر محبوبته وما كان يعانيه بعد رفضها له في البداية، يحمد الله لانتهاء عذابه بالزواج منها سريعًا، فلو استمر عنادها لأكثر من ذلك، لا يعلم ما الذي كان سيحدث وقتها، هذا أن لم يصبه الجنون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!