طالت جلستها مع جدتها وأخواتها بالمنزل. وظل هو على وضعه جالسًا على طاولة قهوته يدخن تارة أو يتحدث تارة أخرى مع صبيانه. كان ينتظر رؤيتها، وقد غلبه الفضول والرغبة الشديدة لرؤيتها وما وصلت إليه من تغيرات شكلية بعد زواجها. حينما لمح طرف ثوبها من مدخل البناية وهي تهبط الدرج المتهالك، انتصب في جلسته وتحفزت حواسه. حتى أصبحت الرؤية كاملة فتوسعت عيناه بشدة منبهرًا بجمالها. غمغم داخله متحسرًا:
-يعني أنتِ كنتِ ناقصة حلاوة على حلاوتك؟ ولا أنا كنت ناقص عذاب على عذابي؟ انتبهت هي إليه وتلاقت أنظارها به. فتعبس وجهها لتُشيحه بوجهها عنه وتتجاهله. قبل أن تعتلي سيارتها التي تحركت على الفور مغادرة الحارة بأكملها. أمام عيناه التي لم تتزحزح عن السيارة حتى اختفت. وحينما عاد بأنظاره وجد محروس أمامه يتطلع إليه بابتسامة مستخفة. صك على فكه غيظًا قبل أن يبصق على الأرض. ثم ارتفع رأسه إليه مغمعمًا بتوعد:
-طب وحياة الغالين لكون مربياك عليها دي يامحروس، مابقاش أنا فهمي لو ماقرصتك. عادت إحسان لمنزلها بعد خروجها. ورأت التغير الذي طرأ على زهرة. فتمنت وتحسرت بشدة أن لو كانت غادة هي مكانها. وجدتها جالسة بوسط الصالة تشاهد التلفاز. القت عليها التحية قبل أن تجلس بجوارها وتضع كيس الهدايا الذي اتت به خلفها: -مساء الخير. ردت غادة تحيتها قبل أن تسألها: -رجعت وملقتكيش يعني، كنتِ فين ياما؟ أجابتها وهي تتناول من طبقها:
-كنت في مشوار مهم ياغالية لا انتِ مسمعتيش من أهل الحارة. سألتها بعدم فهم: -سمعت إيه؟ أنا أساسًا جيت متأخر النهاردة من الشغل وملحقتش اقف ولا اتكلم مع حد. غمغمت بها إحسان وهي تعتدل بجسدها أمام رؤية التلفاز ثم قالت: -على كده معرفتيش ان المحروسة مرات الباشا جات النهاردة والحارة كلها اتقلبت على العربية اللي جات بيها ولا شكلها اللي بقى ولا الهاوانم وبقى ليها سواق مخصوص كمان؟ صمتت غادة واشتعلت عيناها قبل أن تتأكد مما سمعته:
-أنتِ بتتكلمي جد يامّا؟ -وأنا هاهزر يعني في الحاجات دي؟ خدي وشوفي بنفسك. قالت الأخيرة وهي تلقي بالكيس البلاستيكي أمامها، مكملة: -بصي ياختي على الهدايا اللي جايبهالنا. تناولت الكيس تخرج ما بداخله بلهفة، فهتفت بفرحة وهي تتأمل الحقيبة الغالية والحجاب الطويل: -الله يامّا، أكيد الشنطة الحلوة دي ليا أنا والحجاب الطويل ده ليكِ أنتِ. تأملتها آحسان قليلًا ثم ردت بابتسامة ساخرة:
-أيوه يااختي افرحي بالشنطة وأنا أفرح بالحجاب، وهي جايبة دهب لمرات محروس وجدتها. سألتها مذهولة: -بتقولي دهب؟! ردت إحسان من تحت أسنانها: -وأكذب ليه ياحبيبتي وأنا شوفت بنفسي؟ ده أبوها اللي كان بيجي يترجاني على 20 جنيه يجيب بيهم علبة سجاير، تعالي شوفيه دلوقتي وهو بيتمحتر في الحارة ويقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي. لم ترد غادة وتصلبت يداها عن الإمساك بالحقيبة التي سقطت أرضًا. فسألتها والدتها:
-أنتِ ماتعرفيش هي هاتكمل شغل ولا تقعد في البيت؟ التفت لوالدتها تجيبها بحنق: -هترجع يامّا، دي ما صدقت ولاقيتها فرصة، حظوووووظ. يوم السبت. استيقظ من نومه في نفس ميعاده كالعادة، فتفاجأ بخلاء مكانها بجواره. قطب مستغربًا وهو ينهض عن التخت ويهتف باسمها: -زهرة... يازهرة. حينما لم يجدها بالحمام أو يسمع ردًا منها، خرج من غرفته ليبحث عنها مرددًا: -يااازهرة أنتِ فين؟ أتت على صوته سريعًا تصعد إليه الدرج وهي تجيبه:
-أنا هنا ياجاسر، ثواني جاية. تفحصها بنظرة تقيمية حتى وصلت إليه ليسألها: -مش بعادتك يعني تصحي بدري وتسبيني؟ هو أنتِ كنتِ خارجة؟ اقتربت لتسحبه من ذراعه مردفة بحرج: -مش تلبس حاجة قبل ما تخرج كده وتحرج البنت. تمتم يتطلع نحو الجهة التي تشير إليها فرأى البنت العاملة بتنظيف المنزل تبتسم وهي تختلس النظرات نحوه. فرد بابتسامة متوسعة لزهرة وهو مستسلم لسحبها نحو غرفته: -بس البنت مش مكسوفة على فكرة.
تغضنت ملامحها بعتب وهي تلج لداخل الغرفة وتدخله معها فقالت وهي تصفق باب الغرفة وتستند بظهرها عليه: -طب ياريت بقى ما تكرريهاش مرة تانية. ارتفع حاجبه باستدراك ثم اقترب ليستند بمركبه على باب الغرفة خلفها قائلاً بمرح: -الله، ده الحلوة بتغير بقى. لانت ملامحها وهي تدفع بكفها أصابع يده التي امتدت تداعب أنفها بمشاكسة. -بس بقى بطل غلاسة. قالتها وابتعدت لتلقي نظرة أخيرة على نفسها بالمراة. فلاحقها سائلًا:
-طب أنتِ مجاوبتش سؤالي برضوا، لابسة لبس الخروج ليه؟ التفت إليه متكتفة الذراعين تجيبه: -النهاردة أول الأسبوع، يعني رايحة الشغل ياحبيبي، ولا أنت نسيت؟ اقترب متمخترًا بخطواته نحوها واضعًا يديه في جيبي بنطاله يردف: -طب تصدقي بقى أنا فعلاً نسيت. ردت وهي تتصنع الهلع: -أنت نسيت بس أنا منستش، حكم المدير بتاعي دا صعب قوي ويخوف. ردد ضاحكًا: -ياشيخة، وايه كمان؟ أكملت تعبر بيداها وملامح وجهها:
-آه والنعمة زي ما بقولك كده، ده غير أنه كشري وحواجبه معقودة، ولما يتكلم عيونه بتطلع نار، آه. صرخت الأخيرة وهو يرفعها من خصرها بمرح مرددًا: -ما تقولي أنه عفريت أحسن، ولا أقولك خليها التنين المجنح عشان عيونه بتطلع نار. قهقهت بين يديه ضاحكة وهي تخاطبه: -خلاص ياجاسر، أنا مش عيلة صغيرة. -أنتِ مش عيلة وبس، ده أنتِ هاتجننيني معاكِ؟ قالها قبل أن يقبلها على وجنتها بقوة ثم تفلتها يديه. فقالت هي:
-طب أنا كده هامشي وأسبقك مع عم رزق عشان ده ميعادي وأنت حصلني. أوقفها يعترض طريقها: -استني افطري معايا حتى الأول. رفعت يدها تنظر في الساعة التي زينت رسغها ثم شهقت أمام وجهه بهلع: -عايزني أفطر وأنا متأخرة، أشحال إن ما كنت حكيت لك عن مديري اللي بيخوف؟ سلام بقى عشان ما أخدتش جزاء. أردفت الأخيرة وهي تتناول حقيبتها هاربة منه. نظر في أثرها بابتسامة اعتلت شفتيه يتمتم بداخله: -حلوة لعبة المدير والسكرتيرة دي!
بوجه متجهم وذقن غير مهذبة على غير عادته وقف أمام المصعد ينتظر هبوطه كي يصعد إلى غرفة مكتبه بالمصنع. مطابقًا شفتيه وهو ينظر للوحة الإلكترونية بتركيز. تحركت رأسه فجأة نحو مدخل مبنى المصنع فتسمر محله وتخشبت قدماه وهو يراها تقبل عليه غير منتبهة. منشغلة بالتحدث في الهاتف وشعر رأسها المصفف بعناية يتراقص بتناغم مع خطواتها الرشيقة.
ترتدي بدلة نسائية للعمل، بنطال أسود وقميص أبيض فوقها وسترة بنفس لون البنطال مفتوحة بشكل عصري على قدها الممشوق. -رااائعة. أردف بها بداخله قبل أن يعود لغضبه ويتذكر عهده الذي قطعه على نفسه. استقام يفرد ظهره جيدًا ليعود لوضعه أمام المصعد. والذي كاد أن ينساه حينما انفتح بابه الإلكتروني فجأة فدلف بداخله. وقبل أن يصعد وجدها فجأة لحقت لتشاركه الصعود، قائلة بلهث: -صباح الخير. -صباح النور.
رددها إليها بروتينية قبل أن يعود لوضعه بالتجهم، يتصنع التجاهل ورائحة عطرها تأسر حواسه. وهذا الخائن بصدره يضرب بقوة فرحًا ببلاهة لمجرد شعوره بقربها في مكانٍ وحده معها. تكلمت هي تقطع الصمت: -قمت متأخرة عن ميعادي النهاردة، وكنت خايفة أوي لتتأخر. التفت رأسه إليها بصمت فتفاجأ بلون القهوة صافيًا أمامه دون النظارة الغبية التي ترتديها دائمًا أثناء العمل. كاد أن يستسلم ويسقط حصونه كي يغرق بهم ويشبع أنظاره منهم.
ولكنه استفاق ينهر نفسه ويحثها لعدم الاستسلام. فرد موجهًا كلماته بمغزى وهو يشيح بوجهه عنها: -مش بعادة يعني ولا هي السهرة طولت؟ عقدت حاجبيها مردفة بتساؤل: -نعم؟ استدرك نفسه فقال موضحًا: -قصدي يعني إنك عمرك ما اتأخرتي. أجابته تفاجئه بردها: -في الحقيقة أنا فعلًا سهرت امبارح وقبل الفجر كمان. وقبل أن يزلف لسانه بغباء أكملت هي:
-ميدو أخويا أخد دور سخونية وبرد امبارح، ونشف دمي من الخوف، ماعرفتش أنام غير لما اطمنت ع الحرارة بعد ما نزلت. سألها مستغلًا سهوها بالحديث العفوي: -مين ميدو ده؟ -ميدو ده يبقى أخويا. تابع بسؤال آخر: -طب وأنتِ تسهري جنبه لوحدك ليه؟ مش الست الوالدة عايشة برضوا؟ هل شعر بارتباكها أو رأى شحوبًا بلون وجهها فجأة لا يعلم؟
ولكن الذي بدا واضحًا أمامه هو أطباق شفتيها وانظارها التي زاغت بينه وبين لوحة الأرقام بصمت دون إجابة عن سؤاله. حتى انفتح الباب فتمتمت تجيبه بصوتٍ كالهمس بالكاد يخرج: -مش موجودة. قالتها وخرجت على الفور. خرج خلفها وتركزت عيناه عليها، يتابع خطواتها السريعة وهي تغادر الرواق نحو غرفتها. وبداخله شعور غريب لا يعلمه مع عدم فهمه للجملة.
تعدو سريعًا بخطواتها لتصل إلى مقر الشركة بعد أن ترجلت من سيارة النقل العام بمسافة ليست بالقريبة. وصلت إلى سلم الباب الرئيسي الرخامي وما هي إلا عدة درجات صعدتهم حتى وصل إلى مسامعها همهمات خلفها عن زهرة والسيارة التي تخرج منها. التفت بجسدها فوجدتها هي بالفعل. تجمعت حولها عدة فتيات من الموظفين، يتحادثن معها بترحيب لعودتها وعيونهن تتطلع مثلها نحو السيارة التي تغادر من خلفهم. وهي تبتسم كعادتها وتبادلهم الترحيب بمجاملة.
تسمرت غادة محلها قليلًا تتطلع إلى هيئتها الجديدة وما ترتديه من ملابس فاخرة بالإضافة إلى إشراق وجهها بالسعادة والذي بدا واضحًا للأعمى حتى. فوصل إلى سمعها بعض التعليقات الأخرى من خلفها، والتي تتحدث عن زواج زهرة برجل عربي لا تريد الإفصاح عن هويته. ليرد صوت امرأة أخرى، بتخمين أن يكون أمير أو شيخ خليجي. كالسياط كانت تلسعها الكلمات بالإضافة لرؤيتها كنجمة وسط زميلاتها من الموظفات. كل هذا كان أكبر من طاقة تحملها.
ودون أن تدري استغلت انشغال زهرة مع الفتيات وعدم انتباهها إليها، فانسحبت تكمل صعود الدرج حتى تستكين وتستعيد توازنها. وقد اشتعلت النيران بصدرها، وشيطان رأسها يحثها على الصراخ وافتعال أي شيء يطفئ الحريق بداخلها. بعد قليل وبعد أن أخذت وقتها في السيطرة ولو قليلًا في انفعالاتها، ووحوش رأسها التي تدفعها دفعًا للتمرد وقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع. ولكن ما الفائدة فالخاسر الوحيد سيكون هي.
تلونت بابتسامة رسمتها على وجهها بعد أن أعادت النظر على زينتها وما ترتديه جيدًا قبل أن تذهب إليها لترحب بعودتها. -زهرة حبيبتي؟ تفوهت بها قبل أن تندفع لتحتضنها بأشواااق من داخل أعماقها! وزهرة تبادلها العناق بمحبة وصفاء نية كعادتها. -وحشتيني، وحشتيني أوي يابنت الإيه. قالتها وهي تشد عليها بذراعيها بقوة. انتبهت لها زهرة، ولكن فسرتها بدافع اشتياقها، وردت: -وأنتِ كمان أكتر والله، ربنا يديم المحبة. فكت
ذراعيها عنها قائلة بعتب: -بس أنا زعلانة منك عشان جيتي امبارح الحارة من غير ما تقولي. عادت زهرة لمقعدها وهي ترد عليها: -يابنتِ ما أنا عارفة إن ده ميعاد شغلك، هاتصل وأخليكِ تغيبي عن شغلك يعني؟ -وماله يازهرة ما أغيب عن شغلي، هايحصل إيه يعني؟ ده أنا كان نفسي أشوفك يابت أنتِ. تبسمت لها زهرة بمودة حتى ظهرت أسنانها البيضاء وردت بامتنان: -ياحبيبتي ربنا يخليكِ، ما اتحرمش منك. تطلعت لها بتقييم عن قرب فقالت لها:
-عيني باردة، ماشاء الله التغير ظهر أوي عليكِ في المدة البسيطة دي، وشكلك أخدتِ عليه وانبسطتي، أصل اللي يشوفك قبل الجواز ما يتوقعش النتيجة اللي أنا شايفاها دي. ابتسمت تهز رأسها بخجل تقول لها: -يعني الحمد لله، أصل بصراحة طلع حاجة تانية عكس ما أنا كنت شايفاه خالص. سألتها بفضول حارق: -طلع إيه يعني؟ زاد خجلها وهي تهز برأسها بابتسامة رائعة بصمت غير قادرة على التعبير بما يجيش بصدرها.
والأخرى على حافة الإنهيار تريد المعرفة بأقصى سرعة. لتخيب آمالها وتجيبها أخيرًا: -طلع كويس وخلاص ياغادة، عايزاني أقول إيه يعني؟ قالتها ببرائة غافلة عن النيران التي عادت لتشتعل بقلب الأخرى وهي تجاهد للسيطرة على نفسها وأقدامها تهتز بعصبية في الأسفل. قطع شرودها اتصاله من الهاتف الداخلي للمكتب واستدعائه للزهرة مع بعض الملفات المطلوبة. أجابته زهرة بعملية قبل أن تغلق معه وتهم بتجهيزهم. فاجأتها تقول:
-يرضى أدخل معاكِ أسلم عليه بس وأطلع على طول؟ سهمت زهرة تنظر إليها مجفلة قبل أن تتدارك لترد بحرج: -ما أنتِ عارفة ياغادة إنه ما ينفعش، جاسر معندوش هزار ولا أي شيء شخصي في الشغل. -اااه. تفوهت بها وهي تشيح بوجهها عنها بقصد. عرضت زهرة لإرضائها: -لو عايزة تسلمي عليه تعالي معايا البيت وكلميه براحتك كمان. التفت تسألها بلهفة: -والنبي بجد؟ يعني ممكن تاخديني معاكِ؟ -طبعًا ياحبيبتي والبيت بيتك كمان. قالتها زهرة مرحبة
فردت الأخرى تسألها بمكر: -على كده بقى هاتخديني في عربيتك، اللي كل الموظفات في الشركة بيتكلموا عنها؟ ردت بعفويتها: -هي مش باسمي يعني، بس هو خصصهالي مع سواق، وطبعًا هاخدك معايا فيها. -وكمان بتركبي عربية بسواق مخصوص يابت محروس. غمغمت بها ساخطة بداخلها قبل أن ترد عليها بابتسامة مصطنعة: -خلاص يبقى هاجي معاكِ النهاردة. توسعت ابتسامة زهرة وهي تردف لها بتذكر:
-كويس أوي عشان تسلمي على خالي كمان، أصله هايوصل النهاردة من السفر وقالي إنه هاينزل معايا على طول. -أسلم على خالك؟ سألتها غادة قبل أن تكمل وهي تخفي امتعاضها: -لا ياختي خليها وقت تاني، نكون أنا وأنتِ لوحدنا، وما يكونش معانا خالك ده اللي بياكل الجو وياخدك مني. ضحكت زهرة وهي تنهض بالملفات بعد أن جهزتهم ترد عليها: -زي ما تحبي يا قمر، عن إذنك بقى عشان ما يستعجلنيش ويغضب مني، ما أنتِ عارفاه. نهضت غادة مرددة لها بحنق مستتر:
-إذنك معاكِ ياحبيبتي، أنا أصلًا كنت ماشية عشان شغلي. فتحت باب الغرفة لتلج بداخله وتتقدم وملفات العمل بيدها نحو برسمية قائلة: -الملفات اللي طلبتها يافندم. -حطيهم قدامي على المكتب. قالها برسمية هو الآخر وهو يراجع على بعض الأوراق الموضوعة أمامه على سطح المكتب دون أن يرفع عينيه نحوها. رفعت حاجبًا مستغربة هيئته الجدية في المكتب عكس المنزل تمامًا وعلى الإطلاق أيضًا. ثم وضعتهم مذكرة نفسها بصورته الأولى أمامها:
-تطلب حاجة تانية يافندم؟ سألته بعملية وقد عادت للأجواء الاعتيادية في هذه الغرفة. أجابها باقتضاب: -لا. ارتدت بأقدامها لتخرج ولكنه أوقفها هاتفًا: -دقيقة لو سمحتِ. استدارت إليه عائدة لتسأله: -نعم يافندم في حاجة؟ رفع رأسه إليه قائلًا: -عايزك تطلعيلي ملف مناقصة الأسمنت. اقتربت تشير إليه بيدها: -ماهو قاعد هنا في وسط الملفات اللي جبتهم قدامك دول. أومأ برأسه بوجه حازم: -تعالي طلعيه بنفسك. قطبت مندهشة قبل أن تتحرك ملتفة
خلف المكتب لتخرجه أمامه: -اهو يافند... شهقت مجفلة ليسقط الملف من يدها وقد فاجأها بمعانقتها وتقبيلها على وجنتيها قبل أن يجلسها على سطح المكتب أمامه قائلًا بعشق: -وحشتيني. صمتت هي قليلًا تهدئ ضربات قلبها قبل ترد على فعله: -هاتوقف قلبي ياجاسر، والنعمة هاتوقف قلبي في مرة بعمايلك دي. تساءل ببرائة: -ليه يابنتِ هو أنا عملت حاجة، واحد بيقول لمراته وحشتيني، فيه إيه دي؟ هتفت بذهول: -والنبي إيه؟
بقى تنشف دمي وأنتِ راسم الدور القديم وجد بقى ومش عارف إيه؟ وبعدها يطلع مقلب! ازدادت ضحكاته وهو يقرب وجهه منها واضعًا كفيه على جانبي وجهها يردف بهمس: -طب أعملك إيه طيب؟ ما أنتِ وحشتيني بجد فعلًا، حاولت أرجع لاتزاني بس بصراحة معرفتش، شوقي ليكِ كان هايجنني. أردف الأخيرة وهو يمرر شفتاه على وجنتيها فانتفضت هي تدفعه عنها وتنزل قدميها على الأرض: -ياجاسر إحنا في الشغل ماينفعش كده. قربها من خصرها يردف بشقاوة:
-ماينفعش ليه أنا صاحب الشغل وأنتِ مراتي أساسًا. ضحكت وهي تحاول دفعه عنها قائلة بابتسامة مستترة: -وافرض يعني، ما عندناش بيت يلمنا بقى؟ ولا هي حبكت في الشغل؟ ازداد اتساع ابتسامته قائلًا بمشاكسة: -لا دي ولا دي، بس أنتِ وحشتيني أعمل إيه بقى؟ -اعمل نفسك مش واخد بالك. قالت بمرح قبل أن ينقلب وجهها للجدية حينما اقترب ليقبلها فقالت وهي تضع سبابتها على شفتيه وتبعده عنها: -بلاش بجد...
مش هزار على فكرة، عشان أنا مبحبش الطريقة دي. توقف يسألها مندهشًا: -طريقة إيه؟ هو أنتِ ناسية إنك مراتي؟ -لأ مش ناسية، بس أنا كده مقفلة ياسيدي ومعترفش غير بالبيت للراجل ومراته، فيها حاجة دي؟ صمت قليلًا قبل يفك ذراعيه عنها قائلًا بابتسامة: -لا مافيهاش حاجة يازهرة وأنا قابل بيكِ كده وأنتِ مقفلة. ابتسمت بارتياح قبل أن يباغتها بقلبة على وجنتها مردفًا: -بس دي بريئة مافيهاش حاجة، يعني مليكيش حجة. لوحت بقبضتها قائلة بغيظ
مع ابتسامة لم تغادر وجهها: -مافيش فايدة فيك، برضوا بتعرف تلاقي طريقة. قالتها وتحركت لتغادر مستئذنة: -طب أنا ماشية بقى خلينا أروح أشوف شغلي. أوقفها قائلًا: -على فكرة احتمال أتأخر النهاردة في الرجوع عشان هاديها جولة سريعة كده على المجموعة. أمسكت بمقبض الباب قبل أن ترد بنعومة اكتشفتها حديثًا بنفسها وهي على وضع الاستعداد: -تيجي بالسلامة أنا مستنياك. وقبل أن ينهض مستجيبًا لمشاكستها خرجت تغادر على الفور،
ليتمتم هو بعد خروجها: -جبانة. في وقتٍ لاحق. دلفت غادة لداخل الغرفة الكبيرة الخاصة بحمام السيدات لتراجع على هيئتها كالعادة وتضيف على زينة وجهها قبل خروجها من العمل أمام المراة الكبيرة والتي تظهر الصورة جيدًا. شعرت بمرور إحداهن بجوارها ولكنها لم تلتفت لتركيزها الشديد في تمرير قلم الحمرة على شفتيها. حتى انتبهت لمن تخاطبها باسمها: -أنت بقى غادة؟
تركت ما بيدها والتفت نحو مصدر الصوت فتفاجأت ترد بلجلجة على هذا المرأء الشقراء والتي رأتها قبل ذلك عدة مرات في الشركة وتظن أنها مسؤل مهم بها: -أييوة أنا غادة حضرتك؟ هو أنتِ تعرفيني؟ صمتت قليلًا تصفف بيدها على أطراف شعرها الكيرلي ثم التفت إليها تجيبها: -بصراحة معرفكيش أنتِ شخصيًا، بس عندي فضول أتعرف عليكِ، أصل من طريقة لبسك كده واهتمامك بنفسك لفتي نظري. أطربها ما سمعته فقالت بتفاخر وهي تشير على نفسها: -بجد!
يعني أنا فعلًا عجبتك؟ أصل أنا بصراحة متابعة كل خطوط الموضة، والنت عندي كله عن اللبس ومتابعة الفاشينستات واللي بيلبسوه. -الفاشينستات! أردفتها بامتعاض قبل أن تكمل: -بس غريبة يعني ياغادة، واحدة في جمالك وشياكتك دي كلها ولسة سينجل، مش سينجل برضوا ولا أنا غلطانة؟ ردت بلهفة وهي ترفع كفيها للأعلى أمامها: -لا والله سينجل حتى شوفي. ابتسمت الأخرى ترد بخبث:
-مش محتاجة أشوف ياغادة أنا عرفت لوحدي ماهو باين، أنتِ بنت مكافحة وبتيجي الشركة في اتوبيس عام، عكس بنت خالك اللي اتجوزت الراجل الغني وجاية النهاردة في عربية آخر موديل. تغير وجه غادة وخبأت ابتسامتها لترد من تحت أسنانها: -نصيب بقى، كل واحد بياخد بياخد نصيبه في الدنيا دي نعمل إيه؟ قالت لتزيد الحريق بقلبها: -نصيب! لا ياحبيبتي دي حظوظ، وصاحبتك باينها محظوظة أوي، لكن هي فعلًا متجوزة الراجل الغني ده من دولة عربية؟
ازدردت ريقها غادة تجيبها وهي تهز رأسها بتوتر: -أيوه فعلًا هي متجوزاه عربي. ابتسمت لها المرأة بحنكة ثم مدت يدها لتصافحها قائلة: -أنا انبسطت جدًا بمعرفتك ياغادة عشان أنتِ إنسانة صادقة وباين عليكِ طيبة. -أيوه صح أنا صادقة وطيبة، لكن الدنيا بقى الدنيا ماشية بالحظوظ زي ما قولتي؟ بس هو أنتِ تبقي مين ياهانم؟ ازداد اتساع ابتسامة المرأة لتجيبها وهي تتحرك من جوارها وتغادر: -مرفت ياغادة، عضو مجلس إدارة هنا في الشركة.
اتسعت عيناها تبرق بالانبهار وقبل أن تستوعب جيدًا وجدتها تلتف إليها سائلة: -على فكرة ياغادة أنا كل يوم بروح لوحدي في عربيتي، إيه رأيك أروحك معايا اهو نسلي بعض في السكة؟ عاد مساءً بعد جولته على شركات المجموعة وحضوره لعدة لقاءات شخصية مع أشخاص مهمين لعمله. كل خلية من جسده تصرخ اشتياقًا لها، لدفئها وابتسامتها التي تنسيه كل ما مر به بيومه. رائحتها التي تبعث في روحه الحياة، وكأنها كانت مفارقة العالم منذ سنوات.
لقد اشتاقها واشتاق وصلها بجنون، حبيبته التي أتت إليه بعد أن تمكن منه اليأس لتذكره أن الحياة مازالت تحمل في جعبتها السعادة له. -زهرة يازهرة. كان يهتف باسمها وهو يقطع الردهة الفسيحة لمنزله. وصله صوتها من قريب، فخطى حتى وصل إليها، فتغضنت ملامح وجهه وانعقد حاجباه المقلوبان. وهو يكمل ملقيًا التحية عليها وعلى من يضمها بذراعه على الأريكة وحدهم: -مساء الخير، حمد عالسلامة ياخالد. أجابه الأخير بابتسامة متوسعة:
-مساء الفل ياجاسر باشا، عامل إيه أنت بقى؟ -كويس ياسيدي والحمد لله، زهرة حبيبتي أنتِ قاعدة كده ليه؟ قال الأخيرة مخاطبًا زوجته وهو يقترب للجلوس على المقعد المجاور، باستغراب من جلستها تحت ذراع خالها وأقدامها مثنية تحتها. كتفها الأيمن مستريح على صدره وكأنها طفلة صغيرة في حضن أبها. أجابته بعفوية وهو تشاهد في الهاتف الذي بيدها: -بتفرج على لقطات من فرحنا ياجاسر، نوال صورت كل حاجة ونقلتهم هنا على تليفون خالي.
بشبه ابتسامة أومأ لها قائلًا وهو يمسك بكفها يحاول إبعادها: -تمام ياحبيبتي اتفرجي عليهم، بس أدي لخالك نفسه ده جاي تعبان من السفر. أعادها خالد بذراعه قائلًا بحزم: -لا يا عم أنا مش تعبان، خليها قاعدة عشان نتفرج أنا وهي مع بعض. سأله جاسر من تحت درسه: -ليه هو أنت مشفتش الفيديو قبل كده؟ أجابه خالد ببرود متعمد: -لا شوفته طبعًا، بس الفرجة بقى مع حبيبة خاله حاجة تانية خالص.
صك على فكه يكبت غيظه من هذا الخالد، الذي يقصد متعمدًا إثارة غيرته المجنونة بتحدي مستغلًا مكانته بقلب زهرة، ومنها أيضًا وهي تشاهد غير مبالية بنيران صدره المشتعلة لكل من يقترب منها حتى لو كان أباها نفسه. تمتم بداخله يناجي الحكمة: -اللهم ما طولك يا روح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!