تذكرتها بجاسر القديم. أما هو فالتوى فمه بابتسامة قبل أن يرد: حلو، تعالي بقى عشان أعلمك بيتفتح إزاي وأعرفك بالتطبيقات اللي عليه وأعرفك كمان بتشتغل إزاي. ***
خرجت من مكتبه تحمل بيدها عددًا من الملفات التي طلب مراجعتها، والأخرى كانت تمسك بالهاتف الذي أعطاه لها. وقد تولى مهمة تعليمها على استخدامه وفتح التطبيقات به، حتى أنه أنشأ حسابًا لها على موقع التواصل "فيس بوك". تبسمت بارتياح وقد فاجأها بالجانب الجديد من شخصيته في الصبر على تعلمها هذه الأشياء الجديدة عليها. وقعت عيناها بتعجب على من يقف أمامها بوسط الغرفة متخصرًا، متجهم الوجه بهيئة لم تعهدها منه سابقًا طوال المدة التي عرفته بها.
"في حاجة يا عماد؟ " سألت وهي تقترب من المكتب، واضعة عدد الملفات على سطح المكتب وفوقهم وضعت الهاتف الذي لفت نظر الآخر. فاقترب يمسكه مشيرًا به: "الكلام ده طلع بجد بقى." تناولت الهاتف من يده سائلة بدهشة: "إيه اللي بجد؟ مال برأسه نحوها قائلاً بحدة: "إنك قبلتي تبيعي نفسك وتتجوزي الراجل الغني عشان ترضي والدك." ارتدت للخلف بأقدامها وقد صدمتها كلماته، تردد: "إيه اللي أنت بتقوله ده؟ ومين قالك الكلام ده؟ أصل... تقدم
منها أكثر وهو يهتف بغضب: "هو ده اللي هامك؟ عرفت منين؟ ومش هامك إنك تتنازلي عن نفسك وكرامتك لما تتجوزي بس إرضاءً لأهلك حتى لو كان شوال فلوس." أومأت بسبابتها نحوها ترد بعدم استيعاب: "إنت تقصدني أنا بالكلام ده يا عماد؟ واصل تقدمه نحوها يهدر وهي ترتد للخلف: "أيوه أقصدك أنت طبعًا، أمال أقصد الحيطة اللي وراك مثلًا؟ أنت إزاي كده أصلًا؟ إزاي تبقي جميلة ورقيقة وبنفس الوقت تكوني شخصية مهزوزة وضعيفة؟
ليه ما تعترضييش وتصري على اختيارك؟ صمت قليلاً قبل أن يتابع تقدمه نحوها وهي ترتد حتى التصقت بالحائط. فاقترب منها مائلاً برأسه يقول بلهجة مترجية: "ليه ما قولتيليش ولا حتى لمحتي يا زهرة عشان أقف جمبك أو أقف في وش البني آدم ده اللي عايز يشتريكي بفلوسه؟ ليه لما شفتك في الكافتيريا وسألتلك على الليمون زعلتي؟ أنكرتي وما تكلمتيش ليه؟
قال الأخيرة بصرخة نحوها وهو يضرب بقبضته على الحائط بجوار رأسها، جعلها تنتفض محلها برعب، قبل أن يختفي من أمامها فجأة بقبضة قوية على فكه أطاحته أرضًا بعيدًا عنها. ضربت بكفها على فمها بصدمة حينما رأت صاحب القبضة، والذي واصل هجومه برفع عماد عن الأرض من تلابيب ملابسه، يباغته بعدة ضربات عنيفة على وجهه وجسده، والآخر يصرخ باسمه: "استنى يا جاسر بيه، اسمع مني الأول وافهم." دفعه نحو الحائط بعنف جعل الآخر يصرخ من ألم ظهره،
فقال جاسر على أسنانه: "بتتعرضلها ليه؟ مالك ومالها؟ صرخ عماد: "والله ما بتعرضلها ولا كنت عايز أذيها، أنا بس كنت بسألها عن حاجة تخصني وتخصها." هدر جاسر وهو يرجه بقوة رغم تماسكه وإصراره على عدم قتله: "إيه هو اللي يخصك ويخصها عشان يخليك تتجرأ عليها بالشكل ده؟ هتف عماد: "لو سمحت يا جاسر بيه، دي حاجة ما بيني وبين زهرة يعني ما ينفعش أقولك عليها."
كمطرقة من الحديد الساخن ضربت رأسه بقوة، فجعلته يلتف برأسه إليها وعيناه تطلق شررًا من جحيم استعر بداخله. فسألها: "أنت صح، في ما بينك وبين الواد ده حاجة ما ينفعش يقولي عليها؟ نفت برأسها ووجهها المغرق بالدموع: "والله ما في ما بيني وبينه أي حاجة، غير المودة اللي بتبقى ما بين الزملاء وبس، في مكان العمل." "ولا أي حاجة يا زهرة! " هتف بها عماد بعدم تصديق، قبل أن يدفعه جاسر بقوة نحو الأرض صائحًا:
"اخرج من هنا وعلى باب الشركة حالا، ما أشوفش وشك تاني." نهض عماد ينفض ملابسه وعيناه تنظر نحو زهرة بألم وخيبة أمل، لا يصدق فعلتها وإنكار ما تحمله بداخلها نحوه.
"اخلص بقولك يالا." صرخ بها جاسر وهو يتابعه بنفاذ صبر، متحديًا جمع الموظفين الذين أتوا على أصوات الشجار. فوقفوا يتابعون خلف الغرفة، منهم غادة التي كانت تراقب ما يحدث كباقي الموظفات، ومرفت صديقة ميرهان، والتي كانت تقف بجانب وحدها. خرج أخيرًا عماد، فهتف جاسر نحو موظفيه بصوت هادئ يحمل في طياته الوعيد: "دقيقة واحدة بس، ولو لمحت أي موظف ولا موظفة بعيد عن مكتبه دلوقتي، ها يحصل اللي خرج دلوقتي حالا."
سريعًا هرول الموظفون من أمامه ليعودوا لأماكنهم، وقبل أن تتم الدقيقة كانت الساحة خالية إلا منه ومنها. فقالت مخاطبة له بخوف: "كذاب في كل كلامه يا جاسر و... شهقت قاطعة جملتها حينما رأته مندفعًا نحوها بصمت، ليسحبها من كفه، يدخلها معه داخل المكتب الذي أغلق بابه جيدًا. ***
تذرف الدمعات على وجنتيها كالسيول دون توقف، وهو واقفًا كالجبل أمامها، لا تهتز له شعرة ولا حتى يظهر وجهه التأثر. يحدقها فقط بالنظرات النارية التي تزيد بداخلها الخوف. حتى خرج صوتها بارتعاش: "صدقني يا جاسر، والله ما في أي حاجة ما بيني وبينه." "أمال هو جايب الثقة اللي بيتكلم بيها دي منين؟ " سألها بحدة. أجابت بانهيار: "والله ما أعرف، هو كان بس... اقترب منها يسأل مضيقًا عيناه بريبة: "كان بس إيه؟
"كان مجرد تلميحات منه، وأنا ما فيش مرة رديت بكلمة أو نظرة حتى." قالت بسجيتها. فهدر صارخًا: "بس عشمتيه، ودي ألعب. لو كنت وقفتيه عند حده من أول مرة مكانش ساق فيكي." هتفت بدفاع عن نفسها: "ساق في إيه؟ دا كان كل كلامه مرسل، يعني ممكن يعدي عادي مع أي واحدة."
"لا مش أي واحدة يا زهرة، الواد ده كان كل تصرفاته واضحة معاكي، بس أنت اللي بتنكري." صرخته جعلتها تتوقف عن البكاء، ناظرة إلى وجهه الذي تغيرت ملامحه، وأنفاس صدره الحادة تصعد وتهبط بسرعة، قبل أن يرد أخيرًا بلهجة هادئة مريبة: "عايزك تروحي وتجهزي نفسك، تشوفي إيه اللي ناقصك وتدونيه في ورقة عشان ما فيش وقت." "ما فيش وقت لإيه؟ " سألت. ولم يجيبها بل استطرد متابعًا:
"النهاردة بالظبط هابعت لوالدك نحدد ميعاد الفرح، في خلال يومين أو تلاتة بالكتير." "إزاي يعني؟ طب وخالي؟ " صاحت بها. رد هو غير مبالٍ: "هو حر، أنت عندك ولي شرعي اللي هو أبوكي، ودا اللي يهمني أنا وخلاص." قال والتف يوليها ظهره، فهتفت خلفه: "يبقى هارفض يا جاسر، عشان أنا قولتك مش هاكمل حاجة من غير خالي." استدار إليها سريعًا بوجهه الغاضب يهدر:
"كلام الدلع ده كان في الأول، كان عندك فرصة تقولي أه أو لأ، لكن دلوقتي لأ، يا زهرة، عشان مش جاسر الريان اللي هايقبل بعيلة صغيرة تلعب بيه، فاهمة ولا لأ." صمتت بقهر، وقد ألجمتها حدته عن الرد أو المجادلة في الدفاع عن حقها، وكيف يصح لها الكلام معه الآن وقد عاد إلى هيئته القديمة أو حقيقته التي غفلت عنها هي مؤخرًا، جاسر الريان مديرها المخيف. ***
فتح باب استراحته التي سكن بها منذ أن أتى إلى هنا واستلم وظيفته في هذا المكان الغريب عنه، عائدًا من ورديته المسائية يجر أقدامه المتثاقلة بصعوبة من التعب، ليرتمي بحذائه على.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!