سريره الحبيب وقد أهلكه الإجهاد حتى عن خلعه. أغمض عينيه يبتغي الراحة للحظات قبل أن ينهض ليتحمم ويجهز عشاءه. لقد ضغط على نفسه كثيرًا هذه الأيام بمضاعفة العمل بزيادة وردياته حتى يرحم عن رأسه بالتفكير بداخله. رغبة لو استسلم لها لطار على الفور عائدًا لبلده كي يتقبل الصلح معها ويقف بجانبها. ولكن أين يذهب بوجع كرامته وقد ألمه أن تتناساه وتختار والدها في شيء مهم كهذا؟
أنسَت تاريخ أباها المظلم لما حدث معها قديمًا وأدى لوفاة والدتها؟ أم أنها اختارت حياتها غافلة عن من ضحى بسنوات شبابه من أجلها؟ تنهد بثقل قبل أن يتناول هاتفه وينظر به لسجل المكالمات كعادته منذ الأزمة التي حلت بينهم. ليرى إن كانت تتذكره بالاتصال أم أنها يأست ونسته لتعيش حياتها. قطب مندهشًا تسجيلها لرسالة صوتية، فهذه ليست من عادتها. مط بشفتيه مستغربًا قبل أن يفتح التسجيل ليسمع منها: "كدة برضو ياخالي؟ هونت عليك؟
هانت عليك زهرة بنت عمرك زي ما كنت بتقول دايما؟ طب انت عارف إني عمري ما اتحمل جفاك عني، طب انت ليه تتقل عليا كده؟ أعمل إيه عشان تصالحني وأشوفك أو أسمع صوتك من تاني؟ أعمل إيه عشان أترجاك توقف جنبي وتبقى سندي ياخالي؟ أبويا اتفق مع جاسر على ميعاد الفرح في خلال يومين. يرضيك ياخالي؟ أتجوز من غير ما أشوفك؟ طب يرضيك إن أبويا اللي كان سبب أصلي في موت أمي يكون هو وكيلي؟
مستلقية على جانبها في فراش تختها، كفها تحت رأسها على الوسادة. تتابع بأعين يقظة خيوط الضوء المتسللة عبر النافذة المغلقة المنذرة ببداية الصباح. لا تصدق أن هذا هو يومها كما يقال، لا تصدق أن أمرًا كهذا يتم بهذه السرعة ودون إرادتها ورغبتها. لا تصدق أنها ستغادر غرفتها ومنزلها وجدتها وتسكن وحدها مع رجل غريب عنها بمنزله. رجل أذاقها من الدلال وكلمات الغزل يومين قبل أن ينقلب لصورته الأول ويعود لتجبره وتسلطه معها.
كيف لها أن تعترض الآن بالوقوف أمامه ومجابهته وقد غاب عنها سندها ومصدر أمانها دائمًا بسببه! مسحت بكفها الدمعة التي سقطت على وجنتها سريعا قبل أن تنهض بجزعها تلملم شعرها الذي تنحل عقدته دائمًا مع نومها. ثم نهضت بعدها عن التخت وقد أجمعت أمرها بالمضي قدمًا فيما قدر إليها. تاركة أمرها على المدبر الذي لا يغفل عنه شيء. ذهبت للمطبخ لتحضر وجبة الفطور قبل أن تذهب لغرفة جدتها.
التي وجدتها هي الأخرى مستيقظة جالسة بجذعها تنظر في الفراغ بشرود. ويبدو على وجهها علامات الهم وهي تعلم بداخلها جيدًا السبب وراء ذلك. اقتربت تتصنع الابتسام وهي تهتف باسمها: "إيه يارقية؟ دا انت صاحية أهو، قال وأنا اللي كنت شاغلة بالي بصحيانك." ختمت جملتها بقبلة على رأسها. قابلتها رقية بنظرة غامضة قبل تلوي فمها المطبق وتشيح بوجهها عنها. "انت لسة برضو لاوية بوزك مني ياستي؟ سألتها زهرة بعتب وهي تجلس بجوارها. تنهدت
رقية قبل أن ترد عليها: "أمال عايزاني يعني أعملك إيه؟ أقوم أترقصلك مثلا؟ حمدًا لله مشلولة." كلماتها البسيطة كانت تلسعها كالسياط وهي المجبرة قليلة الحيلة. لا تجرؤ على التفوه بالحقيقة حتى لا تزيد على أحزان جدتها. فيكفي عجزها ومرضها أيضًا. ضغطت على شفتها وهي تدعي عدم الفهم قائلة: "يعني هو انت لازم ترقصي ياستي؟ كفاية تفرحيلي، ماينفعش بقى تفرحيلي؟ ردت رقية وقد احتدت عيناها في النظر إليها:
"انت ما تعملهومش عليا، انت عارفة كويس قوي أنا قصدي إيه." أومأت برأسها تقول لها: "عارفة ياستي ومقدرة كمان، بس هاعمل إيه أنا بقى؟ جاسر مضطر يتم الجواز بسرعة عشان عنده ظروف قوية لكده." ردت رقية باستنكار رافعة شفتها العليا: "ظروف إيه دي يا أختي اللي تخلي يلم جوازتك منه في ظرف أيام قليلة من غير حتى ما ربنا يقدره يستنى خالك؟ خالك يا زهرة اللي رباكي وكأنك حتة منه؟ ولا انت نسيتيه يا بت؟
هنا لم تقوى زهرة على الإنكار أكثر من ذلك. فخرجت شهقتها المكتومة بعنف جعلت رقية تلتف برأسها إليها مجفلة. فوجدتها تبكي بصوت مكتوم ووجهها مغرق بالدموع. انفطر قلبها لرؤيتها، فجذبتها سريعا لداخل أحضانها تشدد عليها بذراعيها وهي تردف: "بس لو تفهميني إيه اللي صايبك بدل ما أنا حاسة نفسي كده زي الأطرش في الزفة." كانت تبكي وفقط تفرغ مع دموعها الحزن والقهر من داخلها. ورقية تربت على ظهرها بحيرة حتى سألتها أخيرًا:
"هو بيهددك بحاجة يا بت ولا ماسك عليك ذلة؟ انتفضت زهرة تخرج من أحضانها تنفي وهي تمسح بكفيها لتزيح أثر الدمعات: "لأ طبعًا، انت ليه بتقولي كده يا ستي؟ تنهدت رقية قانطة وهي تضرب بكفيها ترد عليها: "طب عايزاني أقول إيه بس وأنا شايفة الوضع كده؟ مش مريحني، دا غير كمان خلقتك انت اللي متغيرة. حتى لو كنت بتمثلي الضحك والفرحة قدامي أنا كاشفاكي يا بت." ابتسمت زهرة رغم ما تشعر به على فراسة جدتها قبل أن ترد:
"طب لما انت كاشفاني كده وحاسة بيا، ليه بقى زعلانة مني؟ مش تقدري كده خوفي من دنيا جديدة داخلة عليها؟ ردت رقية وهي رافعة حاجبها بتشكك: "يعني انت كل المشكلة عندك هو خوفك من الدنيا الجديدة اللي داخلة عليها؟ وخالك بقى نسيتيه؟ "نسي مين بس ياستي؟ هتفت بها تبتلع الغصة المؤلمة بحلقها قبل أن تكمل: "أنا عارفة إن خالي عمره ما هايتخلى عني حتى لو غلطت. وعلى العموم أنا عملت اللي عليا معاه في الاتصال والمحايلة والباقي عليه هو بقى!
غمغمت الأخيرة بصوت خفيض لم يصل إلى رقية التي انتبهت على صوت جرس المنزل: "طب قومي يا أختي شوفي مين اللي جاي لنا على أول الصبح كده ومش صابر حتى لما الشمس تطلع كويس." نهضت زهرة تعدل من هيئتها وشال رأسها. فتحت لتجد والدها يقتحم المنزل مهللا وخلفه زوجته وبناته الثلاثة. "صباح الخير يا ست العرايس يا قلب أبوكي، عاملة إيه النهاردة؟ لم تجبه زهرة فقد انشغلت عنه بتلقي المباركة والتهاني من زوجة أبيها سمية
وهي تحتضنها بمودة حقيقية: "يا حبيبة قلبي ربنا يتمم بخير يارب ويفرحك يا زهرة." ردت زهرة بابتسامة ممتنة قبل أن تعيد الكرة مع صفية وشقيقاتها الصغار. "الحسنة الوحيدة لأباها كما كانت تقول دائمًا." فرك خلفهم بكفيه محروس قائلاً بحماسه: "يا زهرة جهزتي نفسك بقى؟ هتفت رقية نحوه من الداخل: "جهزت نفسها لإيه بس ياراجل انت؟ هو احنا لسة اصبحنا ولا فطرنا حتى." اندفع إليها متبخترا يقول:
"الله بقى مش لازم أسأل أنا وأطمن على كل حاجة بحيث بقى لما تيجي عربية العريس اللي هاخدنا على فيلا بتاعة الباشا يلاقينا جاهزين ومش ناقصنا حاجة ولا إيه يا حماتي؟ "يييييه دا رجع يقولها من تاني وأنا اللي قلت إني استريحت منها. الله يسامحك على الورطة السودة دي يا حاج ويرحمك." غمغمت بها بقرف رقية وهي تشيح عنه بوجهها قبل أن تلتفت على كلمات سمية: "زهرة يا حبيبتي خلصتي كل حاجتك ولا عايزة...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!