مش أنا اللي أسيب ابني بعيد عني يا ست كاميليا بس دا لما يكون ابني. بمنتهى الجدية كان يمارس عمله الجديد الذي تسلمه حديثا. رغم الصعوبة الشديدة التي واجهها في البداية لاستيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات الحديثة عليه. هذا نتيجة لعمله منذ بداية تخرجه في مجالات أخرى بعيدة عن عمله الأساسي نظرا لظروف المعيشة وانعدام الفرص أمامه. ولكن بالتدريب مع ذكائه الفطري رويدا رويدا أصبح ينجز وينهي في أقل الأوقات.
فما أجمل من أن يتولى الفرد العمل في المجال المتخصص به أو يحبه. انتبه فجأة على طرق باب غرفته فهتف بصوته لمن يقف خلفه: إدخل. قالها ورأسه منكفئة بتركيز على إحدى الملفات أمامه. لترتفع عينيه فجأة على الصوت الناعم رغم قوته: ممكن أدخل يا فندم. تبسم قليلا يطالع وجهها البهي ويتشرب مشهد ابتسامتها التي تسلب لب قلبه في مرة يراها بها. ليومئ لها برأسه قائلا: بيتك ومطرحك يا فندم مستنية إيه.
تقدمت لداخل الغرفة تدعي الخجل بخطواتها المتأنية أمام أنظاره المتابعة لها بتسلية. لتجلس أمامه قائلة بأدب: متشكرة أوي يا فندم على ذوق حضرتك. رد يدعي الرسمية هو الآخر: الله يحفظك يا هانم نورتي مكتبي المتواضع. هنا ضحكت بصوت عالي معقبة على قوله: بسم الله ما شاء الله متواضع دا إيه يا عم الحج دا أكبر من مكتب والدي وقت ما كان مستشار. ردد ضاحكا هو الآخر: الله الله انتي جاية تقري على جوزك ولا إيه يا ست انتي. ردت بدفاعية:
أقر إزاي يعني وأنا مكبرة من الأول بس أقول الحق انت لازم تغير المنصب حلو برضه ولايق عليك بصراحة. أومأ برأسه يقول لها: هو حلو ومختلفناش بس بصراحة الشغل كتير أوي ويهد الحيل. أنا مش عارف اللي اسمه كارم كان نوعيته أنا لحد الآن مبقدرش أدي نص اللي بيعمله رغم إن طول عمري متعود ع الشقا. رددت تخاطبه بتحفيز: شويه شويه يا قلبي وانت تبقى أحسن منه كمان. إنت لسة في البداية وعندك ميزة الاجتهاد بس بقى لو كمان تقدر... توقفت ليسألها
باستفهام على الفور: أقدر على إيه. ابتسمت تجيبه بخبث: متزعلش مني بس انت ناقصك بس الرياضة وتنظيم الوقت وانت ساعتها تبقى ممتاز. ما هو كارم دا إيه بني زي كل البني آدمين بس هو حسب معرفتي عن تربيته العسكرية يعني كان ماشي بالمسطرة ودي حاجة على قد ما هي صعبة بتبقى حلوة في نتايجها بس طبعاً من غير ما نلغي مشاعرنا ودا الأهم. لعب حاجبيه بعبثية لينهض عن مقعده يردد خلفها:
طب وبمناسبة المشاعر بقى يا جميل مشتاقتيش كده ليوم من أيام شهر العسل اللي رجعنا منه عشان نتسحل السحلة المنيّلة دي. ضحكت بصوت عالي فور أن شعرت به يقترب منها. لتنهض عن مقعدها هي الأخرى تقابله بقولها: خلي بالك يا أستاذ انت في مكان شغل يعني أي غلطة محسوبة عليك. هددها بالاقتراب أكثر ممازحا قبل أن يغير ويتجه للجلوس على الكرسي المقابل لها. ثم قال متنهدا:
أبو هنتكلم جد بصراحة مكنتش اتوقع اني يجي اليوم ووافق فيه إن أشتغل في مجموعة الريان. دا كان من رابع المستحيلات قدامي حتى لما عرض عليا الشغل ده كنت ناوي أرفضه رغم إلحاحك انتي وزهرة. طب وإيه اللي خلاك وافقت. سألته بفضول وكانت إجابته: حسيت إني برفض نعمة ربنا لو رفضت فرصة زي دي عشان أفكار غبية في راسي. هو لو مكنش شايفني كفء مكنش هيطلبني في حاجة كبيرة زي دي.
وأنا لو مجتهدتش عشان أثبت نفسي في فرصة زي دي أبقى فعلاً مستاهلش الفرصة. صمتت قليلا تستوعب كلماته قبل أن ترد بإعجاب: أنا دلوقتي بس عرفت سر استمرار جاسر الريان. لأنه لما اختارك شايفك بعين خبير مش كقريب لمراته اللي بيحبها رجل أعمال على حق. سيادة المدير فاضي ولا أخدها من قاصرها وأجي في وقت تاني. قالتها زهرة وهي تقتحم عليه غرفته هي الأخرى عقب عودتها من موعد الطبيبة النسائية.
نهض لها على الفور يستقبلها مقبلًا وجنتيها قبل أن يتناول كفها ليساعدها على الجلوس على الأريكة الجانبية بالغرفة مرددًا بسرور: حتى لو مش فاضي يا ستي أفضي نفسي هو احنا نطول. بس انتي جيتي إزاي لوحدك يا مجنونة ولميا هانم سبتك إزاي أساساً. ضحكت تجيبه وهي تعتدل في جلستها بوضع الوسادة خلف ظهرها لتستريح عليها جيدًا من الخلف: لأ اطمن يا حبيبي هي مسبتنيش ولا حاجة.
دي وقفت بس تسلم على واحدة عميلة شافتها هنا صدفة في الشركة وطلعت صاحبتها باين ولا إيه دي. حتى عرفتنا على بعض وخلتني أسلم عليها بس أنا استأذنت منهم وكملت طريقي على الأساس. سير عدل بصراحة معنديش القدرة للوقوف معاهم الدقايق دي. أومأ لها بهز رأسه لتردف بسأم: بس بصراحة أنا زهقت يا جاسر من رعايتها المبالغ فيها دي. كل الستات بتحمل على فكرة وبيشتغلوا وبيعملوا كل حاجة محدش بيخاف الخوف ده. ردد معقبا بسخرية:
ما هي مش كل الناس عندها ندرة في العدد زينا يا روح قلبي. دا انتي مبتشوفيش والدي لما بيقعد يوصيني كل ما يشوفني نفسه البيت يتملي بالأطفال وبيقولي الأمل فيك إنت ومراتك أنا متكل على الله وعليك فيها دي... توقف ضاحكًا ليتابع: الراجل بيفكرني دايماً بعبد المنعم مدبولي في ريا وسكينة. شهقت مرتعبة رغم ابتسامتها: يا لهوي عليا وعلى سنيني دا أنا على كده وبنهج من التعب يا جاسر.
هو أنا فيا حيل للخلفة تاني انت بس ادعيلي أنزل اللي تاعبني ده ومطلع عيني بالسلامة وألف شكر على كده. هو عم عامر متفائل أوي كده ليه. يا ستي ما تسبيه يتفائل ما إحنا برضه قدها وقدود. صاح بها جاسر يضحكها قبل أن ينهض من جوارها قائلًا: تحبي أطلبلك عصير ولا حاجة تاكليها على ما تيجي الست الوالدة. متطلبش حاجة يا جاسر احنا مش هناخد من وقتك كتير أساساً. قالتها زهرة ليسألها على الفور:
آه صحيح انتي مقولتيش هو انتوا جاين النهاردة عندي ليه. ردت وهي تميل لتتكئ على ذراع الأريكة بمرفقها نحوهما: إحنا روحنا لميعاد المتابعة مع الدكتورة يا روح قلبي. ولا انت ناسي تاريخ النهاردة. ضرب بكف يده على جبهته ليرد بتذكره: صحيح.... دا أنا نسيت والله والشغل خدني. وإيه الأخبار بقى. قال الأخيرة وهو يعود للجلوس بجوارها مرة أخرى. ردت بدلال يشوبه العتب:
لأ واحنا نقولك ليه بقى مدام نسيت خليك يا حبيبي مشغول مع نفسك واحنا كمان نقوم نروح. قالتها وهمت لتنهض مستندة بكف يدها على ذراع الأريكة. فقمع بجذبه لكفها الأخرى الحركة التمثيلية من بدايتها بقوله لها: اقعدي بقى يا ست انتي وبطنك المنفوخة دي هو انتي هتعمليها بجد ولا إيه. استسلمت له لتردد بمكر تدعي الجدية: ما انت لو مهتم كنت هتعرف لوحدك من غير ما حد يقولك. توسعت على ثغره ابتسامة مرحة مستمتعًا بمناكفتها اللذيذة على قلبه.
ليرد أخيرًا على مزاحها: حلو أوي شغل الستات ده إديني منه كتير بقى عشان أنا بصراحة بستمتع بالحاجات دي. برقت عينيها لتعقب على قوله بحماس: بتحب شغل الستات يا جاسر. طب تحب أديك بقى حبة بلدي. بلا قرف. ضيق عينيه ليردف بادعاء الغضب وهو يلكزها بخفة على ذراعها قبل أن ينهض من جوارها: انتي باين الغزالة رايقة معاكي. وأنا راجل غلبان وعندي شغل متكوم يا ست يا كسلانة انتي.
ولا كمان عايزة تفرشيلي الملاية دا على أساس إني مدير سكة ومبهتمش بشغلي إيه الستات دي. ردف بالكلمات وهو يلملم أشياءه الخاصة من فوق سطح المكتب مع إغلاق الحاسوب وبعض الملفات التي كان يتناولها. ليضعها في الخزنة الإلكترونية المخصصة لها. قطبت مندهشة تسأله: طب انت بتقفل الملفات ليه. التف يجيبها بمرح: ما أنا هاخدك ونروح بيتنا عشان نفرش الملاية براحتنا مش انتي قولتيها بنفسك بلا شغل بلا قرف. ضحكت بصوتها العالي تردد:
قول كده بقى أن انت واخدها حجة عشان تزوغ من شغلك. بس يا خسارة يعيني أنا مضطرة أزعلك وأقولك أننا مش مروحين البيت. توقف عما يفعله ليتكتف بذراعيه ليسألها بتعجب يشوبه الانزعاج: ليه بقى وعلى فين العزم إن شاء الله كده. ضحكت بتسلية فانفعاله السريع بحمايته دائمًا ما يثير داخلها دغدغة من البهجة. فردت لتزيد من غيظها: أنا خارجة مع طنط لميا رايحين مشوار كده يعني. مشوار إيه يعني يا زهرة فهميني بقى وانجزي. صاح بها من محله فاستسلمت
لتجيبه متجنبة غضبه: رايحين خطوبة بنت عمتي يا جاسر على إمام. حتى دي نسيتها يا راجل. أغمض عينيه يطرق بأطراف أنامله على جبهته عدة لحظات قبل أن يقول متفكهًا: لأ أنا كده أشوفلي حل بقى مع الذاكرة دي بقت نيلة خالص. ضحكت لتعود بعدها تخاطبه بشفقة: سلامتك يا حبيبي ولا يهمك أكيد بس زحمة الشغل هي اللي واخده عقلك. لكن هو خالي مش بيساعدك يا جاسر أكيد طبعاً هو مش زي المدعوق اللي اسمه كارم. مين قالك كده بقى.
تفوه بها ثم عاد ليجلس على الطاولة التي أمامها ليتابع: على فكرة يا زهرة خالد ما شاء الله عليه بيتقدم بسرعة رهيبة في الفترة القليلة دي. أنا ضاغط نفسي شوية كده بس على ما يستوعب ويندمج. وأنا بقولك أهو خالد هيبقى أحسن من كارم وهيبقى دراعي اليمين في المرحلة الجاية. ودا مش عشانك لا والله أنا بتكلم بعين خبير خالد كان محتاج بس الفرصة. ردت معقبة على كلماته: وانت حققت حلمه بالفرصة ربنا ما يحرمني منك يا جاسر. اعترض رافضًا قولها:
يا زهرة افهمي بقى بقولك مش عشانك. أنا شفت شغل خالد وعارف إمكانياته يعني مش واسطة هي.. أومأت رأسها بتفهم ليردف لها: طب مدام فهمتي يبقى قومي معايا عشان أوصلك انتي والست الوالدة وبالمرة أروح معاكم عند خطوبة إمام. سألته بعدم تصديق: معقولة يا جاسر يعني انت هتروح معايا بجد. أومأ بوجه جاد وهو يساعدها على النهوض: طبعاً يا ست زهرة إمام دا يبقى الراجل بتاعي وعشرة سنين في الحراسة بكل أمانة.
يعني إن ما كنتش أفرح أنا بيه في يوم زي ده مين بقى اللي يعملها. هلت بفرحة: أيوه كده ربنا يخليك يا روح قلبي. أصل بصراحة كده كنت عايزة أفاتحك من الأول على المشوار ده بس كنت مكسوفة أقولك. رمقها باستغراب ليردف لها: وتتكسفي ليه بقى يا ست زهرة دا الحارس بتاعي ودا حفل خطوبته على بنت عمتك. إيه الكسوف في كده. صمتت قليلا وقبل أن يهم بفتح باب غرفة المكتب ردت تجيبه: انت اتغيرت قوي يا جاسر.
واللي يشوفك دلوقتي ما يصدقش أبداً هيئتك القديمة بتكشيرتك اللي كانت تخوف ولا حواجبك اللي كانت مقلوبة دايماً. إنت بقيت واحد تاني يا حبيبي.. صمت يطالعها بتفكير قبل أن يقول بنته: دوليه متقوليش إن دا وشي الحقيقي. أصل بصراحة يعني على ما أظن أنا عمري ما كنت ظالم ولا اتعديت على حد أو حتى جيت على موظف عندي. كل اللي الحكاية إني كنت دايماً غضبان ومخنوق وشكل الحياة كلها متفرقش معايا فشئ طبيعي يعني إني أبقى مكشر بحواجب مقلوبة.
ويتغير كل ده حتى وشي يبقى بشوش بعد ما لقيت راحتي مع حبيبة قلبي. أسعدتها الكلمات فلم تجد أمامها سوى أن تقبله من كتفه المحازي لها تردد له بامتنان: ربنا يجعل أيامك كلها فرح وراحة يارب. بادلها بقبلة على وجنتها وبقوله: وانتي ربنا يخليكي ليا وميحرمني منك أبدا. في شقة شعبان كان الحفل كما قرره الخطيبان عائلي ومحدود بعدد أفراد العائلتين والجيران والأصدقاء. غادة التي تزينت برقة أظهرت وجهها الحقيقي ذو الملامح الجميلة المحددة.
أما إمام والذي تخلى عن حلة العمل السوّداء ليرتدي حلة شبابية جديدة. رغم عرض جسده الضخم بهيئته كحارس شخصي ولكنه اليوم كان أقرب ما يكون إلى هيئته المعروف بها في وسطه وبين أفراد حارته. برنس الحتة كما يلقبونه نظراً لمكانته وهيبة اكتسبها باحترامه لنفسه ولقوة جسده التي لا يستعملها سوى في الخير. حتى يعيد الحقوق لأصحابها أو تأديب من يجرؤ ويفتري بالظلم على غيره.
فرحته اليوم كانت طاغية على مشاعره بكل المقاييس بعد أن هدى الله إليه غادة. وانزاحت عن عينيها الغاشية التي كانت تفقدها المقدرة على الرؤية الجيدة للأمور. وعدلت عن هذا الطريق المؤذي لتتغير وتصبح بقدرة قادر أجمل مما كان يتخيل. إيه بتبصلي كده ليه فوق يا حبيبي كده واصحالي. سألته بابتسامة ما أجملها لتخرجه من شروده. فتبسم يقترب برأسه منها ليهمس متفكها بغزل: لأ انتي النهاردة متسألنيش خالص وسبيني كده مع نفسي اسرح على كيفي.
حد يبقى جنبه القمر وميسرحش برضه. ردت بابتهاج قلبها مع كل كلمة غزل تخرج منه إليه: بتعرف تثبتني كويس قوي ودا خطر على فكرة عشان عيلة وبشبط في الكلام الحلو يعني هتتعب قوي معايا لو سهيت في مرة وكسلت أنا بقولك أهو. توسعت ابتسامة خبيثة على وجهها حتى أظهرت أسنانه البيضاء. ثم قال يوجه كلماته بمغزى: لأ اطمني قوي من الناحية دي. أنا شغلتني الكلام الحلو خصوصاً لما يكون طالع من قلبي للقمر اللي يستاهله..
أخجلها حتى خبأت بكفيها على وجهها. لتضحك بسعادة مندمجة في حديث الهمسات معه. ومن ناحية قريبة كانت إحسان جالسة بجوار رقية وسمية وبناتها. يبدو على وجهها الضيق بشكل واضح حتى اضطر رقية على مشاكساتها: يا ختي وانتي قالبة وشك كده ليه چرا إيه يا ولية دي خطوبة بنتك. التفت إليها بوجه مكفهر تدعي عدم الفهم رغم سماعها الجيد للكلمات: نعم يا خالتي هو انتي كنتي بتكلميني. ردت رقية بلؤم على قولها:
سلامتك يا روح خالتك أنا بس كنت عايزة أنبهك يا ختي على الأصول. أم العريس واخته اللي سيباهم يرقصوا ويهيصوا مع الجيران وحبايبهم لوحدهم. مش انت أولى برضه تبقي معاهم في اللحظة دي حتى يا ختي عشان بنتك أو على الأقل تحسسيهم بترحيبك. التفت إحسان نحو المذكورين تطالع رقصاتهم والفرحة التي تعلو وجوههم بالغيظ. فضغطت تخرج الكلمات بصعوبة: انتي قلتي بنفسك إنهم بيرقصوا ويهيصوا يعني مش محتاجين ترحيب أساساً.
دول بيتعاملوا معايا وكأنهم أصحاب بيت. سيبك منهم يا خالتي ومتشغليش نفسك انتي. قالتها والالتفت عن رقيقة التي كانت تتمتم بكلمات الاستغراب والتعجب من فعلها. لتنتبه على وجه دخول زهرة ومعها زوجها ووالدته لمياء متوجهين نحو العروسين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!