شعري طويل ياما وقع في البير ياما ونزلت اجيبه ياما قابلني البيه ياما إداني جنيه ياما شعري طويل ياما. وانا بقى شعري طويل صح يا ستو؟ سألتها جنة لتجيبها رقية على الفور: هو بالنسبة لسنك الصغير يعني يعتبر طويل، لكن بقى الله أعلم إن كان هيستمر في الطول معاكي ولا هيوقف على كده عشان أحدد بالضبط إن كان طويل ولا صغير. ردت جنة بتحدب: أنا أمي بتقول عليه طويل زي شعر أبلة زهرة. شهقت رقية تردد باستنكار: زهرة مين يا حبيبتي؟
هو انتي شعرك ده يجي إيه في شعر زهرة؟ دي اسم الله عليها وهي أصغر منك وكان نازل تحت وسطها. التفتت جنة بجذعها للرقية سائلة: يعني أنا مش هبقى حلوة زي أبلة زهرة ولا أتجوز واحد غني زي عمو جاسر؟ تسمرت رقية فاغرة فاهاها للحظات قبل أن ترد على الطفلة: ومين قالك بقى إن أي واحدة حلوة بيبقى شعرها طويل وبتتجوز واحد زي عمك جاسر؟ سألتها جنة: أمال إيه؟ ابتسمت لها رقية تجيبها بحنان:
لازم تتعلمي يا ستو إن كل البنات حلوين، اللي شعرها قصير أو طويل أو كيرلي، بشرتها بيضا أو سمرا أو سودة، كلهم حلوين. ولو ع الجواز ف انتي متستنيش اللي زي جاسر الريان، انتي شدي حيلك وابقي شاطرة في مدرستك وسيبي التفكير في الجواز وقت ما يجي وقته. هتتجوزي بقى أمير ولا غفير ولا وزير، أهم حاجة تبقي انتي راضية بيه وهو بيحبك، فهماني يا ستو؟
هزت رأسها جنة تدعي الفهم مما أثار ابتسامة سعيدة لرقية التي قبلتها قبل أن تديرها لتعاود تمشيط الشعر والغناء الفلكلوري القديم حتى دلفت إليهن نوال بطفلها الثاني عدي ذو العامين لتقول وهي تجلس به على التخت المجاور: حتى تبدل له ملابسها. خلصي منها البت دي عشان ألبسها هي كمان يا خالتي، ده خالد محرج عليا إننا متأخرش. شهقت رقية تقول باستنكار: اسم الله يا عنيا، طب يقول الكلام ده لنفسه الأول بدل ما هو نايم لحد دلوقتي. ضحكت
تقول نوال بادعاء الغضب: ما هو مش راضي يقوم غير بعد ما نخلص أنا والعيال من كل حاجة، الراجل الكسلان ده بدل ما يقوم يساعد زوجته العاملة هي كمان زيها زيه. تخصرت رقية ترد بغيظ: آه بقى واسم الله عليكي انتي يا أختي مبتقوليش الكلام ده في وشه ليه؟ ولا هي الشكاوى تتقال في الضهر بس وفي وشه متفتكريش غير الشوكة وبس. زمت شفتيها نوال تحاول كتم ضحكتها المكشوفة لتقول وهي تنهض عن التخت بعد أن أنهت تجهيز طفلها:
الله يا خالتي، طب ما هو فعلاً هو تعبان وعايز الراحة، هو أنا مش فكة معاكي في كلمتين خالص يا رقية. مصمصة رقية شفتيها تصدر صوت مستنكرة، أضحكت نوال التي تناولت طفلتها الثانية قبل أن تردد لها: شوفي يا أختي البت وسهكوكتها. هتفت غادة من داخل غرفتها وهي تضبط حجابها أمام المرآة: أما هي البت منة قاعدة لسة عندك في الصالة ولا زوغت؟ وصلتها صوت إحسان النزق كالعادة: قاعدة يا أختي بس أهي بتحبي ع الأرض قدامي اهو. يا لهوي!
تفوهت بها غادة قبل أن تأتي إليهما مسرعة لتناول الطفلة التي كانت تحبو نحو الطرقة المؤدية للحمام فصاحت غادة وهي تنفض بيدها على أطراف فستانها الصغير: مش تمسكي عليها شوية ياما! سايباها كده لوحدها دي مصيبة دي، ما بتسيبش حاجة من غير ما تلوش فيها وأنا مصدقت لبستها. صاحت إحسان مستهجنة: لهو أنا هفضل أجري وراها كمان يا بت؟ معنديش صحة يا أختي للفرهدة دي. ألقت نحوها نظرة ممتعضة لتغمغم بصوت خفيض:
وهتجري وراها إزاي بس وإنتي متأنتخة ع الكنبة كده بوزنك ده اللي بيزيد أضعاف مع كل سنة. هدرت إحسان: بتبرطمي بتقولي إيه يا بت شعبان؟ سمعيني يا أختي. بابتسامة صفراء توجهت إليها غادة تقول لها: مش ببرطم ولا بعمل حاجة ياما، أنا بس كنت عايزة أخليها ع حجرك دقيقتين على ما ألف الحجاب كويس، ده إمام ع وصول خلاص. همت إحسان لتجادل كعادتها ولكن مع صوت المفتاح بالباب توقفت وقد ولج إمام ومعه ظافر طفله الأكبر والذي
هتف برجولية فور وصوله: إحنا جينا يا ماما. ردت غادة مجيبة بتهليلا: آه يا خالتي يا ألف حمد الله ع السلامة، نورت البيت يا عين ماما. التقفته بقبلة على وجنته رغم اعتراضه لتتوقف على قول زوجها: إنتي لسة مخلصتيش يا غادة؟ إحنا كده هنتأخر يا بنت الناس. سبقتها إحسان في الرد: وهي طارت على مشوار الباشا ومراته ولا هما ناسين إنك بطلت شغلة الأمن وفاكرينك لسة الحارس بتاعهم؟
فهم إمام مغزى كلماتها فرد بهدوء عكس زوجته التي لوت ثغرها بغيظ لأسلوب والدتها المستفز: وماله بقى لما أرجع اشتغل من تاني حارس؟ طب والله النعمة يا شيخة ده أنا أتمنى، بس للأسف بقى جاسر باشا هو اللي مصر أبقى مدير الأمن في شركته مع أن أنا مبحبش قاعدة المكاتب ولا الأوامر، بس أعمل بقى حكم القوي. رددت خلفه مغمغمة بتهكم تشيح بوجهها: حكم القوي! ربنا يعينك يا خويا ع ما بلاك. مصمصة إمام شفتيه يردف بمغزى وأبصاره تركز عليها:
آه والله فعلاً عندك حق في حكاية البلوة دي، منورة يا حماتي. ده نورك، قالتها من تحت أسنانها قبل أن تقطع غادة وصلة من الحرب الباردة بينهم بإن وضعت منة بحجر والدها قائلة: طب امسك انت بقى البت دي على ما أجهز نفسي بسرعة، وإنت يا ظافر تعالي أغيرلك. هتف ظافر معترضا: أنا محدش يغيرلي هدومي، أنا بعرف أغير لوحدي، روحي انتي جهزي نفسك.
قالها واتجه مباشرة نحو غرفته بوجه عابس غير متقبل للفكرة نفسها مما جعل ابتسامة تسترسم على وجه والدته مع تهليل إمام الذي كان يقبل ابنته: أيوة كده يا عين أبوك! فهمها إن إنت راجل ومينفعش تعتمد على حد. ضربت غادة كفيها ببعضهم مرددة ساخرة وهي تتجه نحو غرفته: ده على أساس إنه نسي اللي كان بيغيرله البامبرز من مدة قريبة!
في منزل المزرعة الذي سيقام به حفل عيد الميلاد للتوأم رنا ورامي، عاد جاسر من سفرته الخارجية التي قام بها منذ أسبوعين ليجد والدته هي من تشرف على تحضيرات الحفل بالحديقة مع العمال التي كانت تعمل كخلية نحل حولها وبأمر منها. صباح الخير يا ست الكل. التفتت إليه هاتفة بفرح: جاسر. اقترب منه يقبلها على وجنتيها وهي تستقبله بغبطة قائلة: ألف حمد الله ع السلامة يا حبيبي، هو انت مش المفروض كنت توصل هنا من امبارح؟
أومأ برأسه يجيبها بلهث: اسكتي يا أمي، ده أنا عملت المستحيل عشان أرجعلك دلوقتي. حركة الطيران كانت واقفة من امبارح عشان المظاهرات والاعتصامات، ولولا علاقات مصطفى عزام بالمسؤولين هناك في البلد دي أنا ما كنت هقدر أرجع غير لما المشكلة دي تتحل، وساعتها بقى كان هيفوتني حفل عيد ميلاد الولد. جزعت لمياء وبدا على وجهها القلق وهي تلمس بكفيها على وجه ابنها وذراعيه لتتمتم سائلة: طب وانت كويس يا حبيبي بقى ولا اتعرضلك أي حد هناك؟
يا نهار أبيض يا جاسر! صحيح هو انت إيه اللي خلاك بس تسافر في الوقت ده وإنت عارف إن البلد دي في اضطرابات. ربت على كفها يجيبها بلهجة مطمئنة: يا حبيبتي اطمني بقى، أنا زي الفل قدامك اهو. المهم بقى هو الوالد والولاد فين وزهرة صحيت ولا لسه؟ ردت لمياء: روح لمراتك يا حبيبي وشوفها، إنما بقى لو عن ولادك فدول مع جدهم بيفرجهم ع الخيل، ما انت عارف والدك وأخد الولاد حصري. قالتها لمياء بغيظ رسم ابتسامة مرحة على وجه
جاسر والذي تحرك يستأذنها: طب أنا هروح أشوف زهرة الأول وبعدها أروح لعامر الريان الراجل الأناني ده. ختم بضحكة وتركها لتتابع ما تفعله وقد عبست ملامح وجهها مع تذكرها لأفعال عامر في المنافسة غير الشريفة على الإطلاق لكسب صف الأطفال نحوه. وفي غرفتها في الطابق الثاني جلست شاردة تضع كفها على وجنتها ويبدو على هيئتها الهم حتى لفتت نظر هذا الذي اقتحم الغرفة بهدوء يبتغي مفاجأتها حتى شعرت بخطواته داخل الغرفة لـ
تنتفض صارخة فور رؤيته: جاسر! سفرته لبحث عدد من المشكلات التي تواجه استثماره في إحدى الدول الأجنبية والتي تحدث فيها. آه وحشتيني وحشتيني أوي. أرفق كلماته بطبع القبلات على ملامحها الحبيبة ليستقر بعد ذلك بشفتيها حتى استفاق لينزع نفسه فجأة ويسألها: هو انتي كنتي حزينة ليه من شوية؟ رددتها بتوهان وهي تبتعد عنه بارتباك مردفة: وأنا إيه اللي هيحزني بس يا جاسر؟ أنا زي الفل قدامك اهو.
هروبها المكشوف بعينيه عن مواجهة خاصتيه وارتدادها للخلف مع اختطاف لون وجهها جعله يهتف محذرا: زهرة جيبي من الآخر كده عشان إنتي هيئتك أساسا واضحة كدبك. إيه اللي مزعلك؟ قولي. صاح بالأخيرة حازما ليزيد من ارتباكها فقالت بتردد وهي تعض على طرف إبهامها وكأنها طفلة صغيرة: مستعدة أقول بس توعدني الأول إنك متضحكش عليا. عقد حاجبيه يسألها باستغرابه: هو الموضوع فيه ضحك كمان؟ صاحت به بجدية: اوعدني يا جاسر إنك متضحكش عشان أنا عارفاك.
هز برأسه يجاريها وبداخله يقتله الشغف للمعرفة فتحركت لتعود للمكان الذي كانت جالسة به على طرف التخت ثم تناولت شيئا ما لتعطيه له، عقد حاجبيه وهو يتناول هذا الشيء المعروف لفحص اختبار الحمل وقد بدأ يخمن لتجحظ عيناه فور أن رأى الخط الوردي الذي كان واضحا بشدة فتهلل وجهه ليرفعه إليها وقد ظنها تمزح ولكن مع رؤية هذا البؤس الذي ارتسم على ملامحها حاول أن يدعي الجمود أو الانتظار لسؤالها ولكنه لم يقوى على كبت فرحته ليهز رأسه أمامها بتساؤل وملامحها
تتحول للب كاء مرددة: طلعت حامل يا جاسر! طلعت حامل. إلى هنا ولم يقوى الكبت فانطلقت ضحكة مجلجلة منه أثارت استيائها لتصيح به: أنا كنت عارفة من الأول إنك هتنقض وعدك. كنت متأكدة إنك هتضحك. ضمها يشدد بذراعيه عليها ليخمد رفضها للمس مع عدم مقدرته للتوقف عن الضحك حتى تمالك قليلا ليقبل أعلى رأسها ويخاطبها بمهادنة: يا بنتي اهدي بقى، هي دي حاجة تستاهل الزعل ده كله. هدأت بعض الشيء لتستطيع الرد عليه:
ما هو ده مكانش اتفاقنا يا جاسر، إحنا كنا متفقين تستنى تلت أربع خمس سنين بعد جوز التوأم دول اللي كرهوني في الخلف ة أساسا. رد وهو يعطيها حريتها لتقابله بوجهها: أنا معاكي يا ستي بس نعمل إيه بقى؟ دي حكمة ربنا. هنرفض رزق ربنا بقى ونقول مش عايزين. رددت مستنكرة على الفور: لا طبعاً! استغفر الله العظيم يارب، إيه اللي انت بتقوله ده يا جاسر! قالتها لتبتعد وتضع كفها على عينيها بيأس قائلة وهي تعود لجلستها على طرف التخت:
بس أنا تعبت أوي يا جاسر في العيال دي وكنت حاطة في بالي إني مش بس أجل، لا ده أنا قررت إني هكتفي بيهم على كده. ناظرها من أسفل أجفانه من علو بعتب يقول: يعني إنتي استكفيتي بالعدد وقررتي من نفسك؟ ومع ذلك كنتي بتهاودي بابا في كل مرة يطالبك بأحفاد زيادة. رمقته من محلها بغيظ تجيبه: أما ل يعني عايزني أكسفه يا جاسر ولا أصدمه؟ طب اهو حصل اللي هو عايزه رغم كل الاحتياطات اللي عملاها، فادني إيه بقى القرار اللي خدته مع نفسي.
جلس بجوارها على طرف التخت بقول بمناكفة: عشان ربنا بيحبه وعايز يراضيه حتى لو مرات ابنه دماغها غير كده. حدقته بنظرة حانقة ليشاكسها بمرح: لأ بلااش النظرة دي أرجوكي. ده أنا راجع من السفر بقى، دا يرضيكي تقابليني بالب كاء كده؟ يرضيكي يا زهرة؟ لانت ملامحها مع قوله لتشعر بالأسف تجاهه فقالت بتأثر: بس أنا تعبت أوي يا جاسر في الولادة الأخيرة، ولا انت مش فاكر؟ مش فاكر ده إيه! ضحك ساخرا بتفكه ليتابع بنبرة ذات مغزى:
ده أنا طلع عيني مع تحركات لميا هانم اللي زادت الضعف وبتقوليلي أنسى؟ أنسى إزاي بس؟ استجابت تبتسم متذكرة بالفعل معاناته في الانفصال عنها لغرفة ثانية بالأمر في كل مرة أصابت التعب في الحمل بالطفلين المتعبين أثناء الحمل وبعده لتقول بتشفي ضاحكة: أحسن! أمال أنا أتع ب لوحدي يعني. تبسم لها بذهول مردفا: الله يا ست زهرة، ده إنتي طلعتي شريرة وبتفرحي في جوزك كمان! زادت بضحكاتها لتميل عليه وتحضنه بذراعيها تقول بتنهيدة كبيرة:
امرنا لله بقى. ونعم بالله، قالها جاسر وهو يشدد هو عليها بذراعيه أيضا ليغمغم بخبث: يا فرحة عامر باشا لما يعرف بالخبر. حاسب يا ولد لا تقع اختك وتعال هنا اقف جنبي. هتف بها عامر نحو التوأمين المزعجين الذين كانا يتسابقان في الركض من خلفه في المساحة الخضراء الشاسعة وهو واقفا يستند بذراعه على السور الخشبي يتابع مجد أكبر أحفاده يمتطي الحصان الأسود ويتريض به بمساعدة السائس مدرب الخيل والذي هتف بدوره لعامر:
كفاية كده يا عامر باشا تدريب النهارده ولا نكمل؟ سبقه مجد بالرد: لأ نكمل طبعاً، أنا عايز أكمل يا جدو. ضحك له عامر ثم التفت للسائس يخاطبه: نص ساعة تاني يا كامل عشان برضو ما نشدش في التدريب عليه شوية شوية يا قلب جدو. أومأ له مجد برأسه ليبادله عامر بابتسامة يغمرها الزهو قبل أن يلتف على صيحة صغيرة من خلفه ليجد الصغيرين المزعجين قد اشتبكا في الشجار بالأيدي وشد الشعر، هدر عامر بصوت حازم:
إنت يا ولد إنت سيب اختك وتعالى، وإنتي يا بت نفس الأمر. حينما لم يستمعا هدر محذرا بصوته الجهوري: ولد! أنا بقول إيه! أذعن رامي بترك شعر شقيقته وهي أيضا قبل أن يقتربا من جدهما بطاعة ليدنو عامر بجسده نحوهما ثم قال بصوته الجاد: مش عيب تبقوا أخوات وتتخانقوا مع بعض. عبس الطفلين يغمغمان بكلمات حانقة بعضها فقط المفهوم ليردف عامر بشدة: ده إنتوا توأم يا أغبيا ويدوبك سنتين، أمال لما تزيدوا شوية هتعملوا إيه؟ هتاكلوا بعض؟
قال الآخر بنبرة مرحة أثارت الأبتسام على وجوههم ليرددها بأسلوب فكاهي عدة مرات حتى أصبحت ضحكاتهم الطفولية تصدح بصوت عالي أسعد عامر ليخرج لهم من جيب حلته نوع فاخر من الحلوى هلل الأطفال لمجرد رؤيته فقال محذرا: اتصالحوا بعض ومفيش خ ن ا ق تاني. أطاع الأمر بهز رؤوسهم ليتابع بتحذير: وهتيجوا جمبي هنا وتتفرجوا على أخوكم ساكتين بأدب لحد أما يخلص تدريبه.
هز رؤوسهم مرة أخرى بحماس ليعطي عامر لكل واحد منهما قطعة الحلوى المحببة فتصدر أصوات الفرح منهما ثم يسألهما كالعادة: مين أحلى حد في الدنيا؟ جدو عامر. صرخ بها الأطفال ليتابع بسؤاله الآخر: مين أغلى واحد عندكم انتو الاتنين؟ رددا بنفس الإجابة: جدوا عامر. ضحك بانتشاء يستقيم بجسده ليسحبهما معه للوقوف ومتابعة مجد الذي كان يبعث بالابتسامات لجده ليهتف عامر بمرح: يارب تزيدوا كمان وكمان ويخليني ليكم.
في المساء كان يتوافد المدعوين تباعا من الأقارب والأحباب في حديقة منزل المزرعة الذي يقام فيه هذه المرة حفل عيد الميلاد للطفل الأكبر لجاسر الريان مجد، والذي يتعامل بهيبة تتعدى سنوات عمره الخمس يتلقى التهاني برزانة ورثها من أبيه رغم دلال عامر ولمياء الدائم له حتى أنه كان يقف وسط الأطفال يراقب شقيقيه الذان لا يكفان عن الشجار وافتعال المشاكل مما جعل زهرة تصيح عليهما في إحدى المرات بعد أن أوقع رامي شقيقته:
إنت يا ح ي و ا ن يا غبي مية مرة أقولك ابعد عن اختك مش هقعد أنا طول اليوم وراك إنت وهي بس. رد رامي منفعل بحروف ناقصة: مليش دعوة هي اللي بتوقف قدامي. هتفت رنا بدفاعية ووالدتها ترفعها عن الأرض تنفض لها فستانها المزين بالورود ذو حمالة واحدة على الكتف: أنا يا لامي حلام عليك يا سيخ. جزت زهرة على أسنانها تهدر بهما: واحد لدغ في ش بينطقها س والتانية لدغة في معظم الحروف، هتجننوني معاكم، اهدوا بقى وخلو اليوم ده يعدي على خير.
يا نهار أبيض ده صريخك إنتي ده يا زهرة! أنا مش مصدقة والنعمة ممصدقة. هتفت بها كاميليا والتي أتت مع زوجها لـ تصطدم بهذا الوجه الجديد لزهرة خلافا لطبيعتها الهادئة دائما. التفت لها الأخرى لترحب بها وطارق وابنتهما التي قبلتها بحب عدة مرات لتقول بعد ذلك: لأ صدقي يا حبيبتي، اللي تخلف جوز مصايب زي دول لازم تتحول وتبقى بني آدمة تانية غير اللي تعرفوها أساسا. تدخل طارق معهم:
لأ أنا متهيألي الواد رامي هو اللي مسلط اخته، أنا شفته قبل كده في كذا موقف عنده سنتين لكن ح رب ا ي ة. ضحكت زهرة تستجيب للمزاح وهي تردف: لأ ورنا كمان ميغركش السهتانة اللي هي فيها دي مصيبة. وصل جاسر ليعقب على الحديث الدائر: بتزموا في ولادي ليه؟ دول أشقيا، محدش فيكم شاف قبل كده أطفال أشقيا.
يا عم انت كمان. هتف بها طارق قبل أن يقترب ليعانق صديقه بترحيب ذكوري قبل أن ينزل بأبصاره نحو مجد الذي وقف بأدب ينتظر التهنئة فاقتربت كاميليا تقبله على وجنته قائلة بمرح: يا أهلا بالقمر! إيه يا بني الحلاوة دي؟ كل سنة وانت طيب يا حبيبي. تبسم مجد يتقبل تغزلها ليجيبها بخجل: مرسي يا طنط، ربنا يخليكي. رددت خلفه كاميليا بإعجاب وطارق يهنئه أيضا: يا حبيبي كلمة طنط طالعة من بوقك زي العسل، إيه الجمال ده. عقب طارق ممازحا:
بس بقى يا ست انتي وراعي إن جوزك واقف جنبك الله. قالها لـ يثير ضحكات الثلاث أما مجد فقد وجه انتباهه لفريدة مرحبا: إزيك يا فريدة. ردت الصغيرة ذات الثلاث سنوات بدلال فطري تتمايل بفستانها وهي ممسكة بكف أبيها: أهلا يا مجد، كل سنة وانت طيب. وانت طيبة. قالها لتلتف إليه والدته: خد فريدة القمر دي وروح العبوا مع الولاد يا مجد وتعالوا انتوا يا جماعة معايا. علق طارق: طب والهديا ياخذهم الأول وبعدين يمشوا.
بعد قليل كانت الجلسة مكتملة بمعظم الأفراد من المدعوين تحت مظلة كبيرة تزينت بالإضاءة الملونة والبالون وشرائط الزينة والأطفال في الجانب الآخر من الحديقة بالقرب منهم يقمن باللهو والرقص، أنغام الدجي، عامر وعليه ورقية ولمياء في جانب واحد، وسمية وبناتها ومحروس بالقرب منهم مع إحسان طارق الذي كان يتبادل الحديث المرح مع خالد وإمام أما جاسر ومصطفى عزام فكانا في جانب واحد يتناقشان في أمر ما يخص العمل قبل أن تدلف زهرة ومعها غادة ونور زوجة مصطفى عزام وكاميليا أيضا بعد أن نظموا الأطفال حول المائدة الصخمة التي ارتصت عليها أصناف الحلويات وقالب الجاتوه الكبير الذي تزين بشموع بعدد سنوات عمر مجد فهتفت زهرة
مصفقة بكفيها للانتباه: يا جماعة كله كده يقوم من مكانه عشان دا الميعاد اللي هنطفي فيه الشمع. تفكه خالد بقوله: لازم يعني نطفي كلنا يا بنت اختي؟ ما تطفوا كده مع نفسكم وهاتيلي أنا طبقي معاكي وإنتي جاية ونبقى نجاملكم في الأفراح إن شاء الله. صدرت الضحكات من حولهما فهتفت زهرة تردد: إنت بالذات لازم تقوم، قوم يا خالي بطل كسل بقى، ما تقوميه يا أستاذة نوال. تدخلت رقية:
سيبيه يا أختي، ده باين الراحة قلبت معاه بتناحة والبركة في المسكوكة مراته دي. شهقت نوال متفاجئة لتخبئ وجهها من الخجل وهي تضحك لينهض خالد على الفور قائلا: أصلي ع النبي يا رقية، بلااش فضايح، هو إنتي متستريش أبدا. نفت برأسها ضاحكة بمشاكسة ليهتف عامر بدوره: طب حيث كده بقى يبقى تعالوا كده نتجمع مع بعضينا وناخد صورة جماعية مدام مفش فينا حد غريب وكلنا حبايب مع بعض. تدخلت لمياء: والصورة التانية تبقى للأولاد معانا كمان.
أومأ المعظم بالموافقة والتفوا للتجمع في جهة واحدة حتى نظمهم المصور الخاص بالحفل، النساء في الأمام ورقية بكرسيها في الوسط، الرجال في الخلف يتوسطهم عامر. عقب التقاط الصورة الأولى تكلم جاسر: طيب قبل ما ناخد الصورة التانية ونجيب الأولاد أنا حابب أقول على خبر أسعدني النهارده. التفتت الرؤوس نحوه باهتمام ليجيب بانتعاش وعيناه تطالع زوجته التي أسدلت أهدابها بخجل: زهرة حامل في الشهر التاني. الحفيد الرابع في السكة يا عامر باشا.
الله أكبر! هتف بها مهللا عامر ليتبادل التهاني والمباركات بهذا الخبر السعيد مع الجميع حتى أصبح يطلق بنفسه الألعاب النارية مع الأولاد الصغار قبل أن يهدأ من جنونه قليلا وتأخذ الصورة الجماعية للكبار مع الأطفال لتضم طبقات مختلفة امتزجت مع بعضها البعض لتكون خليطا سعيدا بين الغناء الفاحش والفقر الشديد، الوسط المخملي وأبناء الشعب الكادح، لا فرق بين زوجة لأمير و أخرى لوزير أو حتى لغفير، الجميع واحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!