الفصل 27 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
24
كلمة
4,947
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

تتفاوت المحبة في القلوب من شخصٍ لآخر، وكلما زادت المحبة ودرجة القرب من أحبابنا زادت العفوية وانطلقت الألسنة حتى بالتفاهات.

تتحدث بأريحية وكلماتها تخرج بلهفة في فتح مواضيع شتى دون توقف، والآخر يبادلها الحديث بالحديث ويجاريها بالاندماج معها ومع كل ما يخرج منها، ومع أقل دعابة منه تُجفل الجالس بالقرب منهم على جمر الغيظ؛ بضحكة رنانة تصدر منها دون تحفظ أو خجل يتلقاها الآخر بنظرة خبيثة نحوه وكأنه يوصل إليه رسائل مبطنة ويعلمها الآخر بفطنته. "ياجاسر باشا لو تعبان روح ريح جسمك، أنا مش غريب."

قالها خالد وهو مضجع في جلسته بجوارها على الأريكة التي لم يفارقها من وقت جلوسهم. أمال الآخر برأسه يرمقه بنظرة منذهلة قبل أن يرد بذكاء لا يفوته: "ليه ياعم خالد؟ حد قالك إني معنديش ذوق وما بعرفش أكرم ضيوفي؟ بضحكة مستترة تصنع الصدمة قائلًا: "ضيوف إيه ياعم؟ دا أنا بقولك مش غريب تقولي ضيوف؟ تدخلت زهرة بينهما ترد: "مايقصدش ياخالي طبعًا، ما أنت فعلًا مش غريب." خاطبها جاسر من تحت أسنانه:

"طيب ولما هو مش غريب، مش تقومي بقى تحضري لنا العشا عشان نتعشى." انتفضت زهرة تشعر بالحرج: "آه صحيح، ثواني طيب..... قاطعها خالد يجذبها من ذراعها للجلوس مرة أخرى: "اقعدي يازهرة أنا مش جعان." "بس أنا جعان ياخالد، يرضيك أقعد كده من غير ما أتعشى؟ قالها بذكاء ألجم خالد الذي رد بابتسامة إليه: "لا طبعًا ما يرضنيش، قومي يازهرة حضري العشا لجوزك وأنا كمان هاكل معاكم، حكم أنا ناوي أطول السهرة معاكم."

بشبه ابتسامة أومأ له جاسر ليجفل فجأة على شهقة كبيرة من خالد وهو يوقف زهرة التي نهضت من جواره: "استني يابنت هو انتِ قصيتي شعرك؟ انتبهت زهرة لتمسك بالأطراف التي أشار عليها خالد وأجابت بعفوية: "ياخالي دا عشان الأطراف تتساوى، البنت الكوافيرة قالتلي كده." زم مابين شفتيه بتفكير يخلع النظرة بخبث نحو جاسر الذي جحظت عيناه من ملاحظته ثم قال: "خلاص يازهرة أنا خوفت لتكوني بتجربي تقصريه ولا حاجة بس الحمد لله."

جعدت أنفها ترد عليه بمزاح قبل أن تتحرك وتتركهم. نظر خالد في أثرها قليلًا ثم توجه لجاسر يقول ببرائة: "لتكون استغربت يعني من كلامي وافتكرتها حشرية، بس اللي انت متعرفوش بقى، أن زهرة دي مكنتش بتروح المدرسة غير لما العبد لله هو اللي يسرح لها شعرها."

سهم إليه جاسر قليلًا يجاهد للمحافظة على المتبقي من تعقله، ثم أشاح بوجهه يعض على شفتيه غيظًا، فهذا الخالد مُصر على استفزازه بتذكيره الدائم بدرجة قربه ومكانته المميزة في قلب زهرة. *** بداخل الملهى الليلي الذي أصبحت تأتيه يوميًا لتسهر به منذ فترة، أتت معها هذه المرة مرفت لتقضي الوقت معها وتتحدث عما حدث صباحًا.

"يابنتي زي ما بقولك كده، جاية في عربية آخر موديل وقال إيه مش عايز تقول على اسم عريس الغفلة ولا حتى تطلع صور الفرح للبنات الموظفين." أومأت لها ميري تدعي التركيز رغم تشتت نظراتها كل دقيقة: "آه يعني هي اتجوزت واحد غني فعلًا، طب ومش عايزة تقول على اسمه ليه بقى؟ ارتشفت الأخرى من كأسها قليلًا قبل أن تجيبها: "خميني انتِ بقى، عشان لما أقولك إن البنت دي أكيد بتربطها حاجة بجوزك تبقي تصدقيني." انتبهت تسألها بتخوف:

"يعني تفتكري تكون شرعية ولا حاجة زي اللي فاتوا كده؟ هزت بأكتافها تجيبها بخبث: "الله أعلم، بس البنت دي شكلها مش سهلة، رسملي كده فيها دور البريئة والملتزمة وأنا أراهن بحياتي إنها مية من تحت تبن." صمتت قليلًا ثم استطردت: "بس على فكرة أنا لقيت سكة مع البنت قريبتها واتعرفت عليها، هي بنت خفيفة بس أنا متأكدة إننا هنلاقي من وراها فايدة." قالت ميري بسأم: "فايدة إيه يامرفت؟

ماهي ممكن فعلًا تطلع تخمينات من دماغك وتكون اتجوزت راجل تاني غني فعلًا." ردت مرفت وهي تجز على أسنانها: "بطلي خيبة بقى أنا بتكلم بناءً على شواهد، يعني تفوقي كده لتكون البنت دي بتلعب على جوزك." التوى ثغر ميري تقول لها بإحباط: "وافرضي يعني فوقت زي ما بتقولي كده، ماهو هاجرني بقاله فترة طويلة يامرفت وأنا بصراحة بقى زهقت." احتدت عيناها وهدرت فيها بصوت خفيض: "تزهقي ده إيه انتِ كمان؟

ده جوزك يعني لازم تدافعي عن حقك فيه ضد أي واحدة عايزة تخطفوا ولا انتِ عايزة تفهميني إنه ماعدش فارق معاكي ولا كرهتيه؟ أجفلت ميري قليلًا من حدتها ثم سهمت بتفكير فقالت وهي تمط بشفتيها: "هو انتِ عندك حق طبعًا إني أدافع عن حقي ضد أي واحدة جربوعة تطمع فيه، وحكاية فارق معايا أو مافارقش، أنا أبقى كدابة لو قلت إنه مش فارق معايا، جاسر قبل ما يقلب عليا كان صبور لأقصى درجة، ده غير إنه وسيم وأي ست أعرفها كانت بتحسدني عليه طبعًا."

قالت الأخيرة وهي تتلاعب بشعرها غافلة بغباء عن تغير وجه الأخرى وقد تكورت شفتيها تحدقها بنظرات مبهمة، واستطردت بعصبية: "بس أنا تعبت من الهجر يامرفت ونفسي بقى أعيش حياتي." خرجت عن طورها مرفت تهتف بعصبية: "أوكي ياميري مادام انتِ تعبتي وزهقتي ابقى آخدها أنا من قاصرها وأصرف نظر بقى عن مساعدتك." "خلاص يامرفت ماتتعصبيش أنا كنت بقولك بس اللي حاسة بيه." قالتها ميري بمهادنة لها. فهتفت تسألها بحدة:

"طب وهاتعملي إيه لو الموضوع طلع حقيقي، والبنت دي ثبت إن ليها علاقة بجوزك." أجابت ميري بنظرة شرسة: "طبعًا هاطربق الدنيا على دماغ الاتنين وأسيب بابي هو اللي يتصرف، طب أقولك على حاجة، أنا هاجي بكرة الشركة أعدي عليكي وأشوف البنت دي." ارتخى وجه مرفت بابتسامة جانبية قبل أن تجفلها شاهقة وهي تنهض من أمامها: "مارو وصل." قالتها وذهبت من أمامها لتصافح الشاب الذي كانت تراقصه سابقًا.

توسعت عيناها مرفت وهي ترى تساهل الأخرى في احتضان الشاب وتقبيله لها من وجنتيها، زفرت مغمغمة بقرف وهي ترتشف من مشروبها: "غبية! *** انتهت السهرة أخيرًا بمغادرة خالد الذي لم تتركه زهرة سوى حينما دلف بالسيارة التي أمر بها جاسر لإيصاله، والذي ظل على وضعه مع تصنع الابتسام حتى خلى المنزل لهم.

"دلفت منتشية لداخل الغرفة التي تجمعهم والإبتسامة لم تفارق وجهها بعد. وجدته واقفًا بوسط الغرفة بوجهه الجامد بعد أن سبقها بخطواته، وحاجباه عادا للإنعقاد، خاطبته بتوجس من هيئته المريبة: "إيه مالك ياجاسر هو انت واقف كده ليه؟ رمقها بنظرة حادة دون أن يجيبها بشيء، قبل أن يستدير عنها متوجهًا نحو حمام الغرفة ليخمد نيران غضبه حتى لا يؤذيها. نظرت في أثره بعدم فهم وهي تهتف خلفه: "ياجاسر... طب رد عليا طيب."

حينما لم يجيبها خطت لتجلس على تختها تقضم أظافرها بتوتر، تفكر بتمعن في تغيره فجأة وانقلابه بعد مغادرة خالها على الفور، فطن إلى عقلها أنه لربما أجهد نفسه بجلسته معها ومع خالها لهذا الوقت مع عودته من يوم عمل مرهق، نهضت لتزيح عن عقلها التفكير وتقوم بتبديل ملابسها.

بعد قليل خرج من حمامه ينشف رأسه بالمنشفة الصغيرة، وهو يرتدي بنطال قطني وفوقه فانلة ملتصقة بجسده، وقعت أنظاره عليها أمامه بمنامة حريرية فوق ركبتيها، ارتدت فوقها المئزر الخفيف، لتخفي الأجزاء العارية منها وقد صففت شعرها حول وجهها الذي زينته ببعض المساحيق الخفيفة. توقفت أنظاره عليها قليلًا بشغف وابتلع ريقه ليخفي ارتباكه من جمالها الخاطف، ثم استدار مبتعدًا نحو المرآة ليمشط شعر رأسه بتجاهل لها.

قاومت خجلها لتقترب منه وتحتضن جذعه من الخلف قائلة برقة: "طب قولي طيب على اللي مزعلك عشان أفهم حتى." أغمض عينيه متفاجئًا من فعلتها وتصلب جسده للمستها ثم نظر إلى انعكاس وجهها بالمرآة والتقت عيناها بخاصتيه لتسأله بتردد: "هو انت زعلت عشان انشغلت عنك شوية وهزرت مع خالي؟ احتدت عيناه فتابعت بترجٍ غير منتبهة للعواصف التي انطلقت مع كلماتها:

"شكلك زعلت صح، بس انت عارف إن خالي كان مسافر وشيء طبيعي إني أنشغل شوية في الكلام والهزار معاه... التف مقاطعًا يقبض على ذراعيها بقوة قائلًا بغضب: "ما اسمهاش انشغلت، اسمها سيبتك تتفلق زي الكنبة اللي انت قاعد عليها، تهزري وتضحكي بصوت عالي ولا كأن في واحد قاعد جنبكم." توسعت عيناها تتطلع لهيئته المخيفة بهلع وردت بلجلجة: "والله ما أقصد اللي بتقول عليه ده، أنا بس كنت فرحانة بمجيء خالي، وكان واحشني قعدتنا بتاعة زمان."

زاد بضغطها على ذراعيها يهدر من تحت أسنانه: "كان واحشك قعدتكم والضحك اللي بصوت موصل لخارج الفيلا، ده أنا من ساعة ما اتجوزتك يازهرة، ماسمعتش الضحكة دي منك ولا شوفتك بتتكلمي بالحماس ده." غامت عيناها وألم ذراعيها أصبح لا يحتمل فقالت معتذرة: "أنا آسفة بجد لو كنت زعلتك، بس انت عارف بمكانة خالي عندي، وإن كان على ضحكتي فدي بتطلع طبيعي معاه، عشان... صمتت فزاد من ضغطه يريد سماع باقي: "عشان إيه يازهرة قولي." تأوهت

تجيبه والدموع تتساقط منها: "عشان وأنا مع خالي بحس دائمًا إني بنته الصغيرة اللي مكملتش السبع سنين، لكن معاك انت ببقى الحبيبة اللي لسة في بداية التعارف مع حبيبها." رق قلبه ولانت ملامح وجهه على بكائها، نزع يديه عنها لينزل بذراعيه على خصرها وضمها بقوة تكاد تسحق عظامها مرددًا بهزيان: "مش الحبيبة وبس يازهرة، انتِ بنتي وأنا كل أهلك سمعاني؟ أنا كل أهلك يازهرة؟

صمتت مقررة السكوت وقد فاجئها بهذا الجانب المظلم بشخصيته وهو الغيرة العمياء، مع انتباهها للجزء الجيد وهو عدم التصريح بما يشعر به أمام خالها؛ تقديرًا وتفهمًا لها. *** وفي مكان آخر كانت تتقلب على تختها في محاولة يائسة لاستدعاء النوم وقد بدا أنه هرب دون رجعة لهذه الليلة، مع هذه الأفكار المتزاحمة برأسها، تطاردها عيناه بنظراته المعذبة، كلماته لها والتي تحمل في باطنها الألم، مالذي يجري لها؟

لماذا تشعر الآن بتصدع الجدار الذي قامت ببناءه من زمن ضد أي هجمة تلمس قلبها المحصن؟ لقد أصبح ينتابها التوتر ويساورها القلق، وهي يؤلمها الصدق الذي بدأت تتلمسه داخلها منه نحوها، ولكنها تخشى أن تكون البداية لتضعف وتسقط في فخه، تشعر بالتخبط؛ عقلها يدفعها للاستمرار بالحفاظ على العهد الذي قطعته على نفسها منذ زمن، وهذا الخائن بصدرها يطالبها بالتريث وإعطاء الفرصة.

فركت بكفيها على وجهها وهي تعتدل بجذعها وتزفر بضيق، فيبدو أن هذه الليلة الغريبة لن تنتهي بالنوم أبدًا. أسقطت قدميها على الأرض لتخرج قاصدة مكتبة أبيها علها تجد ما تقرأه ويلهي عقلها. وصلت إلى الغرفة لتفاجأ بالإضاءة المنبعثة من الجزء المفتوح قليلًا من بابها بمواربة، خمنت بوجوده بداخلها رغم استغرابها من تأخر الوقت. قررت بمفاجأته وهي تتسحب على أطراف أصابعها حتى دلفت لداخل الغرفة دون أن يشعر. تبسمت بمرح توقف فورًا وخبأت ابتسامتها وهي ترى انكفاءه على الألبوم القديم، تتحسس أصابعه على الصورة بلوعة واشتياق، ما زال يتذكرها ويتألم لبعدها، ويخفي ألمه بالابتسامة أمامهم كما سيفعل الآن.

"إيه دا كاميليا؟ انتِ صحيتي أمتى يابنت؟ قالها والدها وهو يرفع رأسه إليها ويغلق مابيده سريعًا بعد أن انتبه لها. تقدمت نحوه وهي ترسم ابتسامة على وجهها لتجيبه: "عادي ياسيدي أنا مجانيش نوم أساسًا، وانت بقى إيه اللي صحاك؟ زم بابتسامة جانبية يرد بمرواغة: "لا ياختي أنا صحيت عشان نمت بدري، بقولك إيه مدام فوقتي كده ماتعملي لنا فنجانين قهوة ونسلى بعض أنا وانتِ في البلكونة."

قال الأخيرة وهو ينهض عن مقعده بتهرب، قابلته هي بذكائها المعهود ترد بابتسامة: "ماشي يابا بس أنا بقول بلاش قهوة عشان السهر والبرد كمان في البلكون، وخليها فشار أحسن ونقعد نتفرج شوية عالتليفزيون واحنا بندردش." "تمام حصليني يلا." قالها وخرج أمامها من الغرفة تتبعته بعينها حتى ابتعد لتلقي نظرة أخيرة نحو الألبوم الموضوع على سطح المكتب بإهمال، قبل أن تلحقه وبداخلها ازدادت تصميمًا على الوفاء بعهدها القديم. ***

وفي اليوم التالي استيقظت باكرًا عن ميعادها اليومي وخرجت إلى عملها سريعًا قبل أن يستيقظ. كانت بمكتبها تباشر الأعمال التي كلفت بها وغادة أمامها في الجهة المقابلة تتحدث في عدة مواضيع لم تنتبه إلى معظمها زهرة، وعقلها في جهة أخرى، حتى دلف إليهم وتوقفت خطواته فجأة أمامهم يلقي التحية وقد تركزت أنظاره عليها: "صباح الخير." لم تصدق نفسها غادة وهي ترد إليه تحيته، واقتربت منه بلهفة: "ازيك ياجاسر بيه أنا غادة أكيد فاكرني؟

رد بعدم انتباه وانظاره نحو الأخرى وهي واقفة مطرقة رأسها، حاجبة عنه عيناها: "أهلًا ياغادة، زهرة تعالي عايزك فورًا." قال الأخيرة وخطى نحو مكتبه بخطوات سريعة، تتبعته غادة حتى اختفى ثم التفت لزهرة تسألها باستغراب: "هو ماله كده شكله مش طبيعي؟ هو انتوا متخانقين؟ نفت برأسها زهرة وهي تجلس لتتفحص ملفات العمل تقول: "ما أنا قولتلك ياغادة، جاسر ماعندوش أمور شخصية في الشغل."

لوت ثغرها غادة حانقة من زهرة التي لا تريحها أبدًا في الحديث. ونهضت الأخرى بمجموعة من الملفات تقول لها: "ماتنسيش معادنا واحنا ماشيين، أنا اتصلت بكاميليا نقضي اليوم مع بعض." هتفت غادة توقفها بعدم رضا: "وتيجي كاميليا معانا ليه؟ هو حرام أقعد معاكي لوحدي؟ التفت برأسها إليها ترد بهدوء: "ونقعد لوحدنا ليه؟ ما البيت كبير ويساعي من الحبايب ألف، ثم إن دي صاحبتنا على فكرة، مش واحدة وخلاص."

زفرت غادة تتفتت من الغيظ وهي تنهض وتغادر نحو عملها الشيئ الوحيد المتبقي لها. ***

وبداخل غرفة المكتب دلفت بخطواتها الهادئة حتى وضعت مابيدها على سطح المكتب أمامه وقبل أن ترفع يدها وجدته يقبض على رسغها. رفعت إليه عيناها باستفسار لتفاجأ بهذه النظرة الغريبة منه ثم نهض عن مكتبه ليسحبها معه. استسلمت له صامتة حتى جلس بها على الأريكة الجانبية بركن الغرفة وأجلسها بجواره، يتطلع لوجهها عن قرب، ترسم عيناه ملامحها بدقة. ظلا لعدة لحظات صامتين قبل أن يقطع الصمت بصوته الأجش قائلًا: "انتِ لسة زعلانة مني؟ "نفت

برأسها بتردد شعر به فقال:" "ولما انتِ مش زعلانة مشيتي بدري ليه من قبل حتى ما تصبحي عليا؟ أجابته وهي تتهرب بعينيها عنه: "لا يعني.. اصل لقيتك اتأخرت في نومك وأنا كنت عايزة أخلص حاجات مهمة، ده غير إني خوفت أتأخر." بسبابتيه وإبهامه امسك بذقنها يرفع وجهها إليه، ليقول وعيناها تقابل عينيه: "ماتحاوليش يازهرة، عشان انتِ مابتتعرفيش تكدبي أساسًا، أنا عارف إني خوفتك مني امبارح." صمت قليلًا ثم استطرد:

"تعرفي إن ده أول مرة من ساعة ما اتجوزتك أقوم مضايق وكاره اليوم من أوله." أسبلت أهدابها عنه وهي لا تجد ما ترد به على كلماته، فترك ذقنها والتفت كفه حول رأسها من الخلف ليستند بجبهته على جبهتها ويردف وهو ينهد بعمق: "أنا بحبك أوي يازهرة، والأحساس اللي بحسه معاكي مجربتوش مع أي واحدة ست مرت في حياتي، نفسي عيونك ماتشوفش غيري وضحكتك الحلوة تبقي ليا أنا لوحدي." خرجت من صمتها لترد: "أيوه بس ده مش غريب ده...

"عارف إنه خالك اللي رباكِ." قالها مقاطعًا بحدة وابتعد عنها قليلًا ليواجه عينيها وأكمل: "بس غياظ أوي يازهرة وبيضغط عليا بالجامد." لاح على وجهها الإبهلال قبل أن تنفجر ضاحكة، ضحكتها التي تدغدغ أعصابه بجمالها لتجعله ثغره ينشق بابتسامة سعيدة لها ثم أردفت مابين ضحكاتها: "أنا بقيت حاسة إن انتوا أطفال وبتعاندوا بعض ياجاسر؟ جذبها من مرفقها يقبلها على وجنتها ويردف لها بتأكيد:

"حتى لو أطفال وبنعاند بعض، خليها هو بقى اللي يبقى العاقل." ***

في وقت لاحق وقبل انتهاء دوامها بالعمل كانت منكفئة على حاسوبها وتعمل على الانتهاء من مراجعة بعض العقود المطلوبة وتجهيزها، حتى تفرغ منهم قبل أن تغادر الشركة. انتبهت على رائحة عطر نسائي نفاذة اخترقت حواسها. رفعت رأسها لتجد امرأة جميلة، لم تتبين ملامحها من النظارة التي تغطي نصف وجهها، شعرها البني مصفف بقصة بالكاد تصل إلى أكتافها، ترتدي بلوزة من القماش الخفيف لونها أبيض بدون أكمام، وفي الأسفل ترتدي بنطال من الجينز ضيق على جسدها النحيف، برقعتين أظهرتا ركبتيها، واقفة بتمايل وسترة جلدية متدلية للأسفل وتمسكها بيدها.

سألتها زهرة: "أفندم حضرتك؟ ظلت على وضعها للحظات تنظر إليها من تحت نظارتها بتفحص قبل أن تتقدم بخطوات متأنية نحو المكتب لتجلس بعنجهية مقابلها، ثم قالت: "ادخلي لجاسر وقولي له ميري عاوزاك." قطبت زهرة تتطلع إليها باندهاش قبل أن تنزع الأخرى عنها نظارتها وظهر كامل وجهها فتذكرتها زهرة على الفور، رغم أن رؤيتها السابقة كانت عبر صور عادية عبر شاشة الهاتف ولكن تذكرتها. بلعت ريقها بتوتر قبل أن تتماسك وتجيبها بعملية:

"جاسر بيه حضرتك عنده ضيف جوا، ممكن تنتظريه على ما يخلص الاجتماع." ردت ميري رافعة ذقنها باستعلاء: "يعني انتِ عايزاني أنااا أنتظر على ما يخلص الاجتماع، بقولك ادخلي وقولي له ميري برا." استفزتها طريقتها المستعلية، فذهب عنها التوتر ليحل محله شيء آخر يقارب العند فقالت لها بحزم: "رغم عدم علمي بصفة حضرتك عنده، بس أنا برد من واقع وظيفتي بقولك استني على ما يخلص الاجتماع، غير كده أنا مش مسؤولة."

فغرت ميري فاهاها بدهشة من تحديها لها. فهمت لتنهض وتقتحم الغرفة على جاسر، ولكنها انتبهت لغضب الآخر، فهي الأعلم بغضبه. عادت بجسدها لخلف الكرسي لتضع قدمًا على الأخرى فقالت لها بأمر: "طب روحي هاتي لي فنجان قهوة." ضيقت عيناها قليلًا زهرة بتفكير، وفطنت أن هذه المرأة أتت خصيصًا لإهانتها وهي ما لم ولن ستسمح به، فخرج صوتها بقوة:

"حضرتك أنا سكرتيرة مش ساعي المكتب، يعني عاوزة فنجان قهوة أو حتى كوباية ميه، ذوقيًا مني اتصل ويجيلك اللي انتِ عايزاه." قالت ميري ببرود: "بس أنا عاوزاكي انتِ اللي تعملي فنجان القهوة وتجيبه بنفسك." ردت زهرة غير مبالية: "وأنا قولتلك إن مش الساعي بتاع المكتب، ولو حضرتك جاية مخصوص عشان تقطعي عيشي أهلًا وسهلًا." فقدت تحكمها ميري فهتفت بعدم سيطرة: "انتِ بتتحديني ياجربوعة انتِ؟ هتفت زهرة هي الأخرى ترد بغضب:

"لو سمحتي ماتغلطيش عشان أنا مش هاسمحلك." صاحت ميري تنهض عن مقعدها بتحفز: "مين دا اللي يسمح أو ما يسمحش ياحيوانة، ده انتِ باينك عايزة تتربي." لم تهابها زهرة ونهضت تقابلها بشجاعة وقد بلغ الغضب منها قدره وصاحت ترد: "أنا هابقى فعلًا إنسانة مش متربية لو هارد على واحدة زيك." "واحدة زيي ياجربوعة." هتفت بها وهي تلتف نحو المكتب تبغي الهجوم عليها ولكنها أجفلت منتفضة بزعر على صيحة قوية باسمها: "ميريهااااان."

استدارت برعب لتفاجأ بملامح وجهه التي توحشت بعنف وعيناه التي كان يتطاير منها الشرر، تخشبت محلها وسقطت يدها التي كانت ستمتد نحو زهرة إلى جانبيها. تنحى جانبًا هو ليمر من جواره رجل أربعيني بهيئة وقورة، صافحه جاسر على عجل ليغادر الرجل وعيناه تنتقل نحو الاثنتان بحرج. هتفت ميري بعد خروج الرجل وهي تشير بسبابتها نحو زهرة التي انعقد لسانها وتسمرت تدعي الصلابة رغم ارتجاف أوصالها من فرط التوتر:

"تعالى شوف الجربوعة دي ياجاسر، بتقل أدبها على مراتك." تقدم نحوها بخطواته البطيئة وكفيه انعقدا خلف ظهره، بنظرات مريبة بعثت على قلبها الخوف فتابعت بلهجة مهزوزة: "أنا كنت بقولها بس اطلبي لي فنجان قهوة... قطعت جملتها بتخوف من هيئته حينما اقترب منها برأسه قائلًا بلهجة هادئة ومخيفة: "قدامك حل من الاتنين، ياتخرجي دلوقتي حالًا، ياتعتذري من زهرة."

وكأنها ضربت على رأسها بمطرقة من حديد، اهتز جسدها وتحركت رأسها بعدم استيعاب، تظن أنها لم تسمع جيدًا: "إيه؟ بتقول إيه؟ اقترب مؤكدًا وازدادت لهجته شراسة: "مش هاكرر في كلامي من تاني، أنا قولت وانتِ اختاري ياتخرجي دلوقتي حالًا، ياتعتذري من زهرة." استفاقت من الصدمة فهتف صارخة: "انتِ بتقولي أنا كده ياجاسر، بتنصر البنت الجربوعة دي على مراتك، أنا ميري ياجاسر! تركها تصرخ بغيظ وصوتها الرفيع يكاد يصم أذنه ليخرج

هاتفه ويتصل برقم الأخرى: "أيوه يامرفت تعالي هنا حالًا." *** "انتِ اتجننتي ياميري؟ هو ده برضه اللي إحنا متفقين عليه." هتفت بها مرفت وهي تضرب بكفها على سطح مكتبها، والأخرى أمامها جالسة تهتز من فرط غيظها. فقالت بلهجة الطفل المذنب: "أنا مكانش في بالي أصلًا إن كل ده يحصل، بس أعمل إيه بقى؟ بعد ما شوفتها وحسيت إن ممكن يبقى ما بينها وبين جاسر أي علاقة مادرتش بنفسي وأنا بحاول أعرفها مقامها."

ارتدت مرفت عائدة بظهرها للكرسي تسألها بتهكم وهي تتكتف بذراعيها: "وعرفتيها مقامها بقى ولا هي اللي علمت عليكِ؟ احتدت عيناها ميري وهي تتطلع إليها بشراسة قائلة: "أنا محدش يقدر يعلم عليا، ده أنا كنت هامسح بكرامتها الأرض لولا بس خروج جاسر هو اللي وقف كل حاجة." عضت على شفتيها مرفت تتفتت من الغيظ، وهذه الغبية بفعلتها قد تفسد كل مخططاتها، فخرج صوتها أخيرًا:

"يعني انتِ عايزة تفهميني إنك لما تضربيها ولا تمدي إيدك عليها؛ بكده هاتمسحي بكرامتها الأرض ولا كرامتك انتِ؟ فيه إيه ياميري؟ انتِ بكده كنتِ هاتلمي الموظفين والعملاء في الشركة كلهم عليكم ومش بعيد كانت بقت فضيحة وترند عالسوشيال ميديا." صمتت ميري تشعر بحجم خطئها لتستطرد الأخرى:

"وعلى فكرة بقى، الموضوع ده لو خرج لوالدك ولا أهله، الحق هايبقى ناحيته هو عشان بيحافظ على اسمه وسمعته اللي ماخدتيش بالكِ انتِ منهم لما نزلتِ بمستواكي واتخانقتي مع السكرتيرة." صاحت هاتفة بغضب: "يعني إيه بقى؟ بعد اللي حصل ده كله عايزاني أسكت على حقي؟ ده أنا دلوقتي بس اتأكدت بخطورة البنت دي، يعني لازم أشوف لي حل معاها." ردت مرفت وقد وصلت لمبتغاها: "حلو أوي، مدام أخيرًا فهمتي يبقى أكيد هانلاقي حل! ***

وفي الناحية الأخرى كانت ترتجف من رأسها حتى أقدامها وهو يضمها بذراعيه، يربت على ظهرها ويهدئها: "خلاص يازهرة بقى اهدي، ما انتِ برضه ماسكتيش عن حقك زي ماحكيتي." رفعت رأسها إليه ترد: "أنا ماسكتش ياجاسر، عشان ماقدرتش أتحمل الإهانة، لكن مش عشان مراتك والله." أبعدها قليلًا ليقول بصدق: "أنا عارف يازهرة بقصدك مش محتاجة تبرري ولا تحلفي." سهمت قليلًا ترد عليه بتفكير:

"بس دي شكلها كان قصد الإهانة ياجاسر، مش مجرد سوء تفاهم وكأنها جاية لي مخصوص." قربها ليشدد عليها بذراعيه مغمغمًا بلهجة غامضة: "أنا عارف ومتأكد من كده... ولازم أشوف لي صرفة قريب."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...