بحرج، طب أعمل إيه بس يا خالي مع جاسر، واخد إجازة لنفسه يومين بس ومش عايز يقعدهم في البيت، بس بصراحة بقى أنت وجدتي وحشتوني قوي. قال خالد بسعادة: يا حبيبة خالك أنتِ يابت، أنا ملحقتش أشبع منكِ، وغراب البين دا طار بيكِ، حاولي بقى ماتتأخروش، عايز أقعد معاكي ونحكي في تفاصيل حياتك من وقت ما سافرت أنا وطول فترة غيابي. ردت هي بتأكيد: طبعًا يا خالي، دا أنا واحشني الرغي والهزار معاك قوي، يمكن أكتر منك كمان.
تابعت زهرة حديثها الممتع مع خالد ورقية التي كانت تناكشها ببعض الكلمات الجريئة التي كانت تجعل زهرة تغضب حرجا منها، وبنفس تتحدث بابتسامة مستترة تصل إليهم رغم عدم رؤيتهم لها، حتى أثارت انتباه جاسر، فخرج لها من البحر بجسده العضلي وقطعة السباحة يرتديها، والتي جعلتها تشيح بوجهها خجلا منه، حتى وصل إليها يدنو بجذعه يتطلع إليها بجرأة أربكتها، فنهت المكالمة معهم بتوتر. قال متسليًا بصوته الأجش: كنتِ بتكلمي مين؟
رمقته بعينيها سريعًا قبل تجيبه على وضعها بارتباك: كنت بكلم خالي وجدتي، طبعًا أصلهم اتصلوا عشان يطمنوا عليا. مال إليها قائلًا بابتسامة عبثية: ها بقى وطمنتيهم؟ ضيقت عينيها قليلًا حتى فهمت مغزى سؤاله، ثم التوى ثغرها بحنق، تغير مجرى حديثهم: على فكرة بقى هما سألوا عليك، وأنا قولتلهم إنك بتعوم في البحر ومش فاضي تكلمهم. مط شفتيه قائلًا
بتنهيدة: على كده بقى قولتلهم إني بعوم وحيد في بحر طويل عريض وعروستي مش معبراني ولا هاين عليها حتى تشاركني العوم. التفتت إليه قائلة بحدة: في إيه يا جاسر، يعني عايزني أعوم إزاي بس وأنا أساسًا مبعرفش. أعلمك! أردف بها سريعًا قبل أن يجفلها بحمله لها بين ذراعيه، لتصرخ زهرة بخوف: واخدني ورايح بيا فين، بقولك معرفش. قهقه ضاحكًا يردد: وأنا قولتلك هاعرفك، يبقى لزوموا إيه بقى الخوف.
أخذت تصرخ معترضة وهي ترفس بأقدامها حتى أدخلها معه وهي تصرخ تناجيه بتركها، فما كان منه إلا أنه فلت أقدامها فقط، واحتفظت ذراعيه بضمها من الخصر بقوة وهو يقول لها بمرح: سيبِك معايا وما تخافيش، أنا لسه ما دخلتش بيكِ في الغويط، استمتعي يا زهرة وخلي عندك ثقة فيا. قالت مرتجفة بخوف وقد غطتها المياه إلى أسفل كتفيها: يا جاسر ماتستهونش بخوفي دا، ممكن يغرقني بجد. بقولك ثقي فيا، بقولك ثقي فيا.
هتف بها حازمًا وهو يميل بها لتغطيها المياه حتى رأسها وشعرها، فشھقت مجفلة بلهث بعد أن أعادها سريعًا: حرام عليك يا جاسر، والله بجد حرام اللي بتعمله فيا ده. حرام على مين بس يا زهرة بحلاوتك دي.
ردد بها بعدم تركيز وهو ينظر لهيئتها الشهية بعد أن ابتل جميع شعرها وسقطت خصلاته الطويلة السوداء على وجهها، فكان يزيحها بكفه من وجنتيها التي تخضبت بالحمرة مع انفعالها، أهدابها الكثيفة والتي أسبلتها مع لهاثها خوفًا من المياه، انتبهت هي على اشتعال عينيه فقالت بتوتر: طب كفاية النهاردة وخلينا... قطع جملتها بقبلة مباغتة، اعترضت عليها تدفعه عنها حتى نزع نفسه عنها ينظر إليها باستغراب، فهتف غاضبًا: مش تخلي بالك لحد يشوفنا؟
رد بانفعال: أخلي بالي من إيه يابنتي، بقولك دي منطقة خاصة ومحدش يجرؤ يقرب منها، عشان دي ملك العيلة أساسًا. هتفت متشدقة: وافترض أن ماحدش يقدر يقرب، ما هو ممكن حد يشوفنا من عمارة بعيدة ولا عيل طايش يبص علينا بالميكروسكوب واحنا مش واخدين بالنا. ميكروسكوب إيه؟ سأل بعدم استيعاب، فقالت هي بحنق: عدسة مكبرة يا جاسر، بتقرب البعيد وتكبره، هو أنا هافهمك برضو يعني إيه ميكروسكوب.
سُهِم من مقولتها الغريبة، فجعله يلتفت بعينيه للبعيد، استغلت هي ارتخاء ذراعيه لتفلت نفسها منها وتخرج من البحر هاربة، انتبه هو فقال متوعدًا وهو يخرج للحاق بها: يا مجنونة، طب ودايني ما أنا سايبك النهاردة يا زهرة... في المساء.
كانت ترتدي فستان آخر من التشكيلة التي أتى بها من سفرته، يناسب لخروجها معه إلى أشهر المطاعم في هذه المنطقة الساحلية، الفستان كان طويل حتى الكاحل، منتفش في أكمامه ليتنهي عند الرسغ بحلقة صغيرة، وضعت عليه أسورته لتبرز جمالها، الصدر كان مغطى بالتطريزات الخفيفة والتي تنتهي عند الخصر بحزام التف حول جسدها، وحذاء في الأسفل ناسب لونه الأرجواني وحجابها في الأعلى لفته على رأسها بشكل عصري، أشعرها بالرضا عن نفسها وقد نال إعجابها حقًا، لم تكن تظن أنه يملك خبرة أيضًا في ملابس النساء.
أجلسها على طاولتهم بعد أن رحب بهم النادل ودلهم عليها، أشار له جاسر على عدة مأكولات بحرية من القائمة يتميز بها المطعم هنا، قبل أن يصرفه، ثم التفت إليها سائلًا: إيه رأيك بقى يا زهرتي، عجبك المطعم؟ ردت بابتسامة منبهرة: طبعًا عجبني، دا شكله فخم ومشهور قوي. ولسه كمان لما تجربي أكلهم هاتنبهري بجد، عليهم طريقة تخليكِ تشتاقي للمكان وتزوريه في السنة كذا مرة. ابتسمت
بحرج وعيناها تلتف حولها: بس شكله غالي قوي، بدليل الناس اللي حوالينا كلهم بهوات وهوانم. ما إحنا بهوات وهوانم برضو، ولا انتِ نسيتي يا زهرة هانم يا حرم جاسر بيه. قال ببساطة، أجفلتها لتعود برأسها بتفكير بما يذكرها به، أنها بالفعل أصبحت منهم بانتمائها إليه، وهل هذا حقًا؟ تناول كفها يخرجها من شرودها قائلًا: الجميل سرحان في إيه؟ انتبهت إليه نظراته
المحدقة بها بتفحص لتقول: لا عادي يعني، بس انت عارف بقى إني لسه باخد على الجو وبحاول أستوعب النقلة الغريبة دي. رفع كفها يقبلها بحنان: استوعبي يا قلبي براحتك، بس ياريت بقى في وقت تاني، عشان طول ما انتِ معايا عايز تركيزك وعقلك وتفكيرك كله معايا أنا لوحدي، ماشي يا روح جاسر. أومأت برأسها بتشتت، فكيف تنفذ ما يقوله لها وعقلها مازال لا يستوعبه هو نفسه بأفعاله معها وهذه الشخصية المعاكسة لهيئته الأولى على الإطلاق.
استطرد متابعًا لها: عارفة يا زهرة أنا طول عمري ما فرحتش أوي كدة، على قد ما سافرت وروحت وحققت إنجازات وفرحت بيها، لكن كل ده جمب فرحتي بيكِ لا يسوى شيئ، بجد بجد أول مرة أعرف يعني إيه سعادة. طب وجوزاتك الأولى ما فرحتش بعروستك؟
تمتمت به بداخلها تود لو تستطيع البوح بهذا السؤال لتعرف الإجابة منه، ولكنه لم يعطها فرصة وهو يشرح لها عن المطعم وتاريخ إنشائه ومعرفته به وهو وعائلته، حتى انتبه الاثنان على وقوف طفلة رائعة الجمال بالقرب منهم تتطلع بابتسامة شقية إليهم. اقتربت برأسها منها تسألها زهرة: إنتِ مين يا قمر واسمك إيه؟ أجابتها الفتاة: أنا تاليا. الله اسمك حلو أوي يا تاليا. رددت بها زهرة، وتدخل جاسر بسؤاله للصغيرة والتي
تبدو في الرابعة من عمرها: انتِ حلوة أوي يا تاليا، في حد كبير بقى معاكِ؟ أسبلت عيناها الصغيرة بانتشاء وقد أعجبها ثناؤه لها، فمالت برأسها تتلاعب في خصلات شعرها قائلة بغنج أثار الضحك لدى الاثنين: جيت مع والدي ووالدتي. ياروحي أنا يابنتي إيه الحلاوة دي. أردفت بها زهرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!