ماينفعش اسمحلك بالانصراف غير لما اعرف السبب واشوفه يستاهل ولا لأ. من فضلك يا جاسر بيه، انت قولت بنفسك انك مش هاتضيق عليا، وأنا دلوقت بترجاك في أمر ضروري. أجفلت بجرأتها على تذكيره بوعده. ضيق عيناه وأصبح يصك على فكه غيظاً منها ومن رأسها العنيدة، ثم رد على مضض وهو يزفر من أنفه دخاناً: ماشي يازهرة، هاسمحلك بالانصراف عشان مابقاش المدير الظالم اللي بيضيق على الموظفة اللي عنده.
انتشت داخلها وهي تحاول جاهدة كبت ابتسامة النصر. فتحركت لتخرج مستأذنة بلطف: ألف شكر ليك يافندم، عن إذنك بقى. أوقفها هادراً فور أن التفتت تنوي الخروج من مكتبه: بس بقى مافيش بريك النهاردة يازهرة. استدارت بكليتها إليه وعلى وجهها ابتسامة جميلة أنسته موقفها العنيد ورفضها له اليوم، بل أنسته نفسه، وهي تقول بأدب: تحت أمرك يافندم.
وخرجت من أمامه متهادية بخطواتها، رغم شعورها بعدائيته نحوها وصوت أنفاسه الهادرة خلفها تكاد أن تصل لأذنها. *** فور خروجها تفاجأت بغادة الواقفة أمامها بجوار المكتب. غادة، انت هنا من إمتى؟ سألتها زهرة وهي تتوجه ناحية الجلوس خلف مكتبها. ردت غادة وهي متكتفة الذراعين: أنا هنا من زمان ياحبيبتي، انت اللي اتأخرتي جوا. كل ده بتشتغلوا؟ أجابتها زهرة بحسن نية وعدم تركيز: أمال يعني هاكون بلعب؟
انت كمان المهم بقى، انت ليه جيتي الشغل بدري النهاردة وما استنتنيش أجي معاكي زي كل يوم؟ عادي يعني، ما انت كمان بقيتي تروحي عالبيت من غير ماتقوليلي. قالت غادة بتلميح عن الأمس. فهمته زهرة فردت تجيبها: يابنتي امبارح كنت في ميعاد شغل مع جاسر بيه، معلش ملحقتش أقولك. وحتى من تعبي بعد ماجيت، نمت زي القتيلة ومارديتش على أي حد في التليفون. اممم... صدرت منها مبهمة، ثم تابعت وهي تلعب بخصلة من شعرها:
طب وعلى كده بقى، انت هاتروحي معايا النهاردة ولا برضه معاكي مشوار مع الباشا؟ أسبلت عيناها زهرة وقد انتبهت أخيراً على تلميحاتها، فقالت مصححة ومشددة على كل حرف: ما اسمهوش ميعاد مع الباشا، اسمه ميعاد شغل. الراجل اللي جوا ده يبقى مديري وأنا السكرتيرة بتاعته، مش رفيقته ولا صاحبته. وردًا على سؤالك، لا ياستي مش ماشية معاكي النهاردة عشان عندي مشوار مهم مع كاميليا. هاتاخدني بعربيتها توديني البنك عشان أوفر عليك السؤال كمان.
قالت غادة بعكس ما يدور بنفسها: عم أنا مالي، تاخدك بعربيتها ولا تجيبك حتى. انت فاكراني هابصلكم كمان ولا إيه؟ همت لترد زهرة، ولكن دوى صوت هاتف المكتب الداخلي فتناولته لترد، فتفاجأت بصياحه: فين ملف مناقصة الحديد يازهرة؟ أنا مش نبهت عليك تجيبيه. يافندم، ماهو عندك مع بقية الملفات اللي دخلت بيها من شوية. صرخ هادراً حتى كاد أن يصم أذنها: هو أنا لو شوفته ولا لقيته كنت هاتصل بيك وأزعجك ياست زهرة؟ اخلصي يالا اتصرفي وأجيبه.
طيب، ثواني هادخل وأشوفه. قالت بتلعثم، ثم تحركت سريعاً نحو مكتبه، تاركة غادة التي تتلاعب بشعرها بعدم اكتراث. دلفت إليه تشير بيدها أمامه نحو سطح المكتب: أنا جبته مع مجموعة الملفات اللي دخلت بيها من نص ساعة. ممكن تكون اللي قدامك دي. اتفضلي طلعيه انت بنفسك، أنا مش بدور على حاجة.
هتف غاضباً وهو يضرب بقبضته على سطح المكتب أمامها. تحركت بآلية نحو خلف المكتب بجواره تبحث عن الملف بتركيز وسط المجموعة المذكورة وبعض الملفات المتناثرة بفوضوية أمامه. ورغم المسافة الآمنة بينهم، إلا أنه ارتبك فجأة مع حضورها بجواره. أسكرته رائحتها المسكية والتي لا يعرف إن كانت هذا عطراً أم أنه شيء آخر لا يعلمه. توقف عقله عن العمل وتوقف الزمان والمكان وهو يشعر بحضورها قد ملأ المحيط من حوله. استقامت فجأة ملوحة له بالملف:
أهو يافندم، الملف اللي انت طالبه. أشار بيده إليها لتضعه أمامه، فاقداً القدرة عن الكلام أو تصنع الجديدة. أذعنت تنفذ أمره باستغراب وتخرج بناءً على إشارة سبابته لها للخروج. بعد مغادرتها، ظل لبعض اللحظات يجاهد لاستعادة ذهنه جيداً وهو يفرك بكفه على صفحة وجهه، حتى فاض به فدفع بقلمه الذهبي نحو الحائط بقوة ليقع منكسراً على الأرض. وبسرعة تناول هاتفه يتصل بيده اليمنى كارم، والذي ما إن أجاب خاطبه جاسر بأمر:
اسمع يا كارم، سيب اللي في إيدك وتعالى لي حالا دلوقتي، عايزك ضروري. *** تقود سيارتها وصوت ضحكاتها التي لا تتوقف تكاد تصل للمارة في الشارع، حتى أنها كانت تضرب بكفيها على عجلة القيادة من فرط مرحها، مما اضطر زهرة التي كانت تشاركها الضحك للكزها بمرفقها على خصرها حتى تنتبه للطريق: يابت بس الله يخربيتك، هاتودينا في داهية. مش قادرة، والنعمة ما قادرة، ههههههه.
لكزتها مرة أخرى قبل أن تيأس منها وتوجه نظراتها نحو النافذة. وبعد أن هدأت كاميليا قليلاً خاطبتها: ماتزعليش مني لو كنت غلست عليك، بس بجد أنا مش قادرة. جبتي منين الجرأة دي يازهرة؟ ومع مين؟ مع جاسر الريان؟ أجابتها زهرة بابتسامة شقية: والله ما أعرف، أهي جات كده بقى. بس كمان هو خانقني بإصراره إنه يعرف رايحة فين. وأنا بقى دبيت الجملة وأنا باعَة بصراحة. يطردني بقى، يقعدني براحته. ردت كاميليا وهي تضحك بمكر:
بعد اللي قولتي ده يا حبي، لا يمكن أتوقع إنه يطردك. بقى جاسر الريان يا ناس يسمح لموظفته إنه تتحداه كده؟ دي حاجة ولا في الخيال. خبأت ابتسامة زهرة وهي تسألها بارتياب: تقصدي إيه يا كاميليا بكلامك ده؟ أجابتها كاميليا بابتسامة: بصراحة مش عارفة، بس أنا أسمع يعني عن المثل اللي بيقول: حبيبك يبلعلك الزلط. حب إيه وكلام فارغ إيه، انت كمان اقفلي عالسيرة دي يا كاميليا، اقفلي. قالت زهرة وقد تغير لون وجهها وشحب. ردت
كاميليا التي انتبهت لها: خلاص ياستي هاقفل، ولا تزعلي. زهرة بتردد: مش حكاية أزعل، بس أنا مصدقت إني خلصت من الموضوع ده. مش عايزة أفتح فيه تاني. ابتلعت كاميليا كلماتها حتى لا تزعجها وفضلت تغيير مجرى الحديث: طب إيه، احنا وصلنا المنطقة اللي انت قولتي عليها. مكتب الراجل السمسار ده فين بقى؟ أجابتها زهرة وهي تشد بذراعيها على حقيبة النقود الموضوعة بحجرها:
آخر الشارع يا كاميليا، هتلاقي يافطة كبيرة أوي مكتوب عليها باللون الأخضر اسم السمسار ماهر بركات. قادت قليلاً كاميليا حتى وصلت للعنوان المذكور، فوقفت بسيارتها أمام البناية التي علق عليها اليافطة. ترجلت هي وزهرة التي كانت تحتضن في حقيبة النقود بخوف. حينما دلفن إلى داخل المكتب وجدن الساعي فقط أمامهم ينظف أرضية المكتب. سألته زهرة: السلام عليكم، أستاذ ماهر بركات موجود؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا حضرتك ماهر بيه خرج مع زبون من شوية. كان رد الساعي. سألته زهرة بتوجس: طب وهايرجع إمتى؟ أنا عايزاه ضروري. والله حضرتك معرفش هايرجع إمتى، بس هو مدام اتأخر كده يبقى أكيد بيفرّج الزبون على...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!