تهلل وجهها فور أن رأتها، فهتفت بسخرية متصنعة الغضب: "أهلاً هلالك شهر مبارك، أخيراً يا حلوة. اتهز بيك السرير وقومتي عشان نشوف وشك." ردت بابتسامة، قبل أن ترتمي في أحضان جدتها التي شددت عليها بذراعيها تنهرها بعتب: "برضه دي عمايل يا زهرة؟ تسبيني كده على ناري؟ بقعدتي هنا من غير ما تطمنيني عليكي وأنا هاموت وأعرف اللي صابك." ردت بصوت مكتوم داخل حضن جدتها: "بعد الشر عليكي يا ستي، سامحيني مش هاتكرر تاني."
"لا كرريها يا أختي عشان أدخل فيك السجن المرة الجاية." قالت رقية بمزاح كعادتها. استجابت لها زهرة ضاحكة، وردت كاميليا مضيقة عينيها: "يا شرس، أنت ما كنت زي القطة من شوية بس." لوحت لها رقية بقبضة يدها مهددة بحزم: "بس يابنت أنت عشان ما أحط غلبي فيك دلوقتي وأنا على آخرة أساساً وإيدي بتاكلني." هتفت كاميليا وهي ترمي بجوارهم: "يا ولد يا جامد، طب أنا نفسي أجرب إيدك بجد بقى، يلا يا رقية."
لكزتها رقية بخفة قبل أن تجذبها هي الأخرى داخل أحضانها مع زهرة، فخاطبتهما سائلة: "عايزة أعرف منكم بقى إيه السبب اللي خلى زهرة تزعل كده؟ "ضغط شغل يا ستي." خرجت من فمهما الاثنتين قبل أن تـلكزهما بقبضتها غير مصدقة: "ضغط شغل برضه يا ولاد الـ...... فاكرني عبيطة؟ ***
في اليوم التالي، كانت جالسة على مكتبها تردد في الأدعية والسور الحافظة، وأطرافها ترتعش من الخوف في انتظاره. تشعر بجفاف حلقها كل دقيقة لترتشف من زجاجة المياه الموجودة على سطح المكتب، ثم تعود لترديد الأدعية مرة أخرى. أجفلت حينما ولج فجأة إليها داخل الغرفة الواسعة بخطواته السريعة، قبل أن يبطئها وهو يقترب منها. وقفت هي احتراماً له. "صباح الخير." ألقى التحية وعيناه تتفحص وجهها بدون تحفظ كعادته. خرج صوتها برد التحية بصعوبة
وعيناها لا ترفعها إليه: "صباح الخير يا فندم." "عاملة إيه؟ أجفلها بسؤاله، فارتفعت عيناها إليه دون إرادتها، تومئ برأسها: "تمام يا فندم والحمد لله. ااا أنا كنت عايزة أقولك أي.... "تعالي المكتب جوه وقولي اللي أنتِ عايزاه، أنا مستنياك." قال كلماته وخطى ذاهباً نحو مكتبه على الفور. ارتفعت شفتها العليا وهي تنظر في أثره مرددة بدهشة: "هو فاكرني هاقوله إيه ده؟ ***
بعد قليل، وبعد أن قرأت الآيات المنجيات على باب مكتبه وفعلت تمارين الشهيق والزفير عدة مرات، قبل أن تطرق ويسمح لها بالدخول. وصلت لتقف أمامه، ودون أن تنطق ببنت شفة، وضعت الورقة التي بيدها على سطح المكتب. "إيه دي؟ " سألها مقطباً وهو يرمق الورقة التي أمامه بنظرة سريعة. ظلت هي على صمتها مطرقة رأسها للأسفل. تناول الورقة ليقرأها، فارتفع حاجبيه مردداً بدهشة: "ده طلب استقالة؟ أفهم من كده إن ده ردك على عرضي؟
ابتلعت ريقها وهي تجاهد للسيطرة على ضربات قلبها السريعة، لتجيبه بتماسك: "لا طبعاً حضرتك، بس ده منعا للحرج." "مش فاهم يا زهرة، وضحي أكتر. موافقة على عرضي ولا لأ؟ " قال بحدة ويده تطرق بالقلم على سطح المكتب. استجمعت شجاعتها وهي تتذكر توصيات كاميليا لها بالأمس، فنفت برأسها المتشنجة تردد: "لا حضرتك، وأرجو منك تتقبل استقالتي."
صمت قليلاً وظل صوت قلمه الذي يطرق به على سطح المكتب هو سيد الموقف، وظلت هي على وضعها لا تستطيع أن تواجه عينيه اللذين تشعر بسهامهما المسلطة عليها تكاد أن ترديها قتيلة. ثم ما لبث أن رد بهدوء مريب أدهشها: "تمام يا زهرة، ده كان عرض مني وأنتِ رفضتيه، براحتك طبعاً." رفعت إليه عيناها تسأله: "طب والإستقالة حضرتك هاتمضيلي عليها طبعاً مش كده؟ حرك رأسه بالرفض قائلاً باقتضاب: "لأ." "لأ ليه حضرتك؟ " سألته تريد تفسيراً.
أجاب بلهجة مسيطرة: "عشان مش أنا الراجل اللي يغصب واحدة ست على جوازه منها، ولا أنا الرئيس اللي يضيق على موظفته عشان رفضت عرضه. أنا قولتلك براحتك، يعني ما فيش داعي لمخاوفك دي كلها." تنفست قليلاً وقد أدخلت كلماته بعض الارتياح بقلبها، فقالت مستغلة طيبته الجديدة عليها: "طب ما دام كده يا فندم، يبقى رجعني تاني لمكتب الأستاذ مرتضى أحسن برضه." "اخرجي دلوقتي يا زهرة." "نعم!
أردفت بها مندهشة لتجد ملامح وجهه تحولت فجأة وعاد إلى تجهمه المعتاد مع انقلاب حاجبيه وهو يهدر عليها: "الموضوع وخلاص اتقفل، يبقى قفلي على كده أنتِ كمان، وارْجعي شغلك حالا دلوقتي يا زهرة."
مع صيحته الأخيرة، انتفضت ترتد بأقدامها لتخرج مغادرة من أمامه على الفور. خارج مكتبه تنفست الصعداء أخيراً، واضعة يدها على قلبها الذي هدأت سرعاته قليلاً. زفرت وهي تسقط على كرسي مكتبها تمسح بكفيها على وجهها، حامدة ربها على مرور هذه اللحظة العصيبة وانتهاءها على خير. وجدت هاتفها يصدح بدوي صدور مكالمة، التقطته سريعاً لتجيبها على الفور: "الوو...... أيوه يا كاميليا." "عملتي إيه يا زهرة طمنيني؟
" زفرت مرة ثانية مع سؤال صديقتها الذي أتى سريعاً قبل أن تجيبها وعيناها على باب مكتبه، بصوت خفيض وحذر: "هو قالي براحتك إنك ترفضي أو توافقي، وأنا مبغصبش واحدة ست على جوازها مني ولا هاضيق عليكي عشان رفضتيني." ردت كاميليا: "طب كويس، والله راجل محترم." هتفت زهرة جازة على أسنانها:
"أيوة يا أختي، بس مرديش يمضيلي على الاستقالة أو حتى يرجعني عند الأستاذ مرتضى. يعني مشكلتي معاه مستمرة. أنا بخاف منه بجد يا كاميليا، ونفسي بقى ألاقي حل لمشكلتي دي." ردت كاميليا بحزم من جهتها: "بس يابنت اعقلي كده وخليكي جامدة. تخافي منه ليه إن شاء الله؟
هو هاياكلك. ما دام طمنك من جهته يبقى خلاص بقى، شوفي شغلك تمام عشان ما تديهوش فرصة يضيق عليكي زي ما قال. وعلى فكرة بقى جاسر الريان محترم بجد، يعني مابقولش كلام في الهوا، فاطمني بقى." ردت زهرة وهي تستوعب كلمات صديقتها: "يارب يا كاميليا يطلع كده زي ما قولتي. على العموم أنا هحاول ألتزم زي ما قولتي، وأما أشوف آخرتها إيه." "آخرتها خير إن شاء الله."
"طب بقولك إيه، ما تنسيش بقى معادنا، عايزة ألحق البنك قبل ما يقفل." قالت زهرة. ردت كاميليا بسؤال: "تمام، أنا معاك، بس أنتِ معاد انصرافك على تلاتة العصر. جاسر الريان هايسمحلك بقى بالانصراف بدري؟ خبطت زهرة بكفها على جبهتها بإحباط مرددة: "مش عارفة." ***
مر اليوم بعملها بروتينية عادية دون تغير تشعر به سوى تجاهله لها كلما دلفت إليه بمستند أو ملف ضروري. يومئ لها بيده على سطح المكتب لتضعه أمامه دون أن يرفع رأسه إليها. ومن جهتها كانت تعمل بجدية وتركيز حتى لا تعطيه فرصة للتضييق عليها كما ذكرت كاميليا. ولكن ارتباطها مع كاميليا للحاق بمعاد البنك قبل أن يغلق جعلها على صفيح ساخن من القلق، حتى أجمعت أمرها للدخول إليه بشجاعة وطلب الانصراف مبكراً عن موعدها.
"نعم يا آنسة، وعايزة تخرجي بدري ليه إن شاء الله؟ " كان رده بسؤاله السريع على طلبها. أجفلت من عودة فضوله الغريب نحوها وحاولت الرد بذوق وعدم الخطأ: "عادي يا فندم، عايزة أخرج بدري في أمر ضروري يخصني." ترك ما بيده واعتدل بظهره للخلف بالمقعد يسألها بسماجة وتصميم:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!