الفصل 3 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث 3 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
27
كلمة
3,792
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

يسألها عن راتبها وما أنفقته، وبكل صفاقة يذكرها بوالدتها، وكأن له حق عليها. بعد تركها لخالها وجدتها كل هذه السنوات رغم قرب المسافة التي لا تتعدى الطابق بينهم. لا نفقة لطعام أو ملبس، ولا حتى مصروف مدرسة أو تعليم. يتذكرها فقط في كسوة العيد، كحفظٍ لماء الوجه، أو ليتفاخر أمام أهل الحارة بكسوته لها؛ رغم عدم عيشها معه.

تحمد الله أنها لم تحتاج إليه ولو مرة واحدة، فقد أغناها الله برعاية جدتها الحنون وخالها الذي تكفل بتربيتها منذ أن توفت شقيقته. ورفض تركها مع أبيها الذي لم يصبر على وفاة زوجته أكثر من شهرين ليتزوج، فبقى مكانه الفارغ في حياتها طوال سنوات عمرها، أو بالأصح كخيال ليس له وجود. ثم يعود إليها الآن وبقوة بعد أن امتلكت الوظيفة التي تدر عليها الراتب الجيد.

وسافر خالها للعمل بإحدى الدول العربية، كي يستطيع جمع المال الذي يمكنه من الزواج وقد تعدى عمره الخامسة والثلاثون من دونه بسبب فقر الحال ورعايته لوالدته وابنة شقيقته المتوفاة. "متنحة ليه يابت؟ ماتردي." استفاقت من شرودها بعد أن نبهها بأسلوبه المتهكم، ولكنها لم تعد تخاف. ردت ظهرها بثقة، تتقدم نحوه تردف ببرود وهي تتخطاه لتدلف داخل الشقة: "مساء الخير." "مساء الخير! ردد خلفها بدهشة قبل أن يتبعها صائحًا:

"بتزوقيني وتدخلي من غير ما تعبريني يازهرة! إيه يابت فهمية؟ هي الفلوس قوة قلبك وماعدوتيش شايفة حد قدامك حتى أبوكِ؟ التفتت إليها تردد يهدوء من تحت أسنانها: "فلوس إيه بس اللي قوة قلبي؟ هو انت شايفني بقيت مديرة بنك؟ دا أنا آخري حتة سكرتيرة لمدير حسابات، لسه ماثبتش رجلي كويس معاه وممكن يغيرني في أي وقت." "و بتكلميني بقرف كمان؟ دا انتِ على كده مابقتيش شايفاني خالص يابت." سحبت من الهواء شهيق بقوة كي تتحلى ببعض

التماسك ولا تنفجر بوجهه: "ما بقتش شايفاك ليه بقى؟ عشان بكلمك بهدوء أفهمك وضعي، بدل ما صوتنا يطلع أنا وانت للجيران، ونجيب لنفسنا الفضايح من غير داعي. دا غير إنك بتتبلى عليا وتقول إنّي زقيتك عشان بس عديت من جنبك ودخلت الشقة." صمت ينظر إليها قليلًا بملامح مبهمة قبل أن يقطع صمته: "أنا عارف إنك شايلة ومعبية مني من صغرك، بس ما تنسيش إنّي كنت سايبك على راحتك مع جدتك وخالك. وافتكري إنّي ماغصبتش عليكي تعيشي مع مرات أب."

أومأت برأسها تجاريه ثم سالته مباشرة: "عايز إيه يا والدي من الآخر، بدل اللف والدوران؟ رد بمسكنة، مصطنع الحرج: "انتِ عارفة المعايش بقت صعبة إزاي؟ دا غير إن حال الدكان اتدحدر ومابقاش زي الأول، وأنا معدتش قادر أكفي خواتك ومصاريفهم و...... "معايش فلوس." قطعت استرساله هامسة، جعلته يرفع رأسه ويتقدم نحوها غاضبًا: "يعني إيه معاكيش فلوس وانتِ قابضة النهارده." ارتدت عنه للخلف قائلة بخوف:

"ما انت عارف إن خالي مسافر ومعاش ستي يدوب مقضي علاجها، لما أديك أنا بقى من مرتبى القليل من الأساس، هانقضي الشهر أنا وستي أكل وشرب منين بقى؟ انقض عليها فجأة يلوي ذراعها خلف ظهرها قائلاً بعنف: "يابت الكل...... ما أديكي شارية هدوم وصارفة، يعني هي جات على قرشين تساعدي بيهم أبوكي الغلبان؟ ولا عايزاني أترجاكي عشان تحسي على دمك، أنا ما اتخلقتش اللي يذلني يازهرة."

حاولت زهرة كاتمة ألمها تقاوم قبضته القاسية والتي ارتخت على إثر صرخة من جدتها. والتي تفاجأ الاثنان بظهورها أمامهم آتية من غرفتها زاحفة: "سيب البنت يامحروس، والنعمة لو ما سيبتها حالاً دلوقتي لاكون صارخة بعلو صوتي عشان ألم عليك أهل الحارة كلهم." جز على أسنانه، مخرجًا سبة وقحة قبل أن يدفع زهرة بخشونة أوقعتها على الأرض بجوار جدتها التي جذبتها من ذراعها داخل أحضانها، وخرج هو بعد أن رمقهم بنظرة مشتعلة بالغضب.

....................................... أمام المرآة كانت تلتف بفستانها يميناً ويساراً، حتى للخلف كي ترى جمال قصته على قدها الرشيق ومنحنياتها البارزة. سألت بلهفة والدتها الجالسة خلفها على التخت وهي تتفحص باقي المشتريات: "شايفة ياما الفستان على جسمي حلو إزاي؟ دا مخليني زي البرنسيسة." رمقتها إحسان بملامح ممتعضة قبل أن تجيبها بتردد: "هو حلو وكل حاجة يعني، بس مش غالي حبيتين ياغادة؟

دا تمنه يساوي مرتب موظف في الحكومة يابنتي." استدارت إليها بابتسامة تعلو وجهها، قائلة بحماس: "وماله ياما لما يبقى غالي؟ الغالي تمنه فيه، ولا انتِ ناسيه كلمتك الشهيرة، الغالي بيجيب الغالي." "أيوة يابت، بس مش بالشكل ده، دا انتِ بعزقتي تقريبًا المرتب كله على فساتين وجزم ومكياجات." قالت إحسان وهي تلوح بالمشتريات المنتشرة أمامها على التخت بإهمال. ضحكت غادة وهي تجلس بجوارها تتأملهم بسعادة وأردفت:

"أنا فعلًا بعزقت معظمه، بس مايضرش، أهم حاجة إن أبقى زيها، البس وأتشيك وأبقى أحلى منها كمان." سألتها إحسان بانتباه: "هي مين يابت اللي عايزة تبقي زيها وأحسن كمان منها؟ أجابتها غادة بأعين يملؤها الإنبهار: "كاميليا ياما، لو تشوفيها وهي ماشية في الشركة كدة وكأنها هانم مش موظفة عادية؛ شياكة إيه؟ ولا أسلوبها في الكلام، عاملة كدة زي البنات اللي بنشوفهم في التليفزيون بالظبط ياماما." "بس عانس! أردفت إحسان وهي تمصمص بشفتيها.

ردت غادة بابتسامة ساخرة: "بمزاجها ياماما، مش قلة حظ ولا نقص حلاوة." قطبت إحسان تسألها باستفسار: "يعني إيه ياغادة؟ مش فاهماكي! برقت غادة عيناها وهي تجيب عن السؤال: "يعني كاميليا رفضت كل اللي اتقدمولها عشان كانوا أقل منها ياما، وهي عارفة ومتأكدة إنها حتى لو كبرت مش هاتقبل غير بواحد في مستواها أو أعلى." صمتت إحسان قليلًا تستوعب كلمات ابنتها ثم سألت: "وانتِ بقى عايزة تبقي زيها؟ "أبقى أحسن منها." تفوهت

بها غادة بتصميم وتابعت:

"أنا أصغر وأحلى منها، يعني ناقصني بس البس وأبقى بنفس شياكتها عشان أقدر أصطاد اللي يرفع من مستوايا ده وأبقى هانم أنا كمان، أصلك ما بتشوفييش الرجالة والستات اللي بييجوا عندنا الشركة ياماما، ولا حتى الموظفات والموظفين، كلهم بيبرقوا كدة وبيلمعوا من النضافة، مش زي الأشكال الضالة اللي في الحارة النحس دي، الواحدة تتجوزلها واحد مصدي ويبقى فاكر نفسه جايبالها الديب من ديله لو دخل عليها بكيس فاكهة أو ربع عكاوي."

قالت الأخيرة بقرف. أومأت لها إحسان بإعجاب: "شاطرة ياغادة وبنت أمك على حق، تعجبني دماغك المتكلفة دي، أيوه كدة، تكتكي وخططي على كبير، عشان ماتخبيش خيبة أمك اللي يوم ما اتجوزت أبوكي، كانت فاكراه ياما هنا وياما هناك." قالت الأخيرة وهي تلوك بشفتيها. دافعت غادة عن أبيها باستحياء: "أيوه ياماما، بس أبويا ما بيتأخرش عن طلباتك لما يقبض ولا يبقى معاه فلوس." قاطعتها بأشمئزاز ملوحة بكفها: "ياختي افتكريلنا حاجة عدلة." صمتت غادة

فسألتها والدتها بتفكير: "الا قوليلي صح يابت؛ هي المنيلة زهرة بنت خالك دماغها بتفكر زيك كدة رضوا؟ انشق ثغر غادة بضحكة ساخرة ترد: "ههه انتِ عايزة زهرة الهبلة تفكر زيك ياما؟ دي لو لقت شوال بطاطس قدامها، هاتلبسه عادي، بنت أخوكي خيبة ياما هههه." ..................................

على الأرض الباردة كانت ماتزال داخل أحضان جدتها رغم توقفها عن البكاء منذ فترة، مستمتعة بدفء حنانها، مغمورة بإحساس الأمان الذي تستمدّه منها؛ رغم ضعفها. ورقيقة مشدد عليها بذراع والأخرى تلمس على شعرها وظهرها حتى شعرت بارتخائها فقال متصنعة الحزم: "إيه يابت انتِ هاتنامي ولا إيه؟ لا اصحي كدة يا أختي أنا مش حملك." اهتز جسد زهرة، تردف ضاحكة: "مش حملي إزاي بس؟ دا انتِ خوفتي أبويا ذات نفسه، جايبة الشدة دي منين يارقية؟

انتفشت رقية قائلة باعتزاز: "أيوه أمال إيه، عشان يتأكد إن وراكي ناس في ضهرك، وما يظنش إن بسفر خالد ابني هيلاقي فرصته بقى عليكي، أنا مكسحة آه، لكن عندي حنجرة صوت توصل لمدينة العلمين، هو فاكريني هاينة ولا إيه؟ اهتز جسد زهرة بالضحك مرة أخرى مرددة: "للعلمين! دا انتِ جامدة أوي بقى يارقية." "أوي أوي." تمتمت بها رقية وهي تقبل رأس حفيدتها التي انتفضت فجأة منتزعة نفسها منها وسألت: "صحيح هو أبويا عرف منين إنّي قبضت النهارده؟

لوت رقية شفتها بزاوية قائلة بحنق: "تفتكري هايكون مين يعني يا أم العريف، أكيد من إحسان اللي بنتها شغالة معاكي." استوعبت قليلاً قبل أن تتنهد قائلة بإحباط: "عندك حق، بس أنا هالوم على غادة ليه؟ ماهو أكيد طلب فلوس من عمتي وهي قالتله بحسن نية." رددت خلفها رقية باستهاز: "بحسن نية! والنبي دا انتِ اللي طيبة وعلى نيتك." أومأت زهرة ترمي رأسها لتستلقي بحجر جدتها:

"طيبة ولا وحشة، هو أصلًا كان يوم غريب من أوله النهاردة، كله عياط وحرقة دم، رغم الخروجة الحلوة مع البنات." "ليه يابت؟ هو إيه اللي حصل؟ سألت رقية بفضول فجاوبتها زهرة: "هاحكيلك ياستي، بس احنا مش المفروض نقوم بقى؟ الأرض باردة عليكي." ردت رقية بلهفة أثارت ابتسامة بوجه زهرة: "ياختي ولا برد ولا حاجة، احكي الأول وبعد كدة نقوم." .....................................

وفي مكانٍ آخر بداخل منزل كبير تحاوطه الأشجار الكبيرة بكثافة، تدلت أغصانها على السور الخارجي، الذي انتشر جمع من الحراس الأشداء على أطرافه، فلا يجرؤ أحد غير معلوم للقرب منه إلا بإذن مسبق. كان بصالة الألعاب الرياضية الكبيرة أسفل المنزل، يتساقط العرق على جبهته وصدره بكثافة وهو يركض بسرعة على جهاز الممشى وكأنه في حلبة سباق ويريد الفوز.

صوت انفاسه الهادرة كانت مسموعة، توشك أن تنقطع من فرط إصراره في إفراغ طاقة الغضب المستعرة كحمم البركان بداخله. لا يدري متى تنطفئ؟ وقد تعقدت فرص الحل؛ حتى أصبح الخلاص هو المعجزة بحد ذاتها! أجفل فجأة على صرخة نسائية دوت بمحيط صالة الألعاب هاتفة باسمه: "كفاية بقى يا جاسر، هاتموت نفسك." وكأنه لم يستمع، مستمر بركضه وعيناه نحوها لم تحيد حتى صرخت بصوتٍ أعلى: "بقولك كفاية بقى، انت مابتسمعش؟

أذعن أخيراً يبطئ من سرعة الجهاز حتى أوقفه، ثم حرك جسده يبتعد بصعوبة وصوت لهاث أنفاسه يصدر بحدة. رفع رأسه أخيراً ليواجه بأعين خضراء قاتمة بلونها، تبرق بالغضب وهي تتقدم نحوه حتى لكزته بقبضتها على كتفه العاري: "انت مجنون، مش خايف لا قلبك يقف وتموت فيها؟ إيه يابني؟ هي دي برضوا عمايل ناس عاقلين؟ استقام بجسده يتناول المنشفة يجفف بها العرق المتساقط منه، تجاهلها بصمت. وما أن تحرك ليذهب، استوقفته تجذبه من ذراعه هاتفة بغضب:

"سايبني وماشي على طول من غير كلام، هو أنا مش بكلمك يابني انتِ؟ تبسم قائلاً بهدوء، عكس العاصفة الهوجاء الدائرة بداخله: "نعم ياماما، عايزة إيه؟ "عايزة أعرف الغضب اللي جواك ده من إيه؟ اتكلم وقول خليني أسمع منك، بدل الحيرة اللي تاعبة قلبي فيها دي." سألت والدته، فتصنع هو التفكير مضيقاً عيناه بتركيز: "عايزة تعرفي إيه سبب الغضب اللي جوايا؟

أممم يكونش يعني عشان بنت أخوكي بتسافر وتخرج مع أصحابها رجالة وستات من غير ما تقوللي، ولا يمكن عشان دايرة على حل شعرها في السهر مع ناس تعرفها وناس ماتعرفهاش من غير ما تراعي هي بنت مين ولا مرات مين؟ شدد على كلماته الأخيرة. سألته هي: "طب ولما انت مضايق أوي من عمايلها كده، ماتوقفها وتواجهها، بدل ما انت وهي كده كل واحد في عالم لوحده ولا كأنكم متجوزين." ضيق عيناه سائلاً هو الآخر: "أقولها إيه؟

"قولها على اللي مضايقك، حلو مشاكلكم دي مع بعض، بلاش حالة الجمود اللي مسيطرة على علاقتكم دي." اهتزت كتفاه ومط شفتيه مردفًا بعدم اكتراث: "بس أنا مش مهتم أتكلم معاها ولا هاممني حتى حالة الجمود اللي بتقولي عليها دي." تسمرت تنظر إليه بعدم فهم. فتحرك هو مغادرًا ولكنه توقف على ندائها فجأة: "طب ولما انت مش هامك التفاهم ولا الصلح معاها، شحنة الغضب اللي جواك دي بقى، سببها إيه؟ استدار إليها بملامح قاتمة، ضاغطاً بقبضة يده، يجز

على أسنانه ليجيبها بعنف: "إنها على ذمتي؟! ١............................... في اليوم التالي. على مكتبها الصغير كانت منكفئة على الحاسوب أمامها تعمل عليه بتركيز داخل الحجرة الكبيرة الخالية إلا منها، بعد أن صعد مديرها وكل طاقم المكتب إلى الطابق الرابع، للمشاركة في الاحتفال الصغير بتولي جاسر الريان مسؤولية قيادة الشركة الأم لمجموعة الريان خلفاً لأبيه. الذي صرف لجميع موظفي الشركة مكافأة وأعطى لهم إجازة نصف يوم.

احتفاءً، ولكي يتعرفوا على القائد الجديد للشركة. انتبهت على صوت هاتفها الذي كان يصدح بورود مكالمة من غادة التي فتحت ترد عليها بتأفف: "أيوه ياغادة عايزة إيه تاني؟ ماقولتلك يابنتي مش طالعة." وصلها صوت غادة المتحمس: "ليه بس يامنيلة؟ دي الدنيا هنا بتشغي بالموظفين، وبيوزعوا جاتوه وحاجات حلوة كده وغريبة، في حياتك ماشوفتيها ولا هاتشوفيها يافقر." "ما انتِ قلتي فقر." همست بها وتابعت بحزن:

"والنبي بس حاولي ماتتأخريش عشان نمشي بدري." "ونمشى بدري ليه من الأساس دا انت.... وصلت إلى أسماعها من غادة هاتفة بحنق، قبل أن تنقطع كلماتها وتتولى كاميليا الباقي. "أيوه يازهرة، اطلعي يابنتي وبلاش اللي في دماغك ده، هو انت زهقتيش من الشغل ولا نفسك تفكي شوية." جاوبت، وعيناها تدور في أركان المكتب الخالي: "هو مش زهق قد ماهو خوف، أصل المكتب فاضي خالص من الموظفين، كلهم سابوني يا كاميليا وطلعوا عندك."

"يخرب عقلك ياشيخة، اخلصي وتعالي يالا زهرة، وبلاش شغل العيال بتاعك ده، هو عفريت يابنتي ها ياكلك." بعد قليل صعدت زهرة مضطرة تحت إصرار الفتيات، لتنضم إلى جمع العمال والموظفين المجتمعين للاحتفاء بالرئيس الجديد لشركتهم. ارتخت أعصابها المشدودة قليلاً، حينما اختلطت في الزحام، فالردهة الواسعة للشركة والتي تضم العدد الأكبر لمكاتب الموظفين، كانت ممتلئة عن آخرها بالمهنئين.

بعد أن قدم الرجل الكبير خليفته في الرئاسة ووزعت الحلوى والمشروبات الغازية. شعرت زهرة بالخوف حينما رأته بجوار أبيه ومجموعة من رؤساء الأقسام ومعهم مديرها، يتحدثون ببعض التبسط لظرف المناسبة. سرعت بخطواتها حتى وجدت كاميليا مع إحدى الزميلات تضحك وتتسامر معها. رأتها هي الأخرى فاستأذنت من الفتاة وتقدمت إليها بابتسامة واسعة وأنيقة مثلها: "أخيراً جيتي يابنتي دا أنا خوفت لا ترجعي في رأيك وبرضوا ماتجيش." قالت زهرة بتردد:

"انتِ بتقولي فيها؟ والنبي دا أنا على آخر لحظة قبل ما أطلع الأسانسير كنت هاغير رأيي وأمشي على الشارع." "ياجبانة!! طب والله تعمليها." شاكستها كاميليا ضاحكة. أومأت زهرة برأسها موافقة بابتسامة قبل أن تسألها: "هي البت غادة فين صح؟ مش شايفة ها يعني."

أشارت لها بعينيها نحو زاوية قريبة من جاسر الريان ومجموعته، كانت تقف بها غادة هناك، وقد عدلت من هيئتها وزادت من مساحيق وجهها كي تلفت إليها الأنظار وتشارك مع الفتيات في توزيع الحلوى والمشروبات. فغرت زهرة فاهاها وعادت لكاميليا هامسة بدهشة: "هي عاملة كده ليه؟ أجابتها كاميليا بابتسامة ماكرة: "باينها فاكراه فرح بلدي وعايزة تظهر في الكاميرا لما تقرب من الكوشة والعرسان."

استجابت زهرة لمزحة كاميليا ضاحكة، وهي تغطي بكفها على فمها باستحياء. لتندمج بعد ذلك في الحديث المرح معها وتنسى ما كان يخيفها، وما كان يقلقها في الصعود. وفي الناحية الأخرى كان يتحدث ويتلقى التحية على مضض بداخله، بعد أن فاجأه أبيه بهذه الفعلة، بحجة زرع المودة بينه وبين الموظفين. يبتسم بتكلف ومجاملة، مراعاةً لشعور أبيه، فكم هي ثقيلة عليه المناسبات الاجتماعية وتملق الناس إليه.

كان يحتسب الثواني والدقائق حتى يصرفهم وينتهي من هذه المهزلة. حتى وقعت عيناه عليها بالصدفة، واقفة في آخر الردهة تتحدث وتتسامر مع كاميليا، بفستان واسع كالأمس، ولكن هذه المرة بألوان مفرحة وجميلة وليس باهت كالأمس. حجابها الطويل بلونه الوردي انعكس على صفاء بشرتها الرباني مع ابتسامتها الساحرة التي فاجأته بروعتها. أسرت عيناه نحوها، حتى أصبح يومئ برأسه لمن يتحدث إليه دون انتباه.

لا يعلم سر هذه الهالة الغريبة التي تحاوط هذه الفتاة وتجذبه إليها، وبلفتة نادراً ما تصدر عنه، وجده نفسه دون أن يدري يشملها بنظرة رجولية خالصة؛ أنبأته بما قد يخفى على الجميع إلا عنه؛ كرجلٍ اختبر ورأى من أصناف النساء الكثير. طالت نظرته حتى شرد بها، وتذكر لقاءه بالأمس معها، حياءها الشديد وحشمتها النادر ما يجدها في فتيات هذا العصر. نسي الزمان والظرف وكل ما حوله، فاحتلت جميع تفكيره في هذه اللحظة، فخرج اسمها من بين

شفتيه وكأنه يخاطب نفسه: "زهرة!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...