منورة يا إحسان بعد غيبة يا أختي. بقالك ست شهور ما حدش شافك، ولا عتبتي البيت. ضړبت إحسان بكفها المنفرجة الأصابع على صدرها: يوه، يقطعني. هما كملوا ست شهور؟ يالهوي عليا وعلى الوقت اللي بيجري بسرعة. بس يكون في علمك يا مرات عمي، والنبي أنا ما ليا ذنب. المدعوق جوزي هو السبب. من ساعة ما خرج على المعاش وهو قاعدلي في البيت كده زي قرد. شيلي، حطي، اعملي شاي، حضريلي غدا. يا أختي، لما طفشني في عيشتي. الله يجازيه.
ضحكت ساخرة رقية تقول: حتى دي بتشيليها لجوزك يا إحسان؟ هو المنيل ده لسه برضه على حاله؟ أخفت إحسان غيظها من رقية ولسانها السليط، واتجهت لزهرة تسألها: ها بقى يا روح عمتك، حددتوا إمتى ميعاد الفرح؟ لا لسه طبعًا ما حددناش حاجة. ردت زهرة. فجذبتها غادة من الناحية الأخرى تسألها: طب ما قالكيش هايجيب لك إيه؟ سألتها زهرة بعدم فهم: بيجيب لي إيه بالظبط؟ مش فاهمة. شهقت غادة مرددة:
يا هبلة، يعني ما قالكيش إن كان هايسكنك في فيلا ولا شقة عادية؟ والشبكة بقى هاتكون دهب عادي كده ولا حاجة تانية من اللي بنسمع عنهم؟ وشغلك صحيح، هاتكملي ولا تسيبيه؟ أقول لك أحسن، سبيه. بلاش شغل، بلاش قرف. واسكني يا حبيبتي كده في حتة كويسة وعيشيليك هانم بومين. يومين! تفوهت بها زهرة بعدم فهم، قبل أن تتفاجأ بهتاف جدتها الحازم: زهرة، قومي يابت اعملي عصير ولا أي حاجة لعمتك ولا بنتها. نهضت زهرة مذعنة لأمر جدتها، التي التفتت
للاثنتين بوجه محتقن تقول: منورين. رددن خلفها بارتباك من هيئتها: دا نورك أنت. ربنا يخليك. ***
على كرسي قهوته كان يدخن بشيشته، وعيناه على مدخل البناية التي تقطنها. ينفث دخانًا من أنفه، خارجًا من أعماق نيرانه في الداخل. لا يصدق ما حدث بعد أن شعر باقتراب حلمه بالوصول إليها بعد سنين طوال. كانت بالنسبة إليها كالمحرمات بفضل هذا المتعجرف خالد، الذي كان يطوقها بحماية مبالغ فيها. عقله لا يزال لا يستوعب. بداخله يساوره الشك أن تكون لعبة من محروس، والذي خرج منذ قليل متبخترًا بزهو.
رمقه بنظرة متعالية، هذا التافه الذي كان ينتفض من مجرد النظر إليه. حتى مزاجه الذي كان يتحكم به أصبح الآن يتصرف من جهة أخرى. غير رجاله. تمتم بسبة وقحة عليه، قبل أن يلتفت لهذه السيارة السوداء التي توقفت بجوار بنايتها، وترجل منها رجل ضخم بحلة سوداء محملاً بالعديد من الأكياس والعلب المغلفة، والتي تبدو كهدايا. غمغم بحنق مرددًا: هي الحكاية جد حقيقي ولا إيه؟ ***
وفي الأعلى، كانت زهرة ما تزال في المطبخ تجهز لهن العصير، حينما صدح صوت الجرس القديم المزعج. فانتفضت غادة متحججة بفتح الباب كي تهرب من نظرات رقية التي توجهها بحدة نحوها هي ووالدتها، التي تعرقت مرتبكة من ردود رقية الجافة معها في الحديث، بالإضافة لتعليقاتها اللاذعة على الدوام. أيوه، أيوه يا اللي بترن الجرس. تفوهت بها قبل أن تصل إلى الباب لتفتحه، فتفاجأت بهذا الغليظ وابتسامة عريضة بوجهه أظهرت أسنانه البيضاء، مرددًا لها:
دا إيه الصدف اللي زي العسل دي؟ تصدقي بالله أنا كذبت وداني لما سمعت صوتك. تأففت تضرب بكفها على إطار الباب: قال ياقاعدين يكفيكم شر الجايين. هو أنا أخلص من خلقتك في الشركة عشان أجي ألاقيك هنا في وشي؟ رد ببرود: بس إيه رأيك بجد، أنت مش شايفة إن الطرق بتاعتنا دايما موصلة لبعض؟ زفرت مرة أخرى تهتف بحدة: فيه إيه يا جدع أنت؟ ما تظبط كده واوزن كلامك، لاحسن وديني لأكون ألمه عليك أهل الحارة كلهم. فيه إيه يا بت؟
عندك وبتتخانقي مع مين؟ أتى الصوت من الداخل. استدرك نفسه إمام منعًا للمشاكل، فانحنى بسرعة يتناول الهدايا، مرددًا بجدية وصوت عالٍ غاب عنه الهزل: أنا كنت عايز الآنسة زهرة. ممكن تروحي تندهيها؟ زاغت عيناها نحو العلب المغلفة والأكياس المدون عليها أسماء الماركات الفاخرة. مدت ذراعيها لتتناولهما بلهفة مرددة: هاتهم وأنا هادخلهم لها. ارتد بأقدامه للخلف مبتعدًا عنها يقول بلهجة رسمية: آسف يا آنسة، لازم أوصلهم لزهرة هانم بنفسها.
زهرة هانم! رددت بها جازة على أسنانها، قبل أن تهتف للداخل بصوت عالٍ: يا زهرة، تعالي شوفي اللي جايلك يا زهرة. أتت على النداء مجفلة، لتجد إمام الذي تقدم نحوها يعطيه الأكياس والعلب المغلفة بالتناوب، وهو يقول لها: اتفضلي يا هانم. جاسر بيه باعتهم ووصاني أسلمهم لك في إيدك. تناولتهم زهرة مرتبكة، ولكنها لم تغفل عن شكره ودعوته للضيافة: متشكرة قوي يا إمام. تعالي، طب اتفضل معانا. أومأ لها إمام يرد بلطف:
الف شكر لذوقك يا هانم. معلش بقى، أنا يدوب ألحق أروح مع عبده. سلام بقى يا بنت الأصول. قال الأخيرة بمغزى نحو غادة، التي بمجرد انصرافه أغلقت الباب على الفور، تختطف الأشياء من زهرة دون استئذان وهي تهرول للداخل: تعالي جوا نشوف فيهم إيه. دلفت خلفها زهرة بيأس من أسلوبها. والأخرى بمجرد وصولها إلى وسط صالة أمام والدتها ورقية، التي سألتها: إيه اللي جايباه وداخلة بيه دا يابت؟
بحركة سريعة التفتت برأسها إليها دون الرد، وهي تتناول أول شيء خرج بيدها من أحد الأكياس ل تشهق منبهرة: يالهوي ياما عالجمال دا. نفس الدريس اللي شوفته امبارح عالفاشينستا اللي متابعاها على الفيس وهي لابساها. فيشة إيه يابت؟ هتفت بها رقية نحوها، فتجاهلتها كالمرة السابقة، تفتش في باقي الأشياء. وقد انضمت إليها والدتها وهي تصرخ بعدم سيطرة: يالهوي ياما عالجزمة! ولا المكياج؟ دول كلهم ماركة أجنبي.
هتفت بالأخيرة نحو زهرة، التي تسمرت محلها تشاهد صامتة. فصاحت رقية غاضبة: فيه إيه يامنيلة أنت وهي؟ ما تفهموني. أجابتها زهرة بخجل: دول الحاجات اللي بعتها جاسر ياستي. ارتفعت إليها أنظار غادة بنظرة نارية، قبل أن تتدارك نفسها وقد انتبهت للنظرة المحذرة من والدتها، لتفرد وجهها. ولما هو كده، مش ما تيجيبي خليني أشوفهم. صاحت بها رقية بصوت غاضب، جعل إحسان تنهض بالأكياس التي اختطفتها من غادة، التي على وشك الانفجار:
أهم يا مرات عمي، هو إحنا يعني هانسرقهم؟ دي البت بس بتتفرج عليهم. تناولتهم منها رقية سريعًا وهي تهتف على زهرة: قاعدة بتتفرجي على حاجتك زي الغريب؟ مش تقربي أنت كمان وتشوفي اللي جايبه عريسك يا خايبة. ردت زهرة بصوت خفيض محرجة من الهيئة الغريبة لغادة، التي ظلت محلها جالسة على الأرض: ماشي ياستي. هاشوفهم بس هي طارت يعني. قالت رقية غير مبالية: كده؟ طب خدي يا أختي حطيهم في أوضتك، وبعدين اتفرجي عليهم براحتك. همت لتعترض زهرة،
ولكن رقية لم تعطها فرصة: خدي يابت اخلصي. أذعنت زهرة تتناولهم رغم حرجها، حتى جفلت على هتاف غادة: إيه ده؟ دا في علبة صغيرة نسينا مانشوفها. نهضت سريعا لتخطفها من زهرة، وفتحت غلافها سريعا لتجد ورقة كبيرة ملتصقة فوقها: دي باينها علبة شيكولاتة، وباعت معاها جواب. اختطفت منها رقية الورقة قائلة بلؤم: بصي على العلبة وشوفيها بتاعة إيه يا غادة، لكن الورقة يا حبيبتي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!