الفصل 33 | من 40 فصل

رواية نادرة قلبي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
20
كلمة
3,496
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

عدى الوقت ببطء وهدوء مخيف. حسن اترحل للسجن، ونادرة ساكتة مش قادرة تتكلم مع حد ولا حتى بتعيط، هي ساكتة ودا مؤلم أكتر. كانت قاعدة في أوضتها. والدة حسن كانت في أوضة بحر وهي بتصلي وبتعيط بحرقة وقهر على ابنها اللي عمره هيضيع ظلم. سجدت لله وطولت جدًا في السجود في خلوة مع ربنا: =يارب أنت العدل يارب، ابني معملش حاجة يستاهل بيها أنه يضيع كده... دا بيحبك يارب بيحبك قوي، يارب نجيه... نجيه من اللي هو فيه...

نجيه علشان خاطر ابنه اللي لسه مجاش للدنيا ده. يارب أنت الحق ومترضاش بالظلم... قويه في حبسته وصبره عليها يارب وانصره... يارب انصره زي ما نصرت سيدنا يوسف ورديته لأهله. يارب رده لينا يارب. في أوضة نادرة، كانت قاعدة على السرير وهي حاسة بوجع... وجع! قليلة الكلمة دي على الفاجعة اللي قلبها حاسس بيها. قلعت السلسلة اللي كانت لابسها واللي كان حسن هاديها بيها وهم في أسوان، فتحتها تشوف المكتوب عليها:

"تشبهين الفراشات في سحرها، تأخذين من الزهور دلالها... سابتها على السرير وراحت فتحت الدولاب وأخذت منه البوكس اللي كانت بتجمع فيه الهدايا والذكريات اللي بينهم. حطيته على السرير باهتمام وقعدت تتفرج على كل حاجة كانت بينهم، وغصب عنها دموعها نزلت وهي بتمسك الورق اللي كان بيكتب لها فيه ملاحظات.

طلعت المصحف اللي ادهولها هدية في رمضان، حضنته وعيطت بقهر وكأنها كانت منتظرة اللحظة اللي تخرج فيها كل الكبت والوجع اللي جواها، شهقات عليت والدموع زادت، وشها احمر وحست بوجع أكبر لأن الجنين كان بيتحرك وكأنه بيضربها في بطنها. صرخت من الألم اللي حست بيه وهي مش قادرة توقف بكاء. جليلة فتحت الباب بسرعة وراحت ناحيتها بسرعة ولهفة: =مالك يا نادرة؟ اهدي بالله عليكي. انتي كده هتموتي نفسك يا حبيبتي اهدي. نادرة بحرقة

وهي بتحط ايدها على قلبها: =آآآه يارب آه... قلبي يا جليلة هيقف آه، يارب ارحمنا آه، وأنا اللي كنت فاكرة الدموع دي أقصى مرحلة في الوجع طلعت أبسط بكتير آآآه... يارب أنا مش قادرة استحمل المرة دي صعبة قوي يارب صعبة قوي. خمسة وعشرين سنة ليه؟ علشان طيب والطيب في البلد دي بينداس عليه... خمسة وعشرين سنة يعني يطلع من السجن يكون عمره راح هدر يارب. طب أنا هعمل إيه لوحدي وابنه هقوله إيه يارب أنا مش قد الوجع دا كله...

يارب لو هيفضل الحال كده خدني... خدني عندك يارب. جليلة عيطت وحضنتها وهي بتعيط بهستيريا وبتتكلم بدون وعي: =خدني يارب أنا مش قد الوجع ده كله... علشان يتولد يتيم أب وأم آآآه... آآآه. جليلة بتعب وبكاء: =بس يا بت متقوليش كده حرام عليكي اهدي حرام عليكي نفسك. دعاء دخلت الأوضة وهي بتمسح دموعها، راحت ناحيتها وحضنتها بقوة:

=هيرجع يا نادرة هيرجع علشان ربنا مبيرضاش بالظلم بس انتي اصبري واستحملي علشان لو خرج ومقالكيش هيموت في اللحظة ألف مرة... علشان بيحبك قوي بيحبك قوي يا بنتي من زمان قوي. أنا لما كنت بشوف لمعة عيونه لو عديتي قدامنا في الشارع كنت أبقى عارفة أنه هيموت عليكي، كنت بدعي كل يوم تبقي من نصيبه علشان هو طيب. ودلوقتي أنا عندي ثقة في ربنا أنه هيخرج بس لازم تجمدي علشانه وعلشانك وعلشان ابنكم يا بنتي... نادرة بقهر وهي بتعيط بهستيريا:

=مش قادرة يا ماما مش قادرة حاسة بروحي بتطلع، مكنتش أعرف إن الوجع بيكون كده مكنتش أعرف طعم الوجع. قهرة قلبي دلوقتي مش قادرة أتحملها. والله العظيم ما قادرة. جليلة بحزن: =نادرة أنتي ماكلتيش أي حاجة بقالك كتير ودا غلط عليكي والدكتورة قالت إن كده مينفعش لازم تاكلي. نادرة بتعب: =أنا مش عايزة حاجة سيبوني في حالي... سيبوني أنا عايزة أفضل لوحدي. دعاء بحزم وخوف مخفي: =لا مش هنسيبك...

جليلة هاتيلها كوباية عصير مدام مش عايزة تاكل دلوقتي بس الوضع ده مش هيستمر كتير وهتبقي كويسة. جليلة قامت ودخلت المطبخ بحزن، رجعت بعد شوية ومعها كوباية عصير... نادرة ماخدتش منها غير حاجة بسيطة. دعاء: خلاص مش مهم يا حبيبتي نامي دلوقتي يا نادرة حاولي تنامي وإن شاء الله هتكوني بخير. ******************** في بيت زبيدة أخت جليلة.

نوال كانت قاعدة في الصالة وبتفكر في اللي عملته في نادرة والحكم اللي حسن أخده، من مدة بسيطة نوال اتطلقت بسبب المشاكل الكتير اللي كانت بينهم واتوقفت عن العمل فترة مؤقتة بسبب غلطة عملتها علشان كده رجعت بيت أبوها. افتكرت لما راحت للدجال علشان يعمل عمل لنادرة يخليها تتطلق وتعيش باقي حياتها في قهر ومشاكل، لكن محصلش حاجة ونادرة وحسن قدروا يتغلبوا على المحنة بذكرهم لله.

فات حوالي ست شهور، في الأول كانت منتظرة خبر طلاقهم لكن وقتها لاحظت إن نادرة بقت عصبية لكن بعد مدة رجعت تاني لطبيعتها وحياتهم استمرت بسعادة. وقتها قررت تروح تاني للدجال ده لكن قالها أنه ميقدرش يعمل ليهم حاجة ومحدش هيقدر يعمل حاجة لاتنين مواظبين على قراءة القرآن الكريم. والحقيقة اللي الدجال مقدرش يقولها إن إرادة ربنا فوق كل الإنس والجن وكل المخلوقات. وإن السحر اتقلب عليها هي وحياتها هي اللي باظت... اتطلقت وشغلها باظ.

فاقت من شرودها على صوت أمها وهي خارجة من أوضتها بنوم: =قاعدة كده ليه يا نوال... غريبة. نوال: بفكر يا ماما... بفكر في اللي حصل امبارح. معقول جوزها كان بيتاجر في المخدرات؟ زبيدة بطيبة: =لا طبعًا... أنا أعرف حسن ده شاب ابن حلال ربنا يفك كربه يارب لأجل البت الغلبانة دي هي واللي في بطنها... نوال بغيرة: =بتحبي نادرة أنتي قوي يا ماما؟ زبيدة بابتسامة: =وهي متتحبش مثلًا؟

نادرة طيبة وبنت حلال هي آه أحيانًا بتكون متهورة لكن طيبة قوي يا نوال. نوال: =بس انتي طول عمرك بتحبيها حتى أكتر مني؟ مش كده. زبيدة باستغراب: قصدك إيه يا بنتي هو معقول أحب حد أكتر منك ده أنتي حتة مني. نوال بسخرية: فعلًا علشان كده طول الوقت بتقللوا مني صح. زبيدة: أنتي بتقولي إيه أنا قللت منك... أستغفر الله العظيم. نوال: =أنا مفيش حد آذاني غيركم أنتي يا ماما آذتيني وكرهتيني في كل الناس.

طول عمرك بتقوليلي اعملي ده بلاش ده. طول عمرك بتقارنيني بكل البنات اللي بتشوفيه. كنت بتقارنيني ببنت عمي اللي دخلت كلية قمة وأنا لا. قارنتي بيني وبين نادرة فاكرة كنتي بتقولي إيه: شوفي الجمال والروح الحلوة والضحكة اللي توقع الواحد في حبها مش زيك بومة. أنا طول عمري عايشة في مقارنة مع الناس اللي حواليا بسببك يا ماما. بسببك أنتي... زبيدة بحزن: =بس أنا كنت ببقى عايزة مصلحتك مش عايزة أذيتك.

نوال: مش بالزعيق والصوت العالي وكسر القلب قدام الغرب. رغم إن نادرة عمرها ما آذتني بكلمة لكن آذتني بدلالها وضحكها وسعادتها كنت بفتكر كلامك دايمًا وبكرهها أكتر. عارفة أنا كرهتها لأي درجة... لدرجة إني روحت لواحد دجال علشان يعملها عمل يخليها تتطلق وتتمرمط وجوزها ده يكرهها رغم أنه ما آذانيش في حاجة. بس حتى الدجال معرفش يعمل لها أي حاجة. وأنا اللي حياتي باظت واتطلقت واتوقفت عن شغلي. زبيدة بصدمة: =دجال إيه؟

أنتي يا متعلمة روحتي لساحر أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أنتي عندك الجبروت ده بجد للدرجة دي؟ نوال قعدت على الكرسي وعيطت بحرقة: =أنا تعبت قوي... أنا تعبت، تعبت من المقارنة، تعبت من كلامك اللي بيتردد في ودني لحد دلوقتي. أنا أذيت اللي حواليا، وأذيت نفسي وظلمتها قوي.

زبيدة ما كانتش عارفة تعمل إيه. لو زعقت واتعاملت بقوة هتخسرها وهتخليها تعاند وتكابر وتكمل في طريقها الغلط. هي ما كانتش تقصد مقارنتها بغيرها، بس كانت عايزاها تبقى أحسن من غيرها، لكن للأسف... اتكلمت بهدوء وهي بتعيط: قومي يا بنتي ادخلي اتوضي وصلي. ارجعي لربنا قبل ما الوقت يفوت وتندمي. قومي بدل ما الكره اللي جواكي دا يحرقك. ربنا عادل، واللي أنتِ نويتيه لغيرك حصلك أنتِ. هتتعلمي إمتى من الدرس؟ قومي.

سابتها ودخلت أوضتها وهي حزينة. *** في مكتب مينا، كان عامر ومينا وإسلام قاعدين وبيفكروا في طريقة يخرجوا بيها حسن. مينا: لو طلبنا استئناف ومش معانا أي دليل على براءته مش هنقدر نطلعه ولا الحكم هيتغير. إسلام بعشوائية: طب ما نجيب الراجل اللي أنت بتقول عليه دا اللي اسمه طه وابنه ونديهم علقة موت لحد ما يجيبوا اللي في بطنهم. عامر باعتراض: طبعًا مينفعش، أنت بتقول إيه؟ ناس زي دي مأمنين نفسهم والكلام دا مينفعش معاهم.

مينا بص للساعة، كانت واحدة بعد نص الليل. بص للشباب، كان باين عليهم الإرهاق؛ لأن كلهم من الصبح بدري كانوا مع مينا وفي المحكمة. مينا بإرهاق: أنا شايف إن الوقت دلوقتي اتأخر ومفيش أي حاجة هنقدر نعملها. لازم نريح شوية علشان نعرف نفكر. عامر: بس أنا مش ههدأ لما حسن يخرج منها يا مينا. مينا:

وأنا كمان يا عامر؛ لأنه دخل في الليلة دي بسبب موضوع المراكب. إحنا لو قدرنا نثبت إنه هو اللي دس المخدرات لحسن هتتحل، وخصوصًا لإن الدافع موجود، وهو إن حسن قدر يخلي عرفة يوصلنا للواء كمال. إسلام: عدم المؤاخذة، هو ممكن نقدم للمحكمة الكلام دا ونخلي اللي اسمه عرفة يعترف إنه كان متفق مع طه إنهم ياخدوا الصفقة بربع التمن، ولما حسن طيرها من إيده عمل كدا علشان ينتقم منه؟ مينا:

لا طبعًا يا إسلام مينفعش؛ لإن عرفة لا يمكن يروح للمحكمة ويقول إن طه كان متفق معه إنهم يقلبوا اللواء كمال في تمن المراكب. وبعدين هيقول إيه؟ إن حسن كان بيبتزه بالتسجيلات وصور تفضحه؟ مستحيل طبعًا. وخصوصًا إن حسن مش معاه ولا نسخة من التسجيلات، يعني دلوقتي عرفة مش هيقول كلمة تأذي سمعته. إذا كان هو أصلًا وافق يوصلنا للواء كمال علشان سمعته اللي ممكن تبقى في الأرض لو الحاجات دي طلعت. عامر بتنهيدة: أنا تعبت من التفكير. مينا:

علشان كدا بقولك خلينا نريح شوية، وأنا هاخد إذن بالزيارة لحسن، لازم أتكلم معه. أنا متأكد إنه أول ما يفكر في حل هيلقيه. يلا يا عامر قوم أنت دلوقتي روح، وأنا كمان همشي وخلينا نتقابل تاني لو وصلنا لحاجة. عامر وإسلام قاموا مشيوا، ومينا قفل المكتب وخرج وراهم. *** تاني يوم العصر، سمارة كانت عند نادرة. نادرة خرجت من أوضتها، سمارة أول ما شافتها راحت عندها وحضنتها. سمارة: شد وهتزول يا نادرة متقلقيش.

نادرة بجدية وتعب باين في عيونها الحمراء وملامحها الباكية: اتفضلي. سمارة قعدت ونادرة قدامها. سمارة بحرج: عارفة إنك مستغربة وجودي ومستغربة إن الراقصة تجيلك أنتِ يا بنت الحج موسى، بس مقدرتش أسيبك في المحنة دي. نادرة بود: أنا مش مستغربة ولا حاجة؛ لإن متأكدة إن حسن يستاهل إن الكل يحبوه. وموضوع الرقص دا فأنا عارفة إنك سبتي الكباريه من يجي سنة. وبعدين أنا مش ربنا علشان أحاسبك. مجيئك على راسي يا سمارة. سمارة بابتسامة:

تعرفي أنا حاسة إن الموضوع هينتهي والله وحسن هيرجع، بس لازم تخلي بالك على نفسك. أقولك حاجة يا نادرة؟

أنا كنت بحب حسن، واتمنيت لو أنا مكانك. حبيته لما شفت جدعنته وطيبته لما ساعدني وجابلي شغل وخلاني أعيش بني آدمة تانية. بس مع الوقت عرفت إن حسن لنادرة ونادرة لحسن. بس دلوقتي عرفت إن ربنا رحمني لما ما كانش لينا نصيب سوا؛ لإن ما كنتش هقدر أستحمل الوجع دا كله بعد ما أكون معاه وأشوف حياته كلها وأعرف معنى الحياة، علشان كدا حاسة بوجعك. نادرة بحزن:

محدش هيحس بيه يا سمارة، محدش هيحس بالوجع دا؛ لإنه بيكويني أنا. متخيلة إن أبو ابنك يضيع فجأة؟ حبيبك يروح منك من غير ما تحسي؟ يروح ظلم؟ سيبيني ساكتة يا سمارة. عارفة لو في وقت تاني وواحدة جت تقولي أنا بحب حسن كنت جبتها من شعرها، بس دلوقتي معنديش لا طاقة ولا القوة اللي تخليني أتعصب حتى. تشربي إيه يا سمارة؟ سمارة بحزن: ولا حاجة، تسلمي. أنا همشي دلوقتي بس هرجع تاني، وإن شاء الله يطلع منها بالسلامة. نادرة: يارب. سمارة:

بالإذن أنا، مع السلامة. نادرة: سلام. *** في السجن، حسن خرج من الزنزانة وطلع لحوش السجن، كان معظم المساجين فيه. بص للوجوه اللي حواليه. قعد في جنب وهو بيفكر إزاي يخرج من المكان دا. وفي نفس الوقت عايز يطمن عليهم، حاسس إنه هيتجنن من التفكير في الموضوع. سند على الحيطة اللي وراه وغمض عينيه. جيه ناحيته واحد وهو بيدخن، قعد جنب حسن. الشخص:

ما كنتش مصدق لما عرفت إن في ضحية جديدة لعيلة الأسيوطي هتشرف في السجن، لا وفي نفس السجن اللي أنا فيه. حسن اتعدل وبصله، كان شاب باين في منتصف الثلاثينات لكن شكله عادي جدًا. حسن: أنت مين؟ الشخص: سليمان يسري، وأنت حسن الصياد. جيت هنا في قضية مخدرات وهتقضي باقي عمرك هنا. حسن: إيه علاقتك لعيلة الأسيوطي وعملوا معاك إيه؟ سليمان:

كنت محاسب في شركات الأسيوطي من أربع سنين، بس منها لله اللي اسمها رحاب. رحاب كانت بتلعب في الورق والحسابات لنفسها من ورا طه، ولما أنا عرفت روحت بلغت مدير أعمال طه الأسيوطي، لكن هو كان متفق معها ولبستني قضية اختلاس وأخدت فيها خمس سنين، ودي السنة التانية ليا هنا. حسن بسخرية: وأنت سكت؟ سليمان بابتسامة:

زي ما أنت هتسكت يا حسن. أصل أنا وأنت مش قد طه. أنا سمعت إنك وقفت لطه في صفقة كان هيكسب فيها كتير، علشان كدا جابك هنا. على العموم أنا ممكن أساعدك جوه السجن. حسن: وهتساعدني بإيه إن شاء الله؟ كنت ساعدت نفسك. سليمان: ماشي بس أنا كنت حابب أساعد. حسن بجدية: تشكر يا عم، ساعد نفسك أنت الأول وسيبني في حالي؛ علشان أنا على آخري وممكن أتهور عليك دلوقتي. سليمان:

أنا كمان كنت كدا أول ما جيت، بس وماله. ولو احتجت أي حاجة أنا في نفس العنبر. سليمان قام سابه وهو حس بالغضب أكتر إن شر العيلة دي ما طالوش لوحده. بعد مرور أسبوعين "في يوم الزيارة"، نادرة خرجت من أوضتها وهي بتحط الدبوس في الحجاب. دعاء: يا بنتي ما تخليكي، أنتِ أصلًا مفروض تتحجزي في المستشفى اليومين دول، الدكتورة بتقول إنك قربتي قوي. نادرة بإحساس بالوجع:

لا أنا لازم أكون معاكم، أنا كويسة الحمد لله، وإن شاء الله مش هولد اليومين دول. بس كدا كل حاجة جاهزة له. جليلة: أيوه أنا حطيت كل حاجة متقلقيش. نادرة: خلينا ننزل علشان نلحق نروح له، مش بابا تحت؟ تبارك بحزن: آه تحت، بس أنتِ شكلك تعبانة قوي. نادرة بضيق: قلتلكم مش تعبانة، أنا كويسة، خلينا بس ننزل. تبارك مسكت إيدها ونزلوا سوا هي ودعاء.

في السجن، حسن وسليمان كانوا بيتكلموا، قدروا يتأقلموا سوا في الفترة اللي فاتت، وحسن بقى أهدأ وبيحاول يعرف من سليمان كل معلومة عن شركة الأسيوطي واللي بيحصل جواها. سليمان: مالك يا حسن متوتر ليه النهاردة؟ علشان ميعاد الزيارة يعني؟ حسن: أكيد، هو أنت مش مستني حد يجيلك ولا إيه؟ سليمان بحزن وسخرية:

لما دخلت السجن في الأول هدى كانت بتيجي تزورني لوحدها وما كانتش بترضى تجيب البنت معها، وبعد ست شهور كانت رفعت عليا قضية طلاق واتطلقنا، ومن ساعتها ما شفتش بنتي ولا حد بيجي يزورني. حسن ربت على كتفه بمواساة: إن شاء الله هتخرج من هنا وهترجع لبنتك. سليمان: إن شاء الله، بس هو أنت مين هيجيلك؟ حسن: أمي أكيد وتبارك و...

ما أعتقدش إن نادرة هتيجي، عارف المفروض إنها هتولد في الشهر دا وهي في نهاية التاسع، كان نفسي أبقى معها وأطمنها. سليمان: إن شاء الله خير يا حسن. قولي هي حامل في إيه؟ ولد ولا بنت؟ حسن بحزن: ولد. عدى الوقت وهو منتظر إن السجان ينادي اسمه إن في حد جيه يزوره، لحد ما فعلًا نادى اسمه وخرج بلهفة. لكن كان مصدوم إنها جت تزوره ما كانش متوقعها. والدته حضنته بقوة وهي بتعيط وتبارك كمان.

حسن بص لنادرة اللي كانت مبتسمة وكأنها بتقوله أنا معاك مهما حصل. حضنها وباس رأسها. حسن: إيه اللي جابك؟ أنتم إزاي توافقوا إنها تيجي؟ دعاء: أنا صوتي راح وأنا بقولها تفضل، لكن هي صممت تيجي. نادرة بلهفة: أنا كويسة يا حسن متقلقش. قولي أنت كويس؟ حسن: متقلقيش عليا أنا بخير الحمد لله. نادرة: بص يا سيدي، جليلة عملت لك الأكل اللي بتحبه أهو، كل كويس وبالله عليك يا حسن ما تزعلش وهون على نفسك وإن شاء الله هتعدي على خير.

حسن مسك إيدها بقوة وكأنه بيستمد منها الأمان. قعدوا كلهم يتكلموا. حسن: أخبار بحر إيه؟ تبارك: بخير الحمد لله، بس زعلت لإنها ما عرفتش تيجي معانا. قولنالها الزيارة الجاية أنا هفضل وأنتِ تيجي له. حسن: خلوا بالكم عليها. نادرة بتعب: ناوي على إيه يا حسن؟ حسن بتفكير: ناوي أولع فيهم يا نادرة. ناوي أخليهم يندموا، بس ما تشغليش بالك أنا بجهز لحاجة كدا. نادرة حطت إيدها على بطنها بوجع:

أبوس إيدك يا حسن بلاش تأذي نفسك، أبوس إيدك أنا مش حمل وجع والله العظيم مش حمل حاجة تانية. حسن حس بالحزن: ما تخافيش أنا بفكر إزاي هخرج من هنا. بس مش هسيب حقي يا نادرة، دا على جثتي. نادرة: المهم ما تأذيش نفسك وفكر فينا بالله عليك. حسن: أنا اللي تعبني يا نادرة إني مش بفكر غير فيكم. دعاء ربتت على كتفه باهتمام: متقلقش علينا يا حسن وخلي بالك على نفسك، إحنا بخير الحمد لله. عدى عشر دقايق تقريبًا. السجان: الزيارة انتهت.

الزيارة انتهت. سلموا عليه ونادرة ما كانتش عايزة تمشي لكن غصب عنها. حسن أخذ الزيارة ورجع العنبر بتاعه. ما كانش له نفس ياكل على قد ما كان حاسس بالحزن إنه شايفها بالحالة دي بتحاول تبتسم علشان ما يزعلش. سليمان قعد جنبه وهو بيواسيه: معلش يا حسن، هي الزيارة الأول بتكون صعبة قوي. حسن: أنا عمري ما جه على بالي يا سليمان إن دي تبقى آخرتها. سليمان: معلش هتعدي يا حسن. حسن بص له واتنهد وهو بيفتح الزيارة:

ياللا بسم الله خلينا ناكل لقمة سوا. سليمان: لا أنا مش جعان. حسن بمقاطعة: مد إيدك يا جدع، أنت معدتك ما وجعتكش من أكل السجن ولا إيه. سليمان ابتسم بسخرية ومد إيده ياكل معه: عارف أنا بقالي قد إيه ما أكلتش أكل بيتي يا حسن من زمان قوي، لدرجة إني كنت قربت أنسى طعم الأكل البيتي. حسن: هانت يا سليمان أنت كلها كام شهر وتخرج من هنا. سليمان دموعه نزلت غصب عنه: تفتكر لما أطلع هعمل إيه يا حسن؟

هقدر أشوف بنتي اللي اتحرمت منها ومستقبلي اللي ضاع؟ منهم لله. حسن بص للأكل وما عرفش يرد ولا عنده نفس للأكل، لكن لازم يستجمع قوته ويهدأ علشان يعرف يفكر. ****************** في نفس اليوم الساعة اثنين بالليل، نادرة كانت بتصرخ من الألم وهي حاسة بأعراض الولادة، ما كانتش قادرة تستحمل. جليلة وبحر قاموا بفزع وراحوا لها. نادرة كانت بتعيط بهستيرية وهي مش قادرة تتحمل الوجع. جليلة:

أنتِ بتولدي يا نادرة. أنا هكلم أبوك يجي يأخذنا المستشفى. عدى الوقت ونقلوها المستشفى وهي في عالم ثاني، كل صرخة كانت طالعة من قلبها اللي بيتقطع إن اللحظة دي هو مش معها. دخلت العمليات وبدأوا يعملوا اللازم لها. الممرضة خرجت من العمليات بسرعة. جليلة مسكت إيدها بسرعة: في إيه؟ الممرضة: ولدت الحمد لله بس فقدت الوعي شوية وهننقلها أوضتها وابنها نقلناه الحضانة. دعاء بخوف: حضانة ليه؟ دي في الشهر التاسع، ابنها ماله؟ الممرضة:

لازم نسيبه في الحضانة لحد بكرة أو بعده وإن شاء الله هيخرج. برا المستشفى، كان في شخص قاعد في العربية وهو بيتكلم في الموبايل: ولدت يا باشا وأنا عملت اللازم. طه بحدة: نفذ، عايزك تجيب لي الواد هنا من غير ما حد يحس، أنت متأكد إن الممرضة هتقدر تتصرف في طفل ميت ابن النهاردة؟ محسن: يا باشا عيب تسأل السؤال ده. أنت مش شغال مع عيال، الواد هيبقى عندك بعد ساعة بالكثير وكل حاجة متظبطة. طه بقسوة: ماشي يا محسن بس أنجز.

طه قفل الموبايل وبص لفريد ورحاب. فريد: يا بابا إيه دخل الولد ده في اللعبة دي؟ ده عيل ما لوش ذنب ليه نحرمه من أمه؟ طه بسخرية وحدة: أنت صعبان عليك الست نادرة ولا إيه؟ عندك حق أصلها لما تعرف إن ابنها مات وجوزها محبوس احتمال تموت فيها. فريد بحدة: وهم ذنبهم إيه؟ مشكلتنا مع حسن وهو خلاص في السجن يعني ما فيش منه خطر. طه:

ده بيتهيأ لك أنت بس. اللي زي حسن ده لا يمكن يفضل ساكت وراء القضبان، ولو حاول يعمل أي حركة كده ولا كده ساعتها ابنه معانا يبقى هو اللي جنى على نفسه. وبعدين ما تسترجِل كده. أنت فاكرة الثروة دي أنا عملتها بالساهل كده؟ لازم يبقى نابك أزرق واللي يخسرك جنيه تندم أمه وتخليه عبرة، مش على آخر الزمن واد ميكانيكي يخسرني أكثر من مائة مليون. رحاب: طب والواد ده هنعمل فيه إيه؟ طه بسخرية:

خلي الخدامة تراعيه لحد ما نشوف له أي صرفة. ولا نبعته فيلا الدقهلية. رحاب: أوكي. بعد ساعة ونصف في المستشفى، نادرة بدأت تفوق وهي حاسة بوجع، بصت لمرجانة اللي قاعدة جنبها: ألف حمد الله على السلامة يا حبيبتي. نغم: وبقيتي أم يا ست نادرة. نادرة بتعب وإرهاق: هو فين؟ مرجانة: أخذوه الحضانة وإن شاء الله بكرة الصبح هيطلع من هناك. نادرة: أنا عايزة أشوفه، عايزة أحضنه، هو شبه مين؟ أنا ولا حسن؟ مرجانة:

ما حدش شافه لأنهم نقلوه الحضانة قبل ما نشوفه، بس أكيد زي القمر ليكم أنتم الاثنين. الممرضة قالت إنه لازم يفضل في الحضانة وما ينفعش يطلع. نادرة بخوف وقلق: لا أنا عايزاه دلوقتي. هاتوا لي ابني يا نغم بالله عليكم هاتوه عايزة أشوفه وأحضنه. مع إصرار نادرة الممرضة راحت تجيبه لكن وقفت في الحضانة مصدومة إن الطفل ما فيهوش نبض وجسمه بارد جدًا. يا لهوي ده مات. أقول لهم إيه دي أمه هتتجنن عليه.

في فيلا الأسيوطي، فريد ورحاب كانوا بيبصوا للطفل اللي نايم، جميل جدًا وملامحه ناعمة كأنه ملاك، إيده صغيرة جدًا جدًا. رحاب: تفتكر لما حسن ونادرة يعرفوا إن ابنهم مات هيحصل إيه؟ فريد ما ردش وهو بيبص ليه. رحاب بفحيح أفعى: طب تخيل حسن يعرف إننا خطفنا ابنه وسجنناه وإن أبوك السبب في كل ده هيعمل إيه؟ احتمال يسلخ جلدنا بالحياة. فريد بلع ريقه بتوتر وهي ابتسمت بسخرية وخرجت من الأوضة. فريد لابن حسن: يا ترى أنت هيحصل فيك إيه؟

ويا ترى أبوك هيعرف يرجعك ولا أنت هتكبر وتدفنا كلنا؟ مسلسل عربي قوي تكبر إيه؟! ده لو أبويا ضمن إن أبوك ما يعملش حاجة هيرميك في الشارع وساعتها لا هتعرف لا أب ولا أم. وهم اللي ربوا بنت من الشارع ابنهم يبقى مرمي في الشارع. غريبة الدنيا!

في هذه الحياة يوجد أيضًا التعساء والمشردون. هؤلاء الذين يقدرون تلك النعمة التي لا تشعر بها أنت، هؤلاء الذين انتظروا كثيرًا، لأجل تلك اللحظة التي يبتسم لهم القدر. تلك الوردة ارتوت بالدماء حتى ذبلت أوراقها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...