صبيحة اليوم التالي، هلت الخادمة وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا بالكاد. لم تحضر بمفردها، كان بصحبتها فتاتان لا يقلان جمالًا عن كيت وينسلت أيام تايتانك. كان جسدهما فائرًا بطريقة استفزازية من النوع الذي تكتفي بالتحديق به دون أن تجرؤ على الاقتراب. عبرت بلا اهتمام، وراقني ذلك، فأنا أحب أن أبدو مهمشًا عندما أرغب. أشارت إلي الخادمة بيدها، وكنت حتى تلك اللحظة اكتفيت بالمراقبة. حملت الحقائب، تركتها فورًا بالطابق العلوي وغادرت لغرفتي. أخيرًا سأنعم بالسلام وأدخن الشيشة.
أخرجت الشيشة والتي كنت قد أخفيتها كسلاح محرم بين كومة الملابس القديمة التي أملكها. دخنت الشيشة باستمتاع حتى تضوعت الغرفة برائحة التبغ مما دفع الذباب للهرب، ورقدت على فراشي لقريب العصر.
كان علي أن أروي الحديقة، وهذا ما فعلته بالضبط. يحدث نادرًا أن أعرف ما يتوجب علي صنعه. كنت أروي الأشجار وأدللها كالأطفال، قريب البحر، على مقربة مني. ودون حياء أو أي إحساس بالحشمة مرت الفتاتان مع السيدة رزان بملابس البحر. فأدرت وجهي للناحية الأخرى حتى أبتلعهم البحر وأرقصتهم الأمواج. سمحت لنفسي بنظرة واحدة كما أعرف، ثم انشغلت بالعمل. كانت
رزان تصرخ من على الشاطئ: "لا تبتعدي يا ليلي، كوني حذرة يا فوفا، هناك موجة ضخمة اخرجي من الماء". وكانت الفتاتان تضحكان باستهتار. لكن ما سمعته بعد ذلك كان صراخًا مدويًا أجفلني وأرعبني. ركضت بعنفوان تجاه السيدة رزان والتي كانت تبرطم بكلام غير مفهوم. في تلك اللحظة لمحت إحدى الفتاتين تكافح في السباحة نحو الشاطئ، لكنها كانت تبتعد أكثر. تيارات بحرية لعينة. "بركاتك يا سيد فكتور هوجو! افعل شيئًا! " صرخت السيدة رزان.
كنت قادرًا على السباحة، لطالما عبرت النهر في بلدتي. ابتعدت عنها وأنا أركض. كان سروالي التحتاني قديمًا ومهترئًا، أزعجني ذلك أكثر من إنقاذ الفتاة نفسها. نزعت ملابسي وسبحت تجاه فوفا التي أنهكت قواها حتى اقتربت منها. قالت: "لا أعلم ما يحدث، إن أغوص نحو العمق سأموت! قلت لها: "اتبعيني إذا كنتِ قادرة". وسبحت نحو العمق. "أنت مجنونة! " قالت وهي لم تحرك يدها بعد. "اتبعيني!
" صرخت بنبرة آمرة، فتبعتني فوفا. سبحنا نحو العمق حتى انتهت حدود التيار البحري. قلت لها: "الآن نسبح عرضيًا". كنت بجوارها لأتأكد من قدرتها على المواصلة. تبعتني الفتاة، وكانت الأمواج بدأت تعاندنا. كنت أقف بين لحظة وأخرى حتى تقترب مني. "أنتِ سباحة ماهرة! " قلت مشجعًا. "وأنت ستغرقني! عندما أخرج من هنا سأقتلك!
"الآن نحو الشاطئ". سبحت خلفي وراح الشاطئ يقترب حتى وصلنا. كنا قد ابتعدنا عن حدود الفيلا مئات الأمتار عندما صدمتنا رمال البر. ألقت فوفا بجسدها الإرهابي على الرمال اليابسة وهي تلهث. كنت في توق لأن أفعل ذلك، لكني ظللت في الماء مستورًا حتى نصفي. لمحت رزان تركض، تتبعها تيشا وتيفا وليلي. واصلت السباحة مبتعدًا بطول البر حتى اختفيت، وكانت السيدة رزان تصرخ: "ماذا تفعل؟ اخرج من الماء أيها الأحمق!
اختبأت داخل دغل حشائش حتى عادوا نحو الفيلا. كان جسدي يرتعش من الخجل. خلفي، ولم أكن قد لاحظت ذلك بعد، كان هناك منزل بسيط يشبه كوخًا، تجلس أمامه امرأة ثلاثينية. قلت لها: "لو سمحت". "زعقت بصوت عالٍ! مشت تجاهي، وقبل أن تقترب زعقت: "لا تقتربي! " حذرتها. "أعيريني جلبابًا من فضلك! " قلت بنبرة مستجدية. لما لاحظت ترددها، أقسمت بها أن أعيده بعد دقائق. "اخرج من عندك. ماذا تخشى؟
لن أخرج. إذا لم تكوني تنوين منحي جلبابًا، اذهبي لحالك! أنت في ملكيتي الخاصة، لابد أن أذكرك بذلك! ". رغم تحذيري، اقتربت مني لكنها توقفت بآخر لحظة على ما يبدو، شعرت بورطتي. "اتبعني! " قالت وأولتني ظهرها. مشيت خلفها، ورغم اضطرابي، إلا أني لاحظت أن الابتسامة لم تغادر محياها. انزويت خلف الجدار، فصرخت: "ادخل! "القي إلي الجلباب! " طلبت منها. أطلت برأسها من الباب. "إذا لم تدخل، اذهب لحالك! أنت خجول أكثر من فتاة على شرفها!
". دلفت من الباب ويدي على سروالي. ألقت إلي جلبابًا وهي تعاينني. كان جلبابًا واسعًا. انسللت بداخله، وعندها فقط عادت أنفاسي إلي. "أنتِ امرأة خبيثة، سأعيد الجلباب إليك لاحقًا." "اجلس دقيقة، أنت ترتعش! "ليس من شأنك! أين تعمل؟ "بتلك الفيلا"، وأشرت بيدي. "عند السيدة رزان؟ "أجل! "أنت الحارس الجديد؟ " قلت نعم. "وأين ذهب عبد الدايم؟ " قالت بنبرة ودودة. "عندما أقابله سوف أسأله! ". أوليتها ظهري وعدت أدراجي نحو الفيلا،
وكانت تقول: "أنا أعيش هنا بمفردي، الليالي طويلة، والسيدة رزان سترحل، أحضر لزيارتي! كان هناك شبه احتفال عندما وصلت الفيلا. لم أتحدث مع أحد، لم أقترب منهم. دخلت غرفتي، بدلت ملابسي وجلست على الأرض لدقائق. "السيدة نرجس تطلبك! " وجهها أبيض نحيف، عيناها واسعتان كالأوز، وخدودها كالكرم، ومشيتها تعيسة. كانت الخادمة. "قولي لها لحظة واحدة! "لكنها تطلبك الآن! "قلت لحظة واحدة! " رمقتني بغيظ وحقد وهي تحرك يديها بلا توقف.
قبل أن أتحدث بأمر طارئ، أحتاج لبعض الوقت لأرتب أفكاري، خاصة إذا كانت امرأة. أخيرًا مشيت تجاههم وكانوا يجلسون في الحديقة في حلقة دائرية. تهلل وجه رزان عندما رأتني، لكنها سرعان ما امتعضت، وكانت تيشا وتيفا يرمقاني كأعجوبة. "أين اختفيت؟ كنت أبحث عنك!؟ "لكني حضرت الآن وهذا هو المهم! لن تدلي على حضرتك ما يتوجب علي قوله، أين اختفيت ولماذا؟
" أذاني أنها لم تتطرق لشكرى، ولا حتى فوفا التي كانت تضع رأسها بين يديها، بينما لم ترفع ليلي نظرها عني. "اختفيت ثم عدت"، تمتمت بارتباك. "لماذا؟ ها!؟ "لن أنطق بأي حرف! " ضحكت فوفا وتيفا وليلي. "فظيع! " هتفت تيشا بابتسامة. "لماذا تتحدث بتلك الطريقة غير المفهومة؟ سؤال بسيط، لماذا اختفيت؟ قلت: "لن أنطق بحرف، حضرتك، يمكنك صرفي إذا رغبت! "مالك؟ أريد أن أفهم"، قالت بنبرة لطيفة. "لم يحدث ما يستدعي الفهم!
"من أين أحضرت الجلباب؟ " سألت تيفا بخباثة. "من سيدة تقيم على مقربة من هنا"، وأشرت لمنزلها. "أنت خبير بالسباحة"، قالت ليلي بنبرة هلامية. تغير مجرى الحوار ورحت أرد على تساؤلاتهم بصبر ووضوح. وحدها رزان كانت ترمقني بتمعن بنظرات ثاقبة أشعرتني أنها قادرة على قراءتي وفهمي. "امنحيه بعض النقود يا ماما! " قالت فوفا. "شكرًا لك، لم أفعل سوى الواجب". كنت محبطًا وذهبت لغرفتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!