الفصل 1 | من 20 فصل

رواية نار الحب والحرب الفصل الأول 1 - بقلم ايمان حجازي

المشاهدات
32
كلمة
3,225
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

وسط الصحراء ورمالها المحرقة والشمس تتوسط سمائها لتصبح نارًا تلهب الأجساد وتشعل الأجواء.

وفي تلك المنطقة، يصطف خير أجناد الأرض مرتدين زي الجيش المصري وتحديدًا الصاعقة المصرية، بأجسادهم الضخمة خلف بعضهم البعض، كل منهم خلف الآخر وهو يجثو على جسده وقدمه على أكتاف الآخر، وهم يتحركون بخطوات ثابتة، حيث التدريبات القاسية التي لا يتحملها بشر. ففي تلك الظروف، وحينما يتعلق الأمر بأمن بلدهم القومي، تجدهم يتصدون بكل قوتهم ويتحاملون فوق طاقتهم بأضعافها. تدب حركتهم في الأرض، وتحلق طائراتهم في السماء، وتخرج الوحوش البشرية من الماء، وتسيل النيران والقنابل بأصوات مدوية ثابتة.

يقف كل قائد على رأس كتيبته وهو يهتف هتافات وطنية تحثهم على الاستمرار وتشعرهم بذاتهم وتجعلهم يتحملون أكثر فأكثر. فار تفتعت الأصوات وهم يرددون خلفها. قطعت تلك الهتافات وتوقف كل قائد وهو يأمر كتي بته بالاصطفاف في وضع الثبات، حينما راقبوا من الأفق هبوط الطائرات الحربية الخاصة بالقائد الأعلى المقدم (عمار المصري)

اصطفت كتيبة الطائرات في ثبات خلف قائدهم، وتقدم كل من الرائد محمد والرائد معتز نحو عمار وهو يهبط من الطائرة في طلة مهيبة تجعله يستحق ما وصل إليه في هذا السن. قدما إليه تحية الاحترام ووقفا أمامه في وضع الانتباه مرددين: -تمام يا فندم. ردد عمار وهو يومئ لهم بالإيجاب: -ها يا وحوش إيه الأخبار؟ -رجالة سعادتك يا فندم. -عايزين دائمًا نبقى على أتم الاستعداد، زي ما إحنا عارفين إننا ممكن اللحظة تيجي في أي وقت.

ثم تحرك من موضعه ليقف على خطوات أبعد بحيث يواجهه جميع الكتائب، ليرتفع صوته بنبرة أعلى مرددًا: -جاهزين يا رجالة؟ ردد جميع الكتائب في صوت كاد أن يصل إلى السماء: -جاهزين يا فندم. ردد مرة أخرى إليهم سائلًا: -إحنا مين؟ أجابوه في نبرة واحدة: -رجالة مستعدة تضحي بنفسها عشان مصر يا فندم. (عمار مالك المصري)

، يمتلك من العمر 32 عامًا، أقل ما قيل عنه أنه أصبح اسمًا تهتز له الأبدان. سميت كتائبه بكتائب الموت، ولقب هو بوحش الصاعقة المصرية. يتصارع خريجو الكليات الحربية ليصبحوا تحت قيادته. جسد رياضي من الدرجة الأولى، عيون بنية وبشرة كالحليب، والتي ارتسمت عليها معالم الرجولة والوسامة الشديدة. بينما انتهى من حديثه للتو مع الكتائب التي أمامه، حتى سمع صوت جندي من الخلف: -اللواء (نزيه) هنا يا فندم ومستنيك أنت والقادة اللي هنا.

قلق طفيف دب بداخل كل من الرائد محمد والرائد معتز، بينما نظر لهم عمار بثبات وشجاعة مرددًا: -تقريبًا فيه معلومات جديدة يا رجالة، يلا بينا. *** داخل أحياء مصر القديمة، في منطقة المساكن الشعبية، حيث يقطن طبقات مختلفة من سكان الشعب المصري، تعلوهم الطبقة المتوسطة وتدنوهم الطبقة المنعدمة أو ما تسمى (بتحت الصفر)

في محل كبير لأجهزة المحمول والكمبيوتر، كانت تجلس فتاة رفيعه الجسد قصيرة القامة، ترتدي بنطالًا من الجينز وسويتشيرت، عاكفة شعرها أسفل كاب رياضي، أمام اللابتوب الخاصة بها وهي مندمجة للغاية فيما تفعله، مرددة: -يلا يلا يلا يلا يلا. اتفكي بقى... وهييييييييييييييييييييييييه! نهضت من على الكرسي الخاص بها وهي تصفق بيديها وتطلق صفيرًا، مرددة في حماس وفرح وفخر بنفسها: -يا معلم، يا معلم، يا معلم. -زينة!

إيه يا بنتي الفرح اللي انتي عاملاه ده؟ مش هتعقلي بقى! قالها والدها (شرف الدين) حينما ولج بداخل المحل الخاص بهم ليجدها على تلك الحالة. انتبهت إليه زينة فذهبت إليه مسرعة وهي تقبله على خده، مرددة بسعادة: -معلش بقى يا شروفة، أصل دي واحدة عايزة تعمل نفسها هكر عليا وقال إيه حسابها متأمن، فعرفتها مين هي زينة شرف الدين هكر مصر. نظر إليها والدها في عتاب مضيفًا:

-يا بنتي عيب كده. هو أنا مدخلك الكلية دي عشان تتجسسي على الناس وتتعدي على خصوصياتهم؟ حرام عليكي اللي بتعمليه ده. زينة بضيق بسيط: -يا بابا هو أنا كنت عملت إيه يعني؟ أنا مش بعمل مع أي حد كده، لكن هي اللي حبت تعلم عليا وأنا وقفتها عند حدها مش أكتر. خلاص بقى يا بابا فكك مش هعمل كده تاني والله وعد. نظر إليها والدها من طرف عينيه مرددًا: -مش حاسس إني مصدقك. -إيه ده بجد؟ طب أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان تصدقني.

نظر لها والدها بخبث وردد: -زينة! لسه قابلت دكتور من عندك في الجامعة من شوية وقالي إن النتيجة بتاعتكم طلعت في الكنترول، بس لسه مش هتنزل لكم على الموقع غير بعد أسبوع. أسرعت زينة تجلس أمام اللابتوب الخاص بها مرددة: -ثواني وأجيب النتيجة. موقع إيه ده اللي أنا أستناه عشان أجيب نتيجتي؟ -وهتجيبيها إزاي؟ هتخترقي موقع الجامعة صح؟ مش على أساس إنك لسه وعداني حالا إنك هتبطلي؟ مفيش فايدة، مفيش فايدة.

نظرت إليه زينة بصدمة وهي تكتم ضحكاتها، فوجدته يكاد أن يخلع حذائه كي يقذفها به، فنهضت مسرعة تجري من أمامه مرددة: -أنت هتعمل إيه يا بابا! أنا بهزر والله، ده أنا كنت بختبرك بس، أوعى السلاح يطول يا حاج. (زينة شرف الدين)

فتاة تمتلك من العمر 22 عامًا، رفيعه الجسد، قصيرة القامة، من أسرة متوسطة الدخل، قمحية البشرة بعيون عسلية. أنهت دراستها للتو من كلية الحاسبات والمعلومات، مرحة جدًا، تعشق والدها فلم يتبق لها غيره بعدما توفيت والدتها. قطع حديثهم وصراخهم دخول أحد الزبائن المحل الخاص بهم مرددًا: -السلام عليكم. فين البشمهندسة زينة؟ توقفت زينة عن الضحك وهندمت ملابسها مرددة: -تحت أمرك اتفضل.

-لو سمحتي موبايلي عايز أرجع من عليه المحذوفات. قالولي إنك هتعرفي. -بس كده؟ من عنيا، أنت جيت للمكان الصح. ردد والدها: -طيب يا بنتي شوفي شغلك وأنا هطلع أحضر الغدا. أجابته زينة بحب: -ماشي يا حبيبي. أنا هخلص وأطلع على طول. *** وقف القبطان المتقاعد (مالك المصري)

في مقدمة المسجد يصلي ووجهه غارق بالدموع. لا يعرف كم من الركعات ركع وكم السجدات سجد. كان يصلي ويصلي دون انقطاع، فقط ليكون بين يدي الله كي يلهمه الصبر على فاجعته ووجيعته في ابنته التي فقدها في لحظة لم يكن يحسب لها حسبان. ولأنه رجل مؤمن بالله وبقدره، فمنذ أن تلقى الخبر المؤلم لم يكن لديه سوى الاستعانة بالصلاة وقراءة القرآن والدعاء لابنته الغالية، والدعاء لنفسه بالصبر والسلوان، والدعاء لابنه الآخر (عمار)

بأن يراه قريبًا ويحضر معه الدفن والعزاء لأخته وتوأمه الوحيدة (نوران مالك المصري) . فما أحوجه إلى أن يلقي بنفسه بين يدي ابنه ويبكي الآن. -مفيش أخبار عن حسام ابني؟ متعرفش عنه حاجة؟ قالت تلك الجملة السيدة (رباب) أخت القبطان مالك المصري، وهي تتقدم إليه بدموع منهمرة وقلب محطم وشهقات لم تتوقف وعيون تفيض من القهر والألم. أجابها القبطان وكأنه لا يشعر بالدنيا:

-لا يا رباب معرفش حاجة عنه. ربنا يطمنا عليه وما يوجعناش فيه هو كمان. أخذت تصرخ هي الأخرى وهي تشعر بأن روحها قد أخذت منها: -ااااااااه يا ابني أنت فين يا ضنايا وعملوا فيك إيه!!! يااااارب.. يااااارب... *** -خير يا فندم! فيه أخبار جديدة؟ قالها عمار وهو يمتثل أمام اللواء نزيه وخلفه كل من الرائد محمد ومعتز. بينما استدار إليهم اللواء نزيه بوجه خالٍ من التعابير، مما زاد القلق بداخلهم، مرددًا وهو يوجه بصره ناحية عمار:

-لا لسه زي ما إحنا، لما ييجي الوقت هبلغكم. تنهد كل من محمد ومعتز، بينما لم يطمئن قلب عمار، فأخذ ينظر إليه بنظرات ذات مغزى، والتي أكدت شكوكه حين ردد اللواء نزيه مجددًا: -معتز، محمد. استنوني بره لو سمحتم نظر معتز إلى عمار بينما شعر محمد بالضيق وهو ينظر إليه، فأومأ عمار إليهم ثم تحركوا باتجاه الخارج تاركين اللواء بمفرده مع عمار. ردد عمار بثبات: -خير يا فندم!

وقف اللواء نزيه بجوار عمار ومد يديه ليحتضن ذراعه بحنو بالغ وهو يشد عليه قائلاً: -عمار، أنت عارف أني دائمًا بعتبرك أكتر من ابني، وعارف أنك وحش وهتقدر تعدي الأزمة دي وتقوم منها لأننا محتاجينك وأنت عارف. مش عارف اللي هقولهولك ده هتتعامل معاه إزاي، لكن لازم تعرف أن... قاطعه عمار بحزم: -من غير مقدمات يا فندم، أنت عارف إن مفيش حاجة بتفرق معايا. قال اللواء نزيه بحزن: -لا يا ابني، المرة دي أنت للأسف هتاخد إجازة ولازم تنزل.

قاطعه عمار مرة أخرى: -إجازة إيه يا فندم، وأنا هنزل فين في الظروف دي! اللواء نزيه: -البقاء لله يا عمار. وفي الخارج كان يقف كل من معتز ومحمد، كل منهم يفكر بشكل مختلف. قال محمد بضيق وسخرية: -طبعًا! كل حاجة عمار عمار عمار، وإحنا زي الهوا! مش فاهم يعني أنا هو أنا مش قادة زينا زيه ولا إيه! رد معتز بضيق من حديثه: -هههههههه بجد والله! أنت ذات نفسك عارف إنك بتكذب! أنت بتشبّه نفسك بعماااار هههههههههه.

-يووووه يا معتز، ما تبطل بقى. -والنبي بس قبل ما تشبه نفسك بعمار، ابقى اعمل ربع اللي هو عمله. دا أنت مبقتش رائد وليك اسمك غير لما بقيت تحت قيادته. -مهما كان، إحنا برضو قادة ولينا الحق نعرف. والله تلاقي نزيه بيه هيقوله على المعاد ويفطمه على كل حاجة وإحنا مش هنعرف غير يوم الهجوم، ومش بعيد نعرف بالصدفة كمان. -حتى لو كان الأمر كده، هما أدرى بأمن البلد وأنت عارف إن القرارات دي مفيهاش هزار.

-ما هما طول ما هما مش بيدونا فرص زي دي، يبقى عمرنا ما هنوصل ونبقى زي عمار. هنفضل طول عمرنا تحت قيادته بس. -فرص! طيب آخر هجوم حصل لشمال سيناء والتهديدات اللي كانت بتجيلنا واللي كانت نتيجتها إننا وقفنا قدام 100 فرد مسلح لوحدنا، أنت عملت إيه! ما ترد! -ما هو... أنا... أصل... -بالظبط هو ده. عمار كان لوحده قدامهم، واظن شفت النتيجة. تعرف ليه! عشان هو عمار. مبيخافش الموت. ومعملش اسمه بسهولة. -خلااااص يا معتز، مكنتش كلمة هي.

-لا، أنا بس بفكرك لتكون نسيت. ***************************************** -يلا يا بنتي، الأكل جاهز، هاتي السلطة والعيش من عندك. قالها الحاج شرف الدين، والد زينة، وهو يضع باقي الطعام على السفرة. بينما أحضرت زينة له ما طلبه، وحينما نظرت إلى الطعام حتى صفقت بيديها: -أيوه بقه يا شروووفه. كفتة وكباب وفراخ مشوية، دي هتبقى الليلة صباحي. ضحك والدها مرددًا: -طب يلا يا لمضة، قبل الأكل ما يبرد. قفلتِ المحل الأول ولا نسيتي!

-آه قفلته، وكفاية بقى كلام عشان آكل بتركيز من غير مقاطعة. -كلي يا أختي، يكش بس يبان عليكي، وإنتي عاملة زي عود القصب كده! -خليك كده اتكلم كتير لحد الأكل ما يبرد. -طيب قومي هاتي مياه الأول. -يووووه يا بابا، ما قلتش من الأول ليه قبل ما أقعد. -يا بنتي، هو الأكل هيطير. قومي بس هاتي مياه عشان عطشان، وبعد كده يا ستي مش هقولك حاجة.

نهضت زينة في ضيق وهي تدبدب بقدمها من الغيظ، وأحضرت المياه وكادت أن تجلس على الطعام، بينما دق جرس الباب. انفجر والدها من الضحك، بينما كادت أن تقتل كل من حولها مرددة: -دي مبقتش عيشة دي، والله حرام كده. الواحد مش هيعرف ياكل زي البني آدمين ولا إيه! توجهت ناحية الباب، وما أن فتحته وهي تكاد تقتل الطارق، حتى توقفت بصدمة وهي ترى صديقتها تبكي بشدة. -حوريه! مالك يا بنتي بتعيطي ليه! ارتمت حورية في أحضانها وهي تنحب

بشدة مرددة من بين دموعها: -أبويا يا حوريه. قالت زينة بحزن على صديقتها وضيق من ذلك المدعو والدها: -عمل إيه تاني المرة دي، هو الراجل ده مبيزهقش! -تعالي يا حورية يا بنتي. قالها والد زينة بعدما رآها على تلك الحالة. فجففت حورية دموعها مسرعة وهي تتوجه إليه مرددة: -عمي شرف، معرفش والله إنك هنا. -تعالي يا بنتي، أنا مش غريب. حصل إيه يا بنتي بتعيطي ليه!

أسرعت إليه حورية وارتمت بين أحضانه هو أيضًا، فطالما كان الأب لها الذي لم تجده في والدها. فأخذت تبكي مرة أخرى: -أنا مش عارفة هو بيعمل معايا كده ليه يا عمي شرف. أنا خلاص تعبت والله، حاسة إني هيجيلي وقت وأموت نفسي. ربت عليها شرف بحنان: -استغفر الله العظيم يا بنتي، إيه الكلام ده حرام عليكي. إحنا مش قلنا مهما عمل متحطيش في دماغك، وأي حاجة تحتاجيها أنا هنا أبوكي وزينة أختك. رددت حورية وهي تجفف دموعها:

-ربنا يخليك ليا يا عمي شرف. مش عارفة لو مكنتوش موجودين كان هيبقي حالي إيه! أجابتها زينة مسرعة بمرح: -كان زمانك يا بنتي ميتة من زمان، مشنوقة ولا محروقة. ضحكت حورية على الرغم منها من تلك المجنونة، بينما أسرعت زينة هاتفة: -بقولكم إيه، المحزنة دي اقفلوها دلوقتي، أنا جعانة والأكل ده شكلي مش مكتوب لي أتهنى بيه. ناكل الأول وبعدين نبقى نشوف مشكلتك المرة دي يا ست حورية.

ضحكت حورية ووالدها، وبينما كاد أن يجلس الجميع على سفرة الطعام. -بشمهندسة زينة! في زبون تحت محتاج يشتري موبايل. قالها أحد الأطفال الذين يلعبون بالشوارع وهو يقف أمام باب المنزل الذي تركوه مفتوحًا. لم يكد يقول ذلك حتى انفجر شرف الدين من الضحك مرة أخرى، بينما كادت زينة أن تبكي، حيث تلألأت عيناها بالفعل وكادت أن تسقط دموعها. في حين نظرت إليهم حورية وهي لم تفهم شيئًا مما يحدث.

نهض والدها من مقعده وهو لم يكف عن الضحك مرددًا: -خليكي خليكي، أنا هنزل أنا، أنتي هتعيطي ولا إيه! اعملي لي سندوتشين وخلاص واقعدي أنتي كلي أنتي وحورية. ارتسمت على زينة الابتسامة وهي تردد بضحك: -ليه بس يا بابا، لو مكنتش تحلف، ده أنا كنت هنزل أنا أهو. أكمل والدها في ضحك: -على فكرة أنا محلفش. لو عايزة تنزلي انزلي! أسرعت زينة مرددة: -أييييه يا شررووفه، أنت ما بتصدق ولا إيه! خد السندوتشين أهم. أنا جعانة.

تناول والدها منها الطعام قائلاً: -تاني مرة متقوليش حاجة أنتِ مش قدها. أجابته زينة بمرح: -عيلة يا بابا. عيلة. هو في حد بياخد بكلام العيال برضه. القي عليهم السلام وخرج مع ذلك الطفل. بينما ظلت زينة مع حورية بمفردهم مرددة بحزم: -بقولك إيه يا حزينة انتي. هناكل الأول ومسمعش نفسك، وبعدين نبقى نشوف مشكلتك أنتي وأبوكي أبو قردان ده. *****************************************

بداخل غرفة مغلقة يجلس شاب مربوط الأيدي والأرجل على كرسي خشبي، يبكي بشدة. ليس بسبب جسده الدامي الذي لم تبقَ به قطعة واحدة لم ترتسم عليها آثار التعذيب والضرب، ولكن بسبب ما قد يفعلونه بزوجته التي لم يعرف عنها أي شيء بعدما تم اختطافهم. ظل يبكي وهو يدعو ربه في صمت أن لا يصيبها مكروه وأن لا تأتي وجيعته فيها. قطع دعاءه وتفكيره افتتاح باب الغرفة التي يجلس بها. -ها يا حسام! فكرت ولا لسه هتعاند! قالها (تهامي أبو الدهب)

وهو يجلس بكبرياء وغرور أمامه غير مبالٍ بما يحدث له. فردد حسام بضعف شديد: -أشوف... مراتي... الأول... وتمشوها من هنا. وبعدين أوافق على اللي انتو... عايزينه. أجابه تهامي بعنجهية: -اممم طيب ماشي. ثم ارتفع صوته مناديًا: -أنت يا ابني. أتاه شخص من الخارج تبدو على ملامحه الإجرام مرددًا: -تحت أمرك يا باشا. -فين يا ابني مراته، خليه يشوفها ونمشيها، خلينا نخلص. خرج صوته متلجلجًا متهتها: -اييي... يا باشا... اييي اصل...

صرخ به تهامي أبو الدهب معنّفًا: -جرا إيه يا روح أمك، أنت هتهتهلي. ما تنطق يلا مراته فين ارتجف ذلك الشخص وهو يردد ومال على أذنه بخوف وهمس ببعض الكلمات بينما ردد تهامي بغضب: -وفين عزت دلوقت! -عزت باشا في المزرعه يا فندم. -تمام، اجهزوا يالا عشان رايحين المزرعه. نوران!!!!!!! قالها عمار بألم شديد وصوته يكاد يختنق وهو غير مصدق ما وقع على مسمعه للتو. واختنق صوته أكثر وهو يردد في صوت متألم: -مش ممكن.

هوى جسد عمار على المقعد خلفه وهو يحاول استيعاب الأمر. فأي صدمة تأتيه أكبر من تلك؟ أخته، بل توأمه، بل رفيقة روحه ودربه. نظر إليه اللواء نزيه في اشفاق وهو يقول: -البقاء لله يا ابني. شد حيلك، هي ماتت من يومين. أنا عرفت آخد لك إجازة تلات أيام عشان بس الوضع اللي احنا فيه، لأنهم مش راضين ياخدوا العزا أو الدفن غير لما تكون موجود. وأبوك... رفع عمار عينيه والدموع تسيل منها على الرغم منه في صدمة شديدة غير مصدق: -أبويا؟ أومأ

اللواء نزيه برأسه في آسف: -حالته صعبة أوي يا عمار، وأكيد محتاجك جنبه. هو ملوش غيرك دلوقتي. نهض عمار من موضعه وهو يجفف دموعه مرددًا في شك: -اختي كانت صحتها كويسة. ماتت إزاي؟ من يومين ولسه مدفنتوهاش ليه؟ إيه اللي خلاكم تستنوا على دفنها كل ده؟ أطرق اللواء نزيه في صمت مما زاد ذلك من شك عمار الذي قال في انفعال: -جاوبني يا فندم. اختي جرالها إيه؟ اقترب منه نزيه وأمسك بساعديه مرة أخرى ليشد من أزره:

-لسه معنديش المعلومات الكافية. لما نوصل هناك هنبقى نشوف كل حاجة. أطل الإصرار والغضب من عيني عمار: -مش هاخد عزى نور ولا أدفنها غير لما أشوفها. حاول اللواء نزيه الاعتراض وإيقافه عما يفكر به: -يا ابني التقرير الطبي هيطلع، أبقى شوفه و... قاطعه عمار في حزم وانفعال: -اختي مش هتندفن غير لما أشوفها يا فندم. وقف اللواء نزيه ونظر إليه في ضيق، فهو تلميذه ويعرفه حق المعرفة منذ صغره. فأجابه وهو يومئ برأسه:

-تمام، حاضر. اللي أنت عايزه. يلا عشان نلحق دلوقتي عشان مفيش وقت. خرج معه عمار وهو مازال لم يستوعب ما قد سمعه لأخته الوحيدة (نوران) . وأخذ يسأل نفسه في حسرة ومرارة: ماذا حدث لأخته وهو بعيد عنها؟ -ها يا ستنا الحزينة، مالك المرة دي؟ قالتها زينة لحورية التي تجلس بجوارها في حزن مرددة: -بقولك إيه يا زينة، كفاية الحزن اللي عايشة فيه هناك. مشاكل أبويا معايا مبتنتهيش، هقولك إيه يعني؟

ما أنتي عارفة بياخد أي قرش معايا عشان يشربه على الهباب الزفت اللي هو بيشربه. هتفت زينة بمرح: -وإيه الجديد يعني، ما أنتي متعودة على كده؟ ضربك يعني لما ملقاش معاكي فلوس؟ نكست حورية رأسها بخزي وكسرة وخجل من صديقتها مرددة: -ياريت تيجي على قد كده! اقتربت منها زينة بحنو قائلة: -أمال عمل إيه تاني الراجل ده؟ رددت حورية: -خد مني الفستانين اللي كنتي أنتي شارياهم ليا وباعهم عشان يجيب فلوس وخلاني ألبس هدومي المتقطعة تاني.

صرخت زينة بغضب وضيق: -عااااااا! أعمل إيه في الراجل ده ياربي؟ أروح أقتله وأشرب من دمه ولا أعمل إيه؟ أنا زهقت منه! هي وصلت بيه لكده؟ حورية ببكاء: -أنا آسفة يا زينة. أنتي عارفة ما باليد حيلة، ولو اعترضت مش بعيد يقتلني. ربتت زينة عليها بحنان: -وإنتي ذنبك إيه بس يا بنتي؟ يلا، عايزة أقوله ربنا يهديه، بس اللي زى أبوكي ده مش بيتهدي، ده عايز ربنا يهدّه. ثم نظرت زينة إلى صديقتها فوجدتها تزداد في بكائها، فنهضت مسرعة تقف أمامها:

-لا بقولك إيه، أنتي هتقلبيلي البيت مناحة ولا إيه؟ وعشان مين!!! عشان فتحي أبوكي وربنا ما يستاهل. ثم نظرت إلى التسريحة الخاصة بها ورددت: -قومي يا بت، خدي شاور واقلعي هدومك دي واعملك ميكب. أنا عندي فستان جديد شروفه كان جايبهولي على أمل إني ممكن أعقل وألبس فساتين وفيما بعد أتجوز زي البنات وكده. طموح أوي أبويا ده والله! تناست حورية حزنها واندامجت مع صديقتها التي تخرجها دائمًا من حالاتها الكئيبة مرددة:

-وإنتي فيكي إيه يا أختي أقل من البنات؟ ده انتي قمر والله، أنتي بس اللي حابة تعيشي في دور الراجل ده. -دي شخصيتي يا بنتي ومش ممكن أغيرها. إلا في حالة واحدة طبعاً والحالة دي مش هتحصل، عشان كده أنا مش هتغير. حورية بتفهم: -وطالما أنتي عارفة أن الحالة دي مش هتحصل، حاطة أمل فيها ليه؟ زينة بضيق: -أنا مش حاطة أمل ولا حاجة، وبعدين أصلاً قربت أنساه وأنسى الموضوع كله. نظرت إليها حورية بخبث مرددة:

-زينة.. إلا أنتي متعرفيش هو مجاش بقاله كام يوم؟ أسرعت زينة مرددة بلهفة: -بقاله أربع شهور وأسبوعين وتلات أيام، والفيس بتاعه مقفول من بعد المدة دي بيومين. أجابت حورية بمكر: -لا واضح فعلاً أنك نسيتيه. انتبهت زينة للتو لما خرج من فمها، فتنهدت في حزن: -والله أناا.. بس.. عايزة أطمن عليه، أول مرة يغيب كده. نهضت حورية وجلست بجوارها قائلة: -زينة!

أنتي صاحبتي وأنا بحبك ومش عايز اكي تتعلقي بحاجة مش هتحصل. عمار أبعد من نجوم السما ليكي. أنتي فين وهو فين؟

هو لا بتاع جواز ولا حب ولا يعرفك أصلاً ولا يعرف أن في واحدة هنا هيمانة فيه. وحتى لو عرف ولا هيعبرك. هو كل اللي بيربطه بمنطقتنا كلها هو بيت أهله القديم اللي بييجي يزوره مرة كل ما ينزل إجازة. غير كده ميعرفش المنطقة دي أصلاً. فوقي يا زينة. أنا بقولك كده عشان هو أكيد هيجيله يوم ويتجوز، وأنتي أصلاً وهم بالنسبة له، ملوش وجود، ومحدش هيتوجع غيرك. ف فوقي من دلوقتي أحسن. كادت أن تفر دمعة من طرف عين زينة، فمسحتها مسرعة

وهي تنهض في مرح مصطنع: -بقولك إيه، فكك من الأسطوانة اللي كل ما تشوفي خلقتي أقولهالك دي. خلاص يا إماااا حفظنا، تحبي أسمعلك؟ قومي يلا خدي الفستان وتعالي نهيص شوية بدل الكبت ده. نهضت معها حورية بالفعل دون الإطالة في ذلك الحديث، فهي تعلم صديقتها جيدًا. بينما زينة تعلم أن صديقتها محقة في كل ما تلقيه عليها، فهي بالفعل وهم بالنسبة إليه، ليس لها وجود! فهل ستظل وهماً دائماً؟ أم سيتحول لحقيقة يوماً ما؟

فتح باب الغرفة بقوة وهو يستمع إلى صوت الصراخ بداخلها ليجد أخيه ممسكًا بالصوت وهو يضرب تلك الفتاة العارية أمامه والتي كادت الدماء تغطي جسدها بأكمله. فلم يظهر منه أيه ملامح. -عزززززت!!!!! .. فين نوران؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...