الفصل 2 | من 20 فصل

رواية نار الحب والحرب الفصل الثاني 2 - بقلم ايمان حجازي

المشاهدات
33
كلمة
3,708
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

داخل المحل الخاص لأجهزة المحمول والكمبيوتر. -ركبني وراك يا ابن المجنونة، متسيبنيش كده. أوعي تتخلي عني، دا أنا كنت خلاص هحبك وسلمت لك قلبي. قالت تلك الجملة زينة وهي تجلس أمام الحاسوب الخاص بها، ومندمجة للغاية. لم تكن تدري أن والدها دخل للتو وسمع ما اردفت به. -زينة! هو مين ده اللي سلمتيله قلبك وحبيتيه؟ رددت زينة، وهي ما زالت مندمجة، قائلة:

-اصبر بس يا بابا وأنا هعرفك عليه، وهنحدد الفرح قريب. بس يركبني معاه عشان معييش سلاح. اهووووووه، ركبني معاه، أيوه بقه، زوجي قُرة عيني. الأن في طريقي لحجز فستان الفرح. لم تكن تكمل جملتها حتى تلقت ضربة من والدها بعصا خشبية صغيرة، جعلتها تفر من موضعها، بينما والدها يهتف: -هو مين ده يا بنت الكلب؟ هتتجوزي من ورايا؟ صرخت زينة وهي تحاول تفادي الضربات: -وربنا أبداً يا شروفة، أنت تعرف عني كده؟

ده أنا بلعب بابجي وبكلم نفسي، ما أنت عارف إني هبلة. ضربها مرة أخرى وهو يردد: -ما المصيبة إني عارف إنك هبلة وتعمليها. ومين بوجي ده كمان اللي بتلعبي بيه؟ أخذت تبتعد عنه مرددة: -يا بابا، بابجي، بابجي، دي لعبة. أنا أصلاً معرفش أنا بلعب مع مين. والدها مرة أخرى: -وبتلعبي ليه مع حد متعرفيهوش؟ أنا ربيتك على كده. تثقي فيه إزاي ده، إنه مش هيأذيكي؟ صرخت زينة بضحك: -هيأذيني إيه بس، هو هيتجوزني عرفي؟

دي لعبة. وبعدين مش أنت اللي مش راضي تخليني ألعب مع العيال في الشارع؟ والدها بنفاذ صبر: -وكمان عايزة تلعبي مع العيال؟ دا انتي قد أمهم يا شااب. زينة: -خلاص، يبقي ألعب بقه هنا مع الكبار. -هو إيه اللي بيحصل هنا؟ قالها أحد الشباب وهو يدلف إلى المحل ليجدهم في صراخ كعادتهم. التفت إليه الحاج شرف الدين مرحباً به: -أهلاً يا طه، تعالي يا ابني. طه بترحاب: -ازيك يا عم شرف، عامل إيه؟ شرف بود: -بخير يا ابني، الحمدلله. طه وهو

يجول بعينيه داخل المكان: -أمال فين زينة، كنت سامع صوتها دلوقتي. خرجت زينة من موضعها وهي تهندم شعرها وثيابها، مما جعله يضحك على هيئتها تلك، هو ووالدها أيضاً. فردت مسرعة: -إيه في إيه؟ دي أنا كنت بقتل صرصار بس تحت المكتب عشان كان بيزغزغني في رجلي وأنا قاعدة. أول مرة تشوفوا واحدة كانت بتقتل صرصار. أسرع طه في ضحك: -لا يا باشا، أنت تعمل اللي أنت عايزه. جلست زينة على مكتبها ووضعت الكاب على رأسها، ورددت بغرور: -أه بحسب.

نظر إليها طه نظرة ذات مغزى، فأدركتها على الفور. ثم وجهت حديثها إلى والدها قائلة: -مش كنت رايح تدفع فواتير الكهرباء يا بابا؟ نهض والدها مردداً: -أه يا بنتي، يالا. خدي بالك من نفسك، سلامو عليكو. رددا السلام سوياً، ثم التفتت إلى طه الماثل أمامها بعد خروج والدها قائلة: -ها؟ إيه المصيبة الجديدة اللي عملتها؟ *** ما أن وجد أخاه يقف أمامه حتى ترك السوط من يده. حرك رقبته يميناً ويساراً قبل أن يردد بغلظة وبرود:

-هي اللي مستحملتش. اندفع تهامي باتجاه أخيه ذلك المتعجرف، مردداً بقسوة: -مستحملتش إيه؟ أنت عملت فيها إيه؟ نظر إلى أخيه ببرود شديد، وكأنه لا يعنيه شيء، مردداً: -أنت بتزعقلي عشان مين؟ أغمض تهامي عينيه في غضب واستدار بجسده وهو يمسك رأسه بيديه، مفكراً في تلك اللامبالاة التي يمتلكها أخيه، والتي دوماً توقعهم في مشاكل هم في غنى عنها. بينما أخرج عزت سيجارة من علبته وأشعلها في برود قاسٍ، مردداً: -تعالي نتكلم في المكتب.

نظر إليه تهامي بصرامة وغيظ شديد، وقبل أن يخرجا سوياً، استمعا إلى صوت ضعيف من الخلف. -فكو... ني. أبوس ايدي... كم. هموووت. ما أن استمع إليها تهامي، فالتفت مسرعاً وهو ينظر إلى جسدها الدامي السابح في دمائه، فصرخ في وجه أخيه: -ومين دي كمان؟ وعامل فيها كده ليه؟ نظر إليها عزت بطرف عينيه بلامبالاة، مردداً: -لا، دي واحدة قبضت تمن اللي اتعمل فيها.

ثم أشار بيديه إلى أحد رجاله، أمره بأن يفك قيدها ويتركها، بينما استدار ناحية أخيه وهو يتوجه به إلى غرفة أخرى للحديث. *** نزل عمار من السيارة بصحبة اللواء نزيه، مرتدياً ملابس سوداء وربطة عنق سوداء، متجهين إلى المكان الذي يتواجد به جثمان أخته، كما وعده أن يفعل.

وقف اللواء نزيه مع أحد الأطباء الذين شاركوا في المعمل الجنائي لكتابة التقرير الطبي، بينما وقف عمار أمام جثمان أخته المغطى بالملائة. أمرهم جميعاً بالانصراف، فتفهموا أيضاً وضعه، بينما اتجه إليه اللواء نزيه وربت على كتفه مردداً: -عماار... هز عمار رأسه قائلاً: -لو سمحت يا سيادة اللواء. أومأ اللواء نزيه برأسه في إيجاب وأطلق تنهيدة حارة وهو يتركه أيضاً ويخرج من الغرفة، داعياً ربه بأن لا يحدث ما يخشاه.

بينما نظر عمار إلى جثمان أخته المغطى، واضعاً يده على رأسه، ويذرف الدمع في صمت، وهو ينظر إليه. مر وقت طويل هكذا، دون أن يدخل أحد عليه الغرفة أو يقاطعه. وفجأة سمع صدى صوت أخته يرن في أذنه، وكأنها معه: "شوف يا ابن المصري، طبعاً أنا مش همنعك خالص إنك تحب وتتجوز وتكون أسرة، لكن أنا وليك الشرف طبعاً، هفضل حبك الأول والأخير. وطبعاً أول بنت ليك هيبقي اسمها نوران، وليك الفخر طبعاً."

وسمع صوت ضحكات أخته المرحة ترج صداها قلب المكان من حوله، ورأى خطواتها وهي تعدو هاربة منه، تهز الأرض من تحته. فتح عمار عينيه ووضع يديه على وجهه، وكأن لا يريد سماع أو رؤية المزيد من الذكريات. أنزل يده من على عينيه، وبأرتجاف مدها إلى جثمان أخته، وهو يرفع عنها الملائة. دق قلبه بعنف وقهر، وهبطت دموعه على الرغم منه مرة أخرى، واستدار بجسده بعيداً عنها.

للحظة واحدة، كان يتمنى أن يكون ذلك حلماً. للحظة واحدة، أراد أن يرى وجه امرأة أخرى غير توأمه التي لم تفارقه منذ الولادة. أخذ نفساً عميقاً وتمالك نفسه، وعاد ببصره إليها مرة أخرى. ولكن هذه المرة، كانت النظرة مختلفة. فلم ينظر إليها حزناً وقهراً كالبداية، أنما كان يفحص بعينيه في غضب ما أصابها. وجد وجهها متورماً وآثار تعذيب عليه، وشفتاها داميتين وآثار الجروح متجلطة عليه.

كشف الغطاء أكثر ليرى رقبتها، وهي أيضاً مليئة بالجروح. على الرغم من لون جسدها الذي كسا عليه الزرقة، ولكنها باتت واضحة وضوح الشمس إليه. مرر الغطاء أكثر ليرى أكتافها وأعلى صدرها، ليجده مليئاً أيضاً بالكدمات. كشف عن مواضع أخرى بجسدها، باستثناء عوراتها، في غضب شديد وضيق وقهر. من فعل بتوأمه هكذا؟

بعد وقت ليس بالقليل، خرج إليهم بوجه خالٍ من التعابير. فلم يستطع أي من الموجودين رؤية أو تخمين ما يفكر به. رفع رأسه ونقل بصره نحو الماثلين أمامه، حتى وقعت عيناه على الطبيب الذي كان يقف مع اللواء نزيه، مردداً: -تقرير الطبيب الشرعي بيقول إيه؟ *** -مش عارفة ليه حاسة إني مش مصدقاك يا طه. قالتها زينة إلى طه بعدما جلس أمامها وعرض عليها الهاتف الذي بيديها كي تبتاعه. تركت الهاتف من يدها ونظرت إليه مرة أخرى، وهو يهتف:

-ليه بس يا هندسة؟ أنا وعدتك قبل كده إني خلاص بطلت السرقة. والموبايل ده والله بتاع واحد صاحبي عايز يبيعه وخايف حد يغشه فيه ويضحك عليه. أنا قلت البشمهندسة زينة بتعرف تقدر الحاجة وتديها تمنها المظبوط وحقانية، مش هتضحك عليك. ها، قلتي إيه، هتاخديه؟ ضيقت عينيها بتفكير وهي تنظر إليه محذرة: -طه!

المرة اللي فاتت أنا سترت عليك عشان وعدتني وأنا صدقتك وحلفتلي ومعرفتش بابا بالموضوع. قسماً بالله لو ضحكت عليا، لكون المرة دي أنا اللي... قاطعها طه راجياً: -قسماً بالله بتاع صاحبي، ولو عايزاني ممكن أتصل لك بيه دلوقتي يقولك الكلام ده. عادت زينة ببصرها مرة أخرى للهاتف، وهي تفحصه من كافة الأوضاع، قبل أن تهتف: -تمام، هاخده. بس آخره ألف. ارتسمت الابتسامة على وجه طه وأشار إليها بيده راجياً:

-طب ما تزوديه كمان شوية، دا لسه جديد، يعني استعمال شهرين. هزت زينة رأسها في اعتراض: -لا، مش هاخد أكتر من ألف. وبعدين هو فعلاً باين عليه لسه جديد، لكن فيه حاجات مدمرة، أولهم الشاشة والسوكت، وفي مسمارين ناقصين من جوه. أنا مش هشتري بخسارة برضه، ولا إيه؟ أومأ طه برأسه في رضا: -ماشي يا ست البنات اللي تشوفيه.

أخذت منه زينة الهاتف وأعطته ثمنه الذي فرح كثيرا به، ثم نهض متوجها إلى الخارج. بينما تناولت زينة الهاتف وهي تنوي إصلاح ما به كي تعيد بيعه مرة أخرى. ولكن رأسها ما زال مشوشًا حول مصدر الهواتف التي يبتاعها لها ذلك المدعو طه. ولكنها فكرت أنه قد يكون صادقًا تلك المرة، فقررت أن لا تشغل رأسها إلا بعملها فقط. *** -قتلتها!

ردد تلك الكلمة تهامي أبو الدهب وهو يجلس أمام أخيه الأصغر الذي يتناول كأسًا من الخمر في يد، وباليد الأخرى ممسكًا بسيجارته، وهو يرفع قدمه على المكتب في برود شديد غير مبالٍ بأخيه الماثل أمامه وهو يكاد يجن من الغضب. أجابه عزت بصوته الأجش: -قلت لك هي اللي مستحملتش. دوب خلصت معاها لقيتها مش عارفة تاخد نفسها وماتت. يبقى ذنبي أنا إيه بقى! هبد تهامي يده على المكتب وهو ينهض معنفًا أخاه في غيظ شديد:

-لااا طبعًا أنت ذنبك إيييييه!!! أنت برررريئ. ردد عزت بضحك ساخر: -شفت!! أهو أنت قلت أهو. أنا بريء. بتزعقلي ليه بقه! توجه تهامي باتجاه عزت وأمسك به من تلابيبه وهو يرغمه على النهوض بقسوة وصرامة صارخًا به: -أنت إيه ياالا!!! كل ما أخلص من مصيبة تعملها توقعني في التانية!! أقتلك ولا أعمل فيك إيه قولي!! ملقتش غير البت دي!! ردد عزت في المبارزة وكأنه لا يسمع صراخًا أو يرى غضب أخيه أطلاقًا: -لا ملقتش غيرها.

-تهامي باشا. السكرتيرة بتبلغ حضرتك أن ميعاد الحفلة اتغير للنهارده بالليل. قالها أحد الرجال الخاصين به وهو يدلف الغرفة المتواجدين بها ليقطع عراكهم. ترك تهامي ملابس أخيه الذي أخذ يهندمها، بينما نظر تهامي إلى ذلك الرجل في استنكار شديد وهو يكاد أن يفتك به: -يعني إيه النهارده!! مش المفروض لسه بكرة! أجاب الرجل في خوف منه: -يا باشا بتقول لحضرتك أن هما اللي غيروا المعاد وجايين النهارده.

زفر تهامي في غضب وضيق وهو ينقل بصره بين ذاك الرجل وأخيه الذي ما زال يقف ببرود وغرور مرددًا: -اطلع أنت بره ياالا. وأنت يا تهامي باشا اهدى كده واسمع الأول الكلام اللي عندي الأول وشوف أنا محضر لك إيه!! وبعدها هتعرف إذا كنت فعلاً عملت مصيبة ولا طلعتك منها. *** -سكتة قلبية. قالها الطبيب لعمار دون النظر بعينيه وهو يفرك يديه وينقل بصره بينه وبين اللواء نزيه، والذي لاحظ عمار توتره بنظرة واحدة دون التعليق.

بحركة خاطفة فاجأه عمار وهو يمسكه من عنقه ويكتز على أسنانه: -أنت هتستعبط يا ** أمك!! مين يالا اللي محفظك الكلمتين دول! أسرع اللواء نزيه وبعض المتواجدين ناحية عمار كي يبعدوه عن ذلك الطبيب الذي كاد أن يختنق بين يديه، ولكنهم لم يستطيعوا منعه. -سيبه يا عمار هو ملوش ذنب أنت بتعمل إيه هيموت في إيدك. صرخ بها اللواء نزيه محاولًا إفلات يدي عمار عن عنق الطبيب، ولكنه لم ينجح في منعه، بينما زاد عنف عمار عليه:

-ما تنطق بروح أمك وإلا مش هتطلع من تحت إيدي حي. بينما كاد الطبيب أن يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى قبضت يد أخرى على يد عمار وبجسده الضخم وكل قوته محاولًا منعه. نظر عمار إلى ذلك الشخص الذي يواجهه بغضب، تاركًا الطبيب يحاول التقاط أنفاسه، متجهًا إلى تلك القوة الممسكة به كي يفتك بها. وحينما رفع يديه كي يلكمه حتى أمسكها ذلك الشخص بقوة صارخا: -اهدى يا عماااار.

ما أن وقعت عيني عمار عليه حتى هدأت يديه وسكنت أنفاسه وخارت قوته ليترك جسده وحمله كله بين يديه. بينما التقط الحضور أنفاسهم في راحة للبعض وخوف للبعض الآخر من ذلك الوحش الذي ظهر فجأة بينهم. ومن لا يهاب (داغر الجبالي) -أنا مش هسكت على اللي أنت عملته ده. أنا هوديك في داهية. هتف بها الطبيب صارخًا إلى عمار بعدما التقط أنفاسه مدافعًا عن كرامته. في حين لم يستجب له عمار وظل ناظرًا أمامه.

التفت داغر إليه بهيئته المخيفة واضعًا يديه على أذنه متهكمًا: -سمعني كده أنت بتقول إيه! هتف الطبيب بشجاعة ظاهرية وخوف يكاد يفتك به: -بقول مش هسكت على اللي عمله وهوديه في داهية. وأي حد هيمنعن....... لم يكمل الطبيب جملته حتى وجد داغر ممسكًا بعنقه من تلك المنطقة مرة أخرى هاتفا: -تصدق كنت غلطان لما منعته أنه يخلص عليك. أسرع اللواء نزيه ممسكًا بيد داغر صارخًا: -إيه يا داغر! هو أنا جايبك عشان تهديه ولا عشان تولعها أنت كمان!

ترك داغر ذلك الطبيب الذي وقع أرضًا مرة أخرى في محاولة لألتقاط أنفاسه التي كادت أن تتوقف. بينما نظر داغر إلى اللواء نزيه قائلًا: -مشيه من هنا عشان ممشيهوش أنا بطريقتي. وطالما أنا جيت سيب لي الباقي أنا كفيل بعمار.

نهض الطبيب مستندًا على اللواء نزيه وما زال يصرخ بأنه لن يفلت ذلك أمر أو يجعله يمر مرور الكرام. بينما اتجه داغر ناحية عمار ومد له يديه التي أمسك بها عمار ونهض معه. ما أن وقف أمامه حتى عانقه داغر بكل قوته فبادله عمار العناق في مشاعر كثيرة مختلطة بين الأصدقاء والأخوات. -تعالي الأول نشوف والدك وعمتك. وبعدين نفكر هنعمل إيه!!! *** -هاا! إيه رأيك!

قالها عزت وهو يرى تهامي مندمجًا فيما يراه على الهاتف وبعدما ألقى عليه خطته. ترك تهامي الهاتف من يديه ناظرًا إلى أخيه: -وهو هيصدق! عزت بثقة وبرود: -وميصدقش ليه! هو هيشوف الفيديو الأول بس. أما التاني ده بقه، مبقاش ليه لازمة بعد ما ماتت وهحذفه وبكده كأن مفيش حاجة حصلت. زفر تهامي في ارتياح مرددًا: -تمام. نفذ على طول و.... بتر حديثه وهو ينظر إلى الهاتف مرة أخرى نظرة متفحصة قائلًا:

-مش ده من الموبايلات الجديدة اللي معموله مخصوص من الوكالة! ابتسم عزت وهو ينظر إلى الهاتف بفخر مرددًا: -آه هو. اللي عامله ده عبقري. يستاهل فعلاً اللي اندفع فيه. ابتسم تهامي أيضًا وهو يتناول كأسًا من الخمر بجواره: -طيب ياريت تنتبه عليه. بلاش يبقى ده كمان من الاستهتارات بتاعتك. أشعل عزت سيجاره مرة أخرى مرددًا بزهو: -متقلقش. حتى لو ضاع محدش يقدر يوصل بيه لحاجة. أمال إحنا جايبينه ليه!

أنهى تهامي المتبقي من كأس الخمر جرعة واحدة ناهضًا: -يلا بينا عشان الحفلة اللي عندنا. ولا مش ناوي تيجي! أسند عزت رأسه خلفه في استرخاء قبل أن ينطق: -هخلص اللي ورايا هنا وهاجي على طول. مينفعش مجيش.

خرج تهامي من أمامه متوجهًا إلى حرسه كي يخبرهم بأمر الاستعداد للحفل. بينما أمسك عزت الهاتف الذي أمامه وهو يتفحصه بأعجاب ثم فتح قائمة الفيديوهات وأخذ يشاهد ذلك الفيديو بأستمتاع قبل أن يقوم بحذفه. ثم نهض من على كرسيه متوجهًا إلى ذلك المقيد كي يمليه خداعه ويتخلص منه قبل أن يذهب إلى الحفل. *** -عمار وصل. سمع القبطان مالك المصري تلك الجملة وبجواره أخته السيدة رباب. نهض القبطان مالك مسرعًا نحو مدخل الفيلا الخاص بعائلة

(المصري) وهو غير مصدق لما قد سمعه بأذنيه. خفق قلب القبطان بقوة وهو يرى ولده عمار قادمًا نحوه وبجواره صديق طفولته (داغر الجبالي) -عمار.. ابني. خرج الكلام من قلب والده قبل صوته. ودموعه كانت تسبقه كالشلال المنهمر.

وعكس ما توقع الجميع لم يبك عمار أو يذرف دمعة واحدة. بل عاد مرة أخرى إلى صلابته ورباطة جأشه. أخذ والده يجذبه إليه ليأخذه بين ذراعيه ويضمه بكل قوته وبكل حبه واشتياقه وحزنه وألمه وهو يشم عبيره ويتذكر ابنته التي خلقت معه بنفس اللحظة. وها هي تفارقه اليوم. -وحشتني يا أبويا.. أرجوك متبكيش.. أنا معاك وجنبك. ردد عمار هذه الكلمات وهو يربت على ظهر والده ليشد من أزره وسالت دموع الجميع من حولها. -عمااااار.. أنت جيت يا عمار.

كان ذلك صوت عمته رباب وهي قادمة مسرعة إليه تجر أقدامها في بكاء وقهر. ما أن رأته حتى ارتسم بصيص الأمل على محياها. فمجرد وجوده وعودته إليهم كفيلًا لشعورهم بالأمان. ترك عمار والده وأسرع باتجاه عمته يلتقطها بعدما خارت قواها وكادت أن تسقط أرضًا وهي ما زالت تردد: -أبني يا عمار. أنا خسرت بنتي. ومش عارفة ابني فين! شوفهولي يا عماار ورجعهولي. احتضنها عمار بقوة وهو يكاد يحملها بعدما وضع يديه أسفل أكتافها لتلقي بحمولها عليه.

-اهدى يا عمتي. هو فين حسام. ولا إيه اللي حصل أصلًا أنا ما زلت مش فاهم حاجة! رددت رباب ببكاء وهي تلقي نفسها داخل أحضانه: -معرفش يا ابني معرفش إيه اللي حصل. معرفش اختفوا إزاي هما الاتنين وبعدين رجعت بنتي ميتة ومعرفش ابني فين! تدخل داغر بعدما استمع لحديثها مرددًا: -ومبلغتوش البوليس ليه؟ أجابته وهي مازالت تبكي: -بلغنا يا ابني، ما هما اللي لقوا نور وجابوها وبيقولوا لسه التحريات شغالة وبيدوروا على ابني. داغر بتفكير:

-ومين الظابط اللي ماسك القضية؟ رباب: -معرفش يا ابني، كل شوية واحد شكل يجيلنا. شوفولي ابني فين، هاتولي ابني! استدار داغر بجسده الضخم وهو يشرد بتفكير محللًا ما يحدث حوله وهو يردد: -هجيبهولك، هجيبهولك. *** داخل بيت شرف الدين والد زينة. -يلا يا بنتي شيلي الأطباق دي واعمليلنا كوبايتين شاي. قالها شرف الدين لابنته بعدما تناولا الغداء سويًا، بينما نهضت زينة رافضة متعللة:

-لا يا بابا أنا هعملك الشاي وهنزل أنا عشان في شغل كتير في المحل مستنيني. شرف الدين باعتراض وحنو: -لا مينفعش أنتي هتشربي الشاي معايا وكمان عشان عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم. ما أن استمعت زينة لتلك الكلمات وهي تخرج من فمه حتى شعرت بالتوتر ولون فمها في امتعاض محدثة نفسها: -موضوع مهم! يا خوفي ليكون اللي في بالي. استمع والدها لهمهمات تخرج من فمها حتى علق: -انتي بتبرطمي بتقولي إيه؟ زينة بضحك متهكمة:

-لا يا بابا مبقولش، بقولك من عنيا هجيب الشاي وجاية أهوه. وبعد بضع دقائق معدودة أعدت زينة كوبين من الشاي وجلست بجوار والدها. اقترب منها والدها أكثر ووضع يديه حول كتفها يجذبها إلى حضنه، في حين ابتسمت زينة وبادلته العناق في حب شديد ثم رددت في مرح كعادتها: -ها يا بابا إيه الموضوع؟ ابتعد عنها شرف الدين قليلًا وهو يمسك بذقنها مرددًا: -وحشتيني وعايز أقعد معاكي شوية فيها حاجة دي؟ أومأت زينة برأسها في ابتسامة بلهاء مرددة:

-ماشي يا بابا اللي بعده، خش في المفيد على طول، خلاص المقدمة خلصت. ضحك والدها وهو يمسك بيدها قبل أن يردد: -طيب يا ستي من غير لف ولا دوران، في واحد اتكلم عليكي النهاردة. انتفضت زينة وهي ترفع صوتها في غضب: -دا مين ده اللي اتكلم عليا؟ قطع لسان اللي يقول عني كلمة واحدة! شرف الدين بضحك وهو يجلسها مرة أخرى: -يا بنتي أهدي، أنا قصدي يعني في واحد طالب إيدك مني. أسرعت زينة مرددة: -ويطلب إيدي ليه؟ هو إيده اتشلّت ولا ممعندوش إيد؟

هتف والدها بحزم: -زينة اعقلي بقى! أنا بتكلم بجد. ارتسمت ملامح الامتعاض على وجه زينة وجلست بضيق مرة أخرى مرددة: -اديني اتنيلت أهوه، ومش موافقة أساسًا. أشاح والدها برأسه في غضب وهو يزفر بضيق مرددًا: -اللهم طولك يا روح! ليه يا بنتي؟ هو كل مرة هتقوليلي لأ؟ طب المرات اللي فاتت عمالة تطلعيلي فيهم القطط الفطسانة، المرة دي دكتور ومحترم وميتعايبش ولو شفتيه أو قعدتي معاه متأكد إنه هيعجبك وممكن. قاطعته زينة باعتراض:

-يا بابا مش فكرة قطط فطسانة ولا حاجة، أنا اللي رافضة الفكرة كلها دلوقتي وكمان مش حاسة نفسي إني هيجيلي واحد يقعد يتفرج عليا ويا عجبته يا معجبتوش، مش حابة أنا الجو ده. أنا عايزة لما أجي أتجوز يكون واحد أنا عارفاه وعارفني وأحبه ويحبني وأكون موافقة عليه وهو موافق عليا قبل ما ييجي البيت. ردد والدها بمراوضة: -طيب مقلتش حاجة، هاتيلي واحد انتي تعرفيه وأنا موافق. أجابت زينة بضحك: -ما أنا محترمة ومعرفش حد. بادر والدها مرددًا

بحنان: -يبقى توافقي على الأقل تقعدي مع العريس ده دلوقتي وبعد كده ربك يحلها، مش يمكن يكون هو النصيب. كادت أن تفر الدمعة من عيون زينة وهي تهتف بحزن: -يا بابا هو انت عايز تخلص مني وخلاص لأي حد يشيل! نظر إليها والدها بعتاب ولوم: -أنا يا زينة! الله يسامحك يا بنتي. هو عشان عايز أطمن عليكي يبقى خلاص كده عايز تخلص منك. زينة بحزن: -يا بابا تطمن عليا إيه بس ما أنا كويسة أهوه، هو أنا كنت اشتكيت لك؟ شرف الدين:

-يا بنتي اللي جاي في العمر مش قد اللي رايح وأنا محيلتيش غيرك. انحنت زينة تمسك بيديه تقبلها مرددة بحنو: -يا شروفة متقولش كده ربنا يخليك ليا يارب وميحرمنيش منك أبداً، بس عشان خاطري أنا اقفل على الموضوع ده بجد أنا مش مستعدة نهائي للخطوة دي في حياتي. والدها مقاطعًا: -يا بنتي بس... زينة مكملة برجاء: -عشان خاطري يا بابا، طيب أجّله دلوقتي على ما أفكر في الموضوع ده عشان أقدر آخد الخطوة دي. شرف الدين بنفاذ صبر:

-أمري لله، ماشي يا بنتي براحتك. قبلته زينة على خده ناهضة وهي تردد: -تسلملي يا شروفة، الحق أنا بقى أنزل أشوف اللي ورايا. توجهت زينة ناحية الباب ولم تلبث أن تفتحه حتى سمعت صوت طرق عنيف عليه فانتفضت زينة على إثره وأسرت تفتحه. -عاااااااااا الحقيني يا زينة هيموتني! ***

بعد ساعات متواصلة من العمل الشاق، عاد إلى منزله أخيرًا لينال قسطًا من الراحة بين يدي حبيبته وزوجته وحبيبة قلبه من صغره وبيده بوكيه من الورد الجوري التي تعشقه. يعلم أنها غاضبة منه بسبب تأخره اليوم أيضًا بعدما طلبت منه القدوم باكرًا قليلًا. ولكن حماسه في العمل وتقدمه السريع به هو ونجاحه هو من كان يضغط عليه ويجعله مقصرًا قليلًا بحقها. ولكنه مدرك جيدًا أن زوجته تعشقه وتقدر ما يفعله من أجلها.

ما أن أغلق باب منزله حتى وجد المكان مظلمًا والأنوار مغلقة فشعر بالقلق قليلًا. ولكنه استمر بالسير إلى غرفة النوم وهو ينادي زوجته ولكن دون استجابة. ما أن دلف غرفة نومهم وأشعل الأنوار حتى وجدها تجلس على السرير تضم ساقيها وتدفن وجهها بينهما مما زاد من غضب حسام هاتفا: -هو أنا مش بنادي عليكِ مبترديش ليه؟

رفعت نوران رأسها إليه في عتاب والدموع تكاد أن تفر من عينيها دون الحديث. أشاح حسام بوجهه في ضيق وحزن، والذي تضاعف حينما وقعت عيناه على تلك الطاولة التي كانت تشمل طعام العشاء وحولها شموع انطفأت نارها. أدرك على الفور أنه ارتكب خطأ فادحًا حينما وعدها بأنه سيأتي باكرًا ولكنه لم يفِ بوعده. جلس حسام بجوارها وأمسك بيدها وقبلها في حب وحنان مرددًا في همس: -حقك عليا يا حبيبتي، والله غصب عني. نظرت إليه نوران

بعيون مدمعة ونبرة حزينة: -كل مرة شغل شغل، أنا مبقتش لاقياك يا حسام. طيب مكنتش توعدني على الأقل. اقترب منها أكثر هامسًا: -انتي عارفة طالما وعدتك واخلفت بوعدي يبقى كان غصب عني. وبعيدًا عن كل ده انتي وحشتيني جدًا جدًا فوق ما تتخيلي. ولم يلبث أن يحتضنها حتى ابتعدت عنه في عتاب مرددة: -لو سمحت أنا تعبانة وعايزة أنام.

وبينما هي تستدير حتى رأته يخرج بوكيه من الورد الجوري بين يديه وهو يلامس ورقاته في لين. أخذت نوران تنظر إليه تارة وتشيح بوجهها تارة أخرى إلى أن غلبها فضولها سائلة: -هو.. لمين الورد الجوري ده؟ حسام متصنعًا اللامبالاة: -ده! لا ده لواحده كده لو كانت هتصالحني. ثم نظر هو أيضا إلى طاولة العشاء والشموع متسائلاً: -هو لمين الأكل والشموع دي؟ تصنعت هي الأخرى اللامبالاة مرددة: -دا لواحد كده لو كان جه بدري النهارده.

لم يلبث ثواني حتى انفجر الاثنان من الضحك وهما ينظران لبعضهما البعض، فبادر حسام بالكلام: -طب إيه بقى؟ أسرعت نوران وألقت بنفسها بين ذراعي زوجها وحبيبها بشوق وحب وعتاب جميل بينهما مرددة: -وحشتني أوي. ضمها إليها بنفس الشوق واللهفة والحب هامساً: -وإنتي وحشتيني أكتر. اقتربت هي الأخرى من أذنه وهمست بنفس نبرته: -أنا حامل يا حسام.

انتفض حسام محاولاً التنفس بعدما أُلقي في وجهه دلو من الماء البارد ليصحو من حلمه الجميل على آخر صوت يريد سماعه. -جالك قلب تنام وإنت لسه متطمنتش على مراتك؟ بعد انتهاء الدفن داخل فيلا المصري بحي المنيل بالقاهرة، ودّع عمار آخر الحاضرين العزاء وعاد مرة أخرى حيث يجلس أفراد العائلة: والده وعمته وصديقه داغر، وآخرهم اللواء نزيه. نهض اللواء نزيه من مكانه موجهاً حديثه إلى عمار: -عمار مش يلا بينا إحنا؟

التلات أيام خلصوا ولازم نرجع. نظر إليه عمار في برود مردداً: -لا معلش يا سيادة اللواء، أنا مش راجع دلوقتي. لم يستوعب اللواء نزيه ما قاله عمار، فامتعض وجهه مستنكراً: -أفندم؟ إنت بتقول إيه؟ أجابه عمار مرة أخرى: -زي ما سمعت يا سيادة اللواء. أنا.. مش.. راجع.. دلوقتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...