أمام مقر شركه أبو الدهب لم تنجح تلك الفتاه في تنفيذ مخططها حتى شعرت بمن يخطف من يديها السلاح على غفله منها ويقيد يديها خلف ظهرها، جاذبًا إياها بعنف شديد إلى الخلف، حتى ذهب تهامي بسيارته من أمامهم. ما أن تأكد عمار من خلو المكان حولهما، حتى نظر إليها فوجدها ترتجف بخوف، وهرعت في البكاء الشديد. لم يستطع عمار تفسير ما كانت تنوي فعله ولماذا، وكذلك تلك الحالة من الخوف التي تمكنت منها. "هتقول لي... هيقتلني صح؟
خرج صوتها مرتعشًا متلعثمًا من شدة الخوف. في حين تنهد عمار بهدوء: "أهدي، مش هقول له حاجة... لكن إنتي اللي مفكرة نفسك بتعملي إيه! وليه أصلًا! تفتكري واحد زي ده مهما كان اللي عمله فيكي يستاهل إنك تضحي بحياتك عشانه! "وهي فين حياتي دي أصلًا! ده قضى على حياتي ودمر كل اللي باقي لي في الدنيا... خرب بيتي وقتل... أسرع عمار يقاطعها: "خلاص بقى حصل خير، ابقي خدي بالك المرة الجاية وبصي حواليكي وانتي ماشية."
رمقته بتعجب شديد ودهشة لتغييره دفة الحديث فجأة، ولكنها لم تلبث كثيرًا حتى استمعت لصوت من الخلف، صوت تحفظه وتعرفه جيدًا: "إنت واقف هنا ليه! مش تهامي قال لك تروح وراه؟ لم يجبه عمار كعادته. وجه نظراته الأخيرة عليها مرددًا وهو يغادر: "هبقى أشوفك تاني... غادر عمار بسيارته خلف تهامي، في حين وقف عزت خلف تلك الفتاة. شعرت بالتوتر الشديد والضعف، ولكنها استجمعت قواها، وما أن تقدمت خطوة للأمام حتى أمسك بها عزت من يديها يستوقفها:
"بصيلي! إنتي مين؟ خفق قلبها بقوة وهلع وهي لا تريد رؤيته. هبطت عبراتها في تردد: "لو سمحت سيبني أمشي! شعر عزت بالنفور والغضب من تلك الرافضة النظر إليه! أولم تعرف من هو؟ جذبها بقوة وأرغمها بعنف على التحرك بجسدها لتنظر إليه. خفضت وجهها لأسفل وهي تستدير وتبكي أمامه.
ما أن وقعت عينا عزت عليها حتى كاد قلبه أن يخرج من بين قفصه الصدري. خفق قلبه بقوة شديدة وتعلق عينيه عليها، وعقله يحاول استيعاب أنها أمامه مرة أخرى بعد كل تلك السنوات! من كانت سببًا لوصوله إلى تلك الحالة من الضياع... امتدت يداه برفق ورجفة إلى وجهها في غير تصديق، وأمسك بذقنها ورفع وجهها إليه: "ديما!!! ***
مضى عمار بصحبة تهامي في طريقهما لتنفيذ تلك العملية الضخمة التي كاد أن يخسر أخيه من أجلها. لا أحد يعلم إلى الآن بماذا يخطط لعمار أو ما يدور برأسه تجاهه، ولكن كان عمار حريصًا وبشدة على أن يثق به لأقصى درجة، لكي يخطو خطوته التالية في القضاء عليه. تعرف عمار على رجال الحراسة التي بصحبة تهامي وأجرى لهم اختبارات بسيطة كان يراقبها تهامي من خلالها ليتأكد من قوته ومهارته الحربية.
ما أن انتهوا جميعًا واستقرت البضاعة التي سيتم تسليمها أو المهمة الصعبة كما أطلق عليها تهامي، حتى تحركوا جميعًا من مكانهم إلى تلك المهمة. كان عمار بصحبة تهامي في نفس السيارة، قلقًا إلى حد ما! لا يدري ما الذي ينتظره، ولكن من خلال حديث تهامي القليل والأوضاع التي تحدث حوله، شعر بخطورة تلك المهمة وأهميتها أيضًا بالنسبة له، وتلك الشحنات الضخمة العملاقة الذي لم يعرف ما الذي بداخلها ولم يستطع السؤال عن ماهيتها أيضًا.
لاحظ عمار تلك الطرق التي يتخذونها، وكذلك التصريح الذي بحوزة تهامي كلما مر على لجان من الجيش. حاول عمار بقدر الإمكان على أن لا يظهر تلك الدهشة والذهول على محياه، ليبدو صلبًا وكأن الأمر لا يعنيه شيئًا. استغرق سفرهم ما يقارب العشر ساعات إلى أن وصلوا لمناطق رملية تحفها جبال بمسافات معينة. تمكن القلق أكثر بداخل عمار وهو يتفحص تلك المنطقة التي يعرفها جيدًا.
لم يكن من الصعب على ضابط حربي أن يعرف أرض سيناء، فماذا عن ضابط رأى الكثير من زملائه يتساقطون عليها لتروي دماؤهم أرضها!!! لا يدري لما تذكر فجأة ذلك الهاتف الذي كان بصحبة زينة وتلك الأسلحة الغريبة والمتفجرات المتنوعة الأشكال والأحجام، وكأن حجرًا ضخمًا هبط على قلبه ليغمض عينيه بمرارة وألم وهو يدعو ربه بأن لا يكون الأمر له علاقة بما هو به الآن.
ولكنه يدرك جيدًا أنه يبرر ذلك لنفسه فقط، حيث أن كل الأدلة تشير إلى عكس ذلك. لم يستطع إخفاء قلقه ومخاوفه تلك أكثر من ذلك: "هو إحنا مستنيين إيه دلوقتي؟ كان تهامي أيضًا قلقًا، ولكن قلقه ذلك كان في اتجاه آخر غير عمار. ما أن استمع لصوته حتى نظر إليه مرددًا: "جوزيف! ممكن أنت بالذات متسألش عن أي حاجة دلوقتي، ولما المهمة دي تخلص أنا هجاوبك على كل اللي إنت عايزه. إنت هنا عشان تحميني وبس! ده طلب مني ممكن!
هز عمار رأسه بإيماء بعدما أكد له حديثه من شكوكه أيضًا. شعر عمار بقبضة في صدره مما هو مقبل عليه! لم يكن أحمقًا حتى يدرك أن ذلك الأمر خطير بالفعل، وأن تلك المهمة لم تكن مجرد عملية تسليم أسلحة أو مخدرات كما كان يعتقد في بادئ الأمر، وأنها أكبر وأخطر من توقع أحد. وتكاد أن تصل خطورتها إلى حرب دولية، وتحديدًا احتلال سيناء. استمع صوتًا من الخلف يتحدث بالروسية: "وصلتوا!
كان ذلك صوت رجل يبدو على ملامحه أنه ليس بعربي على الإطلاق. منظره الوحشي وضخامة جسده وذلك السلاح بيديه أكدا له ذلك. أجابه تهامي أيضًا بالروسية: "كل شيء جاهز للتسليم كما كلفت! التفت تهامي بقلق طفيف مسرعًا إلى عمار يسأله: "إنت بتعرف روسي؟ عمار رأسه في اعتراض سريع: "مبعرفش غير إنجليزي بس، هو الراجل ده بيقول إيه وانت بتقوله إيه؟
أخفى عمار حقيقة فهمه ومعرفته بما يقولون وأنه بالفعل يفهم الروسية بعدما رأى نظرة القلق في عينيه. تأكد من ذلك حينما اطمأن تهامي إليه: "خلاص متسألش! أنا قلت هجاوبك لما العملية دي تخلص." لم يمهله تهامي على الإكثار من الحديث، حيث ظهر عدة رجال من خلف ذلك الرجل الروسي، وكذلك أمر تهامي عمار ورجاله في فتح تلك الشاحنات، والتي كانت صاعقة حينما رأى ما بداخلها ليتأكد من كل ما كان يساوره.
شعر عمار بأنه عاجز عن فعل أي شيء، عاجز حتى عن التفكير. كل ما خطط له للانتقام من أبو الدهب كاد أن يتحطم أمام عينيه إذا اختار طريقًا آخر لمنع تلك الكارثة. ومن ناحية أخرى واجبه الوطني وبلده وأرضه وعرضه الذي قدم لها الكثير ووهب حياته من أجلها. حاول جاهداً التفكير في أي حل ينقذ تلك الورطة ولكنه لم يجد. إن عارض أبو الدهب واعترض على حدوث ذلك، لم يستطع فعل ذلك وحده أمام تلك القوى الجبارة الذي يريد مواجهتها.
أخذ عمار يجول بعينيه في تلك المنطقة وكذلك التدابير الأمنية التي تحاوطها من كافة الاتجاهات لتتشكل كحصن منيع صعب الاختراق. أولئك القناصون الذين يتركون في مناطق صعبة التمييز، وكذلك الألغام الضاغطة التي وضعت على مسافات معينة. وأيضًا عدد الرجال بالخارج. "جوزيف! تعالي ورايا... فاق عمار على صوت تهامي فذهب خلفه بعد أن قرر وحزم أمره في أي طريق سيمضي ويختاره.
دلف عمار خلف ذلك الرجل الروسي الذي بدا له أنه كبير تلك المنطقة ورجاله إلى مبنى واسع جدًا من الطوب الأبيض. استمع عمار إلى حوار ذلك الرجل مع تهامي الذي كان بالروسية أيضًا. نظر الرجل إلى عمار بغضب محدثًا تهامي: "لما ذلك الرجل يستمع لحوارنا! أولم تدرك خطورة الموقف! أجابه تهامي بثقة: "لا تقلق، إنه لا يفهم الروسية."
وكذلك عمار تصنع عدم الفهم لما يرمي عليه من كلمات، حتى تعمد أيضًا ذلك الرجل لإهانته وسبه بألفاظ قذرة كي يتأكد من عدم فهمه، ولكن عمار أيضًا نجح ببراعة في كتم غيظه وتمثيل عدم فهمه، حتى تحدث تهامي: "أخبرتك أنه لا يفهم الروسية." وما أن اتفقا على كل شيء وتسلموا تلك الشحنات وكاد عمار أن يعود أدراجه بصحبة تهامي، حتى استمعوا إلى صوت شلالات من الرصاص بالخارج. ***
نظر الروسي إلى تهامي وكذلك عمار، فرفع تهامي يديه يخبره أن لا علاقة له بالأمر بعد أن دب الخوف بداخله، في حين عمار لم يفهم أي شيء عن أسباب إطلاق تلك النيران. أخرج تهامي سلاحه وكذلك عمار، حيث أخبره تهامي بأنه مكلف بحمايته هو فقط.
خرج الروسي بعد أن أمسك بسلاح ضخم للقذائف، تبعه تهامي وعمار. وما أن خرج عمار حتى وجد ساحة من الحرب وضع بمركزها ومجبر على القتال بها. كان قلقًا في البداية من أن تكون تلك إحدى غارات أهالي العريش، ولكنه تأكد من أنه ليس كذلك حينما استمع لذلك الروسي وهو يخبر تهامي بأنهم إحدى العصابات الأخرى التي تريد الاستيلاء على تلك الشحنة. أطمئن عمار وأسرع بإعطاء بعض الأوامر للرجال الذين معه، وأخذ كل منهم يقاتل حتى آخر نفس به.
وجد عمار ذخيرته قد نفذت بأكملها ويجب عليه التحرك من موضعه لملئها، ولكن أن خطى خطوة أخرى سيفقد تهامي تأمينه ويكون مكشوفًا أمام من يريدون قتله. ما أن رأى تهامي عمار يتحرك من مكانه حتى صرخ بكل قوته: "إنت رايح فين! إنت اتجننت!!!!! صرخ عمار أيضًا بغضب: "لو فضلت مكاني هنموت إحنا الاتنين، معييش سلاح."
ولم يمهله عمار للحديث أكثر حتى وقع بجسده وأخذ يفر سريعًا حتى وصل إلى السيارات خاصتهم. هاجمه إحدى الرجال، ولكن عمار أسرع بحركة قتالية وكسر عنقه قبل أن يصل إليه، وأحتمى بجسده أيضًا من هول الرصاص الذي أخذ يهطل عليه كالمطر من كل اتجاه. تناول عمار سلاحًا ضخمًا غير الذي كان معه وأخذ يقتل كل من يعترض طريقه دون رحمة أو هوان، حتى نفذت ذخيرته أيضًا ويجب عليه العودة إلى موضعه.
وبينما كان بطريقه إلى العودة وهو يضع الذخيرة مرة أخرى، حتى لمح رجلين يتجهان إلى تهامي وأحدهم يصوب سلاحه، حتى أسرع عمار وصرخ به، فابتعد تهامي في خوف شديد وذعر، واستقرت الرصاصة في جسد عمار. قتل تهامي أحدهم، سرعان ما أنهى عمار وضع الذخيرة وفجر رأس الآخر.
نهض عمار مرة أخرى بسلاحه وهجم على أحد هؤلاء الرجال وأخذ يقتلهم فردًا يلو الآخر، بعدما قتل معظم رجال الحراسة التي كانت بصحبة تهامي، وأيضًا عدد كبير من رجال الروسي، ولكن أعدادهم كانت تزداد. جالت بخاطره فكرة فأسرع بالمخاطرة وأخذ يقفز على دفعات معينة إلى أن وصل وركب على سلاح القذائف الضخم وأخذ يطلق به على دفعات متكررة فقضى على جميعهم.
نهض ما تبقى من الرجال وكذلك تهامي واتجهوا إلى عمار الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة من شدة الدخان والأتربة. "إنت كويس! دراعك اتصاب! أبتعد عمار قليلًا كي يستطيع التقاط أنفاسه: "أنا كويس! اتطمن بس المفروض نمشي في أقرب وقت عشان دراعي مش قادر أستحمل نهائي." أخذ عمار يتألم ويتصنع الضعف أمامه كي يسرع في إعادة أدراجهم مرة أخرى.
في حين نظر إليه الرجل الروسي في إعجاب وشك كبير وهو يسأل أبو الدهب عنه ومن أين تعلم استخدام تلك الأسلحة، ولكنه أجابه بأنه ليس الوقت المناسب لذلك وأنه أيضًا يجب إخراج الرصاصة من ذراعه.
أسرعوا بالفعل وسخنوا خنجرًا إلى درجة الاحمرار وقاموا بإخراج الرصاصة من كتفه في تعجب شديد لقوة تحمله تلك. وما أن وصلوا إلى سياراتهم حتى تمدد عمار وأغمض عينيه في ضعف وألم حقيقي وهو يفكر في تنفيذ مخطط آخر لوقف تلك الجريمة التي ساعد على إتمامها، حتى لو كلفته حياته بأكملها. ولم يدري أنها بالفعل حياته ستكون ثمنًا لذلك. ***
بعد محاولات كثيرة ما بين الغفوة واليقظة، وهو يفكر فيما سيفعل بعد أن يصل إلى مكانه مرة أخرى، وسيناريو الحوار الذي دار بين تهامي وذلك الروسي يتردد أذنه بين الحين والآخر ليرسم عليه خطته القادمة. وبعد مرور عشر ساعات أخرى وصلوا إلى قصر تهامي أبو الدهب. هبط عمار أيضًا من السيارة وبدت على ملامحه الوهن والألم. أسرع تهامي إليه: "إنت أنقذت حياتي النهارده! ردد عمار بإيماء: "ده واجبي، أنا مدين لك بالوفاء...
ودلوقتي أنا تعبان جدًا ولازم أرجع." أمسك به تهامي: "لا ترجع فين دلوقتي! أنت هتيجي معايا على فوق والدكتور هييجي لحد عندك ويعالجك وتستريح كام يوم... ده غير إني أنا كمان مدين لك بأني أعرفك كل حاجة عني لأني عايزك دراعي اليمين وجنبي في كل وقت." أجابه عمار معترضًا متألمًا: "معلش مبعرفش أرتاح غير في بيتي، وبعدين إحنا اتفقنا إني هبقى معاك في العمليات والسفر والشغل بس، والأيام العادية هرجع بيتي." ابتسم له تهامي
بإطمئنان وربت على ظهره: "براحتك زي ما تحب وخد الوقت اللي يريحك، ولما أحتاجك هكلمك، بس أرجع بسرعة عشان في مكافأة ليك." تركه تهامي بعد أن رأه يتألم بالفعل، فشكره عمار وأسرع لسيارته التي تركها بالقصر الخاص بهم. قاد بأقصى سرعة وهو لا يسيطر على عقله سوى منع حدوث تلك الكارثة. أخرج هاتفه وقام بالاتصال باللواء نزيه، الذي صدم من اتصاله في ذلك الوقت وصعق أكثر حينما أخبره عمار بما رآه وما يريد فعله أيضًا.
اللواء نزيه: "حاضر يا عمار، في خلال نص ساعة كل اللي طلبته هيكون جاهز، وكمان هجهز لك عشر عساكر وهبعت لك مهندس كمبيوتر من المخابرات الحربية."
عمار: "لا مش عايز عساكر، مش لسه هدرب وأفهم تعمل كذا ومتعملش كذا، أنا عايز حد متدرب جاهز، ابعتلي معتز ومحمد ومش عايزهم بلبس الجيش، عايزهم بلبس عادي ومش عايز مهندس أنا معايا. والطيارة تشيل من عليها كلمة الجيش المصري وتخفي علم مصر، كل ده مش عايز ياخد أكتر من نص ساعة، مش عايز أي حد يعرف أن الجيش هو اللي عمل كده." اللواء نزيه: "محمد مش هينفع بلاها خالص، هكلم معتز وأجهز لك اتنين ظباط كويسين متقلقش."
عمار: "لو سمحت يا فندم أنا عارف أنا بقولك إيه وعايزهم يعملوا إيه، بلاش عساكر." (جال بخاطره شخص ما) "خلاص خلاص جهز لي معتز بس أنا هتصرف." اللواء نزيه: "طيب حالا... أنهى عمار اتصاله ووصل إلى البرج الذي به شقته. *** وفي مكان آخر بمدينة السلام ومعالمها الخلابة
هبطت شريهان وهي بكامل أناقتها وتألقها، ترتدي فستانًا أسود اللون عاري الكتفين بالكاد يصل إلى ركبتيها. كانت جميلة جدًا إلى أن وقعت عيناه عليها حتى ابتسم على الرغم منه. وقفت أمامه في ابتسامة ساحرة أيضًا عندما رأته مبتسمًا: "On time!! (في معادي مظبوط! أمسك حسام بيديها بعدما وقف أمام سيارته: "On time." صعدت شري إلى سيارته وكذلك حسام بجوارها: "تحبي تروحي فين! نظرت إليه شري في نعومة ورقة: "ممكن أي مكان هادي نسهر فيه!
نظر إليها حسام بتعجب: "مكان هادي!! توقعتك غير كده! "متهيأ لي لا... إنت لسه متعرفنيش برضه! هز حسام رأسه ونظر إلى الطريق أمامه، في حين أضافت شريهان: "نتعرف على بعض أكتر... نظر إليها حسام وبداخله ضيق شديد وحقد يكتمه بداخله أسفل ذلك القناع الذي يرتديه أمامها ليبدو طبيعيًا للغاية.
أما هي في عالم آخر ترتب كلماتها وحروفها التي ستقولها له، لا تدري كيف حدث ذلك ومتى، ولكنها بالفعل سعيدة بوجودها معه ولا تريد سوى الاقتراب من ذلك الغامض أكثر وأكثر. وبداخل منزل عمار كانت زينة مستلقية على ظهرها وعبراتها لم تجف من ليلة أمس، كلما تذكرت كلماته اللاذعة لها وكيف وصفها بأنها فتاة ليل وأنكر كل المشاعر التي تكنها له!
كان اللابتوب بجوارها تنظر إلى تلك الصور التي جمعتهم سويا في الرقص. استطاعت إحدى الفتيات من التقاط بعض الصور لهم وهم يحتضنان بعضهم في نظرات حميمة عاشقة وأعطتهم لها على كارت ميموري صغير. أخذت تتطلع عليها وعلى نظراته لها بتلك الصور التي لم تكذب أبدًا، حتى وإن كذب عليها لسانه وعقله، فنظرته لها في تلك الصور لم تشر أبدًا إلى ما ألقى عليها من لسانه وإهانته لها.
ولكنها اكتفت من كل ذلك، اكتفت من وضع افتراضات لتقنع نفسها بأنه يكن لها مشاعر ولو صغيرة. هو قالها صريحة واضحة أن كل ذلك لا يعنيه شيئًا وأنها ليست سوى فتاة ليل بالنسبة له ويجب عليها أن تتصرف على هذا المنوال. يكفي من السعي وراء حب لم تجني منه سوى ألم قلبها وكسرتها! أغلقت اللابتوب وهي تقنع نفسها باتخاذ خطوة جديدة معه!
خطوة جادة حازمة صارمة خالية من أي مشاعر له لتعيد إليها ما تبقى من كرامتها إلى أن تنتهي تلك المهمة وتتركه للأبد. ما أن نهضت من على السرير حتى انتفضت هلعًا على أثر صوت تعرفه جيدًا، والأخص أنه لم ينطق سوى اسمها: "زييييييينه!!!!!!!!؟
سرعان ما استجمعت زينة شجاعتها وكأنها لم تخف أو ترتجف على أثر صوته وقررت أيضًا عدم التحدث إليه مطلقًا وليحدث ما يحدث، لن تسمح له بإهانتها أو التحدث معها بتلك الطريقة مرة أخرى. لم تجبه ولم تخرج من الغرفة أيضًا وجلست وهي تضع قدمًا فوق الأخرى في كبرياء وكأنها لم تستمع إليه. "مش بنادي عليكي!!! كان ذلك صوت عمار وهو يقف على باب الغرفة. جاهدت زينة على عدم النظر إليه على الرغم من أنها شعرت بتغير صوته قليلًا.
ولكن عمار ردد مرة أخرى: "زينه!؟ خرجت تلك الكلمة مرة أخرى ضعيفة راجية! شيئًا ما بصوته جعلها تنظر إليه حتى نبض قلبها خوفًا بعدما رأته على تلك الحالة. هبت زينة ووقفت أمامه: "إنت كويس! إيه اللي حصل... وضعت يديها على فمها بصدمة شديدة وعرفت الدموع طريق عينيها حينما رأت ذراعه: "دراعك ماله إيه اللي عمل فيك كده! أسرعت زينة وأمسكت بذراعه حتى شعرت بسخونة جسده بشدة، حتى نظرت إليه بخوف شديد وألم: "عمار إنت سخن أوي!
حصلك إيه طمني عليك عشان خاطري؟ ما أن رأى عمار تلك النظرة بعينيها حتى أمسك بها من ذراعيها مرددًا بضعف: "اطمني! هي رصاصة بسيطة خدتها في دراعي... أنا كويس بس محتاجك معايا ومش عايز أي حد يعرف عشان خاطري أنا! بكت زينة بمرارة وهي تتطلع إليه بقلق: "رصاااصة!!! وبتقولها عادي كده!! "أه بقولها عادي لأن لسه في الأصعب من كده." اشتد عمار على قبضته من ذراعيها وهو ينظر لعينيها:
"متزعليش مني من اللي قلته امبارح، أنا كنت بكذب عليكي عشان مكنتش عايز أواجه حقيقة مش راضي أعترف بيها. أنا آسف يا زينة، حقك عليا، إنتي أكبر وأغلى من كل كلمة قلتها في حقك امبارح." هبطت زينة دموعها أكثر في قهر وألم: "مش زعلانه منك ولا عمري زعلت منك يا عمار، وأصلًا أنا مش فاكرة إنت قلت إيه ومش عايزة أفتكر. أرجوك إنت اسمع كلامي دلوقتي وتعالى نروح لدكتور عشان دراعك ده وجسمك اللي قايد نار." خرج صوته ضعيفًا:
"مينفعش دلوقتي، هاتي لي تيشيرت بكم طويل من الدولاب وهاتي لي حاجة أربط بيها دراعي وألبسي حاجة بسرعة وهاتي اللابتوب معاكي عشان هنتحرك من هنا." زينة برجاء شديد وخوف عليه: "مينفعش يا عمار إنت.... قاطعها عمار في صرامة شديدة على الرغم من ضعفه: "زينة انجزي مفيش وقت!!! أسرعت زينة تنفذ ما قاله لها، في حين أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا. *** بداخل قصر الحسين
كان يجلس عبدالله بجوار زوجته يشاهدون التلفاز، وبالخارج كان يتنافس كل من أدم وحمدي وسيف داخل حلبة المصارعة. تناول عبدالله إحدى حبات الفاكهة الموضوعة أمامه بيده، وباليد الأخرى حاوط بها ظهر مرام في حنان، ولكن لم يلبث أن يستريح في جلسته حتى وجد هاتفه يصدع بالرنين. ما أن نظر إلى شاشته حتى وجد اسم عمار. شعر ببعض القلق ونظر إلى مرام التي تساءلت عن هوية المتصل. سرعان ما أجابه: "أيوه يا عمار إزيك عامل إيه؟
عمار: "في حد من عيالك بيعرف يسوق طيارة؟ شعر عبدالله بجدية حديثه وكذلك صوته الضعيف الذي أحس بالألم من نبرته، فأجابه مسرعًا: "أيوه أدم... وحمدي، أصلًا طيار حربي، خير في إيه؟ عمار: "في خلال نص ساعة بالكتير يكون أدم أو حمدي في العنوان ده ******" شعر عبدالله بجدية الموقف فردد سريعًا: "حاضر حالا، إنت كويس!؟ وعند عمار دلفت زينة بسرعة وقلق ولهفة: "جبت لك التشيرت أهو، لكن خليني أطهر لك الجرح الأول عشان تقدر...
نظر إليها عمار سريعًا بصرامة وقاطع حديثها بأن أشار إليها بيديه كي تصمت. ولكن عبدالله استمع إليها جيدًا فكرر سؤاله: "إنت كويس يا عمار؟ صوتك ماله! عمار: "أنا كويس ومتشغلش بالك، وياريت بسرعة أدم يكون عندي." أخبره عبدالله بأنه سيكون معه قبل الوقت المحدد، وسرعان ما نادى على أبنائه الثلاثة الذين لبوا ندائه مسرعين، حتى أخبرهم بما قاله له عمار وأمرهم بأن يذهبوا ثلاثتهم لمساعدته فيما سيمليه عليهم.
مرام: "هو مش قالك عايز أدم بس؟ فأجابها عبدالله: "هو قال كده أه، بس هو تعبان، وطالما عايز حد يسوق الطيارة يبقي الموضوع مش سهل زي ما إنتي متخيلة. مش هيخسر حاجة لما يكونوا هما التلاتة مع بعض، بالعكس هيقووا بعض، لكن واحد لوحده ده اللي ممكن يبقى فيه خطورة." نظر لأبنائه، كان كل منهم يرتدي حذاءه ويضع سلاحه أسفل حزامه على عجلة من أمرهم وهم لا يفهمون شيئًا عن ما هم مقبلين عليه سوى تلك المعلومات الضئيلة التي أخبرهم بها والدهم.
خرج أدم وحمدي وسيف في سيارتهم متجهين إلى المكان الذي أخبرهم به والده، في حين نظرت إليهم مرام في قلق شديد: "جيب العواقب سليمة يارب... وبداخل منزل عمار نهض عمار من مكانه حتى شعر بدوار شديد يهاجمه. هز رأسه بألم وضعف، حاول قدر الإمكان يخفيه ولا يظهره، وأسرع تحت صنبور المياه ووضع رأسه بأكملها لمدة دقيقة كاملة كي تنعشه قليلاً ويستطيع المقاومة.
ما أن رفع رأسه حتى وجدها تنظر إليه في خوف شديد وقلق وعيناها ما زالت مبتلة بدموع حبها له. ابتسم لها بضعف: "جاهزة تيجي معايا! زينة: "جاهزة أجي معاك ولو في النار يا عمار." اقترب منها وأمسك بيديها: "ما هو هيبقي نار فعلاً، مش عايز خوف ولا قلق، مش عايزك تخافي من اللي هيحصل أو هتشوفيه، عايزك تنفذي اللي هقولك عليه وخلاص تمام! هتفت زينة بحزن وخوف:
"أنا مش خايفة من أي حاجة غير عليك إنت، خايفة يحصلك حاجة مش هقدر أستحمل أشوفك كده! ضغط على يديها بحب يطمئنها: "متقلقيش هبقى كويس، ياما شفت أصعب من كده... يلا بينا الوقت بيجري... مضوا سويا إلى طريقهم وكل منهم يفكر باتجاه. هو لا يفكر إلا بأن ينتصر عليهم ويمنع تلك الصاعقة من الحدوث، وهي تفكر به فقط وأخذت تدعو بقلبها بأن يحفظه له وأن لا يصيبه مكروه. *** وعلى أرض رملية في الظلام الدامس
تجمع كل من عمار وزينة، اللواء نزيه، معتز، أدم، حمدي وسيف. شرع عمار بالحديث: "حمدي وسيف! جيتوا ليه أنا كنت محتاج واحد بس! أنا كنت أقدر أسوق الطيارة، لكن أنا محتاج حد تاني عشان أفضل معاكم أشرح لكم طبيعة المهمة." نطق حمدي بجدية: "طالما محتاج واحد يبقى مفيش مانع تاخد أكتر، لكن مينفعش تاخد أقل، وبعدين إنت شكلك تعبان." هز عمار رأسه بنفي:
"لا مش تعبان، وعشان منضيعش وقت كله يربط حزام المظلات بتاعه بسرعة عشان هننزل قبل الهدف بكيلو. حمدي يلا على الطيارة واللاسلكي معاك." أومأ له حمدي وأسرع يركب لقيادة الطائرة، في حين شرع كل منهم يربط حزامه بمهارة. نظر عمار إلى زينة فوجدها مرتبكة ولا تستطيع ربط حزامها. جذبها إليه وأمسك من حزامها وربطه جيدًا: "زينة أنا قلت مش عايز خوف، إنتي دورك أهم واحدة فينا كلنا، لو اتوترتي أو مركّزتيش ممكن نضيعه."
هزت له رأسها ونظرت لعينيه: "متقلقش، خليك واثق فيا." "أنا واثق فيكي لدرجة إني حاطط حياتي بين إيديكي." أبتعد عنها ناظرًا للواء نزيه الذي ردد: "متخافش مفيش أي حد هيعرف وكل حاجة تمت بشكل سري، يلا يا وحش روح وارجعلي تاني وانت حارقهم في نار جهنم زي كل مرة." قدم له عمار التحية العسكرية ونظر إلى الفريق معه: "يلا يا رجاااله، توكلنا على الله."
صعد جميعهم للطائرة وانطلق بهم حمدي. أخذ عمار يشرح لهم كيفية الدخول لتلك المنطقة وعددها جميعًا وعدد القناصين وأماكن ارتكازهم، وكذلك موضع الأسلحة والمتفجرات. "اللي أنا خايف منه أوي هو الألغام، ولاد الكلب محاوطيها بطريقة صعبة، مفيش حد يقدر يعديها إلا اللي حافظ المنطقة كويس وشافها أكتر من مرة، ياريت نخلي بالنا كويس ونفتكر دائمًا أنها على بعد كل تلاتة متر بشكل دائري." نطق معتز:
"متقلقش يا قائد إن شاء الله ربنا هينجينا، وحتى لو متنا، هو في حد يطول أنه يموت شهيد وهو بيدافع عن أرضه." عمار بجدية: "إنتوا كلكم مسؤولين مني ومحدش فيكم هيموت مفهوم! ثم نظر لزينة مرددًا: "زينة! إنتي دورك أنك هتقطعي كل شبكات الاتصال أو تعملي عليها شفرة تلغيها نهائي، لو حسوا بأي حاجة خلال ربع ساعة الدعم هيكون عندهم ويقضوا علينا قبل ما إحنا نوصلهم، ده غير أن عددهم أكبر بعشرات المرات مننا، تقدري تعملي كده!
زينة بإيماء وثقة: "طبعًا أقدر، دي حاجة سهلة، اطمن." أخبرهم حمدي أنهم بالمكان الذي تم تحديده للتوقف والهبوط بالمظلات، فتوقف بالطائرة في السماء. وقف عمار وبجواره الجميع وبدأوا بالنزول واحدًا تلو الآخر، حتى بقي هو وزينة فقط. وما أن رأتهم زينة يقفزون من على ذلك البعد حتى صرخت: "لا ده أنا أموت مش هقدر... عمار مش هقدر أنط والله العظيم ممكن أموت فيها، أرجوك مش هقدر، وحتى لو نطيت مش هقدر أفتح الباراشوت وهموت منكم."
أمسك عمار بوجهها مرددًا: "زينة اهدي، الموضوع مش صعب، جمدي قلبك." بكت زينة بصراخ: "لااااا متقوليش جمدي قلبك، المرة دي مش هعرف خالص، مش هقدر بجد." "خلااااص خلاااص، أحضنيني." اقتربت منه زينة واحتضنته بقوة شديدة، فلم يستطع عمار كتم ضحكاته: "هو إنتي أي حد كده يقولك أحضنيني بتحضنيه!!! زينة بهلع شديد: "مش هرد عليك." ضحك عمار واحتضنها أكثر، ثم استدار بنفسه وألقى بجسدهما سويا من الطائرة.
وصلوا جميعًا إلى الأرض بأمان وخلعوا مظلاتهم وتناولوا أسلحتهم ومعداتهم الحربية. تقدم عمار عليهم ليقودهم على الطريق كي يحميهم من الألغام، وخلفه زينة التي كانت خائفة بشدة، وبالفعل استطاع عمار دخول وكرهم بمهارة والنجاة من تلك الملغمات. توقف عمار ونظر لزينة: "زينة! إنتي هتقفي هنا مش هتكملي، يلا ابدئي شغلك بسرعة، أحنا هنسيبك هنا... مسدسك معاكي، أي حد تحسي أنه هيقرب عليكي اضربي نار من غير ما تفكري مفهوم."
زينة: "أنا خايفة أوي." عمار: "متخافيش وأنا هرجعلك، لو آخر نفس فيا هرجعلك يا زينة متقلقيش، يلا." بالفعل شرعت زينة في تنفيذ ما قاله لها، واستطاعت التشويش على كل الشبكات اللاسلكي بتلك المنطقة ما عدا الذي بحوزة عمار ورجاله. وما أن تأكدت من ذلك حتى أخرجت مسدسها وأمسكته جيدًا مستعدة للتصويب.
في حين تقدم عمار بخفة وحرفية إلى أحد القناصين وجذبه من الخلف وكسر عنقه، وأعطى إشارة لأدم الذي صعد هو أيضًا للقناص الآخر وكتم أنفاسه كاسرًا عنقه. وعلى الجبل الآخر تغلب سيف ومعتز على القناصين الموجودين عليه وأخبروه عمار خلال اللاسلكي بذلك. غطى عمار وجهه كي لا يبدو مكشوفًا أمام الروسي الذي رآه من قبل. شعر عمار بالضعف والألم ولكنه استجمع قوته وضغط على نفسه وتحدث باللاسلكي: "يلا بينا على الخطوة التانية، إقتحاااام."
وبالفعل تسلل كل منهم كما شرح لهم عمار ودلف واحدًا تلو الآخر إلى مقرهم من جهات متعددة. ولم تلبث ثواني حتى اشتعل الرصاص من كل حدب وصوب. دخل عمار إحدى الغرف الواسعة والتي كان بها ما لا يقل عن ثلاثون رجلاً، حيث كانت أكثرهم مليئة بالرجال. لم يمهلهم عمار لالتقاط أسلحتهم حتى انهال عليهم بسلاحه دون النظر إليهم، فأخذوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر أمام ناظريه، حتى نفذت الذخيرة من سلاحه ولم يتبق سوى أربعة منهم يرأسهم ذلك الروسي.
لم يفكر عمار في كيفية التغلب عليهم وكذلك الوهن الذي اعتراه جسده، حتى هجم عليهم بكامل قوته الضعيفة وأوقع اثنين منهم وهو يضربهم بعنف وشراسة شديدة، وقبل أن يستدير للاثنين الآخرين حتى شعر بشيء حاد يخترق جسده ليخرج من بطنه.
توقف عمار مكانه في ألم صعب وهو يشعر بطعم الدماء في فمه. لم يمهل نفسه للتفكير حتى أمسك تلك السكين التي اخترقت جسده واستدار بغضب وعيناه تخرج منها الشرار، وأخرجها من جسده في صرخة من قوتها استمع إليها كل من أدم وسيف ومعتز. نظر للروسي ليجده يبتسم في انتصار إليه مرددًا بالروسية: "تمكنت منك أيها الأحمق! سأدفنك بموضعك كي تظل عبرة لمن يتجرأ علينا."
قفز عمار عليه فجأة وبحركة شجاعية غير متوقعة منه وأدخل تلك السكين بجسده، ولكنها لم تخترق سوى كتفه. ردد عمار بألم: "بل أنت من ستشرب تلك الأرض دماؤك كي تكون مثالًا لمن يفكر بالقدوم إليها من بعدك." ولكن عمار لم يتمكن من قتله حتى شعر بمن يجذبه من الخلف كي يقتله. رقد عمار على ظهره ونهض مسرعًا وبيديه السكين التي أخرجها من جسد الرجل أيضًا، وقبل أن يفكر الآخر بمهاجمته حتى مرر عمار السكين على رقبته وذبحه.
نظر حوله فلم يجد الروسي فأدرك أنه هرب. جلس عمار أرضًا في محاولة لالتقاط أنفاسه وهو يعلم جيدًا أنها النهاية وأن تلك آخر أنفاس له بالحياة. دلف إليه أدم وسيف ومعتز ووجدوه بالأرض، فأسرعوا إليه وهم لم يروا الدماء التي تخرج من جسده حيث أنه يرتدي ملابس سوداء وكذلك الأرض بها دماء من كل جانب. لم يستطع عمار النهوض في البداية، فأسرع أدم ساخرًا: "يا عم قوم بقى أنت فرهدت ولا إيه! أومال إيه وحش الصاعقة وبتاع...
نظر إليه عمار بغضب شديد وكتم ألمه بطريقة بشعة وهو يجاهد على نفسه كي لا يبدو ضعيفًا أمامهم، ولكن ما أن نهض حتى كاد أن يقع، فأسرع معتز إليه يحمله وكذلك سيف من الناحية الأخرى، وتحدث أدم بقلق شديد: "عمار إنت كويس!؟ ... إنت فيك إيه!!! مال عمار على معتز بألم شديد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: "مش قاااادر يا معتز... وديني عند زينة وفجروا المكان باللي فيه بسرعة."
نظر معتز لأدم وأخبره بما أراد في خوف وقلق عليه، فتقدم أدم أمامهم يقودهم كي لا يتعثروا بشيء يعوق حركتهم، وهو لا يفكر سوى بإنقاذه حيث شعر بالندم الشديد لتفوهه بتلك الكلمات.
وبالخارج كانت زينة تقف في خوف وقلق شديد وهي تتلفت حولها كل ثانية وبيدها سلاحها. شعرت بالذعر أكثر حينما استمعت لصوت خطوات تقترب منها، فأخذت تضرب بالنار بسرعة دون أن تنظر أمامها. لم يكن ذلك الشخص سوى الروسي الذي هرب من عمار حينما رأى ضوءًا، فأسرع إليها ولكن توقف وغير مساره هربًا منها عندما استمع لصوت إطلاق النار. ما أن رأته زينة يهرب حتى صوبت السلاح عليه وأصابت قدمه بدقة حتى سقط أرضًا. صرخت زينة في حماس شديد وفرحة:
"يس يس هييييييييييه! وبينما رأته يهرب مرة أخرى، حتى كادت أن تضرب عليه ثانية ولكنها وجدت الطلقات قد نفذت حيث أنها ضربتهم في البداية في الفراغ. خرج أدم وخلفه معتز وسيف يسندون عمار بينهم حتى خرجوا من ذلك المبنى وأخذوا يمشون قليلًا حتى كادوا أن يخرجوا من الدائرة الحاصرة لهم. ليحدث آخر شيء كانوا يتوقعونه، ليدب الفزع في قلوبهم جميعًا.
بينما يسير أدم، حتى توقف فجأة كالتمثال ولم يزحزح قدمه قيد أنملة حينما شعر بأنه ضغط على شيء ما. صلب أدم مكانه وجفت الدماء من عروقه وهو يبتلع ريقه بصعوبة، واستدار برأسه فقط دون أن يحرك قدمه وخرج صوته مرتعشًا: "عماااار...
رفع عمار رأسه إليه في وهن ونظر له، فوجده يقف بقدم يرتفع نصفها والقدم الأخرى مثبتة على الأرض. بسرعة شديدة أدرك ما يحدث ليشعر بصدمة شديدة، حيث لم يكن سوى أنه تحقق ما كان يهابه عمار في البداية وحذرهم جميعًا منه، وأن أدم لم يخطو إلا على لغم سينسف بهم الأرض جميعًا. استمع عمار لصوت أدم مرة أخرى: "أبعدوا كلكم من هنا! مش عايز أي حد جنبي بسرعة يلا أبعدوا من هنا." ثم أغمض أدم عينيه في استسلام تام مرددًا:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله." *** "لااااااااااا... أوعي ترفع رجلك مش هتمووت، مش هسمح لك تموت إنت فاهم!! دبت القوة بجسد عمار مرة أخرى من حيث لا يدري، ليترك ذراعي معتز وسيف التي كاد أن يرتعد وهو يبكي حينما شعر بأنه سيفقد أخيه. "مش هينفع يا عمار، أرجوكم ارجعوا إنتوا وسيبوني أنا خلاص ده وقتي إني أقابل ربنا. محدش يحاول يقرب مني ولا يعمل حاجة، لما واحد فينا يموت أحسن ما نموت كلنا."
نطق عمار بجسده الذي يترنح: "محدش فيكم هيموت، يا نعيش كلنا يا نموت كلنا، إنتوا كلكم مسؤولين مني ومش هقدر أواجه لا والدك ولا والدتك لو جرالك حاجة. خليك مكانك واوعي تحرك رجلك وأنا هعرف أنقذك." نظر عمار لمعتز الذي أدرك مسرعًا مقصده وماذا سيفعل كما دربهم جيدًا في التعامل مع تلك الأمور. أسرع معتز وأحضر حديدة طويلة جدًا وتناها من الطرفين وربطها بخيط سميك من إحدى الأطراف. أمسكها عمار وتقدم باتجاه أدم وانحنى عند
قدمه وردد بقوته الضعيفة: "الحركة اللي هعملها دي يا إما هتموتنا كلنا يا أما هنعيش كلنا، خليك ثابت وأول ما أقولك ارفع رجلك ترفعها بالراحة ووحدة واحدة تمام." هز أدم رأسه: "تمام." أمسك عمار بطرف الحديدة ومعتز بالطرف الآخر خارج دائرة الألغام، ومعه سيف ولم يتبق بالداخل سوى أدم وعمار فقط. حرك الحديدة ببطء وأستطاع إدخالها بين قدمه واللغم، فأمره أن يرفع قدمه ببطء كما أخبره، وبدأ عمار بتحريك الحديدة صارخًا بعلو صوته:
"ابدأ يا معتتتتتززززز." وبالفعل نجح عمار بتثبيت الحديدة مكان قدمه وأخذ يثبتها بالأرض من ناحيته، ومن الناحية الأخرى ثبتها معتز حتى استقرت ونجا كل من أدم وعمار. أغمض عمار عينيه وأرخى جسده، فحمله أدم مسرعًا دون تفكير وخرج به من تلك الدائرة.
أما معتز فضغط على الزر الذي معه ليحدث انفجارًا يليه آخر والأخر كل ثانية حتى وصل إلى المركز وانطلقت النيران حتى كادت أن تصل إلى السماء من قوتها، حيث أنها لم تكن سوى المهمة التي ذهبوا جميعًا من خلالها. نجحوا جميعًا في تلك المهمة التي قادوها ببسالة لتصبح قلمًا صعبًا وضربة قوية لكل من يفكر بالاقتراب من أرضنا أو المساس بها. ***
كانت زينة تستمع لصوت النيران وهي ترجف كلما تفجرت مرة أخرى وعقلها لا يصور لها سوى عمار أو أن يصاب مكروه، فأخذت تردد بلهفة شديدة وهي تدعو له بأن ينجيه ويعود إليها سالمًا. في حين توقف أدم بعمار بالقرب من زينة وهو يشعر بأنه بالفعل يلتقط أنفاسه الأخيرة. هتف أدم بخوف حقيقي: "أوعي تموت! عمار إنت هتعيش سامعني هتعيش." ثم صرخ بسيف بأعلى قوته: "كلم حمدي وخليه ييجي بسررررررعة! بسرررررعة يا سييييف!
بالفعل نفذ سيف ما قاله وأخبر حمدي من خلال اللاسلكي بذلك، وأخبره حمدي أيضًا أنه قادم إليهم. في حين مال عمار على أدم وهمس له: "صدقني يا أدم أنا خلاص عارف إني هموت، لكن هقولك حاجة لازم تنفذها ضروري وأعتبر دي وصيتي ليك عشان أموت وأنا مرتاح." ثم مال على أذنه وهمس له ببعض الكلمات، وما أن انتهى استمع لصوت زينة وهي تركض إليه في هلع شديد وقلبها كاد أن يتوقف من شدة الخوف حينما استمعت لصوته.
توقفت أمامه وما أن رأت أدم يحمله حتى صرخت ببكاء حار، فأمره عمار بأنه يتركه معها، وبالفعل فعل ما أراد. أمسك عمار بزينة ولكن قوته خانته فسقط أرضًا وسقطت هي أيضًا معه. وما أن تركه أدم حتى وجد ثيابه بأكملها تغرق بالدماء ليتأكد أن عمار أصيب بالفعل وليس إصابة عادية بل إنها بالغة وخطيرة. بكى أدم هو أيضًا ولأول مرة يشعر بمثل ذلك الشعور وهو يراه يموت أمام ناظريه وعاجز عن فعل شيء له. أمسك باللاسلكي بغضب شديد وصرخ بقوة وقهر:
"بسرررررعة يا حمدي عمار بيمووووت." ما أن استمعت زينة لتلك الجملة حتى نهضت وهي ممسكة به وحاوطته بذراعيها في رعب وهلع وهي غير مصدقة على الإطلاق: "عمار مين اللي بيموت! عمااار! إنت كويس صح! عمار إنت مش هتسيبني ولا هتبعد عني مش كده!!! قوم يا عمار بالله عليك قوم يلا خلينا نمشي من هنا ونرجع بيتنا."
ما تراه يتحرك قيد أنملة وهو بين ذراعيها. نظرت إليه بصدمة وذعر ورجفة سرت بجسدها بأكمله حينما شعرت بدمائه تسيل على الأرض وتغرق ثيابها. خرج صوته ضعيفًا هامسًا لها بمشاعر صادقة: "عرفتي ليه مكنتش عايز أقرب منك! عشان كنت عامل حساب اللحظة دي يا زينة! مكنتش عايز أوجعك ولا أكسر قلبك! صرخت زينة بألم حقيقي ودموع منهمرة: "وإنت كده مش هتكسر قلبي!
إنت هتسيبني لمين من بعدي أنا مليش حد ومش عايزة حد غيرك يا عمار بالله أوعي تسيبني مش هقدر أعيش من غيرك، إنت النفس اللي بتنفسه يا عمار، إنت حياتي وعمري كله، لو رحت مني هاجي وراك، مليش عيش بعدك يا عمار خليك معايا عشان خاطري." عمار: "ياااه بتحبيني أوي كده!
زينة: "أكتر من كده يا عمار، من وأنا عندي اتناشر وأنا عايشة على حبك وكنت بفضل أستناك أيام وسنين عشان بس ألمحك وإنت ماشي من قدامي، فاكر لما سألتني وقولتلي تعرفيني من إمتى! وقتها أنا كنت بكذب عليك، لكن دلوقتي بقولك الحقيقة، إنت حب طفولتي وحب حياتي كلها وكنت بتمنى اللحظة اللي أبقى معاك فيها وأنا مفكرة إن إنت بالنسبة لي حلم مستحيل." ضحك عمار بضعف شديد وحرك يديه ليضمها إليه هامسًا:
"وأنا مش عايز من الدنيا غير حبك يا زينة، فضلت كتير أقاوِمك لكن مقدرتش، فضلت أعاملك وحش كتير عشان مكنتش عايز أضعف وأحبك لكن مقدرتش، سامحيني يا زينة إنتي أجمل بنت شافتها عيني وحس بيها قلبي." زينة: "لااا، بالله عليك ما تقول كده أبوس إيدك، أنا أصلًا مش زعلانه منك ولو هتعمل فيا أكتر من كده برضه مش هزعل منك عشان خاطري أوعي تسيبني."
رفع عمار رأسه إليها وتطلع لعينيها ورفع يديه في ضعف شديد وأمسك برأسها وجذبها إليه. مالت بشفتيها عليه فقبلها بقوة وهو يلتقط آخر أنفاسه. أبتعد عنها وهو يدفن رأسه في رقبتها هامسا: "إنتي أول بنت خاطفتني وأقرب منها، أول بنت تمنيت أن يبقي بيني وبينها بيت وحياة جميلة، وبرضه إنتي الوحيدة اللي تمنيت إني أموت في حضنها... ضميني يا زينة."
أحتضنته زينة بخوف شديد على فقدانه ولم تتوقف دموعها عن البكاء وهي غير مصدقة على الإطلاق أنها تفقده بالفعل وأن آخر لحظاته كانت بين يديها وداخل حضنها. "لااااااااااا مش هتموووووت، مش هتموووووووت مش هسمحلك تموووت بين إيديا." أرخى يديه وأغمض عينيه وترك جسده يرتاح بعد معاناة وصراع كبير، وكذلك أطلق لروحه العنان لتذهب بعيدًا عنه بعدما شعر براحة كبيرة وأنه أدى مهمته ونجح بها وانقذ جميع من معه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!