الفصل 6 | من 20 فصل

رواية نار الحب والحرب الفصل السادس 6 - بقلم ايمان حجازي

المشاهدات
24
كلمة
5,051
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18
بداخل قسم الشرطة.. كان يقبع على الكرسي أمام المقدم رفعت، الذي تمركز في موضعه بكل غرور، وبجانبه ذلك المدون الذي شرع في كتابة المحضر. ظل ثابتًا، مصدومًا، وكأنه عقله في عالم آخر، غير ملبي لسؤال رفعت الذي كاد أن يفقد أعصابه، إلى أن تكلم: - ما تنطق يالااا!! إزاي قدرت تدخل شحنة المخدرات؟ بينما هو يصرخ به، لكن حسام لم يتزحزح قيد أنملة، وظل باردًا إلى حد الجمود. كانت تلك آخر محاولات رفعت في الحديث إليه من على المكتب. لم يشعر بنفسه من فرط عصبيته إلا وهو ينهض فجأة ويتجه إلى حسام ممسكًا من تلابيبه، صارخًا بوجهه: - ما تتكلم يا ابن الـ****... ولم يكن يكمل كلامه حتى أتاه صوت من الخلف في نفس اللحظة، حينما فتح الباب بقوة، ليثبت بحضوره الطاغي الذي ألجم المقدم رفعت، وهو يجيبه: - الـ**** دي تبقي أمك، عارفها؟ تركه رفعت في ربكة خفيفة استطاع إخفاءها جيدًا، ليظهر بغروره وثقته الطفيفة بنفسه. وقف بجمود زائف أمامه، وهو ينظر لعينيه، متحدثًا بعصبية: - إنت إزاي تقتحم مكتبي وتعطل شغلي يا سيادة المقدم؟ لوي شفتيه في امتعاض وسخرية شديدة، مع تلك الابتسامة السمجة أسفل شاربيه. تقدم خطوتين إلى الأمام، وأمسك بكرسي في يديه وجلس عليه، واضعًا قدمه فوق الأخرى، يجيبه: - الكلام ده ما ياكلش مع داغر الجبالي، إنت عارف كده كويس! على الرغم من معرفته لداغر، وأنه لديه تصريحات كثيرة لم تُمنح لغيره، ولكنه تصنع عدم الاهتمام بها. أخرج هاتف العمل وهو يردد بعصبية مفرطة: - أنا هوقفك عند حدك، إنت مفكرها سايبة؟ أخرج داغر سيجارة من علبته وهو يرمقه بنظرات باردة، كأنه لا يعنيه أي شيء مما يفعله. بل بات مستمتعًا أيضًا، وذلك الذي كان يزيد من انفعاله أكثر وأكثر. لم يلبث بضع دقائق حتى راقب داغر تغيرات تعابير وجهه التي تحولت للصدمة الشديدة، ثم الهدوء والإنصياغ لما تم إملاؤه عليه. أنهى تلك المكالمة وهو ينظر إلى داغر بحنق شديد، والدماء تغلي أسفل جلده، وهو غير قادر على التحدث. لم يمهله داغر التفوه بكلمة أخرى، حتى زفر دخان سيجارته في برود مستفز، وهو يمليه أمره: - بره.. ثم نهض من كرسيه، ناظرًا إليه باستفزاز: - واقفل الباب وراك.. لم يكن على رفعت سوى تنفيذ الأوامر، حينما وجد أنه لا جدوى من الاعتراض على ما يحدث. ولكن لا بأس من التفوه بكلمة ولو بسيطة لثأر لكرامته، فنطق وهو خارجًا بثقة: - بس وشرفي الواد ده ما أنا سايبه، غير على حبل المشنقة.. استمع كل من يتواجد بالخارج إلى صوت ضحكة داغر بصوته الأجش، وهو يردد: - إنت بتحلف بشرفك؟ على كده حسام هيطلع براءة. أغلق رفعت الباب بعصبية شديدة، وهو يتوعد له بالانتقام والفتك به حينما تتيح له الفرصة. وأخذ يفكر في الأمر من ناحية أخرى. هو أكثر من يعرف داغر وقوته، وكذلك انصياغ بعض القيادات له. فماذا لو فعل شيئًا يحول ضد حكم الإعدام الذي ينتظره تهامي أبو الدهب؟ ولكنه أخذ يطمئن نفسه بكلمات هو أكثر من يشك بصدقها: - وأنا هخاف من إيه؟ الواد مضى على الورق، وبكرة النيابة والقضية تتقفل والحكم يتنفذ. أما بداخل المكتب، بعدما أنهى داغر من اتصاله بعمار، وأخبره أن يأتي إليه ليرى حسام، وكذلك ليفهم هو أيضًا تلك القضية من كافة الجوانب. فبعد رؤيته لحالة حسام، أدرك أنه في حاجة إلى أخيه وصديقه عمار أكثر منه. كان حسام ما زال على حالته، صامتًا، ناظرًا أمامه. الحزن يقطع من نياط قلبه، والألم يعتصر فؤاده. حاول داغر جاهداً التهوين على أمره، إلى أن يصل عمار، الذي أخبره أنه سيأتي في غضون دقائق. ردد ممسكًا بكتفه بصوته الأجش: - أنا مش عايزك تخاف من حاجة يا حسام. عمار هنا، ومرضيش يرجع عشانك. مش هنسيبك، بس تقولي إيه اللي حصل؟ لم يجدي حديثه نفعًا معه، حيثما ظل على حالته. فأدرك داغر أنه عليه الانتظار قليلاً، ريثما تنفك عقدة لسانه بوصول صديقه. *** وبعد بضع دقائق قليلة، وصل عمار إلى قسم الشرطة، حيثما يتواجد داغر وحسام. كان متلهفًا، يجتاحه فضول كبير حول وصوله إلى هذا الوضع، وتراكمت عشرات من الأسئلة في رأسه لحين لقائه بابن عمته وصديقه. عدى بخطوات سريعة، إلى أن وصل للمكتب المنشود. ولكن استوقفه ذلك الذي كان ينتظر بالخارج، ويتطلع له بنظرات مريبة. ما أن رآه رفعت، حتى تمكن القلق والتوتر منه أكثر فأكثر. هو بالفعل ارتاب الأمر فور تدخل داغر الجبالي. فماذا إذا اجتمع الاثنان سويًا؟ أبتلع ريقه في توتر ملحوظ، وارتسمت الدهشة على محياه، وهو ينظر إلى عمار بتسائل وحيرة تملأها الغضب: - عمار باشا المصري؟ وإيه اللي دخل الشرطة العسكرية مع المدنية؟ رمقه عمار باحتقار، وتابع طريقه دون التوقف لأجابة سؤاله، الذي ردده وهو يفتح الباب: - حاجة متخصكش.. ثم صفعه بوجهه دون سابق إنذار، ليزيد من رجفته أكثر. في حين دلف إلى الداخل ليرى حسام. ما أن نظر إليه، حتى أسرع وقام باحتضانه بشدة وحزن شديد، وهو يتطلع إلى حالته. في حين أطلق حسام العنان لدموعه، فانطلق يبكي بقهر وكسرة شديدان لما وصل إليه، وهو بين يدي توأم زوجته ورفيقه روحه، حيث ما وجد لنفسه الراحة والأمان. أخذ عمار يربت على ظهره وهو يطمئنه: - أهدي.. أهدي.. كل حاجة هتتحل.. وهترجع زي الأول.. خرج صوت حسام متحشرجًا من شدة الحنق والبكاء: - مفيش حاجة هترجع يا عمار! أخدوا مني مراتي.. وهياخدوا حياتي.. تحمّدت نظرات عمار، وبرزت عروقه، وهو يسأله: - حصل إيه يا حسام؟ ولكن قبل أن يجيبه، انتبها لصوت داغر، ناظرًا للأعلى في كافة الاتجاهات: - استنوا.. توقفت ناظرين إليه، ففهم عمار عن ما يبحث عليه، فرفع عينيه هو أيضًا ليدقق النظر باحثًا عن كاميرات المراقبة، وما أن عثر عليها، حتى اتجه ممسكًا بحسام إلى ركن بعيد عنها. التفت عمار إلى حسام مرة أخرى، قائلًا: - اتكلم.. ردد حسام بخفوت وألم: - أنا مضيت على ورق هيوديني في داهية، في مقابل أني أنقذ نور من إيديهم.. ثم تسللت دمعة مريرة إلى عينيه، وهو يكمل: - بس مكنتش أعرف إني هلبسها عشان يخلصوا مني ويخلصوا نفسهم، وإني كانوا بيضحكوا عليا وقتلوا مراتي.. تكوّرت يد عمار في غضب شديد، وتغيرت ملامحه فور ذكر اسم أخته وما قد حدث لها، فأسرع يسأله وهو يكز على أسنانه: - إيه حصل لنور؟ ابتلع حسام العلقم المرير بداخل حلقه، وهو يحاول استجماع نفسه وترتيب أفكاره، ليبدأ بالسرد عليهم كل ما حدث له. بداية من اكتشافه لتلك الشحنة عن طريق الصدفة، وإخبار زوجته بالأمر. ثم تابع الحديث وقص عليه كيف هاجموه ليلاً بداخل منزله، واختطفوه هو وزوجته معه، وفصلوا زوجته عنه كي يضغطوا عليه في أمر توقيع الأوراق. أكمل حسام قاصًا عليهم الذي حدث بعد ذلك تفصيلاً، إلى أن انتهى به المطاف إلى هنا. كان عمار يستمع إليه، والدماء تغلي بعروقه من فرط الغضب والعصبية. جذب انتباهه أنه لم يتحدث بشأن موت أخته، فنظر إليه مرددًا: - نور ماتت إزاي؟.. أجهش قلب حسام، وأصبح يدق بألم شديد، وهو يعتصر مجيبًا: - معرفش.. قالولي أزمة قلبية.. إنت عارف إن نور كان عندها عضلة القلب ضعيفة و.. بتر حديثه وهو يتذكر خبر حملها، ليتألم فؤاده أكثر، فتابع: - وكانت حامل والدكتورة حذرتها من أي مجهود أو انفعال، لأنه أي ضغط ممكن يكون خطر عليها وعلى الجنين.. وحصل اللي حصل. أغمض عمار عينيه في مرارة شديدة متألماً لما حدث لفقيدته، ولكنه أخذ يتذكر جسدها حينما وقعت عيناه عليه ليهز رأسه نافياً. ولكن سرعان ما وضع داغر يديه على كتفه وهو يضغط عليه مانعاً من الحديث. تنهد عمار بحزن وظل شارداً بضع دقائق، وكذلك الجميع. نظر عمار إلى داغر بجمود مردداً بلهجة آمرة: - حسام لازم يطلع يا داغر. زفر داغر في تنهيدة مطرقاً في تفكير وردد: - هيطلع. برقت عيناه بلمعة خبيثة، تطلع إلى عمار وارتسمت ابتسامة على ثغره في شر، ثم نظر إلى حسام سائلاً: - المحضر اللي اتعمل لك؟ أنت اعترفت فيه بحاجة؟ هز حسام رأسه في نفي قائلاً: - متكلمتش. وتقريباً مفيش فايدة سواء اتكلمت أو لأ. كده كده أنا مضيت على اللي هيوصلني لحبل المشنقة. أسرع داغر يستوقفه مشيراً إليه بيديه: - لأ. أنت هتقول الحقيقة. كانت نظرات حسام إليه حائرة، بينما تطلع إليه عمار في فضول. تابع داغر حديثه في شروود: - وتبقي ضربة معلم. عصفورين بحجر واحد. تساءل عمار ناظراً إليه: - هتعمل إيه؟ داغر بثقة وتفكير: - مش هخلي في قضية. لم تتعد بضع لحظات على إدراك عمار مقصده مبتسماً بمكر وهتف بتساؤل: - ومين هينفذ؟ نظر داغر إليه مجيباً من خلال تلك النظرات على سؤاله. هز عمار له رأسه في إيماء مؤكداً له بموافقته على ما يريد. فجريمة مثل تلك لم يستطع أي أحد الخوض بداخلها والخروج دون أذى. ولكن للأسود مهابة خاصة وقدرة فتاكة للتغلب على مكر الثعالب. اتفقوا ثلاثتهم على ما يتم تنفيذه في تلك الليلة وحفظ كل منهم دوره بإتقان، آملين أن يتم ما يسعون إليه كما تم التخطيط له. بعد دقائق خرج كل من عمار وداغر من المكتب فوجدا رفعت ما زال بالخارج، والذي هب واقفاً ما أن رآهم سوياً. وقف قبالتهم متسائلاً بتوتر سرى بعروقه: - هو أنا ممكن أعرف المقدم عمار بيعمل إيه هنا؟ قبل أن يجيبه عمار استوقفه داغر بذراعه ناظراً إلى رفعت باحتقار شديد قبل أن يجيبه بثقة وجمود: - فكك من الجو الحمضان ده وملكش دعوة. وحسام لو اتماس منه شعرة واحدة لحد جلسة المحكمة صدقني انت كده هتكون بتتحداني شخصياً. فنفذ اللي بقوله عشان أريحك مني. أبتلع رفعت ريقه بخوف أدرك جيداً كيف يخفيه عن ناظرهم ليرد بابتسامة سمجة متهكماً: - تريحني إزاي؟ أجابه داغر بلكنة يفهمها جيداً: - زي أمك ما ارتاحت كده في ليلة دخلتها. تمكن الغيظ والغضب ذروته بداخله. ذلك الفظ عديم الاحترام الذي يلقي ما يلقيه دون الاكتراث لأحد. خرج صوته محذراً وهو يشير بيديه أمامه بشجاعة ظاهرية: - أنا مسمحلكش!!! رمقه داغر بنظرة باردة وكأنه لا يعنيه الأمر، ثم تحرك من أمامه غير مبالٍ بما يحدث بداخله من عصبية قد تؤدي إلى تحطيم الأخضر واليابس. ولكنه على ثقة مطلقة بأنه سينفذ ما ألقاه عليه خوفاً من بطشه. فكانت هذه تأديبه صغيرة له إلى أن يتلقى الكبرى كما ينوي له داغر. *** لم تغفل عينيها عن تلك الصورة أو تحيد وهي ممسكة بها في أسى شديد ضاعف على حزنها الكثير. لتتراكم بداخلها رغبة الانتقام والفتك بذلك الشخص الذي ذهب بوالدها وبتلك البريئة الجميلة. عرفت العبرات طريقها إلى عينيها واعتصر الألم فؤادها متسائلة: أيعقل أن يكون هناك أناس كهؤلاء؟ الذي انعدمت الرحمة من قلوبهم وأذهب الشر بعقولهم؟ لم تحتاج لدليل قاطع أو إثبات لتدرك أن صاحبة تلك الصورة هي أخت عمار التوأم "نوران". فقد رأتها كثيراً على الفيس بوك حينما كانت تراقب الحساب الخاص به وتأكدت أنها أخته. غير أنها تعتبر نسخة طبق الأصل من عمار ولكن بجمالها الأنثوي. انزوى قلبها وهي تتخيل كم الحزن والأسى الذي شعر به عمار لفقدها. فهي لم تقل عنه شيئاً. أيضاً فقدت أغلى ما تملك بالحياة وهو والدها. وما أن جال بخلدها أمر والدها حتى نغص قلبها واجفل حلقها في بكاء أكبر. لم تلبث بضع دقائق حتى تذكرت أمر الهاتف وبسرعة شديدة لامست يديها جيبها لتتأكد أفقدته أم لا. ولكن تلاشى ذلك القلق حينما وجدته ما زال بموضعه. لم تكد تخرجه من مخرجه حتى استمعت إلى مزلاج الباب وهو يفتح بهدوء. التفتت بعينيها ومسحت عبراتها وهي تنظر إليه فوجدت عمار يدلف إلى المنزل مرة أخرى. تصارعت دقات قلبها فجأة ما أن حضر أمامها. وحاولت ضبط انفعالاتها لتبدو أكثر صلابة حتى وإن كانت ظاهرية فقط. في حين تقدم عمار دون النظر إليها وجلس قبالتها على الأريكة المجاورة للسرير مطرقاً تفكيره في ما قصه عليه حسام. متناسياً تماماً تلك التي أحضرها لمنزله وكذلك حجمها الصغير الذي لم يساعده أيضاً في رؤيتها. أغتاظت زينة من فعلته تلك ولم تدرك أنها عفوية منه لا أكثر بسبب انشغاله بأمور أخرى. لم تشعر بنفسها إلا وهي تردد بلهجة خاطئة غير مناسبة تماماً في تلك اللحظة: - هو انت اختك ماتت إزاي؟ التفت عمار إليها بتلقائية عصبية ناظراً إليها في غضب متذكراً أمرها. والذي ضاعف الحمم ليشتعل الغضب أكثر هو رؤيتها ممسكة بصورة أخته بين يديها. نهض من مكانه سريعاً خاطفاً تلك الصورة بعنف أرعبها. تحول فجأة إلى كومة من النار التي ستحرقها مردداً حيث هتف بانفعال شديد: - انتي إزاي تمدي إيدك على حاجة هنا؟ هو كان بيت أبوكي! انتفضت زينة لا شعورياً على نبرته تلك ولكن لم تستسلم أمامه فردت مدافعة عن نفسها بشجاعة ظاهرية صارخة بوجهه: - هو أنت مفكر نفسك مين هااه؟ ولا انت شايفني إيه أصلاً! الخدامة اللي جابها لك أبوك هتتحكم فيها زي ما انت عايز؟ انت جبتني لهنا ومش عايز تخرجني. يبقي تحترمني وتعرف وتتأكد أني زيك زيك وانت مش أقل مني في حاجة! الحق عليا إني كنت عايزة أساعدك في موضوع اختك لكن انت متستاهلش إن حد يعبرك أصلاً. خرجني من هنا والا هعملك فضيحة لأمه لا إله إلا الله. زفر عمار بضيق من تلك المزعورة. لم يبدُ وكأنه مكترثاً لما تقوله حيث يشغل باله أمراً أكبر منها كثيراً. ولكن ذلك لم يمنعه من تأديبها لها وإلزامها حدها لتعرف هي مع من تتحدث! وقف أمامه بوجه جامد التعابير وبحركة خاطفة منه بيد واحدة رفعها لتقف أمام وجهه. ألمتها فعلته تلك فهي لا تمثل شيئاً أمام ضخامة جسده وقوته ولكنها أظهرت عكس ذلك لتكمل شجاعتها وكأنه لم يفعل شيئاً. في حين نظر عمار إلى عينيها مباشرة حيث قربها منه بشكل كبير فلم تفصل بينهم سوى بضع سنتيمترات صغيرة. لفحت أنفاسه الحارة وجهها لتشعر بارتباك شديد من شدة قربهم لتلك الدرجة. بينما عمار لم يدري ما الذي شعر به أمامها. للمرة الثالثة التي تلتقي عيناهما وكأن هناك رسالة يتلقاها منها. نفض ذلك الشعور من عقله ليسيطر على انفعاله مردداً بلهجة مهددة أشبه بالهمس: - أنا مبمدش أيدي على واحدة. انتي مش فارقة معايا غير أنك كائن حي أنا أنقذته من الموت. لو هتتمادي أو تفكري نفسك حاجة معنديش مانع أبداً أني أخلص عليكي بكف واحد من إيدي. ثم استدار بجسده ناحية الباب وجرها رغماً عنها من ذراعها غير مبالٍ بألمها ولا بقدمها التي انفتحت جروحها مرة أخرى وأنينها المكتوم من شدة الألم الذي كسا جسدها بأكمله وتحديداً قدميها التي غرقت بالدماء. فلم يكن يرى سوى غرورها حتى وإن كان زائفاً وكذلك تحديها له ومقارنة نفسها به. لم يكن هيناً في التعامل مع الإناث ولم تلفت انتباهه أي واحدة منهم من قبل. فمن تلك التي تصرخ بوجهه بتلك الجرأة؟ وقف أمام الباب وفتحه بعنف وهو يتابع صريخه بوجهه دافعاً إياها خارج المنزل بقوة: - وحتة إني حابسك هنا اللي كل شوية تقوليهالي دي. اتفضلي غوري من هنا روحي لهم خليهم يقتلوكي اهم بيدوروا عليكي في كل حتة. خليهم يقضوا عليكي زي ما عملوا في أبوكي. أنا مش ناقص قرف وزن النسوان ده. زجها خارجاً صافعاً الباب بوجهها بقوة. أمسكت زينة بالدرابزين مسرعة كي تمنع نفسها من السقوط من على الدرج بعدما خانتها قدماها. جلست زينة موضعها ممسكة بقدميها التي كسا عليها الدماء والتورم والوهن لتفقد الكثير من دمائها. شعرت زينة بالانكسار الشديد ولم تكن تشعر بنفسها إلا والدموع تعتريها كالشلال. لم تدري أي سبب جعلها تبكي بهذه الشدة. أفقدها لوالدها؟ أم شعورها بالوحدة والخوف؟ أم ذلك الألم الذي يفتك خلاياها وعجزها عن الحركة؟ أم مشاعر كثيرة مختلطة اجتاحت قلبها معاً. وبالداخل جلس عمار مطرقاً تفكيره ممسكاً رأسه بين يديه. لا يستوعب كيف فعل ذلك. أحزنه على ما فقد سبباً لتحوله أم خوفاً من نظرة عينيها الذي لم يجد لها تفسيراً إلى الآن؟ يبرر لنفسه أنها فتاة وما أشد كرهه لهم معتقداً أن كل منهم تقترب منك لأغراضها الخاصة فقط ولتنال ما تنال منك. على الرغم من تبريره لنفسه ما حدث وأنه فعل الصواب بطردها، ولكن لم يستطع منع نفسه من العتاب وهو يطرد كائناً ضعيفاً مريضاً ويتركه في الخطر بعدما كان حصنه الأمن. هو وظيفته إنقاذ البلد بأكملها والدفاع عنها بروحه. فماذا بتلك المسكينة الضعيفة! رفع رأسه من بين يديه لينظر أمامه وتقع عيناه على الدماء التي غطت الأرض أثر خطواتها. فانتفض قلبه خوفًا عليها مع تلك الدقات التي أسرعت بفؤاده. تذكر نظرات التحدي والعناد الذي رآها بعينيها وأنها من الممكن أن تذهب بالفعل إلى منزلها مرة أخرى. ما أن جالت تلك الفكرة بخاطره حتى فز مسرعًا من مكانه ليهوي قلبه من شدة الخوف حينما خيل له أنها من الممكن أن تُقتل كما فعل بوالدها، رافضًا تلك الفكرة مطلقًا وكأنها شيء خاص به. وكلاء الدم. لا يجب تسميتهم إلا بهذا الاسم نسبة لما يرتكبونه من جرائم تذهب بالكثير والكثير من الشباب الوردي وتدمير المجتمعات ونهب الدول وإسقاطها. جلس تهامي أبو الدهب في مقر وكالة عالمية في أمريكا يتناول كأسًا من أفضل أنواع النبيذ بصحبته بعض الرؤساء من مختلف الديانات ومختلف البلدان، والبعض منهم لا ينتمي لأي ديانة. كانوا يتبادلون أطراف الحديث حول آخر عملياتهم وتأثيرها على الدول التي هم بصددها. تحدث أحدهم ذو شارب رفيع وذقن أشبه بالقرطاس بالإنجليزية: - منفذ عملياتنا الأخير تم بنجاح، وتمت السيطرة على كافة الخطوط المطلوبة لوكالتنا وقريبًا سنسمع أخبار نجاح الاستيلاء على تلك البلد فقد أصبحت كومة حطام تريد من ينتشلها من هذا الوحل الذي أوقعت به بعد اغتيال رئيسها. قهقه بعض القادة المتواجدين وهم يخبطون كؤوس المشروب بأيديهم في انتصار حافل. تساءل كبير الجلسة موجها نظره لتهامي يسأله: - وماذا عن داعش مسيو أبو الدهب؟ تبلدت نظرات تهامي إليه فوضع الكأس من يديه مجيبًا: - آسف سيدي، علينا التأجيل الآن فالقوات متأهبة لأدق هجوم. ولكن لدينا خطة بديلة ستنجح بالتأكيد وسيتم الاستيلاء على ما نريد بضربة واحدة فجائية. على الرغم من استياء بعضهم مما أُلقي والذي سيؤجل خططهم الدولية، ولكنهم جميعًا يعدون قبضة يد واحدة. لا يجب أن ينحل إصبع واحد منهم حيث لا يعود مرة أخرى بل يتم قطعه وإزالته. تكاثرت الأسئلة والأجوبة وكل وكيل لبلده يجوب عما أحدثه ليتم القضاء عليها وتنفيذ مخطط السطوة الدولية. فتلك الاجتماعات لا تقام إلا كل وقت محدد وبتدابير معينة. بعد انتهاء جلسة اليوم وعودته إلى مقر إقامته، كان لا يريد سوى الاسترخاء فقد حضر الاجتماع بنفس اليوم الذي وصل فيه إلى تلك البلدة. ما أن وضع رأسه على وسادته حتى انزعج بشدة من ذلك الرنين المتواصل من هاتفه. ما أن نظر إلى شاشته حتى وجده رفعت. زمجر بضيق وهو يجيبه مضطرًا على مضض: - أيوه يا رفعت، أنا مش قايلك متتصلش بيا تاني خلال الأسبوع ده! - ا... هز تهامي رأسه بغضب يجيبه: - يعني إيه الكلام ده؟ أنا سايب المسؤولية كلها عليك، وانت اللي هتكون في الوجهة لو حصل أي حاجة غير اللي احنا متفقين عليها، مفهوم؟ أتاه رده بخضوع وهو يملي عليه ما سيتم تنفيذه اتباعًا لرغباته. أغلق تهامي الهاتف بوجهه ووسد رأسه للخلف طالبًا قسطًا من الراحة كي يستعد لما أتى من أجله، مغمغمًا ببعض الكلمات وهو يغفو بامتعاض: - كان ناقصني ده كمان. تنفس الصعداء حينما وقعت عينه عليها قابعة على الدرج أمام المنزل. ولكن ما أن رأى تلك العبرات تنساب من مقلتيها حتى اعترته غصة مريرة بما فعله معها وازدادت لتشعره بالندم حينما وجدها ممسكة بقدمها التي فقدت الكثير من الدماء أسفلها. تقدم ببطء ليقف أمامها، وعلى الرغم من شعوره بالندم بداخله، إلا أن وجهه كان جامدًا وهو يقف أمامها خاليًا من التعابير. رفعت بعينيها إليه وهي تكفكف دموعها وتتمسك ببقايا كرامتها التي أهدرها بالداخل. لم يدر عمار بما يقول أو يبرر ما فعله، فمن سابع المستحيلات أن يتنازل ولو بقدر أنملة ويعتذر منها. ضاعت الكلمات من لسانه واختل عقله غير قادر على التفكير. فلم يشعر بنفسه إلا وهو يمد إليها يديها. نظرت إليه زينة بتساؤل وحيرة فأومأ لها برأسه كي تنهض معه وتمسك به. على الرغم منها لم تستطع الرفض حتى ولو لفترة مؤقتة، فهي لديها الكثير لتخبرها به. غير ذلك شعورها بالخوف بعدما خرجت من ذلك المنزل بعدما كانت بأمان حضرته. فعلى أي حال، هي غير قادرة لمجابهة تلك الذئاب التي تعوي متربصة لها إن خرجت من هنا. انصاعت ليده الممدودة وتمسكت بيديه مطبقة عليها بقوة في محاولة منها للنهوض معه. ولكن ما أن وضعت قدميها على الأرض وضغطت عليها حتى صرخت في ألم حقيقي: - اااااه. نظرت إليه فوجدته يقترب منها أثر تلك الصرخة. نظرت لعينيه في ألم وتمتمت بهمس أنفاسها: - مش قااادره. لم يجد عمار بدا من حملها فأقترب منها ووضع يديه أسفل ذراعيها والأخرى أسفل ركبتيها وحملها متجهًا بها إلى الداخل. تطلعت زينة لقسمات وجهه التي تحفظها ظهرًا عن قلب. وجال بخلدها مشهد ليوم عرسها وهي ترتدي الأبيض وعمار يحملها مثلما يفعل الآن ليضعها على السرير الخاص بهم متنعمين ببعض اللحظات الحميمية التي دوما ما تحلم بها معه. نظر إليها عمار فأرتبكت بشدة وتوترت ملامحها ظنًا منها أنه كشف أمرها وما فكرت به، فتوردت وجنتاها واخفضت بصرها عنه. انتشله صوتها وهو يضعها على السرير مرة أخرى: - مش عايز حركه خليني أصلح اللي انتي عملتيه. أومأت إليه زينة في هدوء وأخذت تراقبه وهو يعيد تنظيف البيت من بقع الدماء التي سببتها قدمها وأخذ يهندم بعض الأشياء المبعثرة. جذب انتباهها ترتيب ذلك البيت شديد النظام وكأن أحدًا يعتني به يوميًا. ما أن انتهى بكل ما يفعله حتى عاد إليها مرة أخرى ممسكًا ببعض المطهر والقطن وهو يردد ناظرًا إليها في ضيق: - انتي منظرك ده كده مينفعش. هدومك كلها مش نضيفة. رجلك كمان عايزة تتنضف كويس وأنا مش الشغال عند جنابك هنا. خبط بكفيه في عصبية متمتمًا: - استغفر الله العظيم. أجابته زينة بمرارة وهي تتطلع إليه: - هو انت بتعاملني كده ليه؟ لو أنا مضايقاك أوي كده رجعني بيتي وريحني وريح نفسك. ضم شفتيه في اعتراض وهو ينظر إليها مرددًا بانفعال: - مش هتمشي من هنا. واهدي بقى. أطرق مفكرًا لبضع لحظات حتى عاد ببصره إليها مرة أخرى وكأنه وجد حلاً ما. لم يكن يريد اللجوء إليها خاصة وهو يعرف مشاعرها تجاهه ولكنه مضطر. رد بلهجة آمرة: - تدخلي تاخدي شاور وتنضفي نفسك كويس من البهدلة دي. وأنا هجيب لك حد يشوف اللي فيكي ده. أومأت له برأسها. واستدارت بجسدها لتضع قدميها أرضًا ولكن ما أن لامست الأرض حتى انفلتت منها صرخة مرة أخرى. التفت عمار إليها لا شعوريًا بقلق. لا يدري لماذا يخفق قلبه حزنًا على ألمها! نظر إليها متفهمًا في ضيق يردد: - المفروض أشيلك صح! اللهم طولك يا روح!! وقبل أن تجيبه بالاعتراض أو القبول كان أسرع منها وحملها بخفة متجهًا بها إلى الحمام ليضعها بالمغطس الفارغ من المياه قائلاً بسخرية: - مش عايزاني أحميكي بالمرة! ابتعدت زينة عنه بخوف قليل وخجل ترمقه بنظرة غاضبة وشدت ثيابها عليها. ما أن رآها عمار تنزوي على نفسها بتلك الطريقة خوفًا منه حتى انفلتت منه ضحكة ساخرة وهو يتطلع إليها مرددًا: - على فكرة أنا جايبك معايا هنا بقالك يومين وفي شقتي! بس للأسف انتي في أمان مني أنا تحديدًا. ثم رمقها بنظرة جريئة لتفحص عينيه مفاتنها ليضيف بامتعاض وتهكم: - مش شايف فيكي أي حاجة تقول إنك أنثى أساسًا. على كده بقى انتي كام سنة يا شاطرة؟ شعرت زينة بالغضب من التقليل منها وإهانة الأنثى بداخلها لتضيف كقطة شرسة وهي تشير بإصبعها إليه في تحذير: - أنا مسمحلكش! وبعدين إيه شاطرة دي انت بتكلم بنت اختك! أنا مخلصة جامعة وعندي 22 سنة. لم تضيف كلماتها سوى ضحكاته الساخرة أكثر فأقترب منها وأمسك بشعرها التي تربطه بتوكتين واحدة من كل جانب وشدها منهما في سخرية: - 22 سنة! ومخلصة جامعة! بالذرتين دول؟ ثارت زينة تردد مدافعة عن نفسها: - هو أنا لازم أحط اتنين كيلو مكياج عشان وأعمل وشي خريطة عشان أعجب! أنا حلوة بطبيعتي سواء كان عاجبك أو لأ. نهض بعيدًا عنها وأضاف من بين ضحكاته خارجًا: - يلا يا نغة انجزي خلصي. ثم أغلق الباب خلفه ليتركها تغمغم ببعض كلمات الاعتراض والتوبيخ لها نتيجة لتقليله منها. في حين أخرج هاتفه وقام بالاتصال على رقم معين وطلب منها القدوم إلى ذلك العنوان. فرحت بشدة على ذلك فلم تكن لترفض له طلباً أبداً. أنهى ذلك الاتصال زافرًا بحنق ولكنه أجبر على فعل ذلك. فلم يستطع الخروج بزينة في الوقت الراهن كي لا يراها أحد من قاطني تلك المنطقة وتندلع النيران من ألسنتهم وتجعلها في مأزق. أسند ظهره ورأسه على الأريكة خلفه مغمضًا عيناه قليلًا وهو يفكر في كيفية تنفيذ الخطة التي سيبدأ بتنفيذها بعد الثانية عشر منتصف الليل. بعد بضع دقائق أخرى فتح عينه وبنظرة عفوية منها وقعت على شيء غريب بجانب الوسادة على السرير. نهض من مكانه متجهًا إليها ليرى ماهيته. ما أن اقترب منه حتى وجده هاتف محمول غريب الصنع قليلاً فأدرك أنه لتلك الفتاة. ولكن قبل أن يمد يده ليلمسه استمع لصوت انفتاح مزلاج باب الحمام. تطلع خلفه لا إراديًا ناظرًا إليها. ولكنه ما أن وقعت عيناه عليها حتى انفجر فمه بالضحك مرة أخرى مما زاد شعورها بالحنق والضجر على الرغم من إعجابها بتلك الضحكة التي تأسر فؤادها لتزيد من وسامته الجذابة. تمتمت زينة بغيظ وهي تقف على أطراف قدميها من الجانبين: - ما أنا ملقتش حاجة ألبسها غير دي أعمل إيه يعني!! كانت زينة ترتدي ترنج خاص بعمار وجدته على المنشفة بداخل الحمام. لبسته مضطرة بعدما نزعت عنها ثيابها غير النظيفة ووضعتهم بالغسالة. فبدأ واسعا عليه بشده حتي كادت أن تسبح بداخله لتبدو كالمهرج


اقترب عمار منها ما أن رأي حركتها الغير متزنه وهي واقفه فأدرك أنه بسبب الألم بقدمها ، اسرع ليحملها بين ذراعيه قبل أن تتفوه بكلمه واحده ، ولكن كعادتها خانها لسانها وقالت :


- انت استحليت الموضوع بقه كل شويه تشيلني !؟


توقف عمار مكانه بعدما كاد أن يصل الي السرير ليضعها ، ولكنه نظر اليها بأستحقار وردد بتبرم :


- امم ، هو زي ما بيقولو كده خيرا تعمل شرا تلقي ، استحملي بقه طولة لسانك


نطق كلمته الأخيره وهو يفرد ذراعيه لأسفل تاركا إياها تسقط علي الأرض كعقابا علي ما هتفت به ثم مضي من امامها ، لتصرخ متأوهه حينما اصتدمت بالأرض :


- ااااااه،، جك ضربه في ايدك


التفت اليها عمار بسرعه إليها مرددا بتحذير:


- انتي بتقولي ايه !!؟


هتفت زينه بخوف مدركه ما نطقت به وقالت :


- بقولك تسلم ايدك


استدار عمار مره أخري وهو يبتسم بداخله علي رده فعلها التلقائيه ،، انتشله من تلك الحاله رنين هاتفه فأسرع يجيبه :


- ايه لحقتي توصلي !


ما أن استمعت زينه الي تلك المكالمه التي بدت من لهجته أنها انثي حتي شعرت بالضيق وارهفت السمع وهو يحادثها :


- يعني ايه الكلام ده مينفعش تستأذني ساعه واحده !!


لمجرد أن انثي اخري تستمع لصوته وهو يهاتفها بتلك الاريحيه جعلها منزعجه للغايه فأكمل :


- تمام معنديش مانع ، بس الساعه اتنين بالليل ده هيبقي خطر عليكي ..


أمتعض وجهها وهي تراه خائفا عليها ليكمل:


- اوك هعدي عليكي ، خلي بالك من نفسك


انذر قلبها حزنه علي حالها ، فهناك أحتماليه أرتباطه أو وجود علاقه لها بأحداهن ، رددت بغيط غير واعيه :


- انت كنت بتكلم مين !؟


انتبه إليها عمار في استنكار شديد :


- افندم !؟


همست زينه بخفوت ، بينما استشعر عمار غيره من حديثها فتعجب بشده ولكنه لم يعطي للأمر أهميه في حين إجابته زينه بخفوت شارده :


- لا ولا حاجه ..


أبتلعت ريقها واتكزت بيديها علي الأرض في محاوله منها علي النهوض ولكن خانتها قدميها وكذلك جسدها لتشعر بدوار مفاجئ وتنغلق عينيها


ما أن رأها عمار حتي كانت يديه اسرع إليها مرددا بلهفه حقيقيه :


- حاسبي يا مجنونه


ثم تلقاها بين يديه وحملها واضعا إياها علي السرير مره اخري ، تطلع الي قدميها ليجد حالتها تزداد سوءا ولم تكف عن سيل الدماء ، حاول بخبرته القليله كتم مجري تلك الدماء ووضع بعض المواد المطهره عليها حتي وجد أنه نجح بذلك إلي أن تصل تلك الطبيبه التي هاتفته واعتذرت عن القدوم لسبب طارئ بالمشفي التي تعمل بها ..


*****************************************


بعدما تجاوزت الساعه الواحده منتصف الليل ،وبخفه متناهيه واحترافيه شديده قفز من علي ذلك السور بعدما تأكد من نجاح ما فعله وبيديه ذلك الذي جازف بحياته من أجله ، فكان شديد الحرص علي أن لا يكشف أمره ولكن بدأ ذلك الأمر شيئا بسيطا أمام تاريخه الذي بناه بذلك السن الصغير ، هاتف داغر الذي كان ينتظره بمكتبه علي احر من الجمر ولكن كان لديه ثقه مطلقه بصديقه ، فما أن رأي هاتفه يصدع بأسمه حتي انفجرت اساريره ، والذي زاده سعاده أكثر هو تلقيه خبر نجاحها ، أغلق هاتفه وهو ينظر أمامه ويرسم سيناريو الصدمه التي سيتلقاها رفعت حينما يكتشف الأمر ..


تنهد عمار بأرتياح وهو يقف بسيارته أمام ذلك المشفي الخاص ، اخذ نفسا عميقا ليثلج به رأتيه بعد ذلك المجهود الذي بذله وسرعان ما زفره حينما وقعت عينيه علي تلك الطبيبه ( بثينه ) وهي تخرج من المشفي ..


هبط من سيارته يستقبلها ، انفرجت اساريرها بأبتسامه عريضه ما أن رأته أمامها وسرعان ما مدت يدها مرحبه به :


- اهلا يا عمار ، والله وحشتني


أبتسم عمار ابتسامه لم تصل لعينيه مجامله لها وهو يمد يديه :


- اهلا يا دكتوره ! يلا عشان الحاله تعبانه ومش عايزها تسوء


أبتلعت بثينه باقي كلماتها من اشتياق له كما تفعل دائما ولكن كعادته لم تجد منه سوي الجمود ، شعرت بالإحراج من طريقته معها فظنت أنه ربما سيسترسل معها بالحديث قليلا تلك المره ، فلم تكن تصدق عينيها حينما وجدته يتصل بها ويطلب مساعدتها ، حاولت الحديث معه أثناء الطريق الذي لم يتعدي الثلث ساعه ولكن لم تجد منه سوي الأقتضاب ، فأكملت الطريق صامته ..


ما أن وصلا الي المنزل وشاهدت بثينه زينه ترقد بالفراش حتي شعرت بالغيرة الشديده والغضب ناظره الي عمار الذي كان يغلق الباب خلفه ورددت :


- هي بنت ! مين دي يا عمار ؟


نظر اليها بطرف عينيه متعجبا فأجابها بجمود:


- نعم،، وانتي يفرق معاكي في ايه بنت ولا ولد ! انتي في المستشفي لما بتجيلك حاله مبتكشفيش غير علي رجاله بس ولا ايه ؟


شعرت بثينه بالتوتر وكذلك بفداحه خطئها ، فلم يكن عليها أن تسأل سؤالا كهذا ، حيث انقلب السحر علي الساحر فأسرعت تردد بأرتباك :


- لا يعني ،، اقصد .. بنت ،،وبتعمل معاك ايه هنا لوحدها !؟


أجابها عمار بنظرات لا تبشر بالخير :


- شئ ميخصكيش ،، ولو رافضه تعالجيها لمجرد أنها بنت ممكن عادي تتفضلي تعالجي الرجاله بتوعك ،انا ممكن اجيب دكتور تاني


أسرعت تجيبه بتلعثم :


- يا عمار أنا مقصدش .. أنا ...


قاطعها عمار بحده ونفاذ صبر:


- انجزي !!! ، البنت تعبانه واستنت وقت طويل علي الحال ده ..


نفضت بثينه يديها وتقدمت بأتجاهها بغضب وهي تنظر إليها لتفحصها فوجدتها متعرقه بشده وجسدها ينتفض اثر ارتفاع درجه حرارتها ، قامت بالنظر لكافه العلامات الحيويه بجسدها لتدرك أنها بالفعل في حاله خطره ، كانت تفعل ذلك علي مضض والفضول يأكل خلاياها عن ماهيه تلك الفتاه وماذا تفعل في منزلهم القديم ، والأكثر من ذلك هو ما سر اهتمام عمار بها الي تلك الدرجه ، فلم يكن يوما ذلك الشخص المهتم لأمرهم أو الأعجاب بأحداهن ،،


انتشلها من تفكيرها صوت عمار يسألها بقلق:


- هي حالتها ايه !!


اجابه وهي تطهر قدميها بخبره :


- الضغط واطي ، والسكر واطي ، تقريبا مكلتش بقالها كتير وكمان فقدت دم كتير ، وعندها سخنيه دي يمكن بسبب تلوث الجرح لفتره كبيره ..


ثم أملته بعض ادويه والمحاليل فأحضرهم عمار سريعا وهو يشعر بالخوف الحقيقي عليها ، ولم يجد شخصيا أي تفسير منطقي لذلك الشعور ..


أنهت بثينه من تثبيت المحلول وتضميد الجروح بعد معالجتها جيدا وأملته ما يجب عليه فعله في الفتره القادمه من تناول طعام صحي وعدم بذل مجهود علي قدميها ..


قام عمار بإيصالها الي المشفي مره اخري لتكمل ورديتها شاكرا إياها بمجامله علي الرغم من إدراكه لما تفكر وتشعر به بعدما رأت تلك الفتاه ، ولكنه لم يكترث لأمرها ..


*****************************************


عاد الي منزله مره اخري ناظرا الي ساعته ليجدها تعدت الثالثه صباحا ، القي مفاتيح سيارته علي الكومود بأهمال ، وانزوت عينيه تلقائيه علي تلك الفتاه التي تحتل سريره ، لم يشعر بقدميه إلا وهو يجلس بجوارها علي طرف السرير ناظرا إليها بشرود ، انتقلت عينيه الي المحلول الطبي وراقب اخر قطره تنزل منه لجسدها حتي أسرع وحرره من تلك الأبره الموصله به كما أخبرته الطبيبه ، تطلع عمار لقسمات وجهها ليري بعض قطرات العرق تتصبب علي جبهتها ، مد يديه وازالها بلطف شديد واخذ يلاطف بيديه بشرتها الناعمه ليتأكد بالفعل أنها جميله بفطرتها كما أخبرته ، بشرتها التي تمتزج بين البياض والقمحيه وذلك النمش حول أنفها الذي أضاف لجمالها جمال اخر ، لامست يديه شعرها ليشعر بنعومته الشديده أسفل يديه ..


شعر عمار بحركه جسدها بخفه وهي تهز رأسها يمينا ويسارا علي الوساده وازداد تصبب العرق أكثر ، ولم تلبث ثواني حتي انتفضت زينه من نومها تبكي بلاوعي وهي تنظر لعمار الذي كان يجلس أمامها مباشره ، تطلعت لعينيه وانفرجت شفتيها حين ذبل وجهها وهي تغط في بكاء ناظره إليه بنظرات لم يستطع عمار تفسيرها ..


ألقت زينه بجسدها بين ذراعيه وهي تتشبث به بخوف شديد وتردد في هذيان :


- هيقتلني ،، هيقتلني زي ما قتل بابا ،، احميني منهم أرجوك ..


خفق عمار قلبه بشده وشعر بخوفها ، وسرعان ما ضم ذراعيه حولها بقوه شديده وكأنه يريد إدخالها بصدره كي يبثها الأمان وينتزع منها تلك الذكري التي مرت بها ، انفلت لسانه يردد وهو يزيد من ضمها إليه :


- متخافيش ،، محدش هيأذيكي ،، مش هسمح لحد يقربلك


رددت مره أخري وهي تنحب وتشهق اثر بكائها :


- خليك جنبي ،، أنا مليش غيرك دلوقت ..


أمتدت يديه لتلامس شعرها وأخذ يمسد بيديه عليه في حنان شديد وهو يطمئنها :


- أنا موجود ،، اهدي ،، ده كابوس يا زينه ...


مرت بضع دقائق وهما علي تلك الحاله حتي شعر عمار بأستكانه أنفاسها مره أخري وتوقفها عن البكاء ، برفق شديد أفلتها من بين يديه ليضعها علي الوساده مره أخري ، وما أن رأي ارتعاش جسدها حتي نهض سريعا واحضر بطانيه من الدولاب ووضعها عليها ..


ما أن ذهبت الي نومها مره أخري ، حتي حرر عمار يديه من يديها التي أمسكت بها تلقائيه منها ، داعب النوم جفنيه فنظر حوله باحثا عن مكان أخر ينام به بنفس الغرفه كي لا تغيب عن عينيه ، ولكن وقعت عينيه علي ذلك الهاتف مره أخري ..


مد يديه بأستغراب شديد وهو ينظر إليه فألتقطه وهو يضغط علي زر التشغيل لتضئ شاشته قائلا بتعجب :


- ده إيه الموبايل ده !!

............................................................


ولحد هنا والحلقه خلصت )):

تفتكروا ايه كانت الخطه اللي عملها داغر وعمار !!؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...