ما أن انتهى مما يفعله، حتى حسم أمره وأمسك بمقبض باب السيارة مستعدًا للهبوط، ولكنه تسمر موضعه حينما وجد من يفتح الباب الآخر لسيارته ويجلس بجواره ناظرًا إليه. -أنت مفكر نفسك هتعمل إيه؟ تطلع إليه ذلك المثلثم قائلًا بصدمة شديدة: -أنت... ولكن سرعان ما استجمع ليرد عليه بتحدٍ: -وإنت مفكر نفسك إنك هتمنعني؟ أنت بتراقبني يا داغر؟ داغر بعصبية:
-لما تبقي عايز تودي نفسك في داهية، يبقى لازم أراقبك. لما ألاقي نفسي إني ممكن أخسر أخويا اللي ضحى بحياته عشاني مرتين قبل كده، يبقى لازم أراقبك. مكنتش متطمنلك من ساعة شوفتك امبارح وعرفت إنك وصلت لحاجة، والحاجة دي هتدمرك، واهوه اللي حسبته لقيته، عشان كده كان لازم أراقبك يا عمار. ألقى عمار ما بيده أمامه في عصبية مفرطة وغضب، وهو يتوعد بضيق. بينما تابع داغر: -أنت مفكر أن أنا مش حاسس بيك؟
ده انت أخويا يا عمار مش صاحبي، واكتر واحد عارفك زي ما انت عارفني. لو انت مستعد تخسر نفسك، أنا مش مستعد أخسرك. أنا حاسس يا عمار باللي انت فيه و... صرخ عمار دفعة واحدة في وجهه بغضب شديد: -بطل تقولي أنت حاسس بيا! محدش حاسس بحاجة. محدش شاف اللي انا شوفته. لو حاسس بيا مكنتش هتفضل بالبرود ده يا داغر. أنا جوايا نااااااار. نار لو انفتحت هتحرق الكل. داغر بمحاولة لتهدئة: -عمااار... اهدي.
انسابت دمعة مريرة كانت عالقة بعينيه، وهدأت حصونه وهو يكمل في خفوت وبكاء: -انت عارف أنا شفت إيه؟ نور...
نور يا داغر. نور اللي مكنتش بخلي الهوا الطاير يمسها. نور البريئة الرقيقة اللي كنت بضلل عليها برموش عنيا. نور اللي أمي وصتني عليها، وأنا وعدتها إني هحط حياتي قدام حياتها وأفديها بعمري ولا إن حاجة تأذيها. شفتها عريانة وواحد كلب عمال يضرب فيها. كنت حاسس إن كل ضربة كانت بتنزل على جسمي أنا. شفتها روحها بتطلع وهو مش راضي يرحمها. ثم صرخ مرة أخرى وهو ينظر إليه بألم وقهر:
-شفته بيقتلها يا داغر. يبقي ده يستاهل يعيش وهي تموت ليييييييه؟
لم يكن على داغر سوى أنه احتضنه بقوة شديدة وهو يثبته بين ذراعيه، لينهار عمار بالبكاء لأول مرة هكذا. على الرغم من داغر أيضًا هبطت دموعه، لكنه سرعان ما جففها ليرسم الصلابة على محياه ويواسي صديقه. فهو أكثر من يدري كم أحب عمار أخته وكم حافظ عليها. يتذكر كيف انفلتت دموعه يوم عرسها وهي تراها تبتعد عنه لتصبح من حق رجل آخر. يدرك جيدًا أن كم المواساة والكلمات المعسولة لن تطفئ نار صدره.
ظلوا هكذا بضع دقائق، حتى شعر بعمار يخرج من بين ذراعيه مجففًا دموعه قائلًا بصلابة: -تعرف لما شفت الفيديوهات دي؟ منهرتش زي دلوقتي ولا كأني شفت حاجة، كأني كنت متوقع إن فعلاً هو ده اللي حصل فيها. لأني شفت جسمها وعليه آثار الضرب. لكن وقتها أخدت قرار إني لو هيبقي بموتي، لكن مش هسيب اللي عمل فيها كده يوم واحد عايش. كنت خلاص أخدت القرار. أخدت القرار يا داغر وانت جيت بكل بساطة دلوقتي وهديت كل حاجة ليييييييه يا داغر ليييييييه؟
تنهد داغر بحزن قائلًا: -اطلع بالعربية يا عمار. اطلع على الكورنيش زي عادتنا. لم يكمل داغر جملته، حتى ضرب عمار مقود السيارة بعنف وانطلق بها مسرعًا وكأنه يصارع الزمن. بعد نصف ساعة من الصمت، وصلوا إلى كورنيش النيل. هبطوا من السيارة وجلسوا على المقاعد المصطفة عليه في سكون تام، والهواء يلفح وجهيهما، حتى قطع داغر الصمت: -مين زينة دي يا عمار؟ عمار بتهكم: -طب بتسألني ليه؟ ما أنت ما شاء الله عارف كل حاجة أهوه.
-أنا اه عارف هي مين، وإن دي أبوها اللي اتقتل في المحل وطلبت مني تعرف حاصله إيه. بس ده مش سؤالي. أنا بسألك مين زينة بالنسبة ليك انت؟ عمار وهو يتذكرها قائلًا: -ولا حاجة، مجرد إنها صعبانة عليا. مش متخيل إنها ممكن يحصلها زي اللي حصل لأبوها وأنا في أيدي أحميها منهم. -أيوه برضه عايز تحميها ليه؟ تهمك في إيه؟ نظر له عمار شذراً: -أنت عمرك شفت حد طلب مساعدتي وكنت في إيدي أساعده وأنا اتأخرت؟
-بس هي مطلبتش مساعدتك دي، بدليل إنها كانت عايزة تمشي وفعلاً رجعت تاني لبيتها، وانت اللي ماشي وراها تحميها. ولو طلبت منها إنها تختار تفضل معاك ولا تمشي، هتمشي. فليه انت مهتم بيها؟ ارتفع صوت عمار في نرفزة وعفوية: -أنا أدري منها بحالها وهي غبية، وأنا مش هسيبها لغبائها ده لحد ما أخسرها هي كمان. نظر إليه داغر بمكر: -تخسرها؟ عمار بزعيق:
-معرفش بقى يا داغر معرفش، ومتسألنيش لأنه مش اللي في دماغك نهائي. مجرد إنها بقت وحيدة وساعدتني في إني أوصل لموت أختي وبيننا تار مشترك. لحد ما أنا آخد الطار ده وتبقى في أمان، هي هترجع تاني بيتها وأنا هرجع شغلي، ويا دار ما دخلك شر، كل واحد هيروح لحاله. تصنع داغر أنه يصدقه قائلًا بمكر: -أمممم. طيب يا عمار. التفت إليه عمار يسأله: -داغر؟ هو انت عرفت منين اللي كنت هعمله؟ داغر ببساطة: -شفت المفجر والأسلحة في عربيتك.
-إزاي وأنا يدوبك حطيتهم ومفارقتهومش تقريبًا؟ -أنا اللي فضيت لك بنزين العربية. نظر إليه عمار مطولاً، في حين هتف داغر: -متبصليش البصة دي تمام! أنت مسبتليش فرصة. -وهفضل امتى تحت المراقبة يا داغر؟ نظر داغر إلى ساعته وردد: -ساعة بالكتير. رمقه عمار بحيرة وتساؤل، فردد داغر: -أنا مسافر مأمورية وهطول شوية، وطيرتي كمان ساعتين. تركه عمار ونهض ينظر إلى صفحة المياه الراقده في صمت وشرود. لحق به داغر ووقف بجواره وقال:
-أنا مش هقولك متاخدش حق أختك. وبرضه مش هقولك القانون ياخد مجراه، لأني عارف إن حتى لو شفته معدوم ده مش هيريحك. لكن هقولك حاجة واحدة. التفت إليه عمار باهتمام:
-فكر بطريقة المقدم عمار المصري اللي بيقود الجيش. مش عمار الجندي اللي لقى نفسه واقف لوحده قدام كتيبة إرهابية ١٠٠ فرض وفضل يقتل فيهم وهو مش عارف هيخرج منها عايش ولا ميت. أنت لسه المقدم عمار. لسه متحطتش قدام الـ ١٠٠ واحد عشان تقتلهم وتفجرهم. لسه معاك فرصة. لسه قدامك طريقة. فاهمني؟ زفر عمار بتنهيدة ونظر إلى صفحة المياه مرة أخرى، في حين تابع داغر:
-أوعى تخسر كل حاجة يا عمار في لحظة غضب. متبقاش أناني وفكر في كل اللي محتاجينك، وأولهم بلدك. وأنا... وأبوك اللي مبقاش محتاج غيرك دلوقتي. تفتكر أمك الله يرحمها كانت هتبقى مبسوطة لو شفتك بتعمل اللي بتعمله ده؟ فوق يا عمار، أنت مش عايش لوحدك وحياتك مش ملكك. نظر عمار أرضاً وتقدم باتجاه السيارة وهو يجيبه: -يلا نمشي. أمسكه داغر من ذراعه يستوقفه برجاء: -أوعدني الأول! خليني أمشي وأنا عارف إني مش هخسرك. ربت عمار على ذراعه
وهو يومئ له بالإيجاب: -حاضر يا داغر أوعدك. يلا نمشي عشان متتأخرش. لم يكد يتحرك من موضعه حتى جذبه داغر مرة أخرى وضمه في عناق طويل حار. عناق يثبت أن الصداقة تمثلت في هاذين الشخصين فقط أفعالاً وأقوالاً. داغر الجبالي وعمار المصري، ليصبح كل منهما أسطورة زمانه.
مدت قدميها على السرير لتريحها قليلاً من شدة ألمها، ثم أسندت ظهرها على المخدة في تنهد وهي تتذكر والدها، لتفر من مقلتيها دمعة عالقة وهي تدعو له. شردت في حياتها التي تبدلت في يوم وليلة. في الشخص التي طالما حلمت بلقائه والحديث معه، ولكن لم تكن تتوقع أنها ستجتمع به بعد خسارة أعز ما تملك وهو والدها. أكان عليها أن تفقد والدها كي تلتقي به؟ وماذا بعد أن وجدته!
شعرت بأنه ليس ذلك الشخص الذي طالما راقبته في شغف وجنون، وأنه رجل آخر غير الذي حلمت به. شعرت بمتاهة مشاعر كبيرة بداخلها تتخبط بها يمينًا ويسارًا. من ناحية، تضع له أعذارًا، وأنه فقد أخته، وأن حياته عنيفة، وذلك أثر على شخصيته. وناحية أخرى تخبرها بأن هذه هي شخصيته الحقيقية، وأنها لم تولد وتتربى معه كي تعرفه أو تضع له مبررًا لتصرفاته، وبالتالي هي مخطئة.
لم تعرف بما تفكر أو ماذا تقول عنه. والذي أخافها أكثر ذلك اليومين اللذين حددهما لفراقها عنه. مر يوم منهم وها هي في اليوم التالي.. "انتي تعرفي عمار منين وعايزة إيه منه هااه؟ كانت بثينة من قالت ذلك حينما فتحت الباب فجأة بعنف شديد صارخة بوجه زينة. انتفضت زينة دفعة واحدة وانتشلتها من تفكيرها لتصرخ بها هي الأخرى: "انتي عبيطة! في حد يدخل على حد كده؟ مش في حاجة اسمها استئذان؟ بثينة ببرود وهي تربع يديها أسفل صدرها:
"أنا مش هستأذن وأنا داخلة أوضة من أوضتي. دي شقتي وانتي الضيف مش أنا." زينة وهي تقلد طريقتها المستفزة: "نينينينينينينيي. أنا موش هستأذن واني داخلة أوضة من أوضة. لا يا حبيبتي تستأذني طالما فيها حد تاني وتحترمي خصوصيته. افرضي كنت بغير ولا قالعة. افرضي كنت بفكر في حاجة قليلة الأدب مش عايزاكي تشوفيها." بثينة بتلعم شديد وهي ترمقها بقرف: "والحاجة قليلة الأدب دي هي عمار مش كده؟ زينة وهي تنظر إليها بتحدي:
"هو انتي عايزة إيه ولا شاغلة دماغك بيا ليه؟ ما تفكك مني يا خالتي وشوفي عيانينك! بثينة بغضب وهي تشير إليها بيديها: "خالتك في عينك واحدة قليلة الأدب. دا أنا أصغر منك وأحلى منك. انتي فيكي إيه أصلاً عشان تتقارني بيا؟ زينة بابتسامة كبيرة استفزتها بشدة وهي تقول وتقارن نفسها بها بكل شيء:
"فيا جمال طبيعي يا عنيا. أبدألك منين ولا منين من حلاوتي مش عارفة. شعري حرير مش كيراتين. لون عنيا طبيعي مش لنسز. جسمي مناسبني ومخليني قطة في نفسي مش مفجرة من كل حتة زي القنبلة النووية." ثم تناولت زينة منديلًا مبللًا من جوارها وهي تكمل: "تعالي كده أمسحلك الدهان والمحارة والتشطيب اللي على وشك ده. واراهنك لو عمار خدك معاه الجيش ووقفتي عسكري في الحرب حد ممكن يشك إنك بنت أصلاً."
ثارت بثينة بشكل غاضب ولم تكمل زينة حديثها حتى أسرعت إليها لتمسك بها من شعرها وهي تقول: "لا ده انتي محتاجة تتربي بقه وأنا هربيكي يا حتة زبالة." لم تكن تصل إلى شعرها حتى ابتعدت زينة مسرعة عنها وهي تنهض على ركبتيها في شراسة: "انتي مفكرة عشان مش عارفة أقف على رجلي هسكتلك. تعالي انتي اللي جبتيه لنفسك." وما أن أمسكت بها بثينة من ذراعيها حتى قبضت عليها زينة وعلى غفلة منها ألقت بها فوقها فوقعت عليها. اصطدم جسدها
ورأسها بشدة لتصرخ في ألم: "آآآآآه. يا بنت المفترية." استغلت زينة انشغالها بألم جسدها ورأسها وأمسكت بالمنديل وأخذت تدعك وجهها بقوة لتزيل الميكب وهي تردد: "أنا بقه هوريكي المفترية دي هتعمل فيكي إيه يا أنثى البورص انتي." لم تستطع بثينة التحرك من شدة تمسكها بها وهجومها عليها وأخذت تصرخ بها كي تتركها. في حين أزالت زينة كل ما تضعه على وجهها ليصبح شكلها بشعًا جدًا ولم تكترث لصراخها وألمها.
وعلى صعيد آخر، دلف عمار المنزل. وما أن وطأت قدماه بداخله حتى استمع لصوت عراك وصراخ، واحدًا ما يطلب النجدة. وفي لحظة أخرى استمع إلى صوت زينة وهي تعنفها، فأدرك أن من يستنجد هو بثينة. فرغ فاه مرددًا: "زينة خلصت عليها.." أسرع إلى الداخل وما أن نظر إليهم حتى انفجر ضاحكًا وهو يرى زينة راكبة فوقها وتدعك بوجهها والأخرى تصرخ أسفلها. فردد عمار: "انتي بتعملي إيه يخربيت أهلك! هتموتيها يا مجنونة." صرخت بثينة أسفلها في نجدة:
"الحقني يا عماااار حوشها عني!!! حملها عمار من فوقها ووضعها على السرير. في حين اتجه لمساعدة بثينة، والذي ما أن نظر إليها حتى فزع من منظرها قائلًا لزينة: "انتي عملتي فيها إيه؟ زينة ببرود وتحدي: "خليتهالك راجل أهيه عشان متتكلمش معاها بصيغة المؤنث! فاضلها بس إنها تقدم عسكري في الجيش وتحارب مع الرجالة." حاول عمار كبح ضحكاته أمامهم ليبدو جديًا. في حين صرخت بثينة:
"منك لله يا مفترية. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. ده انتي بلوة." زينة بتقليد وهي تلوي شفتيها: "نينينينينينينينينيي. يا واد يا بت." استدار عمار على الناحية الأخرى وهو يضحك. في حين نهضت بثينة من أمامهم من شدة الكسوف والخجل وهي ترى أن عمار قد شاهدها بذلك الوضع. نظر عمار إلى زينة قائلًا: "انتي عملتي فيها كده ليه! ارتفع صوتها وهي تجيبه بعصبية:
"هي اللي استفزتني من الأول أصلاً. فتحت عليا الأوضة وزعقت وطربتني. كانت هتقطعلي الخلف. فضلت أقول اللهم اخذيك يا شيطان بس هي برضه مسكتش وعمالة تقول.." نهضت زينة على ركبتيها وربعت يديها وهي تقلد حديثها مرددة بسخرية وهي تلوي شفتيها: "أنا موش هستأذن وأنا داخلة أوضة من أوضة. انتي الضيف مش أنا. أنا أصغر منك وأحلى منك. فيكي إيه عشان تتشاقرني بيا! فعرفتها أنا فيا إيه أنثى البورص دي. تستاهل محدش قالها تجربني." عمار:
"وبتقولي عليا إني بستقوي على اللي أضعف مني؟ قدك دي عشان تعملي فيها كده؟ انتي إيه يا شيخة؟ صرخت زينة بجدية وهي تكاد تبكي: "أنا عمري ما سمحت لحد إنه يهينني أبداً. وبعدين أنت اللي عملت فيا كده! إيه اللي جابني هنا أصلاً؟ ده مش بيتي وليها حق إنها تطردني منه وتكلمني كده." صرخ عمار بوجهها في غضب:
"غبائك اللي جابنا هنا مش أنا. لو كنتي سمعتي الكلام من أول مرة ومخرجتيش من ورايا مكناش بقينا هنا. رجلك اللي كل شوية تتفتح تاني وقلة أكلك وتعبك كل شوية هو اللي جابنا هنا. عنادك اللي جابنا هنا مش أنا خالص." زينة بنفس النبرة: "ولو مكناش جينا هنا كنت هبقى فين؟
ما كنت برضه هبقى هناك في شقتك يعني مش في بيتي. لا ده بيتي ولا اللي هناك بيتي ولا دي حياتي أصلاً. انت ساحبني وراك لفين عايزة أعرف. قلتلي يومين وهتمشي والنهاردة أهو اليوم التاني. سيبني بقه أروح أشوف حال سبيلي. أنا مطلبتش منك تحميني. عايزة أرجع تاني لحياتي أرجوك يا باشا."
تذكر كلام داغر حينما أخبره أنها تريد الابتعاد عنه وها هو يتحقق. ولكن لا وألف لا. لن يسمح لها بأن تعرض حياتها للخطر رغما عنها. كور قبضتيه غضبًا حاول كتمانه مرددًا: "مش هتمشي يا زينة. حاولي تنامي دلوقتي والصبح أنا أوعدك إني هعملك اللي انتي عايزاه بس بعد ما أتكلم معاكي الأول وأعرفك اللي أنا عايزك تعرفيه. ولحد ما ده يحصل أنا اضمنلك أن بثينة مش هتضايقك ولا هتكلمك أصلاً واعتبري ده بيتك غصب عنها." قاطعته بعنف:
"لا مش بيتي أنا... "نامي من غير كلام كتير." أغلق عليها الباب دون أن يستمع لها أكثر وتركها في حزنها وبكائها وهي تشعر بالوحدة والألم.. والعجز. *** خرجت من غرفتها بعدما بدأت ثيابها ووضعت ميكب من جديد. وجدت عمار يقف في الشرفة شارداً. "هو ممكن أعرف الهانم دي هتفضل هنا لحد إمتة؟ استدار لها عمار ووضع يديه في جيبه قائلًا: "انتي إزاي تطرديها من البيت؟ بثينة بصوت مرتفع: "أنا مطردتهاش هي اللي... عمار بنبرة عنيفة يستوقفها:
"صوتك ميعلاش وانتي بتكلميني مفهوم؟ لما تقوليها ده بيتي وانتي هنا الضيفة يبقى ده تسميه إيه؟ ولا انتي صدقتي إن ده بيتك بجد؟ بثينة متصنعة الحزن: "ده بدل ما تجيبلي حقي منها بتدافع عنها؟ "عشان متأكد إن انتي اللي استفزتيها تعمل كده. ممكن أعرف إنتي قلتيلها إيه خلاكم تتعاركو؟ بثينة متصنعة البراءة: "مقلتش حاجة. أنا بس كنت عايزة أعرف هي إيه حكايتها معاك مش أكتر. لقيتها بتهاجمني كده." عمار بنفاذ صبر وحدة: "وانتي ماااالك أصلاً!!
شاغلة دماغك بيا وبيها ليه؟ قلتلك انتي مش في دماغي ولو وقفتي على شعرك مش هفكر فيكي. ولولا الزمالة وإني وعدت أخوكي مكنتش قعدتك في البيت ده ثانية واحدة. افهمي بقه!! نكسرت رأسها بتبرم ثم نظرت إليه مرة أخرى وقالت: "طيب عارفه كل ده ليا أنا!
أنا بس عايزة أعرف هي إيه علاقتها بيك. أنا عمري ما شفتك مع واحدة كده. عمري ما شفتك متهاون مع واحدة كده. عمري ما شفتك بتضحك أوي كده غير معاها في عز الظروف اللي انت فيها. طول عمرك جد ومبتضحكش. هقول مثلا إنها بتضحك! لا دي رخمة وكالحة وتلمه في نفسها كده. دا أنا حتى كنت ساعات بتعمد أقول نكت قدامك عشان أشوف ضحكتك ومعرفتش. اشمعنى هي يعني؟ شرد عمار بزينة قليلًا وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة سرعان ما ردد:
"وده ملفتش نظرك لحاجة! أنا غالبًا بضحك بسبب الشخص أكتر ما بضحك على اللي اتقال منه. فلو لقيتيني بضحك كتير مع حد، ده معناه إني متقبلاه على الأقل في حياتي. مالهاش علاقة خالص باللي قاله. ما بالك بقى هي متقبلاه وروحها خفيفة وبتضحكني غصب عني؟ وفوق كل ده محترمة. كان يرمي إليها بآخر جملة، فسرعان ما هتفت باعتراض وتبرم: -على فكرة مفيش واحدة تمشي مع واحد متعرفوش من بيت لبيت كده وتبقى محترمة. ضحك عمار في سخرية واستنكار:
-فعلاً فعلاً. اللي تجيبه بيتها وتخليه ينام معاها دي اللي تبقى محترمة. بثينة بضيق: -ما نامش معايا بقولك، وإني لسه محافظة على نفسي و... عمار باعتراض وغضب: -وقلتلك ميفرقش معايا أصلاً. انتي كلك متفرقيش معايا. اللي يفرق معايا هنا هي زينة وبس. تعامليها باحترام لحد ما نمشي من هنا. -أنا مش قصدي أنت اللي تمشي يا عمار، أنا قصدي هي...
-هي هنا زيي بالظبط، ويومين بالكتير هنمشي سوا لحد بس ما تخف عشان مش عايزها تتعب تاني ولا يحصلها حاجة. نظرت إليه بثينة ونطقت بخفوت: -إنت بتحبها يا عمار؟ -يا ستي مش بحبها ولا بحبك ولا بحب حد أصلاً. كل الحكاية إني بساعدها دلوقتي وبحميها زي ما أنا بساعدك كده بالظبط ووقفت جنبك، بس انتي زيادة عنها إني مش بطيقك لله في لله. ارتحتي؟ تنهدت بثينة بارتياح حينما أخبرها بذلك فرددت: -أيوه ارتحت. أنا رايحة أنام، سلام.
اختفت من أمامه، فجلس على المقعد الخلفي وأسند ظهره للخلف وأخذ يسترجع كلمات داغر في أذنه مرة أخرى، شاردًا في تفكير عميق لوضع خطة محكمة أو طريقة أخرى للأخذ بثأره. لأن في ذهنه بعض الأفكار، فأخذ يجمعهم ببعضهم البعض وطريقة تنفيذ كل منهم للخوض بداخل مملكة أبو الدهب خطوة خطوة. ابتسم في خبث وهو يرى نهاية تلك المملكة على يديه.
لم يستطع تنفيذ ما يفكر به بمفرده، فأخذ يرى ويضع أول الخيوط التي سيبدأ بها واحدًا تلو الآخر، حتى غلبه النوم. *** كان يجلس كل من تهامي وعزت أبو الدهب في بهو قصرهم بعدما عاد تهامي من سفره بالخارج، في انتظار وصول رفعت الذي وصل للتو. -تهامي باشا، حمدلله على السلامة! لم يكترث له تهامي، فرفع ببصره ناحيته قائلاً: -اللي أنا سمعته ده صحيح؟ الواد اللي اسمه حسام ده طلع براءة؟ نكس رفعت رأسه في خزي أمامه قائلاً:
-صحيح يا باشا. أنا لحد دلوقتي مش عارف ده حصل إزاي والورق اتسرق. عملوا لعبة عليا وأخدوه. استوقفه تهامي بإشارة من إصبعه: -أنا ماليش دعوة بكل ده. اللي يهمني القضية كلها وأنها طلعت من إيدك، وده مش هيعدي بالساهل. رفعت في خوف راجياً: -يا باشا... وضع يديه في وجهه يمنعه عن الحديث، في حين نظر إلى عزت مردداً: -وانت يا باشا؟ حتة واد ضحك عليك وخد الموبايل منك، وحتة عيلة تانية مش عارف تمسكها وعمال تلعب معاها القط والفار، صح؟
نفخ عزت بحنق قائلاً: -يا تهامي، أنا... ارتفع صوته في غضب قائلاً: -أنت إيه!!! أنت إيه يا سي عزت!! أنت طول عمرك مستهتر مش في دماغك حاجة، وأنا كل مرة بصلح وراك لحد ما في يوم دماغك ده هتودينا في داهية. عزت بإنفعال شديد: -هجيبها يا تهامي، وشرف أمي لأجيبها وأعمل فيها اللي اتعمل في مرات حسام. تهامي بسخرية شديدة وهو يقلل منه: -أنت تعمل فيها كده؟ أه، ده اللي أنت بتعرف تعمله. لكن تجيبها لأ. ثم استدار ناحية رفعت وقال:
-وانت يا سي رفعت، قدامك فرصة واحدة وهي إنك ترجع القضية كلها من تاني، حتى لو هتلفق له قضية جديدة، مفهوم؟ لم يدري رفعت بما يجيبه، فهز رأسه بنفي قائلاً بتلعثم: -باشا، ما هو... أنا... نظر إليه تهامي مستنكراً: -إيه؟ مش هتعرف؟ ردد رفعت بخوف وهو يخبره: -أنا أخدت جزاء واتنقلت من القسم ده، رحت السلوم، وخلال يومين لازم أكون هناك. وحتى حسام خد حصانة من الحكومة من ناحيتي ومن ناحيتكم، وأي حد هيتعرض له هيتوجه ليكم الاتهام مباشرة.
برق تهامي عينيه بغضب شديد وصدمة: -يعني إيه الكلام ده! يعني إييييييييه!!!! رفعت في محاولة فاشلة لاسترضائه: -يا باشا، أنا حاولت على قد ما أقدر إني... توقف تهامي وهو يعطيه أمره في صرامة شديدة: -خلاص يا رفعت، أنا مبرجعش في كلامي، ومن هنا ورايح مبقتش واحد من رجالتنا. رفعت بتوسل شديد: -لا باشا، أرجوك. اديني فرصة تانية، أنا مش عايز أخسر سعادتك. نظر إليه تهامي بطرف عينيه: -بره يا رفعت. وأحمد ربنا إنك طالع على رجليك من عندي.
كانت نظرة تهامي كفيلة بأن تخبره أن لا تراجع فيه، فأنسحب منكس الرأس في خزي وعار. وبينما خرج رفعت من القصر، كانت تدلف هي إلى الداخل في مزاج ومرح وتغني بدلال وتلف: -I love it when you call me senurita... ولكنها توقفت عن الغناء فجأة وهي ترى وجه أخيها الغاضب وهو يرمقها بنظرات مشتعلة. ابتلعت ريقها وأسرعت ترحب به في خوف: -حبيبي، حمدلله على السلامة. وصلت إمتى؟ لم يجيبها تهامي، بينما هتف بغضب:
-إنتي إيه اللي أخرك بره لحد دلوقتي؟ انتي عارفة الساعة كام؟ نظرت إلى عزت بتوتر، الذي هز رأسه نافياً في يأس، عادت تقول: -حبيبي، يعني it's nothing (مفيش حاجة) . أنا كنت مع صحابي وكمان كان معايا الحرس. so where is the problem!! (فين المشكلة هنا؟ غضب تهامي عليها وعنفها: -من هنا ورايح مفيش خروج بالليل تاني لا بحرس ولا من غير حرس. وطريقة أمريكا اللي انتي عايشة بيها هنا دي تنسيها، مفهوم؟
لمعت الدموع في عينيها، ولكن غضبه أعماه عن رؤيتها، فعاد مرة أخرى بغضب: -أتفضلي يلا، اطلعي على أوضتك. أسرعت شريهان تعدو إلى غرفتها في بكاء وحزن، وذهبت خلفها المربية كي تهون عليها. في حين التفت تهامي إلى عزت قائلاً بغضب وأمر: -من هنا ورايح أنا المسؤول عن كل حاجة. مش هتخطي خطوة يا عزت من غير ما ترجعلي فيها، مفهوم؟
نفخ عزت بضيق شديد، حيث لم يكن عليه سوى تنفيذ ما قاله على الرغم منه. تركه وصعد إلى الأعلى لاسترضاء أخته التي يعشقها ويطيب بخاطرها. بينما جلس تهامي في غضب وهو يفكر في حلول لتلك المشاكل التي وقعت فوق رأسه ليجد مخرجاً ما ينقذه. *** فتح عينيه على صوت زقزقة العصافير بعدما لفحت البرودة جسده. وجد نفسه مازال بالشرفة، تلملم من على الكرسي ليعدل وضعه، ناظراً إلى ساعته فوجدتها تعدت الثامنة صباحاً.
نهض من على كرسيه واتجه للداخل، غسل وجهه، وما أن خرج من الحمام حتى رأى بثينة تغادر المنزل، فأدرك أنها ذاهبة لعملها. دلف للمطبخ وصنع فنجانين من الكابتشينو، واحداً له والآخر لزينة، ولا يدري لما دق قلبه هكذا وتلهف لرؤيتها. دق باب غرفتها برفق، فأذنت له. تقدم أمامها، فنظرت إليه وابتسمت قائلة: -صباح الخير. أسرت تلك الابتسامة عينيه وازداد خفقان قلبه، وبادلها الابتسامة لا شعورياً وهو يجيبها:
-صباح النور. عاملة إيه دلوقتي أحسن؟ هزت رأسها برفق وقالت: -الحمدلله. تاه بعينيها وشرد بها وهو ينظر إليها، ثم هز رأسه قائلاً وهو يعطيها الفنجان: -اتفضلي. ده عشانك. عملت لك معايا. تناولته من يديه بنفس الابتسامة وقلبها يكاد يخرج من شدة الفرح، وهي تشكره باحترام. ابتسم لها عمار سائلاً بتعجب: -غريبة يعني هادية النهارده؟ مبتقتلش حد؟ زينة بهدوء شديد:
-لأن حضرتك قلتلي امبارح إنك هتكلمني في حاجة مهمة وبعدها همشي. فأنا بس محترمة الوعد ده ومستنية أسمعك عشان أمشي. لا يدري لما ألمه قلبه من تلك الكلمة، فردد بنبرة غريبة لم تفهم مغزاها: -إنتي عايزة تمشي يا زينة؟ هي تدرك أنها لا تعني شيئاً بالنسبة له، سوى أنه يساعدها ويحميها من تلك القتلة، فأرادت إنقاذ المتبقي من كرامتها قائلة: -أكيد عايزة أمشي. وجودي معاك من الأول كان غلط.
لا يدري لما ألمه قلبه لتلك الدرجة. أراد أن لا تنطقها وتخبره بها. ولكنه استجمع نفسه قائلاً بثبات: -وأنا وعدتك امبارح وعند وعدي. اسمعيني وفي الآخر حددي اللي انتي عايزاه.
قص عليها عمار ما كان ينوي فعله في الليلة الماضية ولكنه لم ينجح بذلك وتراجع عن ذلك القرار، وبهذا ينتهي اليومين الذي حددهم لها. وكذلك ما توصل إليه وفكر به بدقة وأحكام للإيقاع بمملكة أبو الدهب فرداً يلو الآخر، وهذا ما يحتاج لمساعدتها به إن وافقت ووضعت يديها بيديه.
-دلوقتي أنا كشفت لك كل ورقي. عايزة تكملي معايا أهلاً وسهلاً وتاخدي بثار أبوكي بس بطرق مشروعة. عايزة تمشي يا زينة اتفضلي، بس لو رجعتي تاني هيقتلوكي، وإنتي جربتي بنفسك. شوفي يا زينة انتي عايزة إيه وأنا أعملهولك. أطرقت زينة في تفكير وحزن يائس لبضع دقائق. وفي خلال صمتها كان عمار يدعو برجاء أن لا ترفض. لا يدري لما يريدها بجواره هكذا وما ذلك الشعور الذي يهاجمه، ولكن لا يريدها تبتعد عنه. -موافقة.
تنهد عمار بارتياح شديد، ولكن لم يلبث أن يفرح كلياً حتى نطقت: -موافقة عشان آخد بثار والدي. وبعد كده هبقى أمشي. زفر عمار حانقاً وردد: -تمام. دلوقتي أول حاجة... اعمليلي سيرش على أكبر شركات الأمن في الشرق الأوسط. زينة بعدم فهم: -تمام وبعدين عايز تعرف إيه عن كل شركة؟ عمار بعدم فهم: -يعني إيه؟ -يعني إيه نوع المعلومات بالظبط؟ قول أدق التفاصيل اللي أنت عايزها وخلال دقايق هتكون عندك، بس تجيب لي لاب كويس.
تذكر عمار دراستها وكذلك الموبايل ومحل الأجهزة الخاص بها. نظر إليها متسائلاً بفضول: -انتي قصدك تخترقي مواقعهم وتدخلي على السيستم بتاعهم؟ (هزت له رأسها في ثقة) هو إنتي تقدري تعملي إيه؟ فكرت زينة قليلاً بعدما تفهمت مقصده ورددت بثقة شديدة: -تعرف الفيديوهات اللي شفتها على الموبايل؟ هز لها رأسه في ترقب فأضافت بتأكيد: -أنا أقدر أقولك اتصورت فين والساعة كام. برقت عيناه بصدمة شديدة غير مصدق فأضافت:
-أنا خدت الموبايل ده كمثال لأنه حاجة كده كافرة. اللي عامل بيتحدى العالم إن محدش يعرف يخترقه ولا يفتحه، ما بالك بقى أنا فتحته ورجعت من عليه محذوفات. عمار بصدمة شديدة وهو ينظر إليها بإعجاب أيضاً: -إزاي؟ إزاي تقدري تعملي كده؟ زينة بغرور وثقة أضافت: -أنا ليّ شفرات خاصة بزينة شرف الدين. ثم تذكرت أمراً ما وبات على ملامحها الحزن وهي تكمل:
-عشان كده أنت شكيت فيا إن الموبايل ده ممكن يكون بتاعي وإن الحاجات اللي عليه دي خاصة بيا. بابا دايماً كان بيخاف عليا من اللي بعمله ده وبيقولي لو الحكومة مسكتك هتأذيكي. أوقات كتير كنت فعلاً بخاف لأن فضولي كان بياخدني وأدخل حاجات مينفعش حتى أقرب لها، لكن هو مجرد فضول مش أكتر. حاجة اتعودت عليها وبقت لعبة بالنسبة لي. عمار بتساؤل وفضول: -مفكرتيش تشتغلي قبل كده مع المخابرات أو الجيش؟ زينة بفرحة مكسورة:
-كان نفسي والله. يستغلوني في حاجة مفيدة ليا ولبلدي. بس معرفتش أبدأ منين أو أعمل إيه، والحاجات دي محدش يدخلها بسهولة، أنت أكيد عارف. هز عمار رأسه متفهماً وردد: -واللي يحقق لك حلمك ويدخلك فيها؟ ابتسمت زينة بشدة وأمسكت بيديه في عفوية شديدة وفرحة: -بجد يا عمار؟ تقدر تعمل كده؟ نظر إليها في استنكار شديد فأسرعت تصحح كلماتها ورددت بسعادة شديدة: -آه صح نسيت. (رفعت يديها مؤدية التحية) تمام يا فندم. شردت قليلاً وهي
تتذكر والدها ولمعت عيناها: -لو بابا كان عايش كان هيفرح أوي. أطبق عمار على يديها التي عادت ووضعتها على يديه مرة أخرى قائلاً: -وهو برضه هيفرح بيكي يا زينة. أبويا كان دايماً بيقولي إن الميت بيشوفنا ويحس بينا. التقت عيناهما مرة أخرى وكل منها تلمع ببريق خاص وخفقة قلب تدب فؤادهما في مشاعر جديدة يذوبان بها. كل منهم يشعر بشيء تجاه الآخر، ولكن الاعتراف أصعب ما يكون عليهما.
فاق عمار من شروده ونظر إلى يديهما، فسرعان ما سحبها من بين خاصتها. ارتبكت زينة قليلاً وأخذت تلعب بخصلات شعرها ورددت بخفوت: -شكراً. نهض عمار بجدية مردداً: -لا متشكرنيش دلوقتي. أنا لسه معملتش حاجة ومش هعمل غير لما أشوف شغلك بنفسي. يلا وريني همتك يا آنسة زينة شرف الدين. أحضر لها عمار لابتوب من أجود الأنواع. ثم شرعت زينة بعملها وأحضرت كل المعلومات الذي كان يريدها. كان عمار يراقبها بصدمة وذهول وهي تخترق بسهولة كل ما يريده.
استقر عمار على أكبر تلك الشركات حيث وجد بها ما يريد وقرر تنفيذ مخططه بها. بعد لحظات استمع لزينة وهي تضحك قائلة: -فعلاً الشركة دي تستاهل إنها تكون أكبر شركات الشرق الأوسط. عمار بتساؤل: -ليه؟ زينة وهي تشرح له: -على الرغم إنهم فعلاً الأمان عندهم على أعلى مستوى. واني داخلة بكود محدش يعرفه، لكن عرفوني. أينعم مقدروش يوقفوا الكود اللي اخترقتهم بيه، لكن قدرو يقفلوا الموقع ويعطلوا السيستم نهائي. عمار بتساؤل:
-وإنتي متقدرش تفتحيه؟ -لا طبعاً. دي حاجة كده زي ما تكون أنت في مكان تاني بعيد عني وقفلت موبايلك أو فصل شحن، أنا هفتحه إزاي. يعني قصدي أقولك إن دي حاجة ملهاش علاقة بشغلي. -اممم فهمت. تمام أنا كده خلاص عرفت اللي كنت عايز أعرفه واستقريت على قراري. ابتسمت زينة بنصر: -تمام جداً. أخذ عمار يفكر قليلاً فيما سيفعله قبل أن يبدأ بتنفيذه حتى استقر على الميعاد المناسب.
تقدم بخطوات ثابتة جذبت أنظار من حوله وتحديداً الفتيات بذلك المبنى الضخم، فأخذ يتهامسن فور رؤيته. ولكنه لم يكترث لأي منهن على الرغم من أنه يعلم جيداً ما يقولونه. توقف عند إحداهن كانت تجلس باستقبال سائلاً: -مكتب مدير الشركة فين؟ نظرت إليه الفتاة بإعجاب وأرادت أن تراوغ معه قليلاً فرددت: -حضرتك عايز مكتب الباشا الكبير ولا مكتب ابنه الكبير؟ عمار بصرامة: -أظن سؤالي كان واضح! الفتاة بدلال وهي تريد التحدث معه أكثر قائلة:
-ما هو في مكتب الباشا الكبير لوحده وابنه لوحده. وكمان عياله الاثنين الثانيين كلهم ماسكين الشركة و...... قاطعها عمار بعنف: -هو أنتي مبتفهميش!!! حمحمت تلك الفتاة في حرج وأسرعت تجيبه: -فوق يا فندم في التالت. التقطت أنفاسها بصعوبة بعدما ذهب من أمامها لتلحق بها زميلتها متسائلة: -مالك يا بنتي بتنهجي كده ليه؟ هو الباشا لسه واصل ولا إيه؟ بس أنا شايفاهم كلهم وصلوا من بدري. أجابتها بتنهد: -أيوه فعلاً جم من بدري.
-أومال بتنهجي وقلبك بيدق كده ليه؟ ردت عليها: -ما الشركة دي كلها مزز وحتى معارفها مزز. بصي بتلقح مزز كده من أول الباشا الكبير لحد ابنه الصغير. ولسه صاروخ معدي من قدامي دلوقتي بس يا خسارة معرفتش أجيب له سكة. لكزتها زميلتها قائلة: -يا بت اتهدي وركزي في لقمة عيشك واحمدي ربنا إن الباشا طيب ورضي يشغلنا. أجابتها وهي تعض على شفتيها:
-أهو الباشا ده أكبر صاروخ مدمر هنا. سواء هو أو عياله الثلاثة اللي لحد دلوقتي أصلاً مش مصدقة إن هما عياله. ضحكت الفتاة الأخرى قائلة: -فعلاً معاكي حق. اللي يشوفه ويشوف ابنه الكبير تحسيهم توأم مش واحد وأبوه. شبه بعض جداً سبحان الله. هزت الأخرى رأسها بلهفة وتمني قائلة: -آآآآه يا ناااااري. لو حد يبص لي. وبالأعلى تحديداً بالطابق الثالث من ذلك المبنى الضخم.
دلف شاب قمحي البشرة بعيون سوداء في منتصف العشرينيات بصحبة أخيه الذي كان يشبهه كثيراً ويصغره بعام واحد. توقفا أمام السيكرتاريه فسألها الأكبر: -هو آدم باشا معاه حد جوه؟ نظرت إليهم الفتاة باحترام شديد وهي تجيبه: -أيوه يا حمدي باشا. معاه شخص غريب كده دخل بالعافية لما قلت له إن مينفعش يقابله من غير معاد. بس آدم باشا وافق يقابله وقال محدش يدخل عليهم. ضحك أخيه قائلاً لحمدي: -دخل بالعافية عند آدم! ربنا يستر.
بادله حمدي الضحك قائلاً: -أقولك حاجة! أنا مش متفائل. ضحك الآخر أكثر قائلاً: -بص، إحنا مش هنتدخل إلا لو سمعنا ضرب نار. -لا يا سيف، أدم بيخلي ضرب النار آخر حاجة، هو ممكن يخلص عليه بإيده الأول. وفي كلا الحالتين أنا برضه مش هتدخل. سيف بضحك: -يا جبان. حمدي مردداً: -جبان جبان، مش مهم برضه. سيف: -خلاص، بابا هو اللي يتدخل. بس غريبة يعني، لسه مش سامعلهم صوت. -اصبر بس، هنسمع دلوقتي. -هو بابا فين؟ -كان عنده اجتماع صغير كده.
(لمحه بطرف عينيه) أهو جه أهو. تقدم إليهم رجل ذو وقار وهيبة تُحترم من أصغر من يتواجد بذلك المبنى. وقف أمامهم فقبّلا يده في احترام شديد، فردّ والدهم: -إنتوا لسه جايين؟ أجابه حمدي: -لا يا بابا، جايين من ساعة كده، بس حضرتك اللي كنت مشغول. أومأ له رأسه بتفهم قائلاً: -في حد مع أدم جوه؟ أجابه سيف: -أيوه يا بابا، في واحد جوه جاي وبي...
ولم يكمل سيف جملته حتى استمعوا جميعاً إلى صوت مرتفع يأتي من غرفة مكتب أدم. ردد والدهم متسائلاً: -إيه الصوت ده؟ أما بالداخل... كان يقف عمار على الناحية الأخرى من المكتب قائلاً بنبرة مرتفعة: -يعني إيه مش هتنفذ اللي أنا عايزه؟ أدم بتحدي: -يعني مش هنفذ اللي انت عايزه حضرتك. وأعلى ما في خيلك أركبه. انتفض عمار بغضب شديد قائلاً: -انت عارف انت بتكلم مين؟ أنا المقدم عمار مالك المصري.
أدم بنفس التحدي وكأنه لا يعنيه الأمر شيئاً: -وأنا الرائد أدم عبدالله الحسيني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!