على الرغم من تكراره لذلك الأمر مرتين ولكنها مازالت لم تفهم الذي سيفعله خلال هذين اليومين. ولكن من نظراته وتلك الأسلحة متعددة الأحجام والأشكال الذي أخافتها نوعاً ما، وكذلك تلك المكالمات التي يجريها مع بعض الجهات أمامها، أدركت أن الأمر بمنتهى الخطورة، وكذلك من الممكن أن يؤدي بحياته بعد أن يفقد عمله الذي بدا واضحاً أمام نصب أعينها أنه لا يكترث له حينما يقارن بما قد تعرضت له أخته.
لاحظت أيضاً عينيه التي تقع على صورة أخته بين الحين والآخر بحزن، وكأنه يخبرها أنه سيفعل كل ذلك من أجلها. استنتجت زينة بذكائها كل ذلك، فتكون بداخلها فجوة عميقة من الخوف عليه. على الرغم من إقناع نفسها أنها تكرهه ولم تكن له أي مشاعر، ولكن أيضاً لم ترد أن تنتهي القصة بتلك السهولة! تريد ثأر والدها والفتك بذلك الذي فعل به وبأخته هكذا، ولكن بطرق مشروعة لا تؤدي بحياته.
كانت كلما ترى مهمة للجيش المصري على التلفاز أو الإنترنت، وتحديداً الكتيبة الخاصة به، قلبها يكاد أن يفقد نبضاته وهي تراه لا يهاب الموت ويتصدى له بكل جدارة. وكذلك آخر مهمة له والتي تحاكي بها الشعب بأكمله، هي من كانت تضع يديها على قلبها وهي تراه يقاتل دون النظر أمامه. يدمر كل من يقف بطريقه ولا يدري أن كان سيخرج منها أم لا.
انتشلها من شرودها ألم بطنها حينما ازداد عليها، فأمسكت بها وهي تدعو ربها أن لا يحدث ذلك الأمر أمامه. يكفي ما تعرضت له من إهانة على يديه. -أنا هخرج ساعتين بالكتير وهرجع تاني. حاولي أنتِ تنامي عشان بطنك ترتاح. ثم ألقى لها بأقراص مردداً: -خدي الحبوب دي مسكن هتريحك. مش عايزك تتحركي من مكانك ولا حتى تفتحي الشباك، سامعة؟ فاضل كام ساعة والنهار يطلع، لو بطنك مخفتش هجيب لك الدكتورة. ارتسمت على محياها خطة خبيثة وأومأت
له بمكر متصنعة الطاعة: -حاضر. شوف أنت رايح فين واتطمن. هاخد المسكن وهنام، وإن شاء الله هبقى كويسة. نظر إليها متعجباً حيث أنها سمعت، لم تعترض أو تعاند معه، ولكن لم يعط للأمر أهمية. حمل تلك الأسلحة متجهاً بها إلى أسفل وأغلق باب المنزل خلفه. تنفست زينة الصعداء وكأنها وجدت منفذاً لمخططها. نهضت مسرعة على أطراف أقدامها متناسية ألم بطنها وكأن القوة تولدت بها من حيث لا تدري، وأخذت تردد بتوتر:
-الوقت اتأخر ومفيش صيدليات فاتحة دلوقتي والمنطقة كلها تلاقيها نايمة. بس في دكان عمي سعيد اللي على أول المنطقة ده بيقفل متأخر شوية، هروح أجيب اللي أنا عايزاه وأرجع قبل ما هو يرجع. تذكرت أنها كان بحوزتها مال في جيب بنطالها وأخرجته مع الهاتف. فوجدته وأمسكت بالنسخة الأخرى من المفاتيح حيثما رأت عمار يضعها، فتناولته بيد مرتعشة وخوف شديد واتجهت ناحية الباب، وقبل أن تخرج وضعت (الزونط)
على رأسها كي يخفي رأسها وكذلك وجهها إلى حد ما، ثم خرجت من الباب وأغلقت ببطء شديد. ما أن وقفت أمام مدخل العمارة حتى نظرت حولها بخوف فوجدت المكان خالياً تماماً. كانت دقات قلبها أشبه بطبول الحرب، فأخذت تعدو شارعاً يليه الآخر، وبين كل حين تنظر حولها لتري أن كان أحداً يراها أم لا، وهي تجر قدميها ببطء شديد وتدعو ربها أن تنتهي من ذلك الأمر وتعود قبل أن يحدث شيئاً لها.
كانت تعدو وهي تتذكر عمار حينما أخبرها بأن هؤلاءك الذين فتكوا بوالدها يتربصون لها بين الحين والآخر منتظرين قدومها. لم تشعر بقدميها إلا وهي تقف أمام بيتها والمحل الخاص بها، ولكن على بعد مسافة معينة. انفلتت منها دمعة مريرة وهي تنظر إلى ذلك المكان وتتذكر آخر يوم رأت به والدها، وهاجمتها ذكريات طفولتها وصباها وكأنها ترى كل ما مرت به هنا. اعتصر قلبها متألماً بحزن وهي تجوب بعينيها المنطقة جيداً.
ولكن سرعان ما ارتفع الأدرينالين بجسدها هلعاً، وارتفعت دقات قلبها ذعراً حينما وقعت عينيها على ذلك الشخص الذي خرج لها كالشبح من خلف المنزل. وقعت عيناها عليه كما تدرك جيداً أنه رآها. لم تكن تدري ماذا تفعل وكأنها صُلبت بموضعها، لم تستطع الحراك، ولكن قدميها تحركت لا إرادياً حينما رأت شخصاً آخر يظهر من خلفه يليه واحد آخر أيضاً.
نظرت زينة خلفها واستدارت في هلع تمكن من كل جزء بجسدها. لم تشعر بقدميها التي تفتحت جروحها كلها مرة أخرى وانبثقت دماؤها بغزارة وهي تدب الأرض بها هروباً من تلك الذئاب الضارية. أخذت تجري وتجري وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها وهي تسمع خطواتهم خلفها، ولكن لم تضع بعقلها سوى الفرار منهم والنفاذ بجلدها.
لم يكن ذلك البيت بعيداً عن بيتها كثيراً. فقط بضعة شوارع متقاربة. ومن فرط سرعتها وجدت نفسها أمام العمارة مرة أخرى، وقبل أن تلج بداخلها انقطعت أنوار كل تلك المنطقة لتتحول إلى ظلام حالك زاد من رعبها أكثر، وبالكاد كانت تلتقط أنفاسها. ولكن صوت أولئك الذين خلفها تغلب على خوفها من الظلام، فوطئت بقدميها ودخلت العمارة مرة أخرى صاعدة إلى المنزل بالطابق الثالث. ولكن الظلام منعها من رؤية شيئاً، فأخذت تتحسس موضع المزلاج بيد مرتعشة وجسد يتصبب عرقاً وخوفاً
وهي تردد بلا وعي هامسة: -يارب. يارب احميني يارب. يارب. يارب. تسلل لأذنها أصوات كثيرة أسفل المبنى وبدأت تصعد شيئاً فشيئاً خلفها على الدرج، فأدركت أنهم لحقوا بها إلى هنا أيضاً. وجدت الباب فتح بيديها دون أن تشعر، ولكن قبل أن تضع قدمها بداخلها، وجدت من يقبض على جسدها بقوة واضعاً يديه على فمها ليكتم أنفاسها ويشل حركتها.
شعرت بقدميها ترفع أرضاً فأخذت تركلها يميناً ويساراً في محاولة للفرار، ولكن كانت تلك القوة أكبر من تفعل ذلك بمراحل. وبعد ثانيتين أو ثلاث استمعت لهمسة بداخل أذنيها. صوت ما أن تسلل إليها حتى ألقى على قلبها السكينة: -ششششش. أنا عمار. مش عايز أسمع نفسك.
ما أن قالها حتى ألقت بنفسها بين ذراعيه بتلقائية شديدة وتعلقت برقبته في خوف وهي تحتمي به. لم يكن عليه سوى أن شدها إليه أكثر وأكثر وهو يغلق باباً بجواره وعاد ليضع ذراعه حول ظهرها قائلاً بهمس مرة أخرى: -اهدي. مش عايز عياط. هما هيدخلوا دلوقتي الشقة يدوروا علينا. إحنا في مكان سري مش هيعرفوا يوصلوله. لو سمعوا نفسك حتى هيكشفونا.
أومأت له زينة وهي متعلقة به حتى شعر بأنفاسها تداعب رقبته، وكذلك لم تعد تستطيع الوقوف على قدميها من شدة الألم. كان المكان ضيقاً للغاية بالكاد يدخلهما الاثنان معاً، فكانت ملتصقة به. أنزل عمار يديه أسفلها فرفعها إليه وكأنه يحمل طفلة صغيرة. حاوطت زينة ظهره بذراعيها ووضعت رأسها على كتفه لتلفح أنفاسها رقبته وذهبت في ثبات عميق، حيث لم يقو جسدها الضعيف على كل ذلك الألم والوهن.
لحظات بعدها واستمع عمار إلى صوتهم بالمنزل يبحثون بداخله في كل شبر به، ولكن لم يجدوا شيئاً حتى سمعهم يخرجون مرة أخرى. تنهد عمار باطمئنان وهمس لزينة: -زينة! يلا عشان نمشي من هنا، المكان خطر عليكي. لم يتلقى منها رداً وشعر بارتجاف جسدها وهي مثبتة به. أخرج هاتفه وفتح كشافه فرآها مغمضة العينين وتنحب بخوف من شدة البكاء. سرت قشعريرة بجسده وضمها إليه يبثها الأمان قائلاً بعتاب المحبين: -كان هيحصل إيه لو كنتي سمعتي كلامي!
لازم تعاندي! شعر بألم شديد يجتاح رأسه ولكنه ظن أنها كدمة أو ما شبه لاشتباكه معهم بالأسفل، فأخذ يتذكر.
كان عمار بالأسفل داخل سيارته يرتب الأسلحة بمواضع معينة استغرقته بعض الوقت حتى انتهى منها. ثم انتقل إلى الكرسي الأمامي وبدأ في تشغيلها ولكنها لم تستجب له فأدرك أنها نفذت من البنزين. تذكر أنه معه صفيحة مليئة به بالأعلى، فصعد مرة أخرى إلى المنزل وأخذ يبحث عنه، ولكن انتقلت عيناه إلى السرير فلم يجد زينة. هوى قلبه بين قدميه وشعر بخوف شديد وبسرعة شديدة جاب المنزل بأكمله فوجده فارغاً ردد بغيظ وحنق شديد:
-أقسم بالله كنت حاسس. حتة غبية لو سمعت الكلام ونفذته ممكن تموت.
هرول مسرعاً يخفي صورة أخته وكذلك كل ما يدل على هويته بالمنزل وخرج يعدو بسرعة شديدة بحثاً عنها. ولأنه يدرك أنهم يبحثون عنها فبالتأكيد سيكون هناك بلبلة ما أو أصوات، ولم يكن ليتقدم كثيراً حتى رآها تأتي من شارع آخر باتجاهه، فعلم أنها تعود مرة أخرى إلى المنزل بعدما اكتشف أمرها. ابتعد بمسافة معينة عن المدخل حتى فصل أنوار المنطقة ليجعلهم يتأخرون فترة كي يشعلوا أنواراً ويكملوا بحثهم مما يعطي زينة بعض الوقت للوصول إلى المنزل،
ولكنه فوجئ بتوقفها أمامه، فأخذ يلعن غباءها. وما أن تحرك كي يمسك بها ويجبرها على الصعود حتى استمع لأصواتهم اقتربت منها فتحركت هي وصعدت، فأسرع يغلق باب المدخل للعمارة، وما أن استدار حتى شعر بضربة قوية على رأسه، ولكنه تدارك الموقف مسرعاً فوجدهم ثلاثة رجال، فأخذ يضرب بهم بكل قوته دون النظر أمامه. فقط تحول لوحش كاسر لمجرد تذكره بأن هؤلاء الرجال كانوا سبباً بموت أخته بتلك الوحشية والمهانة. تعجب الرجال من تلك القوة فطرح
اثنين منهم أرضاً وفر الثالث خوفاً من ذلك الذي يقاتل بتلك الشراسة. نظر عمار إليه ولكن لم يطارده، فأدرك أنه سيحضر البقية إلى هنا، فصعد مسرعاً إلى الأعلى ليلحق بها.
حملها عمار بتلك الوضعية وأخذ بعض المتعلقات من المنزل وأغلقه بهدوء كي لا يجلب صوتاً. فهو يدرك أنهم مازالوا يبحثون عنها. ولكن الظلام الذي أحدثه كان له دوراً في مساعدته للهروب. خلال دقيقتين كان أغلق باب المنزل بالقفل ووصل إلى سيارته. وضعها بالمقعد الخلفي ووضع البنزين بالسيارة ثم انطلق بها مسرعاً من تلك المنطقة قبل أن يتم افتضاح أمره.
أدرك من شدة الألم برأسه وكذلك الدماء التي وجدها تغرق رأسه وهو يجففها بمناديل من سيارته أنه فتحت رأسه وتحتاج لخياطة، وكذلك قدم زينة والدماء التي خرجت منها وكانت سبباً في تتبعهم لآثارها ومعرفة المنزل. فوجهته كانت محددة، فادار سيارته متجهاً إلى منزلها متضطراً. كان صوته الغاضب يصل إلى كل من في القصر فزعاً وهو يقول: -أغبييييييييه. كلكم شوييييييييه أغبييييييييييه. هتدفعوا التمن كلكم، حتى بت كل مرة تضحك عليكم يا كلاب.
ثم هبد الهاتف بالأرض في عنف ليتحول إلى قطع غير صالحة للاستعمال. تناول كأسًا من الخمر وشربه دفعة واحدة، لعله يبرد النار التي اقتحمت صدره، ولكن دون جدوى. ما أن استدار خلفه حتى وجد أخته شريهان تهبط من على الدرج وهي ترتدي فستانًا يلتصق بجسدها بالكاد يصل إلى ركبتيها. -إيه يا بيبي، إيه اللي عصّبك أوي كده؟ ثم اقتربت منه تحتضنه في حنان مرددة: -ما عاش ولا كان اللي يعصّب عزت باشا أبو الدهب.
على الرغم منه، هدأ روعه قليلاً وهو يتطلع إليها في حب أخوي قائلاً: -يا بت يا بكّاشة! رايحة فين دلوقتي كده؟ وضعت يديها حول رقبته في دلال قائلة: -مليت شوية، قلت أخرج مع صحابي ساعة ولا حاجة وهرجع على طول. I just want to change my mood. احتضنها عزت في حب قائلاً: -والمود بتاعك ده مش بيتغير غير الساعة واحدة بالليل يا شري؟ شريهان بمراوغة وهي تحاول إقناعه: -حبيبي، أنا أخت عزت أبو الدهب، مين يقدر يقرب لي؟
وكمان أنا بعرف أحافظ على نفسي كويس، عمرك شفت حد اشتكى مني؟ ثم أضافت برقة شديدة: -Don't worry, baby. عزت بحذر وهو يشير إليها: -تمام، بس هتاخدي حد من الحراسة معاكي يوصلك ويجيبك، ومفيش شرب كتير، أوك! هزت رأسها بإيماء مرددة: -أوك، اللي انت عايزه. قبلها عزت على خدها في حنان قائلاً: -يلا enjoy. نظرت إليه شري بدلال ومكر وهي تراوغ قائلة: -أمشي عادي يعني، مش عايز تقول لي حاجة أو تديني حاجة؟ نظر إليها عزت قائلاً بخبث:
-إممم، خلصتي مصروفك الشهري صح؟ نظرت إليه بطرف عينيها مجيبة: -هو اللي بيخلص لوحده. ضحك عزت على طريقتها وهي تقول له ذلك، فأخرج الكريديت الخاص به قائلاً: -اسحبي من ده دلوقتي، وبكرة هملأ الكريديت بتاعك. أخذته منه وقبلته مرة أخرى على خده في حب ومرح قائلة: -يسلم لي هالحلو.
تركته وخرجت مسرعة من القصر في سعادة تغمرها. نادرًا ما يوافق أخوها على خروجها في تلك الأوقات المتأخرة. هي تدرك جيدًا خوفهم عليها، ولكنها أيضًا مقتنعة أنها لا تفعل شيئًا خطأ أو ما يدعو للقلق.
شخصيتها مرحة، طيبة، ولكن لم ينجح أحد إلى الآن في أن يخترق حصونها أو يجذبها. فدائمًا ما تنظر إليهم بغرور، وكذلك لم ترد فعل شيء يغضب أخوتها، فهي طفلتهم المدللة. تحب السهر والخروج مع صديقاتها البنات، وكذلك الشرب كما تعودت في أمريكا حيثما تلقت تعليمها الجامعي وأصبح ذلك أسلوب حياتها.
كأي فتاة تسعد برؤية الشباب ينجذبون إليها، منهم من يريدها لجمالها، ومنهم لنسبها، ومنهم لثقافتها وتعليمها، ولكنها لم تكترث لأي منهم. فدائمًا ما يرضي غرورها أنها ليست مثل تلك الفتيات المنحلة التي تنجذب لكل شاب. هي تعرف جيدًا كيف تحافظ على نفسها. ومع كل ذلك، كانت إلى حد ما نقية، بعيدة كل البعد عن أفعال أخويها. فهل ستظل بعيدة هكذا أم ستخترقها سهام شرهم؟ ***
استمعت لأصوات طرق شديدة على الباب. فظنت أنها قد كُشف أمرها أو أحد ما قام بالبلاغ عنها. نهضت مسرعة في خوف من على السرير، ولبست روبًا طويلًا غطى كل جسدها العاري، وخبأت ذلك الشخص الذي كان معها بالدولاب، وهرولت تفتح الباب محاولة ضبط انفعالاتها لتبدو طبيعية. -عماااار!!! صرخت بحدة بسيطة وخضة أكبر حينما وجدته يقف أمامها، والذي زاد من دهشتها تلك التي كان يحملها بين ذراعيه وكمية الدماء التي غرقت ثيابه ووجهه. ردد عمار بحدة:
-وسّعي يا بثينة، دخليني، انتي لسه هتتصدمي. زجها عمار ودخل إلى المنزل ووضع زينة على أقرب فوتيه وجده. ثم نظر إليها مرة أخرى فشعر بتوترها، وبلمحة واحدة منه أدرك ما تفعله. لا يدري لما شعر بالضيق هكذا، فردد: -طلّعي اللي معاكي بره، وبعدين تجيني. رددت بتلعثم شديد وهي تزيل بعض خصلات شعرها: -ممعايا... مم... مفيش حد أصلًا. وبعدين إيه موضوع البنت دي تاني؟
قالت ذلك في محاولة منها لعدم افتضاح أمرها، إلا أن عمار فاجأها وهو ينهض باحثًا عن ذلك الشخص بكل الغرف حتى وجده بداخل الدولاب. رفس ملابسه بقدميه وزجه خارج المنزل وسط انفعال بثينة وخوفها وهي تلهث خلفه. أغلق الباب بعصبية ونظر إليها ممسكًا بيديها بعنف: -كنت حاسس إنها هتوصل بيكي لكده في يوم من الأيام، بس برضه كنت بكذّب نفسي وأقول إنك متربية وطالعة من بيت محترم وهتقدري تتغلبي على شهوتك. فرت دمعة من عينيها وهي
تشعر بالعار والخجل مرددة: -عمار أنااا... قاطعها عمار بصرامة: -مليش إني أعرف ولا عايز أعرف أصلًا. انتي لا تعني لي في شيء غير إني اعتبرتك أخت، بس كنت غلطان. انتي حتى أقل من كده بكتير. ودلوقتي اتفضلي، ياريت تقومي حتى بواجبك كدكتورة وتشوفي البنت دي مالها، بتطلع دم من كل حتة. نظرت إليه في أسى وردد بخفوت: -طب أشوفك انت الأول، انت دماغك بتنزف. وقبل أن تقترب منه حتى منعها بيديه قائلاً:
-مليكيش دعوة بيا. شوفي زينة الأول، وبعدين أنا. اتفضلي. تقدمت بثينة وأحضرت عدتها الطبية، وشرعت في تبديل ثياب زينة. وما أن رآها عمار تفعل ذلك حتى استوقفها: -استني، انتي بتعملي إيه؟ -هشوف جسمها فيه حاجة ولا لأ عشان أوقف الدم ده. -طيب، لحظة! واتجه عمار إلى زينة وحملها مرة أخرى وأدخلها إلى إحدى الغرف، ثم وضعها على السرير قائلاً:
-هي هتحتاج تغير هدومها. إياكي تلبسيها حاجة من عندك، أنا هنزل أجيب لها هدوم واللي هي عايزاه، وشوفي هتحتاجي إيه تاني. أنا مستني بره. رددت بثينة بغضب وغل: -ليه يعني؟ هي أحسن مني في إيه؟ مش فاهمة! نظر إليها عمار باحتقار مردداً: -انتي متجيش حاجة أصلًا جنبها. ولا انتي مفكرة إن كل البنات زيك، جسمها ده معروض للي يسوى واللي ميسواش؟
ثم خرج من الغرفة وأغلق بابها كي لا يرى جسدها، مما زاد من غضب بثينة وهي تنظر إليه. فأخذت تفعل ما أمرها به خوفًا منه ومن بطشه. في حين غسل عمار وجهه بالماء، فارتسمت على شفتيه ابتسامة على الرغم منه وهو يتذكرها حينما كانت بالمغطس وتداري جسدها خوفًا منه. نظر بالمرآة، فوجد سيل الدماء لم يتوقف، وكذلك الألم، ولكنه لم يبالي به. تناول مناديل وأخذ يكتم بها الدماء كي تتوقف قليلاً إلى أن يراها أحد ما لخياطتها.
-بما إنك بقى مش عايزها تاخد حاجة من عندي، فأنت هتضطر تجيب لها حاجات داخلية. داخلية أوي كمان. نظر إليها عمار بتحدٍ وبرود يقتلها: -زي إيه يعني؟ بثينة بتحدٍ: -زي مثلًا إنها في عدتها الشهرية. وهتحتاج ملابس داخلية وحاجات من الصيدلية. هتقدر تجيب لها الحاجات دي يا عمار باشا، ولا تاخد من اللي عندي؟ عمار بنفس التحدي وكأنه يخبرها أن كل ذلك لا يعنيه شيئًا: -وأكتر من كده كمان لو عايزة. المهم متلمسش حاجة من حاجتك.
بثينة بعصبية وغيره: -وده من امتى إن شاء الله؟ من امتى أصلًا وانت تعرف بنات وتهتم بيهم بالشكل ده؟ عمار ببرود وثقة: -دي تقدري تقولي إنها حالة استثنائية بالنسبة لي. لم يتركها لتسترسل معه بالحديث أكثر من ذلك، فكان يشعر بالضيق منها إلى أقصى حد. ولكن سرعان ما تلاشى ذلك الغضب وهو يتذكر زينة بالأمس حينما اعترضت بشدة على أن يحضر هو ما تحتاجه من الصيدلية، فأخذ يضحك على الرغم من ألمه قائلاً: -بقي هو الموضوع كده يعني!
مجنونة، أقسم بالله. هههههه. *** ذهب عمار إلى صيدلية كبيرة لتضميد جرحه. فنظرت إليه الطبيبة في إعجاب، فهمست لها مساعدتها: -الحمد لله إني استنيت معاكي ومروحتش. ده الليل طلع بيحدف حلويات. لكزتها الطبيبة وذهبت مسرعة إليه قائلة في لهفة: -خير يا فندم! إيه النزيف ده؟ عمار ببرود بعد أن استمع لهمسهم: -والله زي ما انتي شايفة. هتخيطي الجرح ولا هتفضلي تبصي للحلويات بتاعتي؟ اخفضت المساعدة رأسها في حرج، وكذلك الطبيبة، فرددت:
-اتفضل حضرتك من هنا. وجهت حديثها إلى مساعدتها: -هاتي الإبرة والخيط والمعقم والبنج يا دعاء. عمار بنفاذ صبر: -انجزي، من غير بنج، مش لسه هستنى. الطبيبة وهي تنظر لعينيه تارة والجرح تارة قائلة بدلال: -يا فندم، الجرح كبير، مش هتستحمل. لم تكمل حديثها حيثما قطعه عمار حينما وضعت يديها على كتفه فأمسك بها ينزلها بغضب وهو ينظر لوجهها:
-مش هقولك غير إني مقدم في الجيش وتحديدًا الصاعقة، لكي بقى تتخيل تفاهة الجرح ده مقارنة باللي بشوفه، فشوفي أنتي كمان شغلك بدل ما أطربق الصيدلية دي فوق دماغك. كانت نبرته تحمل تهديدًا صريحًا لها فأرتعدت أثر كلماته وتركته، وأسرعت تفعل ما قاله لها دون الاعتراض على شيء. أخذ المتعلقات الأخرى أيضًا وخرج من ذلك المكان متمتمًا بضيق: -هي البنات جرالها إيه! أخلص من بثينة يطلعولي دول، لولا حافظت على نفسي كانو اغتصبوني.
ثم ضحك مرة أخرى وهو يتذكر عناد زينة لها مضيفًا: -ده على كده زينة أرحم بكتير. ما أن وصل إلى سيارته حتى وجد اتصالًا من اللواء نزيه فتعجب قليلًا، ولكن سرعان ما اعتقد أنه يتصل به من أجل العودة مرة أخرى. فكر لحظات قبل أن يحزم أمره ويجيبه: -مساء الخير يا باشا! -مساء النور يا سيدي. قلت أطمن عليك بما إنك مش معبرني ولا معبر شغلك وسايب الدنيا تضرب تقلب هنا. عمار بحدة ممزوجة بالغضب:
-يا باشا أرجوك، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده وقلت لك... قاطعه اللواء نزيه: -كمل إجازتك براحتك، كل حاجة وقفت ومفيش حرب لحين إشعار آخر والدنيا بأمان حاليًا. تعجب عمار بشدة متسائلًا: -يعني إيه يا فندم! والتهديدات اللي اتبعتت والتصريحات واللي حصل في سيناء و.... قاطعه مرة أخرى: -أكيد مش هشرحلك حاجة زي دي في الموبايل، هبقى أزورك قريب وأفهمك الوضع ماشي إزاي. عمار بتفكير وخوف مبهم:
-بس يا فندم مش عارف ليه مش متطمن للقرار ده وحاسس إن الوضع فيه إن. أكد له اللواء نزيه قائلًا: -وأنا زيك برضه، بس أنت عارف إذا وجبت علينا الحرب هنحارب وده اللي كنا بنعمله، وأهي موجبتش أيا كان السبب، لكن برضه واخدين احتياطياتنا، ويا ريت تنجز إجازتك دي وترجع، مش هقولك إن الشغل محتاج لك، أنا اللي محتاج لك يا عمار وبالنسبة لي معتز ومحمد مش كفاية.
شرد عمار قليلًا فيما ينوي فعله باسم أبو الدهب، ولا يدري إن كان سيخرج من تلك المهمة أم لا. انتبه مرة أخرى على صوت اللواء نزيه: -عمااار، رحت فين وأنا بكلمك. -معاك يا فندم. اللواء نزيه:
-أنا سايبك براحتك ومضيت على إجازتك بنفسي عشان بعتبرك ابني وواثق فيك وفي دماغك وإنك ممكن تضحي بنفسك عشان بلدك، وأنت عارف إنها في أشد الحاجة للي زيك. فيا ريت يا عمار مسمعش أي حاجة تغير وجه نظري فيك أو تخليني أندم على الثقة والامتيازات اللي أنا بديهالك. هز عمار رأسه قائلًا: -متقلقش يا فندم، وإن شاء الله هرجع قريب.
أغلق الهاتف وهو يسترجع كلمات اللواء نزيه ويشعر بتيه شديد ودوامة بداخله. من ناحية عمله الذي يفني بحياته لأجله والذي طالما عشقه. ومن ناحية أخرى توأمه التي لم تفارقه منذ طفولتها، كلما تذكر جسدها حينما رآه وذلك المقطع حيثما كانت تعذب وتستنجد بأحد ما يغيثها من بين أيديهم تتولد بداخله نار مشتعلة تحرق الأخضر واليابس للفتك بما فعلو بها ذلك. أدار سيارته في غضب متجها إلى منزل بثينة مرة أخرى وعقله ما زال يفكر بالأمر من كافة الجوانب.
عاد عمار مرة أخرى إلى زينة وأعطى ما أحضره لبثينة والذي تناولته على مضض ناظرة إليه: -هو انت خيطت الجرح؟ -أيوه، وفكك مني أنا حاليًا وروحي شوفي البنت واتعاملي معاها كويس، مش لمجرد إنك متغاظة منها هتتخني عليها تمام. زفرت بحنق وهي تجيبه: -هي أصلاً مش فارقة معايا زيها زي أي مريضة عندي. نطق عمار باستفزاز: -بس فارقة معايا أنا.
تركها عمار وذهب إلى الحمام وترك المياه تنساب على جسده في تفكير عميق لكل ما حدث له وما سيحدث. غير قادر على تحديد ما يريد. ولكن الذي متأكد منه أنه لن يترك ثأر أخته مطلقا. بعد نصف ساعة خرجت بثينة من الغرفة، فأسـرع إليها عمار يطمئن على زينة. دلف الغرفة فوجدها نائمة بعمق فشعر بالقلق قليلًا، فردد سائلًا بثينة التي دلفت خلفه: -هي كويسة؟ بثينة بضيق وسخرية:
-آه كويسة. والإغماء ده السبب الرئيسي فيه قلة الأكل. عايزة أعرف طالما مهتم بيها أوي كده ليه مش بتأكلها؟ لم يجيبها عمار أو لم يكترث لها مرددًا مرة أخرى وهو ما زال ينظر لزينة: -فيها حاجة تانية غير رجليها؟ كانت بتقول إن بطنها بتوجعها جامد. بثينة: -دي حاجة طبيعية لظروفها، متقلقش.
تذكر عمار حينما كانت بين ذراعيه تحتضنه من شدة الخوف. لا يدري لما يشعر بذلك الإحساس كلما كان بالقرب منها أو ناظرًا لعيونها. ترجم ذلك لنفسه بأنها وحيدة مكسورة فقدت الشخص الوحيد الذي كان لها بالحياة وهو أكثر من يدرك شعور الفقد ومرارته. وكذلك شعر بالندم حينما أخرج غضبه عليها حينما فقد أعصابه وضربها وهو يدرك براءتها، ولكن أراد فقط أن يخرج تلك الشحنات السلبية بجسده على من يقف أمامه، فلم تكن سوى تلك المسكينة.
شرد قليلًا وهو ينظر إليها فوجد بعض الخصلات تغطي وجهها فأزاحها بيديه وهو يلمس رأسها لا شعوريًا وهو يفكر بأخته وبرائتها أيضًا وكيف كانت تشاكسه مثل تلك العنيدة. أخرجت زينة بعض الآهات فأمسك عمار بيديها في قلق وهو يسأل بثينة: -هي بتتوجع من إيه؟ هي فيها حاجة. كانت بثينة تنظر إليه بتعجب شديد وصدمة أكبر فصرخ بها عمار: -انتي متنحة كده ليه ما تنطقي؟ أجابت مسرعة في انتفاضة لا شعورية:
-هي مفيهاش حاجة أصلاً، ما طبيعي تتألم. جروح رجليها فتحت تاني بعد ما كانت قربت تخف وده مؤلم أكبر. ودا غير وجع بطنها الفترة دي وهي أصلاً ضعيفة. -طب ما تديها مسكن. اعملي أي حاجة مش عايزها تتوجع كده. -هي نايمة متقلقش، لما تصحى تبقي تاخد. سيبها أنت بس ترتاح وهتبقي كويسة. تركها عمار بالفعل وذهب إلى الشرفة. ذهبت خلفه بثينة حيث لم تستطع كتمان الحديث أكثر من ذلك: -هو أنا ممكن أعرف مين البنت دي؟ وبتعمل إيه معاك!
وارجوك جاوبني متقوليش انتي مالك. أجابها باقتضاب: -حد يخصني وخلاص. -أيوه يعني إيه برضه؟ ما انت اللي يخصك كتير. اللي يشوف اهتمامك بيها وخوفك عليها يقول إنك بتحبها، بس عشان أنا عارفاك كويس وعارفه إنك مش بتاع حب بسألك مين دي؟ التفت عمار إليها قائلًا: -ليه مش بتاع حب! مش راجل أنا مثلًا ومعرفش أحب ولا إيه؟ أسرعت بثينة:
-لا لا طبعًا مش قصدي. بس انت حياتك كلها ناشفة زي ما قلتلي قبل كده مفيهاش المشاعر والحاجات دي، انت راجل عسكري. مش ده كلامك؟ عمار باستفزاز: -مش يمكن مكنتش مثلًا لاقي اللي تغيرلي تفكيري واللي تستاهل إني أحبها. بثينة بتلقائية: -لا طبعًا مش ده الموضوع. لأنه لو كده كنت على الأقل حبيتني أنا. ضحك عمار بتهكم: -وانتي شايفة نفسك تستاهلي إنك تتحبي أصلًا قبل ما تستاهليني أنا؟ اخفضت رأسها في خجل بينما تابع:
-ده أنا لسه مطلع واحد من الشقة من شوية. ويا عالم كان في مين غيره قبله. بثينة بضيق: -يا عمار أنا مش كده ولسه محافظة على نفسي. عمار:
-الكلام ده متقوليهوش ليا أنا. قوليه للي هيتجوزك في يوم من الأيام. من إني أشك إن ممكن حد يبصلك لو عرف عمايلك دي. وقلتهالك قبل كده يا بثينة وهقولهالك تاني، انتي لا تعنيني في شيء سوى إنك أخت واحد صاحبي استشهد ووصاني عليكي. ولولاه إني عامل حسابه لحد اللحظة دي كنت طردتك بره الشقة دي ومن مهنة الطب كلها وخليتك عبرة للي يسوي واللي ما يسواش. أبتلعت بثينة ريقها في توتر وخوف بينما هو اقترب خطوة منها أكثر مضيفًا في تهديد:
-معرفش إذا كان الواد ده أول واحد يدخل الشقة دي ولا لا. لكن متأكد إنه خلاص آخر واحد. صح ولا لأ؟ لم تجيبه بينما ارتفع صوته بحدة: -صح ولا لأ؟ انتفضت لا شعوريًا قائلة: -صح صح. صدقني مش هيحصل تاني والله عرفت غلطي والحاجة دي مش هكررها تاني. يكون أحسن لمصلحتك. بثينة: بس برضه عايزة أعرف إيه طبيعة علاقتك باللي اسمها زينة دي وليه هي معاك؟ أنت: خليكي في نفسك يكون أفضل، عن إذنك.
ثم تركها ودلف إلى غرفة زينة مرة أخرى. لم يكن ليتناقش مع بثينة في ذلك الأمر إلا لكي لا تفكر به مطلقاً كحبيب أو أنه من الممكن في يوم من الأيام سوف ينظر إليها كزوجة مهما فعلت. هي كانت ومازالت أخت صديقه ولولا أنه لا يرد أحداً طلب مساعدته لكان ألقى بها خارج حياته. نظر بتلقائية إلى زينة فوجدها مازالت نائمة، وجهها يكسوه العرق والألم. مد يديه إليها ومسح حبات العرق بيديه من على جبهتها. وأخذه التفكير فيما يود فعله للانتقام.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يغمض عينيه في ضعف واستسلام، فوضع رأسه على الوسادة بجانبها وغط في نوم عميق. ***
في اليوم التالي فتحت زينة عينيها ببطء وهي تتثائب بكسل كعادتها. شعرت بأشياء غريبة بها، فنهضت في موضعها وكشفت الغطاء لتجد ثيابها قد تم تبديلهم وكذلك قدمها. خفق قلبها بخوف شديد حينما أشاحت بوجهها لتقع عينيها على عمار الذي أيضاً وجدته بثياب غير التي كان يرتديها بالأمس. ضمت قدميها برهبة شديدة وهي تحاول الابتعاد عنه وعرفت دموعها طريقها إلى عينيها.
حركتها البسيطة تلك كانت كفيلة بأن توقظه من نومه لينظر إليها بصدمة غير مستوعباً تلك الحالة، فتساءل: مالك؟ بتعيطي ليه؟ لم يستطع تفسير نظراتها لها ولا سبب بكائها، فنهض مسرعاً وهو يقترب منها فوجدها تصرخ في انفعال شديد: أبعد عني! أوعى تقربلي، أنت فاهم! لم يستغرق الأمر معه لحظات حتى تفهم حالتها تلك. ثياب جديدة، وهو كذلك، فتحت عينيها فوجدته نائم بجوارها. كل ذلك ترجم خطأ لديها، فأسرع يردد:
متخافيش، متخافيش. أنا مقربتلكيش. مش أنا اللي عملت كل ده. دي دكتورة. نظرت إليه بشك قليلاً وهي تجفف عبراتها، فأضاف ساخراً كي يستفزها: انتي بجد فكرتي إني ممكن أقربلك؟ ليه يعني من قلة الستات؟ ارتفع صوتها قليلاً وهي تشير بيديها: وانت تقدر أصلاً تقربلي؟ أنا أبعد من خيالك ليك. أنا بس خفت على نفسي ليكون على آخر الزمن جرالي حاجة بسببك. أنا محتفظة بنفسي للإنسان اللي هيحبني ويقدرني مش لواحد بيستقوي على اللي أضعف منه.
لا يعلم مصدر الغيظ والضيق الذي اجتاحوا صدره لمجرد أنها نسبت نفسها لشخص آخر، فردد: أنا لو عايز أعمل كده مش انتي اللي هتمنعيني يا بتاعة انتي! لكن أنا مش شايف فيكي حاجة أصلاً ممكن تغري الواحد. وبما إني بستقوي على اللي أضعف مني فـ أنا لو حابب أموتك دلوقتي هيحصل مش بس ألمسك. فـ متعاندنيش أو تفكري لمجرد التفكير إنك تتحديني، مفهوم؟ زينة دفاع: أنا مش بعاند. أنا بعمل اللي المفروض يتعمل. انت بقى شايفه عند يبقى دي مشكلتك.
رمقته زينة بنظرات احتقار شديدة ولم تجبه، في حين اقترب منها عمار أكثر وهو يضيق عينيه: ولما تخرجي امبارح نص الليل وتروحي قدام بيتك وأنا محذرك من إنك حتى تفتحي الشباك ده يبقى إيه غير إنه عند؟ لتاني مرة بتعرضي حياتك للخطر لولا إني كنت موجود. زينة بخجل ممزوج بالبكاء: أنا معملتش كده غير لسبب مهم مش عشان أعاندك ولا حاجة. عمار بحدة: كنتي قوليلي. مش تخرجي لوحدك كده في نص الليل وانتي عارفة إن فيه كلاب بتجري وراكي. نظرت إليه
بطرف عينيها مرددة بخفوت: مكنش ينفع أقولك. متعرفش أصلاً أنا كنت عاملة إيه عشان أكون هادية كده. عمار بخبث: عاملة إيه؟ زينة بضحك لم تستطع كتمانه: الحمدلله. وانت إيه أخبارك؟ ابتسم قليلاً وهو يهدئ من روعه على فكاهتها. ابتعد عنها قائلاً: طيب خلاص، الموضوع عدى. بس تاني مرة أياكي تكرريها، وإلا أنا فعلاً هستقوي عليكي وأقتلك المرة دي بجد.
بينما هو يتحدث نظرت زينة خلفه لتلك التي كانت تراقب ما يحدث بحنق شديد وعلى وجهها علامات الغضب وهي تراه مقترباً منها هكذا. رددت زينة بخفوت وهمس وهي تنظر إليها: ده مين أنثى البورص دي؟ التفت عمار خلفه حيثما تنظر فوجد بثينة تنظر إليهم. انفلتت ضحكة منه تلقائية على المسمى الذي أطلقته زينة عليها، فهمس لها أيضاً: دي الدكتورة اللي غيرت لك. زينة مرة أخرى: أيوه، يعني بتطلع نار من ودانها ليه؟
كتم عمار ضحكاته مما زاد من حنق بثينة بعدما أدركت أنهم يتهامسون عليها. فردت بغيظ: حمد الله على سلامتك يا شاطرة. زينة ببرود: للدرجة دي شايفاني صغيرة وانتي عجوزة؟ على كده بقى أنا يمكن أكون قد بنتك صح؟ بثينة بغيظ وغضب: بت انتي اتلمي واحترمي نفسك. زينة بحدة: مين دي اللي بت! بت أما أبتك على قرعة ستك. نظرت بثينة إلى عمار تستنجد به كي يخرسها، ولكنه رفع يديه مستسلماً في ضحك مكتوم. صاحت بها بثينة:
لمي لسانك اللي أطول منك ده بدل ما أقصهولك واتكلمي معايا عدل! زينة بعناد ولماظة: بالراحة بس على نفسك يا حاجة ليجيلك سكر وانتي لسه موصلتيش الخمسين. ثم نظرت إلى عمار قائلة: ده مين دي يا عمار! خالتك؟ لم يعد يستطيع كبح ضحكاته أكثر من ذلك، فأنفجر بشدة وهو يتجه ناحية بثينة قائلاً: خليكي انتي الكبيرة يا دكتورة، مش المفروض تروحي شغلك ولا إيه؟ نظرت زينة بضجر وغيظ وقالت: كنت خارجة أهو، بس سمعت صوتكم كان جايب آخر الشارع.
أخرجها عمار من تلك الغرفة وهو ينظر إلى زينة قائلاً قبل أن يخرج: ده انتي نمرة. قالت زينة مسرعة: نمرة واحد وأربعين وساكنة في عابدين. خرج وهو مازال يضحك عليها، بينما كانت بثينة تشتطاط غضباً ولكن لم تستطع التفوه بشيء طالما هو لم يتحدث عن ذلك الأمر أو يعترض. خرجت من المنزل وبداخلها فضول شديد لمعرفة من تلك الفتاة وما علاقتها به. أحضر لها عمار طعاماً وتناولته بشراهة شديدة من شدة الجوع، فنظر إليها عمار مصدوماً:
وكنتي بتقولي مش جعانة؟ رددت زينة والطعام يملأ فمها: أنا كده طول عمري، أكلتي ضعيفة. تطلع إليها شزراً: واضح، واضح. انتي كمان شوية هتبلعيي بس. محبش حد يقاطعني وأنا باكل. ضحك عمار على منظرها قائلاً: كلي يا أختي كلي. ***
تعدت الساعة الثانية عشر منتصف الليل. وسط ظلام الليل واختفاء القمر بمرحلة المحاق. كان جالساً بسيارته متلثماً وبيده جهاز غريب الشكل أشبه بالمفجر. أخذ يركبه بتقنية معينة وهو ينظر إلى المقر الموجود أمامه بغضب شديد وأسفل حزامه سلاح من نوع خاص. ما أن انتهى مما يفعله حتى حسم أمره وأمسك بمقبض باب السيارة مستعداً للهبوط. ولكنه تسمر موضعه حينما وجد من يفتح الباب الآخر لسيارته ويجلس بجواره ناظراً إليه: انت مفكر نفسك هتعمل إيه؟
تطلع إليه ذلك المتلثم قائلاً بصدمة شديدة: انت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!