خشع قلب وهدان للحظات مع ترتيل وردة للقرآن في صلاتها، ولكنه ظلَّ على عناده ظناً منه أن توبته ستعود عليه بخسارة ما جناه وما يجنيه من حرام، سيفقده ويصير أضحوكة بين الناس. فهو حسب ظنه أن المال الوفير هو سبب سعادة الإنسان وعلو مكانته في هذا العالم، ولا يهمه مصدره إن كان حرام، فالمهم أن يتوفر لديه كل ما يريد. ونسي قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
أنهت وردة صلاتها وجلست على حافة الفراش، تفترش بنظرها الأرض وتفرك أصابعها بتوتر. رمقها وهدان بنظراته وحدث نفسه: "مع أنها عمله كيف الشوال بالخلجات دي، بس وشها هينور كيف النجفة، حتة قشطة بعسل صراحة، بس أعمل إيه دلوك يا ناس، أموت أنا في الحلاوة دي." "وآه يا ناري يعني كيف نكون لحالنا ومش قادر أجرب منها؟ "هحاول إكده أكون لطيف معاها يمكن تلين هبابة."
فقام وجلس بجانبها على الفراش، لتبتعد عنه. فتقدم مرة أخرى وهي تواصل ابتعادها عنه حتى كادت تسقط على الأرض، فأمسك بها مردفاً بحنو: "ليه يا جلب وهدان هتبعدي عني؟ وأنا متمنتش في الدنيا دي جدك." "حرام عليكي إكده، طاوعيني وطفي نار شوقي اللي جايدة دي." حركت وردة رأسها بنفي: "لا لا مجراش." "وأنت خابر زين ليه؟ مش لازم أقولك كل شوية." فثار وهدان في وجهها: "يادي الحلال والحرام اللي أنتِ مش عايزة تبطلي الحديت فيه ده."
"طيب يعني أنا مرة سمعت إكده، أن الراجل اللي يطلب مرته وهي ترفض حرام، مش أنتِ برده تعرفي إكده ولا أنا اللي هعلمك عاد." فتلعثمت وردة وحدثت نفسها: "هو عنده حجة، بس أنا مش قادرة، يارب سامحني." ثم أطلقت زفيراً حاراً ونطقت ونادته: "وهدااااان." فظن أنها أخيراً شعرت بحبه ولهفته عليها. فأجابها وهدان بنظرة عاشق متيم حد النخاع بها: "جلب وهدان."
فنكست وردة رأسها كي لا يرى تأجج الحب في عينيها فيعلم كذب لسانها، ولتهرب من نظراته التي تلهب قلبها، فأردفت دون النظر إليه: "أنا مرتك صح بجسمي وليك عليَّ طاعة كيف مبتجول ماشي." "لكن مش هتجدر على جَلبي لأ وألف لأ." ثم ابتلعت ريقها بمرارة قبل أن تتابع: "أنا هكرهك، واعي للكلمة دي ولا أقولها تاني، هكرهك ومطيقاش أطل في خلجتك، ولو عندك شوية دم هملني لحالي."
لتنفجر الدماء في عروق وهدان وينقلب لوحش كاسرٍ بعد أن كان كالطفل الوديع بين يديها، ويصفعها بقوة على وجهها، فتصرخ متأوهة: "آااااااااه." ووضعت إحدى كفيها على موضع الألم وانهارت باكية تصرخ: "اضرب كومان لو عايز، بس بردك مش هتجدر على جَلبي."
شعر وهدان بغصة في قلبه وأطال النظر لكفه الذي ضربها به، آسفاً على ما فعله، وتمنى لو اقتطعها من جسده جزاءً لما أضر روحه هو قبل جسدها. ولكنّه لم يجد بداً سوى الانصياع لطلبها، فتراجع بظهره مختلساً النظر لها، لعله يُشبع عينيه منها، فقد طال الشوق، وهي في عالم ثانٍ لا يحتويه. صدقاً نار العشق تبتلع كل ما يقابلها بدون رحمة، حتى ابتعلته تماماً، فلا هو أصبح قادراً على البعد أو القرب أكثر ليحترق بنارها.
ظلت وردة تبكي حتى احمرت عيناها، وهو واقف في مكانه لا يستطيع فعل أي شيء يخفف من آلامها. فلم يتحمل قلبه كل هذا، فخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بحدة حتى سمع دوي الباب. فخرجت والدته بعد سماعها دوي الباب، فعلمت من هيئته أنّه غاضب لما رآه. لتسرع إليه بقلق متسائلة: "خير يا ولدي، حصل إيه بس؟ ده أنت عريس والليلة ليلتك." فحرك وهدان رأسه مستنكراً: "عريس! "ياه يا ولدي ومالك إكده بتجولها بقهر إكده؟ هو أنت اتجوزت غصب عنك ولا إيه؟
مش وردة دي البنت اللي كنت هتحبها وهتحلم بأنك هتجوزها والفرحة مكنتش سايعاك." "ممكن أطلب منك طلب يمه؟ "عيوني يا حبة جَلبي." "أُحضنيني." فلمعت عيني بدور دموعاً وضمته بحنو لصدرها، فسَكَب وهدان دموعاً حارقة لا تتوقف. فربتت بدور على ظهره بحنو قائلة:
"إبكي يا ضنايا على صدر أمك، أبكي كيف ما تحب لغاية ما ترتاح، لكن أول ما تسيب صدر أمك، تمسح دموعك دي، واوعى تبين ضعفك لحد واصل غير ربنا يا ولدي، لإن ربنا أحن عليك من ألف كتف زي أمك." لمست كلمات والدته قلبه، فتساءل: "هو ربنا حنين قوي إكده؟ "أيوه يا ضنايا، أحن من الأم على ولدها." "أمال ليه بعدني عنك يمه وأنا كنت محتاج حنانك ده؟
يمكن لو كنت اتربيت معاكِ، كان زماني واحد تاني خالص، وكان زماني فرحان دلوك ومتهني مع وردة. مش رفضاني إكده؟ "متجولش إكده يا ولدي، فيه ناس ربنا هيبتليها عشان يختبر إيمانها وعشان يرفعها درجة زيادة في الجنة وعشان يعلمنا أن الدنيا فانية وإن حياتنا الدايمة في الجنة. بس جولي وردة رافضالك ليه؟ هي مش بتحبك كيف ما بتحبها؟
"مش فاهم حاجة واصل من اللي هتجوليه يمه. أما وردة فمعدتش عارف حاجة. أقولك يمه أنا هطلع أشم شوية هوا عشان مخنوج حبتين." "ربنا يريح بالك يا ولدي." فودعها وهدان بعينيه الحزينة ثم خرج، لا يعلم إلى أين. عاتبت وردة نفسها كثيراً لقسوتها تلك على وهدان قائلة:
"مكنش لازم أكون قاسية أوي إكده وكومان كذبت أستغفر الله العظيم وجولت إني هكرهه، رغم إني أحبه أكتر من نفسي وربي عالم باللي في جَلبي. بس أعمل إيه مش قادرة أتخيل إني عايشة مع واحد كان هيسرق وهيتاجر في الحاجات المحرمة. وكل فلوسه حرام، كيف بس أتعامل معاه والحاجات دي عاملة بينا حاجز." "بس برده
افتكري قول الله عز وجل: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}" "وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}" "يعني مهينفعش أسلوبك الواعر ده، ده يمكن هيخليه يعند أكتر. ويمكن لما تاخديه بالهدواة وتبدأي معاه من الصفر يستجيب وحدة وحدة." "بس افرض مستجبش أعمل إيه عاد؟ ده حاجة
بتاع ربنا لقوله تعالى: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}" رفعت بصرها للسماء داعية: "يارب عشان خاطري خد بيده واهديه، أنا حاسة من جواه كويس قوي بس هو هيعاند."
ثم وجدت وردة من يطرق الباب عليها، فظنته وهدان، فأسرعت لغسل وجهها وحاولت أن تبتسم لعلها تلين قلبه بعض الشيء بعد ما فعلته به. ولكنها وجدت أنه لم يدخل ومازال الطرق مستمراً، فاتجهت نحو الباب لتعرف ما في الأمر. وعندما فتحته وجدت بدور، فابتسمت لها بعفوية صادقة مردفة: "أهلا يا أمي." بادلتها بدور الابتسامة مردفة:
"حلو منك قوي كلمة أمي دي يا بتي، وأنا والله مطلع على جَلبي، أول ما شوفتك حبيتك كيف عيالي. أنتِ وشك إكده فيه قبول وعليه نور من ربنا، ربنا يحفظك يا بتي." "الله يكرمك يا أمي، اتفضلي طيب، ليه واقفة إكده." "يكرم أصلك الطيب يا بتي." ثم ولجت بدور للداخل، فجلست قائلة: "تعالي يا بتي اجعدي جاري، عايزاكي في كلمتين." فجلست وردة، لتتحدثت بدور:
"بصي يا بتي، أنا لساني عارفة أن وهدان ولدي، يعني أنا معرفش كيف اتربى ولا عاش ولا هي إيه أخلاقه، بس حاساه اتربى مش تمام. لإني مشفتهوش هيصلي ولا هيذكر ربنا وشكله بعيد قوي يا بتي، فأنا من جولي زعلت قوي على حاله، بس معرفتش أنبه عليه عشان مش بالساهل إكده، هو اتربى على إكده سنين طويلة، وعشان يبقى إنسان كويس لازم نرجع نربيه من جديد، يعني يا بتي كيف الوحدة منا لما تخلف لسه عيل صغير مش بيمشي في الأول لحاله، لكن بيتعلم وحدة وحدة بالحنية إكده."
أومأت وردة برأسها موافقة لما قالته بدور، ثم سألتها قائلة: "وإزاي حصل ده؟ وهدان جالي هيحكيلي بس محكاش." "هحكيلك يا بتي صلي على النبي." ثم بدأت بدور تسترسل قصتها منذ زواجها من العمدة وما حدث أثناء الحمل وبعد الولادة، حتى قابلت وهدان. كانت كل كلمة من قصة بدور كالسكين تنغرز في قلب وردة، وما أن أتمت بدور حكايتها حتى أجهشت وردة بالبكاء مردفة:
"يا حبيبي يا وهدان، يعني أنت ابن العمدة سالم، معقول وبدل ما تتربى في العز والهنا اتربيت في الجبل. يعني الدنيا جت عليك بزيادة وأنا كمان هكمل عليك." أفزع قول بدور كلمة الجبل مردفة: "هتجولي الجبل، يعني ولدي اتربى بين الحرامية وقطاعين الطرق." فضمت وردة شفتيها ندماً على ما تفوهت به أمام بدور، فكانت قد وعدت وهدان أنها لن تفشي سره، ولكن كانت زلة لسان. أجهشت بدور هي الأخرى بالبكاء مردفة:
"يا عيني عليك يا ولدي، أنا السبب في اللي حصل ده." ربتت وردة على كتفها بحنو مردفة: "هو نصيب يا أمي، بس المهم دلوقتي أن خلاص اتلجيتوا وربنا يهديه يا أمي." "أنا فهمت دلوقتي كلمته لما جالي هي رافضاني. يعني يا بتي العالم كله لو عرف حجتك هيرفضه، لكن إحنا أقرب الناس ليه، مفروض نقف جنبه ونسنده ونعينه أنه يغير من نفسه مش نبعد عنه بالشكل ده."
"وهدان بيحبك وأكيد هيسمع لكِ، فراضيه يا بتي عشان ربنا يراضيكِ برضاه وإن شاء الله، ربنا مش هيخيب ظنك ويبجى تمام." ابتسمت وردة متمتمة: "هحاول بإذن الله يا أمي. بس أنا فرحانة قوي أن هيام طلعت أخت وهدان، دي بت كويسة قوي قوي واتربت زين على يد الشيخ عزيز." تنهدت بدور بارتياح مردفة: "الحمد لله، أن البنت طلعت مستورة، نفسي قوي أشوفها." "إن شاء الله هتشوفيها على خير."
"يارب. ودلوقتي اتصلي بجوزك، هو جابلك موبايل تلفون صغير، عليه الأرقام." "أيوه شفته لكن مجربتهوش." "هو علمني كيف أعمله، هاتيه وأعلمك كيف تتصلي." "بس يعني، هقوله إيه؟ "أنا برده اللي هقولك تجوليله إيه؟ جولي له يا بتي اللي حاسة في جلبك، ده جوزك، حلالك." فافترشت وردة بنظرها الأرض. فابتسمت بدور مردفة: "الحب يا بتي بيد الله وحده. يلا هاتي الموبايل أعلمك عشان عايزة أروح أنام."
فجاءت به وردة وبالفعل استطاعت الاتصال وخرجت بدور مسرعة كي تتيح لها الحديث بدون حرج. رن هاتف وهدان ولم يصدق الاسم الذي ظهر على شاشة هاتفه (وردة جَلبي) . فدق قلبه ومسح عينيه ليتأكد من الاسم مردفاً: "معقول ولا أنا بحلم... ثم قام بالرد سريعاً: "ألووو." "أنت روحت فين؟ وسيبني جوعانة إكده. أنا هموت من الجوع، ممكن تيجي ناكل مع بعض." تلعثم وهدان من فرحته قائلاً: "ممكن بس أعرف، مين هيكلمني، أنتِ وردة صح ولا عفريت." فضحكت وردة:
"أيوه عفريت ولو مجتش بسرعة، هيطلعلك من التلفون." "لا جي جي جي جي." فلم تمضِ عدة ثوانٍ حتى وجدته وردة أمامه، لأنه كان في حديقة الفيلا. قابلته وردة بابتسامة عذبة، فأغمض وهدان عينيه، وكأنه في حلم لا يريد الاستيقاظ منه. "إيه متقعد ناكل." أشار وهدان إلى نفسه: "أنا اااا قصدك أنااااا." فضحكت وردة: "هو في غيرك هنا." فنظر وهدان يميناً ويساراً، ثم ابتسم مردفاً: "لا مفيش، يبقى أنا صح."
فجلس على المقعد أمام منضدة الطعام، ليتفاجأ بوردة تمد يدها بالطعام إلى فمه مردفة: "يلا نأول بسم الله." "لازم يعني نقول باسم الله؟ "أيوه، عشان لو مأقولتش بسم الله الشيطان يأكل معاك." فغضب وهدان: "شيطان مين ده اللي هياكل معانا، لا نقول بسم الله." فابتسمت وردة، وأقدمت بيد مرتعشة على تناول الطعام، ومع أول لقمة تمتمت: "يارب سامحني، عارفة إنه مش بإيدي، فسامحني وتوب عليَّ يارب."
ثم لم تتناول إلا اليسير. أما وهدان فكان كالناجي من المجاعة، تناول الطعام حتى امتلأت معدته، فأردف قائلاً: "يسلام بقى على كوباية شاي بعد الأكل اللذيذ ده." فأرادت وردة الوقوف تعدّ له كوباً من الشاي مردفة: "حاضر، هروح أعملك الشاي." فأمسك يدها برفق وقبلها مردفاً: "لا أنتِ هنا ملكة والكل تحت رجلك يخدمك." "كلنا عباد الله، وخادم القوم سيدهم. هروح أعملك شاي، حرام اللي هتشتغل زمانها في سابع نومة."
"خلاص مش عايز، تعالي اجعدي جاري." فحمحمت وردة بخجل، ولكن تذكرت حديث بدور فطاوعته. وكان قلب وهدان دقاته تتصارع كأنها في معركة، ولا يصدق هدوء وردة بهذا الشكل. فحاوطها بذراعيه، لترتجف من لمسته، ولكنه جذبها إليه حتى استشعرت دفء عناقه، فسكنت جوارحها واستسلمت لنداء الحب الذي فاز في هذه المعركة، ليقضي وهدان أول ليلة له في النعيم بعد عذاب طال سنوات.
تململت وردة في فراشها لتفتح عينيها لتجد وهدان بجانبها يتأملها بحب. تورّدت وجنتيها خجلاً وهمست: "لسّاك منمتش!؟ "كيف أنام وتضيع على نفسي لحظة مشوفش فيها الجمر ده كله." "بتحبني صح يا وهدان؟ "أنا مش هجاوب بلساني عاد، ولكنه وضع يديها على قلبه مردفاً: "حاسة بضربات جَلبي دي، دي هتتحرك عشانك أنتِ ولو كانت هتنطق كانت هتجول وردة وردة." "وأنا كمان بحبك يا وهدان. وعشان كده اللي يحب إنسان يريد له الخير وعايزه معايا في الجنة."
فوضع وهدان أنامله على فمها هامساً: "هششششش أنا مش رايد غير كلمة واحدة من الحديث ده، بحبك بس اللي انتظرتها كتير قوي قوي. وخلينا دلوقتي في جنة الدنيا." ليعيش معها أحلامه مجدداً، ولكن هل ستصفو له أحلامه أم ستُكدر من جديد؟ مرت عدة أسابيع حاولت وردة معه فيها كثيراً، فكان كالطفل الصغير ولكنه كان عنيداً جداً. فلجأت إلى الله بالدعاء وسكبت العبرات على سجادة الصلاة حتى غفت عليها، فجاءها البشير في منامها، حيث سمعت
من يقوم بالنداء عليها: "وردة أبشري بقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ولكن عليكِ بالصبر فإنه مفتاح الفرج." فاستيقظت وردة من غفوتها مبتسمة ولسان حالها يردد: "سأصبر سأصبر."
في أول لحظات الصباح وعند شروق الشمس ومازال كل من في البيت خالداً للنوم. أشارت قمر إلى أسامة أن يسبقها إلى الشقة. فتهلل وجهه وخطى خطواته سريعاً، ثم تسللت هي الأخرى خارجاً بخطوات خفيفة دون أن يشعر بها أحد. ليتقابلا في شقتهما المستأجرة والتي عاشا بها أجمل اللحظات المسروقة من عمرهما. نعم لا شك أنها كانت لحظات سعيدة، ولكن يشوبها القلق والتوتر والخوف من أن يكتشفها أحد، فلما ذا هذه الفرحة غير المكتملة؟
"وحشتيني أوي يا قمراية." "وأنت كمان يا جَلبي." "غمضي عينيكِ الحلوين دول بس للحظة واحدة." "ليه، أوعى هتكون عملت لي مفاجأة كيف اللي بشوفهم في التلفزيون دول. وهتقعد على ركبتك وتمسك الخاتم وتجول هتجوزيني، هروح خبطاك أنا على دماغك وهجولك كيف نتجوز وإحنا متجوزين هههههههههههه." فضحك أسامة قائلاً: "يخربيت الرومانسية بتاعتك، طيب على الأقل سبيني أعيش اللحظة." "عيش يا عمنا اللحظة، وأديني أهو غمضت عيوني."
فأخرج أسامة علبة صغيرة بها سلسلة من الفضة بها حلقتين بأول حرف من اسميهما. ثم اقترب منها وحاوط عنقها بها، ليطلب منها فتح عينيها. ففتحت ونظرت لها، فلمعت عينيها بالفرحة كأنها طفلة صغيرة جاءت لها لعبة تتمناها منذ وقت طويل. فقامت من مجلسها وأخذت تقفز مردفة: "الله حلوة قوي قوي يا أسامة إن شاء الله يخليك ليا." "عجبتك بجد." ثم افترش بنظره الأرض مردفاً: "يا ريت كنت أقدر أجبهالك دهب ولا حتى ألماس، بس الحال زي ما أنتِ عارفة."
فحاوطته قمر بذراعيها بحب: "متجولش إكده يا حبيبي، دي أغلى حاجة جلت لي، كفاية إنها منك." في الفيلا. استيقظ زين أولاً وجلس على طرف فراشه محدثاً نفسه: "ياما نفسي أقوم من النوم ألاقي المجنونة دي نايمة جاري، وأتصبح بوشها الجميل اللي كل ما أشوفه جَلبي هيفرح. بس متى بس جَلْبها يحس بي؟ لما أقوم إكده أناجر فيها وتناجر فيه." فطرق باب غرفتها فلم تستجب له، فظن إنها نائمة. فردد:
"هفتح إكده الباب، أتأمل فيها براحتي وهي نايمة قبل ما تصحى وتسمعني بلسانها اللي عايز يتقطع ده حديث ملهوش لازمة." ففتح الباب برفق حتى لا يصدر صوتاً، ولكنه تفاجأ بخلو الغرفة من صاحبتها، فبحث عنها في كل أركان الفيلا والحديقة ولم يجدها. "يا ترى راحت فين البت دي دلوقتي وبدري إكده؟ مش عارف هي كمان بقى لها فترة بتحجج وتخرج كتير مش زي عوايدها. يا ترى فيه حاجة حصلت؟ طيب أعمل إيه دلوقتي، آه هتصل بيها وأشوف هي فين؟
فاتصل بها زين ليرن هاتفها باسمه، ولما رأت اسم زين على شاشة الاتصال ارتبكت وتغير لون وجهها. "مالك فيه إيه؟ "زين هيتصل، يا مراري، أكيد هيجول أنتِ فين؟ وليه خرجتي بدري إكده؟ "عادي متخفيش وقولي أي حاجة، هتشتري مثلا حاجة أو زهقانة هتتمشي." "والطؤر ده هيصدق، ده شكاك قوي." "والله أنا نفسي أقتله عشان عينيه دي اللي ديما عليكِ." "لا أمسك نفسك كده، عشان متضيعش مستقبلك." "طيب ردي وقولي زي ما قولتلك." فاستجابت قمر له على مضض.
"ألووووو، عايز إيه يا زين؟ "أنتِ فين دلوقتي؟ "وأنت مالك رايد مني إيه؟ "والله أما اتعدلتي وجولتي فين لما ترجعي مش هسيبك." "ليه فاكر نفسك مين يعني؟ "إكده يا قمر، طيب، أقول لوهدان." "عادي جول، أنا بعمل إيه يعني، خرجت أشتري هدوم جديدة وخلاص هاجي أهو." "طيِّب فين أنتِ وأنا هاجيلك آخدك؟ تلعثمت قمر: "لا على إيه، أنا خلاص جاية وكومان معرفش أوصف أنا الأماكن." "إكده، ماشي يا قمر. مستنيكِ لما أشوف آخرتها معاكِ." ثم أغلقت قمر
معه الاتصال زافرة بضيق: "ربنا يجيب العواقب سليمة." ثم حدثت أسامة: "أنا لازم أمشي دلوقتي عشان متأخرش والطؤر ده يعمل مشكلة أو يجول لـ وهدان فيغضب وغضبه وحش قوي قوي." "ما لسه بدري، أنا ملحقتش أشبع منك يا قمري." "معلش، الأيام جاية كتير." ثم همت بالوقوف ولكنها شعرت بدوار مفاجئ اضطرها للجلوس مرة أخرى. فذعر أسامة: "مالك يا قمر، فيكِ إيه؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!