وقفت عند النافورة و تبادلنا النظرات بترقب. كان شاب وسيم ويبدو أنه رياضي. قرب مني وتكلم بحذر: _أنتِ... أنتِ ناي؟ رددت بملامح جامدة: _كل دا كنت بتضحك عليا و عامل نفسك بنت؟! غمض عينه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتكلم: _أنا عملت كدا عشان كنت حاسس بفضول ناحيتك وعايز أتعرف عليكِ. بعتلك من أكونتي الأساسي بس أنتِ مرضتيش تردي عليا. صرخت بصوت عالٍ: _دا مش مبرر! كنت بحكيلك كل حاجة ووثقت فيك، كنت فاكرة إني أخيرًا بقى عندي أصحاب.
فجأة المياه التي في النافورة اندفعت بقوة لدرجة أنها وصلت مكان ما كان واقف قريبًا منها وغرقته. وجدت نفسي أبتسم غصبًا عني على منظره، وأول ما أخذ باله مني لففت لكي أمشي، لكنه أمسك يدي بسرعة قبل أن يتكلم: _ناي اسمعيني، أنا آسف إني ضحكت عليكِ بس أرجوكِ ادينا فرصة، خلينا نبقى أصحاب. سحبت يدي منه وتكلمت بارتباك: _أنا... أنا مبصاحبش أولاد. قرب مني وبص في عيني بثبات قبل أن يتكلم: _ليه؟ خايفة متقدريش تقاوميني وتقعي في حبي؟!
_أنت عبيط! م.. ملوش علاقة، دا بس عشان... عشان... وجدت الكلام يتوه من على لساني أول ما نظرت في عيونه التي كانت تلمع عسلي في الشمس، فاتكلم: _عشان؟! انتبهت لنفسي ونظرت بعيدًا قبل أن أرد بسرعة: _عشان أنا مقتنعة إنه غلط، تمام؟ _بس أنا نيتي كويسة صدقيني، مش هتخطى حدودي معاكِ بس هبقى موجود دائمًا وقت ما تحتاجيني. ناي قوليلي... طول الشهور اللي كنا بنتكلم فيها عمري ضايقتك بالكلام؟ _ل.. لا. _عمري اتأخرت عليكِ في الرد؟
_ب.. بصراحة لا برضو. _يبقى إيه المانع؟ علاقتنا هتفضل زي ما هي بس الفرق الوحيد إنك عرفتي إني ولد. سكت ولم أعرف ماذا أقول، فلقيته يمد يده نحوي وهو يتكلم: _زين... اسمي الحقيقي زين. سلمت عليه وأنا كنت متأكدة إنه غلط، بس هالته الجذابة وقتها عمتني. *** مر شهر كامل على علاقتي مع زين، لم تتغير أي شيء بعد ما عرفت إنه ولد، ومع ذلك كنت متضايقة لأني بدأت أعجب به وهو في المقابل لم يكن يبدو عليه أنه يبادلني أي مشاعر.
كنت طالعة من المدرج بعد ما المحاضرة خلصت، لما فجأة تليفوني رن بإشعار، فطلعتُه بسرعة ووقفت أرد عليه أولًا. كانت رسالة من زين كاتب فيها: _"فاضية النهاردة؟ رددت بسرعة: _" أيوا، ليه؟ _" عشان عايز أخدك مكان." ابتسمت وكتبت له: _" هتاخدني فين؟ _" مفاجأة، قابليني عند الميدان الساعة خمسة."
قفلت التليفون وتنفسَّت بحماس، نظرت حولي فوجدت المدرج كله فارغًا، بس لم أهتم. كل ما كنت أفكر فيه إني أروح بسرعة عشان ألحق أجهز نفسي قبل ما أقابل زين. مشيت ناحية الباب وقبل ما أقدر أطلع، أغلق فجأة وظهرت وراءه بنت. كان شعرها أسود وطويل مغطيًا به نصف وجهها وشكلها مخيف.
أول شيء خطر ببالي إنها ليست من البشر، بس لما ركزت تذكرت إني رأيتها كذا مرة معنا. كانت بنت انطوائية معندهاش أي أصحاب، قاعدة دائمًا وحدها، وفي إشاعات كتير عنها، وطبعًا كلها لم تكن كويسة. تحححت قبل ما أتكلم بقلق: _ا.. أنتِ سهى؟ ف.. في حاجة؟ أخذت دقيقة قبل أن ترد بصوت واطي قدرت أن أسمعه بالعافية: _ابعدي عنه. كشّرت بعدم فهم: _أبعد عنه؟! تقصد مين؟ _زين. تجمدت مكاني بصدمة. زين!! بتقولي ليه أبعد عنه؟ تكونش...
تكونش معجبة به؟!! تكلمت بعصبية من الفكرة: _أنا وزين مجرد أصحاب، وبعدين أنتِ ملكيش علاقة أقرب من مين وأبعد عن مين، حلو؟! أنوار المدرج انطفأت فجأة وبقيت بالعافية أراها. كنت أحس بالرعب، بس مع ذلك فضلت واقفة مكاني لغاية ما تكلمت: _زين بالونه سودة، ابعدي عنه يا ناي. رددت بانفعال: _بالونة إيه؟ أنتِ عبيطة؟! ابعدي أنتِ عنا. دفعتها وفتحت الباب. خرجت برا وأخذت نفسًا عميقًا لكي أهدأ، وبعدين مشيت. ***
كنت مشغلة الأغاني بصوت عالٍ وأنا بكوي شعري وأضع مكياج، لما دخلت ماما الأوضة فجأة وطفتها. كفّت ذراعيها وتكلمت بحاجب مرفوع: _كل دا عشان نازلة تتمشي شوية أنتِ وريماس؟! ابتسمت بارتباك: _م.. ما أنتِ عارفة إني بقالي شهر كامل مشوفتهاش، وما صدقت نزلت المنصورة أخيرًا. _والله! ومن إمتى وأنتِ بتشوفيها كل يوم أصلًا؟! سحبت حقيبتي من وراها وتكلمت وأنا طالعة برا الأوضة:
_ط.. طيب سلام دلوقتي عشان اتأخرت عليها، هجبلك حاجة حلوة معايا وأنا جايه. خرجت برا البيت بسرعة قبل ما تغير رأيها وتخليني أقعد. وقفت تاكسي، وفي أقل من عشر دقايق كنت وصلت هناك. نزلت من العربية ولم أره واقفًا، فطلعت تليفوني وبعثت له: _" أنا وصلت، أنت فين؟ قرأ الرسالة بس لم يرد. وفجأة وجدت التليفون يرن باسم زوزو (الاسم الذي كنت مسمياه به قبل ما أعرف إنه ولد بس لم أغيره)
. ارتبكت وترددت أرد بسبب أننا لم نكن معتادين نتكلم غير في الشات، بس في النهاية فتحت: _ا.. الو، زين؟! بصوته العميق الذي فيه بحة: _" أيوا يا ناي، وصلتي الميدان؟ _أ.. أيوا. _" طيب، شايفة العمارة آخر الشارع اللي لونها سكري؟ التفتت شوية قبل ما أشوفها أخيرًا، فابتسمت ورددت: _أيوا، شايفاها. _" حلو، امشي علطول لغاية ما توصليها واطلعي الدور الرابع." قلبي بدأ يدق بخوف. دي شقته؟ إحنا هنتقابل في بيته؟
_" متخافيش، عايز أوريكِ حاجة بس مش أكتر." _" م.. ماشي." قفلت الخط وبلعت ريقي قبل ما أقرر في الآخر أتحرك هناك عشان أشوف عايز يوريني إيه. كانت العمارة فخمة وباين إن مش أي حد يقدر يسكن فيها. ركبت الأسانسير ودست على زرار الدور الرابع. فضلت شوية قبل ما أوصل وأخبط على باب الشقة اللي لم يكن فيه غيره في الدور. على طول فتح لي زين بابتسامة وهو يتكلم: _ناي، اتفضلي.
فضلت واقفة مكاني، حاسة إني مش المفروض أكون هنا. افرضًا حاول يعتدي عليَّ أو حاجة؟! افرضًا حاول... _مش هعتدي عليكِ، بطلي تفكير عبيط وادخلي، مش هنكمل خمس دقايق. تكلم فجأة وأنا نظرت له بصدمة قبل ما أتكلم: _أنت.. أنت إزاي عرفت أنا بفكر في إيه؟! _باين جدًا اللي أنتِ بتفكري فيه وأنتِ واقفة على باب الشقة كدا. ها.. هتدخلي ولا لا؟! وسّع مكانًا لكي أعدي وأنا نظرت له بشك قبل ما أتحرك جوا أخيرًا. قفل الباب وتكلم: _تحبي تشربي إيه؟
فكرت إنه ممكن يحط لي مخدر أو حاجة جوه العصير، وأول ما فتحت فمي لكي أرفض قاطعني: _وأنا ليه هحطلك مخدر جوه العصير؟ ممكن تبطلي شك وتثقي فيا شوية. رددت بانفعال: _يعني إيه اللي ليه ممكن تحطلي مخدر جوه العصير؟!! ممكن تعمل أكتر من حاجة، ممكن بعد ما تخدّرني ت... ثواني لحظة كدا، أنت بتقرأ أفكاري؟! إزاي عرفت؟ _بقرا أفكارك آه، هو أنا مقلتلكيش ولا إيه؟ أنا أصلاً مصاص دماء. تكلم وهو ماشي ناحية مكان، فمشيت وراه وأنا أتكلم بإصرار:
_أنا بتكلم بجد، دي تاني مرة تعرف أنا بفكر في إيه. وقف قدام باب أوضة وتكلم: _ناي، أي حد يقدر يعرف إنتِ بتفكري في إيه، ملامحك وأنتِ بتفكري فاضحاكِ. همهمت بعدم اقتناع وهو فتح باب الأوضة قبل ما يتكلم: _اتفضلي. _أوضتك؟! قلب عينيه لفوق بملل ورد: _شوفي بنفسك. دخلت جوا ولم أكن أرى أي شيء في البداية بسبب إن الأوضة ضلمة. دخل ورائي، وأول ما شغل الأنوار فتحت فمي بدهشة من المنظر.
كانت عبارة عن أوضة مليانة لوح ورسمات جميلة جدًا عمري ما رأيتها مثلها قبل كدا في حياتي. تكلم بابتسامة: _المرسم بتاعي، أنتِ أول شخص على الإطلاق أسمح له يدخل هنا. عضيت شفتي لكي أمنع ابتسامة من الظهور وأنا أفكر إنه ممكن يكون هو الآخر عنده مشاعر ناحيتي. لففت ناحيته وتكلمت: _كنت عارفة إنك طالب فنون بس مكنتش أعرف إنك موهوب للدرجادي، رسوماتك جميلة قوي بجد. ابتسم قبل ما يتكلم:
_شكرًا، على العموم مش دي الحاجة اللي كان نفسي أوريهالك. نظرت له باستغراب: _مش المرسم؟ اومال عايز توريني إيه؟ لم يرد، مشى ناحية ركن في الأوضة وشاور لي لكي أمشي وراه. وقفنا قدام لوحة كبيرة متغطية. سحب نفسًا عميقًا وشال الغطا من عليها. وأول ما رأيتها قلبي وقع في رجليا. سحبت سكينة صغيرة كنت أخبئها في كمي دائمًا تحسبًا للحالات الطارئة من غير ما يأخذ باله وهجمت عليه. تكلمت وأنا أثبته على الأرض وواضعاها على رقبته:
_أنت مين وتعرف عني إيه؟! اتكلم...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!