ظل “ظافر” متجمدًا مكانه، عاجزًا عن إعطاء رد فعل يفكك كتلة الجمود التي أحاطت عقله، إلى أن تحرك عنوة حين دفعته إحدى الممرضات التي دلفت مسرعة للغرفة يتبعها الطبيب في استجابة قد تكون متأخرة قليلاً لصرخة ليلى. أبعدت ليلى عن فراش “سالم” وهي تشير لكليهما بنبرة عملية: -لو سمحتوا اتفضلوا استنوا برا.
تحركت ليلى تنوي الخروج ولكن ظافر ظل كما هو، عينيه متموضعتين على جده الراقد مكانه، ينتابه شعور موحش أنها ربما لحظاته الأخيرة في الحياة! همس بشفاهٍ ثقيلة وحروف شريدة: -جدي. تجرأت ليلى وسحبته من ذراعه برفق وهي تهتف محاولة تنبيهه: -ظافر لازم نخرج عشان يشوفوا شغلهم. استجاب أخيرًا وتحركا ليخرجا من الغرفة ثم أُغلقت الأبواب خلفهما. نظر ظافر لـ ليلى بصمتٍ لدقيقتين تقريبًا، ثم سألها بصوت باهت خالٍ من المشاعر: -إيه اللي حصل؟
ابتلعت ريقها وهي تهتف في نفسها؛ لم يتهمك.. يسأل سؤال أكثر من عادي. ولكن رغم ذلك كان لسانها المصبوغ بردود الدفاع عن نفسها يردد: -أنا ما عملتش حاجة، أنا جيت أزوره وآآ…. قاطعها ظافر بصلابة: -أنا ما قُلتش إنك عملتي حاجة. فراحت تسرد له ما حدث بملامح افترشها الارتياح:
-أنا جيت أزوره عادي زي كل مرة، اتفاجأت إن في حد في الأوضة بيعمل حاجة ولابس كمامة ومدينا ضهره وباين عليه التوتر، دخلت زقيته وصرخت بس كتم صرختي وزجني وطلع يجري، وكنت بحاول أشوف عمل إيه وأظبطه لما أنت دخلت. دار “ظافر” حول نفسه بكمدٍ دفين مكبوت، يشعر أن داخله يغلي ويغلي حتى يكاد ينفجر. مسح على وجهه وخصلات شعره وهو يلتقط نفسًا عميقًا، ثم أطلق تأوهًا عميقًا يغلب عليه وجعه وغضبه: -أعمل إيه.. أعمل إييييه، أوصلهم إزاي.
عض على كف يده بعنف يُخرج الطاقة السلبية المشحونة بين خلاياه ويُنفس قليلاً عن غضبه المستعر. فاقتربت ليلى منه حتى وقفت أمامه، ووجدت نفسه ترفع يديها مُحيطة وجهه بكفيها الناعمين، هامسة برقة: -هتلاقيهم وهياخدوا العقاب اللي يستحقوه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وجدي سالم هيبقى كويس صدقني، أهم حاجة خليك واثق في ربنا بس.
أحاط يدها بيده يتحسسها بعفوية حانية، ممتنًا للدعم والدفء الذي يتلقاه منها في أسوء أوقاته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة متعبة ولكنها صافية وهو يهز رأسه مؤكدًا على كلامها. ***
كانت “غرام” بين أحضان أيوب الدافئة تتوسط صدره الصلب تنعم بالدفء الذي يغمرها بين ذراعيه، بينما هو يحيطها بذراعه مشددًا على خصرها بتملك ويده تداعب منابت شعرها في حركة عفوية. ابتسمت ببطء ووجهها يتورد خجلًا وحبًا لهذا الرجل… نعم هي تعشقه، تعشقه بجلافته وقسوته المغيظة أحيانًا. اتسعت ابتسامتها حين رسى طوفان أفكارها المشعثة فوق هذا الاعتراف المجلجل بين ضلوعها!
تعشقه وتريد أن تعوضه عن كل سوء رآه بحياته، أن تكون له الأسرة التي حُرم منها. امتدت يدها تلقائيًا تتحسس بطنها بشرود، ثم همست قاطعة الصمت: -بتحب الأطفال؟ تجمدت حركة يده وشعرت بجسده كله يتصلب، ففسرت سؤالها بآخر: -يعني هتعمل إيه لو عرفت إني حامل؟ ازداد تحجر جسده أضعافًا ثم اعتدل في جلسته يمسكها من ذراعيها متسائلاً بخشونة: -أنتي حامل؟
هزت رأسها نافية بشيء من التوتر بينما عينيها تدقق النظر لتلك الزوبعة المتصاعدة في سوداويته التي عادت لظلامها مجددًا؛ وكأنها مَن أحيته بسؤالها! ثم تابعت بحروف متلكئة: -أنا بقول لو، مجرد سؤال. نهض أيوب من الفراش بملامح مقتضبة دون أن يتفوه بالمزيد، وكاد يخرج من الغرفة، ولكن غرام سارعت بالتحرك خلفه، ثم أوقفته ممسكة بذراعه، وسألته مستنكرة: -إيه في؟ نظر لها بملامح جامدة وعينين قاحلتين ميتتين، ثم قال بصوت خاوي:
-أنا مش عايز أطفال. أجفلت ملامحها وشعرت أنه بعدما رفعها لسابع سما، الآن أسقطها بجملته لأسفل سافلين حتى أحست بتهشم كُلها! ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت وكأن حجرًا يقبع فوق لسانها فخرجت حروفها ثقيلة باهتة: -ليه؟ أنا فكرت إن آآ…. ولكنه قاطعها بقوله الحازم الذي جاء قاسيًا على قلبها الذي تورّد وانتش بالأمل: -بكرة هجيب لك برشام منع الحمل. وما أن فتحت فمها وكادت تنطق حتى أضاف مشددًا على حروفه: -ومش عايز كلام في الموضوع ده.
ثم هم بالمغادرة، ولكنها أوقفته من جديدة بقوة، ثم خرجت الصيحة الغاضبة من فطرتها الجائعة للأمومة: -مش من حقك تحكم عليا كده وتسيبني وتمشي وأنا المفروض أقول سمعًا وطاعة هحرم نفسي من الخلفة زي ما حضرتك أمرت يا أيوب بيه، أنا من حقي أكون أم. لاحظت اهتزاز عضلة في فكه، ثم هتف من بين أسنانه والغضب يعاود الاشتعال في حدقتيه لينير حلكتها بنيرانه الهوجاء: -معلش نصيبك وجعك مع واحد مش عايز يخلف، واللي حصل حصل.
للحظات انهزمت أمام رده الذي وضعه بين فكي الحيرة والألم؛ فهو لم يخبرها أنه سيفكر في الأمر أو أنه سيطلقها إن أرادت، بل أخبرها ببساطة أنه الأمر الواقع وليس لها فكاك منه! ثم عادت تهمس بصوت كالنشيج يُنبئ بهطول الدموع التي تجمعت في بندقيتيها: -طب ليه؟ أنا كان نفسي أخلف منك، كان نفسي نكون أسرة سوا ونعوض الدفا اللي اتحرمنا منه إحنا الاتنين.
اشتدت انقباضة يده وهو يغمض عينيه متنفسًا بعمق وكلماتها تتسلل إليه ببطء لتتصارع مع أشباح ماضيه. انتبه لها حين سألته بنبرة مبحوحة تقطر ألمًا: -أنت لسه شايف إني مش من مستواك ومش مناسبة ليك؟ لم يتحمل رؤيتها تتألم هكذا وتحط من قدرها.. ليس بعد الآن… لذا اندفع نحوها ليُحيط وجهها الناعم بين كفيه الكبيرين، وهمس أمام وجهها بخشونة خافتة مُعذبة رغم اللهفة التي توهجت في عينيه لتحيي أملها:
-أنتي شمسي، شمسي اللي نورت حياتي ومليتها دفا، ويعز عليا إني أحرمك من حاجة أنتي عايزاها، لكن مش هقدر، أنا واخد قراري من زمان عمري ما هخلف. ثم اتقدت عيناه بالتملك وهو يؤكد بلهجة مهتاجة بالغيرة والشراسة العاطفية: -ومش هقدر أطلقك وأسيبك تتجوزي وتخلفي من راجل غيري. ثم تركها وغادر الغرفة تحت أنظارها الشاحبة وهي تتساءل كيف يتبدل الحرفين فيصير الأمل ألم هكذا في غمضة عين؟
بينما أيوب في الخارج يلتقط أنفاسه بصوت مسموع، يعلم أنه أناني.. ولكن ما تطلبه منه فوق استطاعته فعليًا، فهو لا يريد أن ينجب طفلًا يعيد مأساته في الحياة من جديد! لا يضمن نفسه، لا يضمن أن يستطيع تربية طفل سليم نفسيًا ومتزن وهو شخصيًا نفسه مشوهة ولا يزال يعاني منها حتى الآن هو والمقربين منه وعلى رأسهم “غرام”. سمع صوتها العنيد العالي يأتيه من خلفه منفعلًا مختنقًا بالبكاء:
-أنا مش هاخد البرشام ومش هعمل حاجة، لو مش عايز تخلف ماتجربليش. فاستدار نحوها وهو يزفر بقوة محاولًا تمالك أعصابه ومراعاة حالتها، تمتم محذرًا: -غرام. ولكنها راحت تتشدق بنفس الانفعال الأهوج: -الموضوع في يدك أنت، ماتطلبش مني أعمل أو أخد حاجة. تصدع جدار تماسكه وتأجج غضبه ليقبض على ذراعها بقوة يهزها مزمجرًا بصوت أجش: -أنا مايتلوش دراعي سامعة؟ جولتلك أنتي ملكي، بس عمومًا ارتاحي مش هاجربلك.
ثم تركها وتحرك يرتدي ملابسه بحركات تروي الغضب والسخط اللذان يزلزلا صدره، وغادر المنزل بأكمله، تاركًا إياها تبكي أملًا لم يعش طويلًا حتى أتى الواقع المرير ليغتاله بلحظة. *** في منزل ” كامل العماري “… في الصالة، كان “كامل” مستندًا بظهره على الأريكة يحدق في الفراغ من حوله، ثم مد يده وأمسك بعلبة سجائره ليُخرج منها سيجارة، ولكن وجدها فارغة كما كل شيء عنده مؤخرًا! ألقاها أرضًا بغضب وهو يصيح بانفعال:
-يلعن أبو الجرف، حتى السجاير خلصت. اشتعلت نظراته بالسخط والحقد وهو يحدق في تلك العلبة الفارغة، ثم همس محدثًا نفسه بشيء من القهر: -جه اليوم اللي ماتعرفش تجيب فيه السيجارة حتى يا كامل بعد ما ماكنتش بتخلص من جيبك. لا يدري كيف انقلب به الحال هكذا! تدمر عمله تمامًا حتى أصبح على وشك إعلان إفلاسه حرفيًا. حتى ثلاجته لم تعد تحوي كل ما لذ وطاب كما السابق، بل صارت شبه فارغة، فصار يعاني القحط ويتشربه قطرة قطرة!
لولا اكتشاف أيوب بطريقةٍ ما لابتزازه لتلك الفتاة التي تزوجها “غرام” لكان نجح في استخلاص ذلك المبلغ الصغير ليُسير به أحواله ولو مؤقتًا. راح يتذكر حين أتى أيوب كالطوفان بعد معرفته بما فعل مباشرةً. طرق أيوب باب منزله بعنف، فأتى كامل منزعجًا على إثر تلك الطرقات: -جاي براحة إيه في!! وما أن فتح الباب حتى هب أيوب كالإعصار بوجهه هادرًا بشراسة: -مالك ومال مرتي؟ عمال تحارب حواليها عايز توصل لإيه؟ لم يمهله فرصة للرد
حيث تابع بنبرة مغلولة: -عايز فلوس؟ تبجى بتحلم، طول ما أنا عايش مش هتطول جرش واحد مني. ثم تحرك للداخل وبحركة مباغتة كان يضرب كل شيء أمامه بقوة مدمرًا كل ما تقع عليه يديه، فقد كانت تنتابه رغبة عنيفة في تشبيعه ضربًا حتى يشفي غليله، ولكن لا زالت سلاسل تلك الكلمة اللعينة التي لا يستحقها “والده” تقيده مانعة إياه عن تحقيق تلك الرغبة، فأراد أن يُكبده الخسائر كأقل تقدير للعقاب الذي يستحقه على تعديه على مَن يخصه.
فيما كان كامل يصرخ فيه بانفعال محاولًا إبعاده ودفعه للخلف: -أنت مجنون، ابعد.. اطلع برا بيتي، برا. وقف أيوب كالجبل الشامخ أمامه يلهث من فرط انفعاله، ثم قال بكلماتٍ شديدة اللهجة: -الظاهر إن أنت اللي اتجننت وخرفت على كبر، أوعى تنسى أنا ممكن أعمل فيك إيه لو فكرت تيجي جمب حد يخصني. التوت شفتا كامل بسخرية مريرة وهو يشير حوله كإشارة عن حاله بشكل عام: -هتعمل إيه أكتر من كده؟ هو في أسوأ من كده؟
اقترب منه أيوب خطوة، ثم أومأ مؤكدًا برأسه وعينيه تموج بنظرة شيطانية مظلمة: -طبعًا في، في إني أخليك تنام في الشارع مش مجرد شغلك واقف بس، ولو عايز تجرب فكر تجرب من مرتي أو من أي حد يخصني تاني. وأشهرت عيناه سيف الوعد الضاري وهو يضيف بنبرة منفعلة عنيفة: -وما بجاش أيوب العماري لو ماندمتكش على اليوم الأغبر اللي اتولدت فيه.
ثم استدار وغادر دون انتظار دقيقة أخرى، رغم أنه يشعر أن ذلك اللقاء القصير المُهدد لم يُرضي وحوش الغضب المهتاجة داخله، ولكنه كان ضروريًا لوضع حد أمام فسوق ووقاحة ذلك الرجل المُسمى بكل أسف والده. *** بعد عدة أيام…
سارت ليلى بخطى ثقيلة تدخل الشركة التي يملكها “ظافر” ويعمل بها، كانت تُقدم قدمًا وتؤخر أخرى، تسير على أشواك التردد، وتقنع نفسها أنها تأتي لأجل موضوع الطلاق المُعلق بينهما، وبالتالي طلاق والدتها من ذلك الحقير “هاشم” أيضًا مُعلق بعد شرط الأخير، ولكنها في الحقيقة تشعر بصوتٍ خافت داخلها يحثها على رؤيته والاطمئنان عليه بعدما مرت أيام دون أن تراه أو يأتي هو كما السابق، صوت يأتي من بعيد.. من أعماقها التي تموج بأمواج مشاعر جديدة تصطدم بصخرة عقلها اليابسة فتظل هكذا تصارعها.
وصلت إلى مكتب ظافر، وحمدت الله أنها لم تجد “سكرتيرة” كما ترى بالأفلام، فلم تكن تدري ماذا ستقول، أو هل ستخبرها أنها زوجته أم لا؟! كان باب مكتبه مفتوحًا فدخلت في خطوات بطيئة، لتجد ظافر يجلس خلف مكتبه على كرسيه مستندًا بظهره، وتقف أمامه فتاة شابة في مقتبل العمر، تضحك وتداعب وجهه بريشة، بدت أنها تشاكسه بحميمية! وكأنهما مقربان جدًا؛ أو هكذا هي ظنت. تنحنحت حين انتبه لها ظافر فاعتدل في جلسته ينظر نحوها مرددًا بدهشة: -ليلى.
تجاهلت الطعنة الحارقة التي دبّت بمنتصف قلبها بعد رؤيتها لهذا المشهد، وقالت بصوت خافت لم تدري أنه خرج حادًا رغم خفوته: -عايزة أتكلم معاك. نظر ظافر نحو الفتاة الواقفة جواره والتي كانت تستكشف ليلى بنظراتها، وأردف بهدوء: -طب روحي أنتي دلوقتي يا منى. منى هكذا دون ألقاب؟ وبهذه الرقة وهذا التعامل السلس؟ تبًا له ولمن يصدق محاولاته الكاذبة في كسب حبها، وماذا توقعت من رجل؟ بالنهاية كلهم “مصطفى أبو حجر”.
انتبهت لظافر الذي سألها بجدية ولا زالت دهشته من مجيئها تلوح في الأفق: -حصل حاجة ولا إيه؟ اقتربت منه بخطوات عازمة مُحملة بالغضب، ثم استطردت: -في إن المفروض في طلاق يحصل وأنت اختفيت ومانفذتش رغبتي. زفر بصوت عالٍ متمتمًا بإرهاق: -أنا مش عايز ولا قادر أتكلم في الموضوع ده دلوقتي يا ليلى. عقبت باستنكار مغموس بالحنق: -يعني إيه مش عايز ولا قادر؟ إحنا اتفجنا إن آآ…. قاطعها بنبرة جافة تنذر بحفيف من الغضب:
-يعني مش قادر أتكلم في الموضوع ده. عقدت ذراعيها معًا وهي تسأله بسخط لا يزال يطفو على السطح، لا تجد تفسيرًا واضحًا له سوى ذلك المشهد المغيظ منذ قليل مع تلك الفتاة: -أيوه يعني حضرتك هتبقى فاضي وقادر امتى؟ غمغم ببرود ونبرة مقتضبة غير واضحة مشاعرها: -لما أبقى قادر إن شاء الله هاجيلك ونشوف. علت نبضة فزعة في قلبها، هل هذا معناه أنه سيطلقها بالفعل؟ هل سأم تمنعها أم أن لتلك الفتاة دورًا في ذلك؟
ولكنها لجمت كل تلك المشاعر التي عصفت بها، وتشدقت بثبات: -بس ياريت ماتتطنشش عشان الموضوع ده مش بيأثر عليا لوحدي ده بيضر أمي معايا. عقد ما بين حاجبيه بعدم فهم: -بيضرها ازاي يعني؟ هزت رأسها نافية وهي تضيف بنبرة ذات مغزى: -لا ماتشغلش بالك، ومعلش عطلتك. ثم استدارت تنوي المغادرة، ولكن ظافر أوقفها حين نهض مسرعًا ليمسك بذراعها يُديرها نحوه متسائلًا بصوت أجش: -بقولك بيضرها ازاي؟ أنتي مخبية عني إيه يا ليلى؟
ابتلعت ريقها الجاف ثم أجابت مستسلمة بتنهيدة قوية: -راحت له وطلبت منه الطلاق بس مارضيش وجالها إن لو عايزاه يطلقها أنا كمان أَتطلق. اتسعت عيناه وعاد رماد الغضب ليشتعل من جديد في سوداويته، ثم هدر من بين أسنانه بغل: -ابن ال*** أنا هعلمه الأدب، وأنتي عايزة تسمعي كلامه وتطلقي؟ هزت رأسها نافية بشيء من الارتباك: -لأ، أنت عارف إني عايزة أَتطلق عشان مفيش بينا ثقة اللي هي أهم حاجة في أي علاقة.
ضغط ظافر على قبضته بعنف، هو ليس في حالة تسمح له بالمناقشة أو تحمل تدللها عليه، فهو يمر بأكثر فترة عصيبة بحياته، يشعر بالضغط النفسي يزداد عليه كلما مرت الأيام دون أن يجد اللعين الذي فعل ذلك بجده ويعاقبه كما يجب. أغمض عينيه يُهدئ نفسه ثم فتحها من جديد وهو يقول آمرًا بخشونة: -امشي دلوقتي يا ليلى. لم تستطع لجم لسانها الذي اندفع بالقول المهتاج بالغيرة التي لم تجربها بحياتها سوى في هذه اللحظات:
-آه معايا أنا مش طايق نفسك ولا طايق لي كلمة، لكن من شوية ماشاء الله عليك هدوء الدنيا كلها فيك ورايح وفايق. لم تعلم أن هدوئه كان كتمانًا لمرجل الغضب والسخط الذاتي، وهي الآن تعبث به وتؤججه بكلماتها الهوجاء! زجرها بصوت فظ بعض الشيء: -جولتلك امشي يا ليلى ونتكلم بعدين، امشي. -تمام قوي، همشي يا أستاذ ظافر.
غمغمت بغيظ كان جليًا كعين الشمس، واستدارت تكاد تغادر، ولكن في حركة مباغتة كان ظافر يجذبها من ذراعها بقوة حتى اصطدمت بصلابة صدره، ولم تكتمل شهقتها المتفاجئة إذ كتمها ظافر بشفتيه التي لم تكن رقيقة، بل كانت تحمل شراسة عاطفية، تُفجر كتمان انفعاله الداخلي، وكأنه يأخذ من بتلات الورود في شفتيها ما يُلطف جحيم الغضب داخله. ابتعد بعد دقيقة تقريبًا يشاركها لهاث أنفاسها، ثم همس بخشونة مختنقة: -أنا تعبان، تعبان ومحتاجك جنبي.
كيف يفعل هذا بها؟ كيف يجعل في قمم الغضب ثم فجأة يحملها فوق بساط عاطفته وكلماته ليُدخلها نعيمًا لم تعرفه سوى بين يديه. لم تجبه بشيء سارحة في خضم مشاعرها المبعثرة، فسحبها من يدها برفق ليُجلسها على الأريكة، وأغلق باب الغرفة الذي كان مغلقًا نصف غلقة، وعاد لها ليتمدد على الأريكة واضعًا رأسه فوق قدميها، ثم أمسك كفها الرقيق الصغير ووضعه في خصلات شعره السوداء الغزيرة، وكأنه يطالبها بالدفء.. بالدعم النفسي.
فاستسلمت بصمت وظلت تداعب خصلاته بأصابعها برقة، وبحركة غير محسوبة كانت تحيط رأسه بذراعيها تضمه لصدرها متنهدة بابتسامة صغيرة حانية مقبلة قمة رأسه قبلة سريعة عميقة فضحت مشاعرها التي تعاظمت نحوه، وكأنه طفلها وليس زوجها فقط. ثم انتبها كلاهما فجأة وانتفض ظافر جالسًا حين فُتح الباب ودلفت “منى” تلك الفتاة مرة أخرى! وما أن رأتهما هكذا حتى تراجعت بحرج مغمغمة: -هاجي كمان شوية.
ثم كادت تغادر ولكن ليلى أوقفتها بسؤالها الذي اندفع فجأة كالطلقة من بين شفتيها: -أنتي مين؟ استدارت لها منى ببطء، وإلتوت شفتيها بابتسامة خبيثة صغيرة وهي تجيبها ببرود ماكر: -أنا مراته، هو ظافر ما قالكش ولا إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!