الفصل 5 | من 19 فصل

رواية نبضات قاتلة الفصل الخامس 5 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
22
كلمة
1,746
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

خرج عن صمته أخيرًا، وسأل الممرضة بصوت متحشرج: _هي نايمة كدا ليه؟ مش بتتحرك ولا بترمش حتى؟ كان يعلم ما أصابها، ولكنه تمنى أن تُخلف الممرضة ظنه بإجابتها، ولكنها حطمت أمله الأخير عندما قالت: _مع الأسف مدام چنى قلبها مفيش نبض والطفل كمان، البقاء لله. انفجر «مالك» في وجهها كالبركان المندفع: _بتخرفي تقولي إيه؟ انتي ممرضة مبتعرفيش حاجة، أكيد بتكذبي، ماما اتصلي بسرعة على «غرام» واطلبي منها تيجي فورًا.

كانت جملته الأخيرة بمثابة أمرٍ توجه إلى والدته، بينما انسحب من بينهم صاعدًا إلى تلك الغرفة التي شهدت قسوته وحقده الدفين. لم يكن هناك مجالًا للحديث، فقد عرفت يدها موضع السوط، التقته مباشرة وانهار به ضربًا على جسد «أحمد»، الذي لم ينطق ببنت شفة، وكأنه اعتاد العذاب وعلم أن لا فائدة من صراخه، فكانت كل ضربة يتلقاها تجعله يرفع رأسه قليلًا، ويضغط على عينيه بقوة تخفي الإحمرار القابع بين جفنيه. تخلت شفتي «مالك» عن وضع السكوت،

ونطق بكلمات من اللوم: _كله بسببك، أنت السبب في موت حبيبتي، أنت السبب يا «أحمد»، لو مكنتش أخدتها مني مكنش دا بقى وضعنا، مكنش المفروض تحبها، مكنش المفروض تحبها ولا حتى تفكر تتجوزها، أنت السبب، أنت السبب.

تزامنت كلمتها الأخيرة مع ضربة نهائية، حيث رمى السوط بعيدًا وسقط على ركبتيه، وها هو يصاب بالحزن بعد عام من السعادة المكتسبة، خان صديقه قبل سنة، واليوم تخونه عيناه ويبكي حسرة على ما آلت إليه الأمور، كل ما فعله فقط لتبقى بجانبه، لكن بقسوته وغضبه ولعنة حبه الفاسد فقد خسرها، لم يرغب في رؤيتها مع غيره، فحُرم منها إلى الأبد.

انتهت مراسم الدفن وتلقى «مالك» العزاء في معشوقته التي يراها الآخرون ابنة عمه لا أكثر، توجه إلى غرفتها بعدما غادر الجميع، كان منكسرًا، أصبح ضعيفًا كمن فقد روحه، جلس أرضًا جاعلًا من سريرها مسندًا لظهره، وسمح لنفسه بالانهيار، فقد أجهش في بكاء مرير. جاءت إليه غرام، حاولت أن تخفف عنه قائلة: _هي أكيد دلوقت في مكان أحسن يا «مالك». رد عليها مندفعًا: _لأ، مش في مكان أحسن.

كانت تعرف كم يحب ابنة عمه ويخاف عليها، لذا لم تكن حالته غريبة عليها، فكانت تتوقع أكثر من ذلك، أكمل «مالك» بصوت متحشرج: _أنا مش عايز الكلام اللي كل الناس بتقوله ده، هي مش في مكان أحسن، لو كانت جنبي ومعايا هنا كان هيبقى أحسن. _إيه اللي انت بتقوله ده يا «مالك»، أنا عارفة إنك كنت متعلق بيها ومقدرة حزنك، بس مينفعش كلامك ده، الأقدار وأعمار دي بإيد ربنا، وحد ربنا يا «مالك» بلاش كلامك ده، حرام.

في تلك اللحظة قد حان وقتها لتتلقى ما يخصها من غضبه، فانفجر في وجهها موبخًا: _حرام؟ ومش حرام لما تسيبي شغلك وانتي عارفة إن حالتها صعبة؟ مكنش حرام لما تهملي شغلك يا دكتورة؟ أنتي كمان ليكي دور في موتها. اتسعت حدقتي «غرام» وأشارت إلى نفسها بذهول: _أنا السبب في موتها يا «مالك»؟؟ أجابها مؤكدًا: _أيوه أنتي السبب، هو أنا شغلتك دكتورة خاصة ليه؟

مش عشان كانت حالتها صعبة وكان عندها تسمم حمل شديد ومحتاجة اهتمام ورعاية كويسة، مش لو كنتي موجودة كان زمانك لحقتيها إنما سايبة معاها الممرضة، وحضرتك بايته في بيت أهلك!!! لم ترغب في خلق صورة أخرى عن شخصيته، لذلك فضلت أن تلتمس له العذر، فحسمت أمرها بالانسحاب إلى أن يهدأ، فقالت بصوت مختنق: _أنا هسيبك ترتاح دلوقتي، ونتكلم بعدين. احتضنتها والدتها لتواسيها قائلة:

_متزعليش يا «غرام» يا حبيبتي، هو بس عشان وقت زعل فمش عارف هو بيقول إيه، ده موت وفراق يعني أكيد الموضوع صعب على «مالك» وعيلته. ابتعدت «غرام» عن والدتها وهي تسألها بترقب: _هو أنا ممكن أكون السبب فعلاً يا ماما؟ _يا حبيبتي يا دي أعمار، أنتي صح دكتورة بس لو ربنا مش كاتب النجاة للحالة اللي تحت إيدك والله لو عملتي إيه ما هتعرفي تنقذيها. _بس أنا مكنتش موجودة جنبها يا ماما.

_هو أنتي مسؤولة عنها لوحدك يا حبيبتي، ما في معاكي ممرضة وكمان عيلة چنى المفروض يفضلوا جنبها طالما حالتها صعبة كدا. وكمان نرجع ونقول دي إرادة ربنا. _بس أنا كان المفروض مجيش هنا على الأقل كنت حاولت أنقذها ولو فشلت أكون ساعتها عملت اللي عليا. تنهدت والدتها بضيق وحاولت إقناعها فقالت: _يا بنتي يا حبيبتي انتي ملكيش ذنب والله، وبعدين انتي مش سايبة معاها الممرضة!

والممرضة دي عارفة شغلها وعارفة الحالة وبتعمل زي ما انتي تقولي يعني لو الممرضة كانت لاحظت حاجة غريبة على چنى كانت كلمتك. أخفت «غرام» وجهها بين كفيها وانخرطت في البكاء دون توقف، وما زاد حزنها أكثر هو أن يحملها ذنبًا ثقيلًا كهذا في خلافهما الأول.

انقضى أسبوع منذ أن عادت «غرام» لتمارس عملها في المستشفى التي عملت بها سابقًا، وفي تلك الأيام لم تتواصل مع «مالك» نهائيًا، لكنها تواصلت مع والدته التي علمت بما حدث بينهما واعتذرت من «غرام» بدلًا عن «مالك». كانت تقف أمام المدخل الخارجي للمبنى تنتظر والدها كي يعودا معًا إلى المنزل، وقد رافقتها «منى» كي لا تنتظر بمفردها، ولكن ما إن رأت «مالك» يقترب إليهما، انسحبت قائلة:

_«مالك» شكله جاي يتكلم معاكي، همشي أنا بقى يلا سلام. أومأت «غرام» وقالت: _سلام. وقف أمامها بطلته الساحرة، عادت إليه قوته المعتادة، واسترجع توازنه، حيث افتر ثغره عن ابتسامة لطيفة، وقال بصوته الأجش: _وحشتيني. نظرت بعيدًا عنه، وضغطت على شفتيها كي لا تظهر ابتسامتها، فأكمل «مالك» مشاكسًا: _يا ستي اضحكي خلينا ننبسط. رمقته بنظرة خاطفة دون أن تنطق، فاصطنع الندم قائلًا: _طب أنا آسف. عقدت ذراعيها أمام صدرها، وعاتبته قائلة:

_يعني أنت عارف إنك غلطان؟ ومح جفناه تأييدًا، وأطلق زفرة حارة، ثم رد عليها قائلًا: _عارف إني غلطان يا غرام، بس صدقيني كنت مصدوم ومش قادر أتقبل فكرة إن بنت عمي الوحيدة راحت مني في غمضة عين. تناست كلماته اللاذعة سابقًا، وأردفت بنبرة حانية: _معاك حق، كانت صدمة فعلاً، ربنا يرحمها. استهل «مالك» حديثًا آخر، عارضًا عليها أن يوصلها إلى المنزل، فاعترضت «غرام» قائلة: _لأ مفيش داعي، بابا جاي دلوقتي وهنرجع البيت سوا.

تهللت أساريره وقال بنبرة من الحماس: _بجد! طب كويس عشان أتكلم معاه بخصوص فرحنا. تعجبت من هذا التحول، فكيف لحفل الزفاف أن يقام ولم يمر على وفاة «چنى» سوى أسبوع واحد، تجعدت جبهتها وسألته باستغراب: _هنعمل الفرح إزاي وبنت عمك متوفية من أسبوع!! دس يديه في جيبي سرواله، وأوضح قائلًا: _ما إحنا مش هنعمل فرح يا غرام، وفي نفس الوقت مينفعش نأجل جوازنا. امتعضت ملامحها عن السابق، وتلفظت بحيرة: _مش فاهمة! ليه مينفعش نأجل؟

_ماما يا ستي هتسافر لندن عند عمي ومراته، وهتقعد معاهم فترة. ارتخت ملامحها واقترحت قائلة: _طيب ما نعمل الفرح بعد ما والدتك ترجع من السفر؟ _مش هينفع، لأن ماما رايحة تعرفهم باللي حصل مع چنى، مش هينفع تقولهم في التليفون، وعمي أصلًا عنده القلب ومسافر بقاله سنة بيتعالج برا، يعني ماما مطولة على ما ترجع من السفر الموضوع ممكن يزيد عن سنة، فإيه رأيك؟ _مش عارفة يا مالك، بس الناس هتقول علينا إيه؟ رد عليها دون اكتراث:

_ملناش دعوة بالناس وبعدين إحنا مش هنعمل فرح، إحنا هنعمل حفلة صغيرة جدًا في البيت ونكتب الكتاب بين المقربين جدًا مننا وخلاص، مش هنعزم حد. ران عليهما صمت خفيف، شردت فيه «غرام» تفكيرًا في قرارها الحاسم، ولكن قطع هذا الصمت وصول والدها، الذي صافح «مالك» مباشرة بعدما ترجل من سيارته. رافقت «غرام» والدها في العودة إلى المنزل، والذي بدوره أخبر «مالك» بأنه سيفكر في ذلك الأمر وسيخبره بقراره في أقرب وقت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...