كان والدها مكفهر الوجه، حاد النبرة عندما هتف في وجه «مالك»: _بلا عمي بلا زفت، انسى أي علاقة بينا وملكش دعوة بـ«غرام» تاني. سأله «مالك» ببراءة زائفة: _ليه بس يا عمي؟ أنا عملت حاجة زعلتك؟ _قولتلك متقولش يا عمي، وبعدين أنا مش هستنى لما تعمل، كفاية اللي سمعته. تجمع الموظفون نتيجة لهذا الضجيج، فتمالك الآخر أعصابه كي لا يفتك به الآن، واصطنع ابتسامة هادئة، وسحب الوالد إلى مكتبه عنوة عنه، تحت الأنظار المتسائلة عن سبب الخلاف.
طلب «مالك» من موظفيه العودة لمواصلة العمل، وأغلق الباب بسَكينةٍ قد اختفت وحل محلها بركانٌ ثائر، فقد استدار «مالك» إلى الوالد قائلًا بنبرة كفحيح الموت: _ساكت أنا ومقلتش منك قدام الموظفين، بس دلوقت مش هسكت بقى، الكلام اللي أنت سمعته دا يا عمي أنا مش هقولك معملتوش، لاء أنا عملت وعملت تصرفات متخطرش على عقلك المسن ده. تزامنت جملته الأخيرة مع ضربه جبهة الوالد بخفة، ثم أكمل بجحودٍ واستبداد:
_هتيجي بقى دلوقت مش هجوزك بنتي وبتاع، يبقى لازم تعرف إن مش أنا اللي يتقلي الكلام ده، بنتك عجبتني ودخلت دماغي وهتجوزها يعني هتجوزها، وهتيجي بكرا زي الشاطر كدا وتحط إيدك في ايدي قدام المأذون وتبارك لنا الجوازة. لقد صُدم حقًا في خطيب ابنته، فمن يرى الملاك الذي كان يتحدث إليه منذ قليل، لن يصدق أنه نفس الشخص الذي يكشر عن أنيابه الآن، دون خجل من أفعاله الشيطانية. رد عليه الوالد مستنكرًا: _دا اللي هو ازاي يعني!
هتتجوز بنتي وأنا مش موافق؟ دا أنت لو ماسك عليَّ ذلة أنا مش هنفذ طلب زي ده. قهقه «مالك» ساخرًا، وقال باستهزاء: _لاء ما دا مش طلب، دا أمر، وعلى فكرة أنا مش ماسك عليك ذلة، أنا ماسك عليك حياة بنتك ومراتك، فلو خايف عليهم يبقى تنفذ وانت ساكت بدل ما تخسر مراتك وتتحرم من بنتك اللي بردو هتجوزها سواء أنت وافقت أو رفضت.
وقف الوالد كتائهٍ لا يعرف طريق العودة، بينما جلس «مالك» على كرسيه واضعًا قدم فوق الأخرى بغرور وعنجهة، ثم قال منبهًا: _واه، متفكرش تاخدهم وتمشي من هنا عشان رجالتي في كل مكان وتحركاتك بعد كدا هتكون متراقبة، وكمان متفكرش تقول حاجة لـ«غرام» عشان حتى لو هي رفضتني هتجوزها وانت مش هتستفيد حاجة غير إنها هتعيش تعيسة بعد الجواز.
أُثقل كاهله بتلك الحقيقة المدمرة، فذلك الشيطان الفاسد يطالبه بإلقاء ابنته إلى النيران، ضاقت عليه السبل وكأن عقله أعلن انسحابه عن التفكير، فلم يجد مخرجًا لتلك الكارثة التي أُلقيت فوق عائلته. كان يجر قدميه بصعوبة بالغة، وكأن هناك من يسحبه للوراء، ما إن رأته زوجته «وداد» حتى بادرت بسؤاله قائلة: _ها عملت ايه؟ «مالك» وافق نعمل الحفلة عندنا في البيت؟
نظر إليها ساهمًا، وتخشبت الكلمات على فمه، فلوحت بيدها أمام عينيه لتشد انتباهه، فرد عليها بصوت خامل: _لاء رفض، أنا هدخل ارتاح شوية. تركها خلفه واقفة تطالع أثره باستغراب من حالته التي خالفت سعادته ونشاطه عندما غادر المنزل صباحًا. أُعد المنزل لاستقبال العروس الجديدة، لم تكن التجهيزات كما تمنتها غرام، ولكن لا بأس فقد كان ديكورًا بسيطًا ومميزًا، ومناسبًا لحفلة عائلية.
كانت متخصصة التجميل تضع لمساتها الأخيرة، فبدت «غرام» ككتلة من الجمال تسير على الأرض، انتعلت حذاءً ذي كعب مرتفع، وانساب فستانها الأبيض على جسدها بنعومة بالغة، وبرزت ملامح وجهها الخاطفة للأنفاس، وما زادها جمالًا هي تلك البتلات البيضاء الرقيقة التي استقرت في منتصف خصلاتها السوداء.
صدح هاتفها معلنًا عن اتصالٍ من شخصية مجهولة، فلم يكن رقمًا مسجلًا لديها، كانت على وشك الإجابة ولكن منعتها «منى» عندما خطفت الهاتف بغتة من يدها، وقالت بنبرة مرحة: _مش وقت مكالمات يا حلوة. _ما يمكن يكون حد من المستشفى ولا حاجة، خليني أرد. وضعت الأخرى الهاتف على الوضع الصامت واحتفظت به في حقيبتها اليدوية، وقالت: _كلهم عارفين إن النهاردة فرحك فأكيد محدش هيطلب منك حاجة!
دا تلاقيه رقم بيعاكس ولا حاجة، خلينا دلوقت في اللي احنا فيه عشان المأذون مستني تحت. هبطت «وداد» الدرج، في طريقها إلى زوجها لتخبره بأن ابنتهما أصبحت جاهزة، فأوقفها «مالك» عند نهاية الدرج قائلًا: _كويس يا طنط كنت بدور عليكي. منحته ابتسامة هادئة قبل أن تسأله: _خير يا حبيبي؟ _عمي بيقولك إنه نسي بطاقته في البيت وهو حاليًا مش هيعرف يروح البيت عشان المأذون والضيوف اللي جوا. ف لو ينفع تروحي أنتي وهبعت معاكي السواق بالعربية.
تحققت «وداد» من انشغال زوجها عندما وجدته يتحدث إلى بعض الرجال، فامتثلت لقول «مالك» قائلة: _طيب يا حبيبي هروح أجيبها أنا. تكلف في ابتسامته، واكتفى بهزة خفيفة من رأسه. كانت على وشك المغادرة ولكنها تراجعت خطوتين وقالت ببشاشة وود: _من النهاردة تقولي ماما وعمك تقوله يا بابا. _بس كدا! من عيوني يا ماما. لامست كتفه بخفة، وقالت بحنان: _ربنا يسعدكم يا حبيبي.
كان والدها يختصر في رده على الضيوف، لديه ما يكفيه من الهموم، لديه ضجيج آخر في عقله، أصوات أخرى ترغب في سماع رده لمعرفة نهاية الأمر. نهض من بينهم متخبطًا في مشاعره، وأفكاره، لحق به «مالك» حتى وصلا إلى الباب الرئيسي للمنزل وهنا أوقفه «مالك» بصوته الحاد: _رايح فين يا عمي؟ التفت إليه الوالد، قسماته المنكسرة، عينيه التائهة التي عُكرت بالدموع، كانت هذه التفاصيل كفيلة ليفهم «مالك» ما يدور في عقله، فاقترب منه هامسًا:
_متفكرش تعمل أي حاجة، ادخل كدا زي الشاطر و خلينا نكتب الكتاب. استجمع الوالد شجاعته واعترض قائلًا: _أنا هدخل فعلاً، بس مش عشان نكتب الكتاب، أنا هدخل افضحك قدام ضيوفك وهاخد بنتي وأمشي. ضحك «مالك» متهكمًا، ثم أردف بغروره وبطشه المهلك: _ودي حاجة تفوت عليّ بردو! وبعدين أنت قولت هتاخد بنتك وتمشي طب ومراتك؟ مش عايزها؟؟ قطب الوالد حاجبيه، وطالعه بنظراتٍ تنم عند عدم فهمه، كما سأله مترقبًا: _تقصد ايه؟
_أقصد إن حماتي العزيزة مش موجودة هنا حاليًا. مال «مالك» برأسه قليلًا، وهمس بجاور سمعه حاكيًا ما دار بينه وبين «وداد» منذ قلة من الدقائق، فقال الوالد متعجبًا: _بس أنا منستش بطاقتي! زفر «مالك» باستخفافٍ، وأوضح قائلًا: _ايوه أنا عارف، بس تقدر تقول دي ضمان ليا إنك مش هتفضح سري قدام الضيوف، وإلا وقتها الراجل بتاعي اللي مع ماما «وداد» هيخلص عليها، وبردو هتخرج من هنا من غير بنتك.
جحظت عينيه صدمةً، فهو أمام عقلٍ سام لم يتخيل وجوده على الإطلاق، رمقه «مالك» بسهامٍ آمِرة: _اطلع هات غرام. دلف إلى الداخل بعدما سمحن له الفتيات، كانت مدللته وطفلته الصغيرة توليه ظهرها، حاول جاهدًا أن يمنع عينيه من البكاء، ولكن ما إن التفتت إليه العروس الجميلة، خانته عيناه وفرت الدموع رغمًا عنه، امتدت أناملها الرقيقة وأبعدت القطرات الساخنة بعيدًا عن وجنتي والدها، ثم قبلته من خديه قائلة بصوت مختنق:
_بلاش دموع يا بابا، والله هعيط أنا كمان. منحها ابتسامة دافئة وقَبَلَ رأسها بدوره، واحتضنها بين ذراعيه، وهو يشدد من احتضانها وكأنه يرغب في إخفائها عن أفعال «مالك» السيئة، بل يرغب في إخفائها عن كل سوء قد يبكيها يومًا. درجا السلم سويًا تحت أنظار الجميع، فكان هناك قلة من الضيوف لم يزيدوا عن عشرة رجال، وصديقتها «منى». جاورت والدها في الجلوس وبدأ المأذون عمله وهم ينصتون إليه جميعًا.
وضع الوالد يده في يد «مالك» الذي يرمقه بنظرات الانتصار، بينما الآخر يراه مشوشًا لتكون حاجز من الدموع في حدقتيه، ويكاد صوته يصل إلى الجميع بسبب تلك الغصة المريرة التي تكونت في حلقه. أغلق عينيه بقوة عندما نطق المأذون بكلمته الأخيرة: _بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير. احتضنها والدها بمشاعر مختلفة في هذه المرة، كأنه عناق من الاعتذار، الخوف، القلق، أو لنقل عناق الوداع.
تلق «مالك» المباركات والتهنئة من الجميع، وحان الدور على الوالد، فاحتضنه «مالك» بحفاوة زائفة، وهمس له قائلًا: _تقدر دلوقت تروح تنقذ مراتك بقى، ومتقلق على مراتي أنا هخلي بالي منها. انسحب الوالد من بينهم بعدما أخبر «غرام» أنه سيذهب لينادي والدتها التي خرجت أمام المنزل، على وعدٍ بأن يعودا ليلتقطوا معًا صورة تذكارية.
لقد كان الوقت ثقيلًا عليه، وكأن المسافة إلى منزله قد تضاعفت أضعافًا مضاعفة، ترجل من سيارته أمام المبني، وهرول متعثرًا إلى شقته الخاصة، ومازالت ترافقه الدموع. ارتجفت يديه بينما يضع المفتاح في مكانه المخصص، لم يغلق خلفه الباب، فقد أسرع إلى زوجته التي فقدت وعيها على الأريكة المقابلة للباب. صرخ باسمها بنبرة من الفزع الشديد، وما إن اقترب إليها، تلقى ضربةً على عنقه أفقدته الوعي، وسمحت لعينيه بالانغلاق والتوقف عن البكاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!