دُهشت من فعلته، فبدا جسدها متجمدًا، فلم تعرف كيفية التصرف. أضاف «أحمد» جزءًا جديدًا إلى ذهولها قائلًا: _وحشتيني. ابتلعت ريقها وكأنها تصنع ممرًا لكلماتها، فخرجت عن صمتها قائلة: _وأنت كمان يا «أحمد». ابتعدت عنه وأكملت بابتسامة دافئة: _من النهاردة مش هسيبك أبدًا، متخافش. رد عليها قائلًا: _بس أنا قلقان عليكي، مترجعيش تاني عند «مالك». تزامنت كلمته الأخيرة مع دمعة هاربة من عينيه، فامتدت أناملها الرقيقة وأزالتها سريعًا،
ثم قالت: _«مالك» خلاص مبقاش موجود، انساه يا «أحمد». *** انتقلت إلى غرفة تجاور غرفة «أحمد» كي تستريح قليلًا، لكنها قررت أن تعرف القسم المجهول من قصة «أحمد» و «چنى». التقطت الدفتر الخاص بـ«چنى»، بينما يتردد في ذهنها صوت «سميرة» قائلة: _دا الدفتر اللي كان موجود في أوضة «چنى».
جلست القرفصاء، وشرعت في القراءة بعينيها. كان صمت الغرفة لا يُسمع فيه سوى صوت تقليب الصفحات. بدا الأمر روتينيًا في أولى الصفحات، ثم رويدًا رويدًا بدأت تغوص بين السطور، وذلك عندما بدأت الكلمات في إشباع فضولها، حيث دونت «جني» قصة هلاكها قائلة:
الدنيا كلها اتغيرت لما «مالك» قرر يخرج معايا في عيد ميلادي. في اليوم ده قابلنا «أحمد» بالصدفة، واللي كان مقرب جدًا من «مالك» وكانوا بيحبوا بعض، بالرغم من إنهم مكنوش قد بعض سنًا ولا حتى زمايل دراسة، لكني عرفت إنهم اتعرفوا على بعض لما «أحمد» كان محتاج محامي يخلص له بعض أوراق شركته اللي لسه قايمة تقف على رجلها. وبصراحة في أول مقابلة «أحمد» مهتمش بوجودي أصلًا، لكن شاء القدر إننا نتقابل تاني في محل إكسسوارات تابع لشركة «أحمد»، وهنا بدأنا نتكلم ونتعرف لما قولتله إني محتاجة أعمل سوار بتصميم معين، ومن هنا بدأ الكلام والمقابلات وحبينا بعض، وقررنا نتجوز.
لكن يوم الخطوبة تفاجأت بـ«مالك» اللي هو المفروض ابن عمي بيعترف بمشاعره وعايزني أرفض «أحمد»، لكني رفضت «مالك» واخترت «أحمد»، ومن بعدها «مالك» غاب عنا لفترة بالرغم من إننا كنا عايشين في بيت عيلة واحد لكن مكنتش بشوفه. لكنه ظهر بعد فرحنا بأسبوعين، والمرة دي كان شخصية مختلفة تمامًا وكأنه اتجنن.
استغل سفر أهلي اللي سافروا عشان علاج بابا، وكمان «أحمد» أهله ميتين، وكنا عايشين في شقة لوحدنا. وفي يوم اتهجم «مالك» علينا ومعاه رجالته اللي ضربوا «أحمد» ضرب مُميت، وأخدوه مني، وسابوني لوحدي مع ابن عمي عشان أتعرف على شخصيته المتوحشة، واللي معملش حتى حساب العشرة أو القرابة اللي بينا، واعتدى عليّ وأخدني بيت العيلة تاني ومنع عني الخروج من البيت. وبالرغم من علم مرات عمي إلا إنها كانت بتخاف على ابنها وواخدة صفه، وطلبت مني أعيش وأسكت. وبعد تهديدات كتيرة من «مالك» بإني لو حكيت اللي حصل لحد هيحرمني من «أحمد» العمر كله، فبقيت مضطرة أسكت وأعيش على أمل إني أشوف «أحمد» في يوم من الأيام.
وبالرغم من حملي اللي كان خطر عليّ وصحتي اللي كانت متدهورة، إلا إن «مالك» مكنش بيبطل ضرب فيا مع إن الجنين كان «مالك» أبوه. وأخيرًا بعد سنة كاملة من العذاب، قدرت إني أشوف «أحمد» تاني لكن متوقعتش إن «مالك» يكون عديم الرحمة أوي كدا ويطلع الفترة اللي فاتت دي كلها حابس «أحمد» على السطوح وبيتعذبه.
قررت أكتب الكلام دا النهاردة عشان خلاص حاسة إني بموت. بالمناسبة اتخانقت مع «مالك» من شوية وحاول يموتني وخنقني جامد. أتمنى الظلم دا ينتهي، أتمنى «أحمد» يبقى بخير وربنا يبعتله معجزة تخلصه من عذاب «مالك»، ويا رب «مالك» يختفى من على وش الأرض أو على الأقل يتعاقب على تدمير حياتنا. أغلقت الدفتر ومازال عقلها يحاول أن يستوعب. كيف لبشريٍ أن تنعدم لديه الإنسانية ليصبح وحشًا لا يرحم! حتى عائلته طالهم طغيانه!
حركت رأسها رفضًا، عندما اعترض عقلها واصفًا «مالك» بشيطانٍ ماكر. فنطق لسانها بنبرة من الحزن والحيرة: _دا الشيطان جنب «مالك» صفر على الشمال، أنا مش لاقية وصف للكائن ده! *** استندت بذراعها على مقعد التقديم الرخامي، الخاص بالمطبخ، وقالت بود: _تحبي أساعدك في حاجة يا «صبا»؟ استدارت لها الأخرى ومنحتها ابتسامة لطيفة وقالت: _لاء أنا خلصت اهو، شكلك معرفتيش تنامي. أطلقت «غرام» تنهيدة مهمومة وقالت:
_فعلاً منمتش، ولا هعرف أنام غير لما «أحمد» يبقى في أمان. نطقت «صبا» بكلمات، لتبث الأمان بداخلها: _كل حاجة هتبقى بخير، ربنا مش ناسيكم يا دكتورة. _إن شاء الله، هو ممكن صاحبتي تجيب دكتورة نفسية هنا عشان تشوف حالة «أحمد» ونشوف إيه اللازم؟ ردت عليها «صبا» سريعًا وقالت بترحاب: _أيوه طبعًا يتفضلوا في أي وقت. ابتسمت لها «غرام» وقالت بامتنان: _متشكرة جدًا، مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه!
تركت «صبا» ما تفعله جانبًا، وتقدمت لتقابل «غرام» في الوقوف وقالت: _بالعكس يا دكتورة، إحنا اللي المفروض نشكرك، إنت متعرفيش «چنى» و «أحمد» كانوا مقربين مننا إزاي! بس علاقتنا دي اتقطعت لما «مالك» بدأ يسمم حياتهم وخطف «أحمد» وأجبر «چنى» تقطع التواصل معايا. سألتها «غرام» بفضولٍ واضح: _يعني إنت و چنى مكنتوش على تواصل في الفترة الأخيرة؟
_إطلاقًا، أنا عرفت باللي حصل دا كله بمسدچ مختصرة من «چنى» ليلة وفاتها، عشان كدا لما عرفت إن «مالك» هيتجوز حاولت أدور على العروسة وجبت رقمك من المستشفى وكلمتك. _الحمدلله ربنا بعتكم لينا سند، بس إن شاء الله مش هصعب عليكم الموضوع وأول ما الدكتورة تيجي بكرة وتقولي على علاج «أحمد» أنا هاخده وهسافر أسوان عند تيتا. حاولت «صبا» منعها قائلة: _ولا تصعبي علينا الموضوع ولا حاجة، أنتم تقدروا تقعدوا هنا قد ما تحبوا.
بررت لها «غرام» قائلة: _إنت مش عارفة أنا عملت إيه، كلها يومين بالكتير والدنيا هتتقلب عليّ. _لاء عارفة، «عبير» وهي بتكلمني عشان ابعتلكم «مؤمن» حكت لي اللي حصل بينك وبين «مالك»، وصدقيني مفيش أي مشكلة إننا نقف في ضهركم. _والله أنا مش عارفة أقولك إيه على ذوقك وأخلاقك، بس لازم نبعد عن هنا قدر الإمكان على الأقل لحد ما «أحمد» يرجع يقف على رجله تاني. _هو أنا ممكن أسألك سؤال؟ _طبعًا. نطقت «صبا» سؤالها باستفسار فضولي:
_ليه ساعدتي «أحمد»؟ وعرضتي حياتك للخطر! تنهدت غرام، وردت بتلقائية حائرة: _مش عارفة! أنا أول ما شوفته حسيت إن لازم أساعده، كأن تقديم المساعدة دا فرض، مهمنيش «مالك» ولا علاقتنا اللي انتهت قبل ما تبدأ. عارفة لما تحسي إن في حاجة من غيرها حياتك مش هتكمل؟ أومأت «صبا» تفهمًا، فاسترسلت غرام: _أنا بقى حسيت إن لو «أحمد» مبقاش في أمان أنا حياتي هتقف. ***
اجتمعت «غرام» بالطبيبة النفسية التي جاءت بصحبة «منى»، في وجود «صبا» وزوجها. ارتشفت الطبيبة الأربعينية رشفتين من قهوتها، ثم أعادت الفنجان إلى قاعدته، واندرجت في الحديث لتخبرهم عن تشخيصها لحالة «أحمد»: _بصوا يا جماعة، بناءً على اللي أنا شوفته من حالة «أحمد» والكلام اللي أنتم حكيتوه، فأنا شايفة إن اللي عند «أحمد» ده اضطراب ما بعد الصدمة، يعني لا جنون ولا توحد زي ما أنتم متخيلين. سألتها «غرام» بنبرة من الإهتمام
الذي يخالطه القلق: _طيب ودا هياخد وقت طويل على ما يخف؟ أجابتها الطبيبة بعملية فقالت: _هياخد وقت دا أكيد، بس مش وقت اللي هو سنين يعني، الموضوع هياخد شهور، إنما كام شهر بالتحديد دا بقى يعتمد عليكم. تدخل «مؤمن» مستفسرًا: _طب وإيه المطلوب مننا يا دكتورة؟ بدأت تشرح لهم الأمر قائلة:
_لازم تخلوه يحس بالأمان ودايمًا تدعموه، وبلاش تضغطوا عليه، وحاولوا واحدة واحدة تخلوه يرجع يتعامل مع الناس، وأنا هكتب لكم شوية أدوية كدا هتساعد في علاجه، وأي رد فعل غريب منه كلموني، ويُفضل لو تخلوني أشوفه كل فترة، وإن شاء الله لو العلاج مشي زي ما في دماغي في أقل من أربع شهور «أحمد» هيرجع طبيعي جدًا بإذن الله. *** كادت «منى» أن تغادر مع الطبيبة، فأوقفتها «غرام» وخطت بها بعيدًا، وهمست لها قائلة:
_عايزاكي تروحي بيت بابا النهاردة. قطبت «منى» حاجبيها وسألتها باستغراب: _ليه؟ عايزة حاجة من هناك؟؟ أومأت «غرام» برأسها قائلة: _أيوه هتروحي البيت وتدخلي أوضة ماما، هتلاقي في الدولاب خزنة سرية في أرضية الدولاب، مفتاح الخزنة دي موجود في جيب جاكت أسود. _وبعدين؟ _هتلاقي في الخزنة دي ٥٠ ألف جنيه، هاتيهم وهاتي غويشة دهب من بتوع ماما. اقترحت عليها «منى» قائلة: _ما بلاش الغويشة ولو محتاجة فلوس أنا معايا.
ربتت «غرام» على ذراعها، وقالت بامتنان: _متحرمش منك يا حبيبتي. ودعتها بعناقٍ دافئ حتى تغادر مع الطبيبة. *** زال عنه تأثير المخدر الطبي، وكان طلبه الأول هو رؤية مساعده الذي يمثل يده اليمنى في كل أفعاله. دلف إليه ذلك الشاب الذي تواجد في بيت «غرام» قبل وفاة والديها. لم تمنعه حالته عن ارتكاب المصائب، حيث نطق بصوت واهن: _«غرام» فين يا «معتز»؟ رد عليه بصوته الأجش:
_منعرفش يا «مالك» بيه، أنا معاك هنا من إمبارح، ومعرفش هي اختفت فين وقت الحريقة. ساد الصمت لوهلة من الزمن، قبل أن ينطق «مالك» بصوتٍ متقطع: _هاتها لو من تحت الأرض، دور عليها هي ملهاش معارف كتير، يا إما عند «منى» صاحبتها أو في بيت أهلها. أومأ «معتز» قائلًا: _اللي تؤمر بيه يتنفذ. ***
كان السكون يعم في الأرجاء، وتعماق الليل في عتمته، عندما هاتفته «منى» لتخبرها أنها لم تجد المفتاح الذي أخبرتها بشأنه، ولذلك أُجبرت «غرام» على الذهاب إلى منزل والديها، وإحضار المال بنفسها. خرجت من المنزل دون أن تترك لهم خبرًا، غافلة عن «أحمد» الذي تبعها قلقًا عليها وخوفًا من تركه وحيدًا مرة أخرى. صعدت إلى سيارة قد طلبتها عبر الهاتف، وبغتة فُتح الباب، وصعد «أحمد» بجوارها قائلًا: _جاي معاكي يا غرام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!