الفصل 16 | من 19 فصل

رواية نبضات قاتلة الفصل السادس عشر 16 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
16
كلمة
2,015
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

حرك رجاله بهزة من رأسه، فتصدى «أحمد» لأولهم، لكنه لم يقدر على البقية، فالكثرة غالبًا ما تغلب الشجاعة. بناءً على ذلك، أبرحوه ضربًا، غير عابئين بالكلمات التي تصرخ بها غرام، طلبًا للرحمة والابتعاد عنه. أخيرًا، طلب منهم الكف عن ضربه وإحضاره للذهاب.

بينما تحرك للخروج، يجرها خلفه جرًا، قبل أن يخرجوا بهما لإرجاعهم إلى الهلاك، تفاجأ «معتز» ورجاله بعدد كبير من الأشخاص يقتحمون شقة العجوز. هدأت ملامحه، وتلألأت على شفتيه ابتسامة الظفر. قال بصوته المبحوح: _زي ما أنت شايف كدا، دول سكان العمارة دي والعمارة اللي جنبنا كمان، والبوابة تحت اتقفلت والشرطة في الطريق. فقدامكم حلين. الأول أنكم تسيبوا «أحمد» و«غرام» معانا وتتوكلوا على الله.

ظهر من بين الجيران شاب يافع، واسترسل الحديث بدلًا عن العجوز حين قال: _والحل التاني تفضلوا هنا لحد ما الشرطة توصل. حاول «معتز» أن يبث فيهم الخوف، عندما أشهر سلاحه في وجههم قائلًا بامتعاض: _إحنا معانا أسلحة، يعني ممكن نقتلكم كلكم دلوقت. أردف الشاب ردًا عليه: _ومالو، اعملوها يا كبير، بس برضو ساعتها مش هتعرفوا تخرجوا من هنا غير لما الشرطة توصل. شد أجزاء السلاح، وهددهم قائلًا: _أنا مش بهزر، والله أقتلكم.

عليه العجوز في تلك المرة: _بص بقى، الدكتورة وأهلها اللي يرحمهم مغرقين الجيران جمايل، وعشان كدا محدش فينا هيتخلى عنها دلوقتي، لو على موتنا. وأكمل الشاب بشجاعة ظاهرة: _وكمان لو أنت آذيت حد فينا، أكيد هنشتبك معاكم، وبالرغم من وجود أسلحة معاكم إلا إننا أكتر من تلاتين شخص، يعني برضو هيتقبض عليكم ومش هتاخدوا الدكتورة.

أطلق «معتز» زفرة حارة، ورفع قبضته عن غرام، وأشار لرجاله بترك «أحمد» الذي ينتصب على قدميه بصعوبة. فالتقطته «غرام» تعينه على الوقوف. بينما تلفظ «معتز» بصوته الأجش: _افتحوا لنا البوابة، وهنمشي من غيرهم. لقد حصدت أولى ثمرات الخير بأفعالها التي تعلمتها عن والديها، فاستطاع الجيران تأمينها، وأمسكوا بها قبل أن تسقط في الهاوية.

عادوا إلى بيوتهم بعدما تأكدوا من مغادرة «معتز» ورجاله. فجلست «غرام» تعالج جرحه النازف في زاوية فمه، وتمرر على كدمات وجهه مكعبات من الثلج. قبل أن تشرع برأسها، وسألت العجوز بنبرة نبعها الاستغراب: _الجيران اتلموا كدا ازاي يا عمو؟ نظر العجوز إلى الشاب الذي يقابله في الجلوس وأوضح لها قائلًا:

_أول مرة يكون سهر الشباب مفيد. أنا اتصلت على إياد واختصرت له الوضع وطلبت منه يتصل على الجيران كلهم ويلمهم هنا. بصراحة كنت خايف لأن دا كان محتاج وقت على ما الناس تتلم، بس بتوفيق ربنا قدر إياد إنه يلمهم. أومأت برأسها تفهمًا وقالت بامتنان: _أنا متشكرة جدًا والله، جميلكم دا على راسي العمر كله. أصرت «غرام» على المغادرة من بيت العجوز دون أن تنتظر حلول الصباح، وذهبت إلى «مؤمن» وزوجته مرة أخرى.

خرجت «غرام» من غرفتها صباحًا، وهي تتحدث إلى «منى» في مكالمة هاتفية. فتابعتها «صبا» بعقل شارد. حتى أنزلت الأخرى هاتفها الخلوي عن أذنيها. فسألتها «صبا» بأعين ضائقة: _هو الفون دا بتاعك؟ _أيوه، ليه؟ اندفعت «صبا» قائلة بخوف واضح: _دا ممكن يهد كل اللي إحنا بنعمله، دا ممكن من خلاله «مالك» يعرف مكانكم، اقفليه فورًا. بدا عليها القلق، وهي تطبق ما قالته «صبا»، وهمست بخفوت: _ربنا يستر.

خرج لتوه من حجرة «مالك»، بعدما اطمئن عليه، فوجد شابًا من رجاله يركض نحوه. قبل أن يتوقف أمامه ويخبره بأنفاس لاهثة: _قدرنا نعرف مكان الدكتورة. سأله «معتز» بلهفة قاسية: _هي فين؟ _صاحبي بيقول إنها في عمارة ****** اللي في حي ******. _يلا بينا، عايزين نجيبها قبل «مالك» بيه يخرج من المستشفى. توجه «معتز» برفقة رجاله إلى العنوان الذي عرفه من مساعده، فكان العنوان تفصيلًا يطابق العنوان الخاص بمنزل «مؤمن» و«صبا».

صعد بمفرده إلى الطابق الذي استدل عليه من مساعده، دق جرس الباب بهدوء يناقض شخصيته الهمجية، وابتعد خطوتين عن الباب وقد لانت ملامحه الخشنة. لم تنقضِ دقيقة واحدة حتى فُتح الباب، فظهرت «صبا» الذي سألته بنبرة جادة: _مين حضرتك؟ تكلف «معتز» في ابتسامته قائلًا: _أنا دكتور «معتز»، محتاج اتكلم مع دكتورة غرام. لقد رأته سابقًا في تلك الليلة التي تحرر فيها «أحمد» من أسرهم، لكنها تظاهرت بالجهل كي تصل إلى مُرادها، فرحبت به قائلة:

_اتفضل يا دكتور، اتفضل. اعتلى الأريكة بأعين متفحصة، بينما جاءت إليه «صبا» بكأس من المياه الغازية، وجلست على الأريكة المقابلة: _اتفضل اشرب يا دكتور. _شكرًا لحضرتك، بس ممكن أشوف الدكتورة «غرام»، عشان أنا مستعجل. _الدكتورة «غرام» مش موجودة، حصل معاها مشاكل في الفترة الأخيرة فقررت تسافر برا البلد تريح أعصابها شوية. سألها «معتز» بلهجة ظلالها الشك: _سافرت! امتى؟

_لاء هي لسه مسافرتش، هي حاليًا في طريقها للمطار، لو حضرتك وصلت بدري عشر دقايق كنت لحقتها، واعتقد حضرتك ممكن تلحقها قبل ما تسافر طيارتها الساعة ١٢ الضهر لأمريكا. انسحب من المبنى بأكمله وقد اقتنع بعض الشيء بما قالته «صبا»، ولكن تأكد قولها عندما وافاه مساعده بالأخبار قائلًا: _مكان الدكتورة اتغير، صاحبي بيقول إنها دلوقت موجودة في المطار. استعجل «معتز» في رده قائلًا: _خلونا نلحقها بسرعة، دي فرصتنا الأخيرة.

رجعوا إليه جارين معهم أذيال الخيبة. انتصب «معتز» أمامه مطأطئ الرأس، وقص عليه ما حدث، ورحلة بحثهم عن «غرام» التي بائت بالفشل، واكتشافهم بأن «صبا» قد كذبت عليهم لتضليلهم، حيث علموا وقت وصولهم المطار أنه لا وجود لتلك الرحلة التي أخبرتهم بها «صبا». ران عليهم صمت ثقيل، قبل أن يعكره «مالك» قائلًا بصوت ماكر: _خلاص بلاش تدوروا عليها تاني لا هي ولا «أحمد»، أنا عندي اللي هيدور. رفع «معتز» رأسه ناظرًا إلى «مالك» بجبهة

متجعدة وسأله بنبرة فضولية: _مين اللي هيدور؟ لاحت على شفتي «مالك» ابتسامة خبيثة وقال: _الحكومة، هقدم شكوى ضدها، قضية شروع في قتل.

انتشرت نسمات الهواء الباردة في الأرجاء، لكنها تسارعت في تلك اللحظة وكأنها تسابق موجات النهر التي ترتطم بمكعبات الصخر متفاوتة الارتفاع، ليخلق مشهدًا خلابًا يناسب تلك البيوت التي طُليت بألوان تشع بهجة وسعادة في نفوس ساكنيها. فقد تنوع الطلاء بين الأبيض والأزرق، والعديد من الألوان التي شكلت رسومات زاهية، كما هو الحال في بعض القرى النوبية.

طلت من خلف باب عتيق قد فُتح على مصراعيه، كان زيها النوبي الأبيض يليق كثيرًا ببشرتها السمراء، والتي أبرزت جمالها بقلة من مستحضرات التجميل، وتركت العنان لشعرها القصير، وانتعلت حذاءً أرضيًا يتميز بأوتارٍ مشدودة من الخرز اللامع. خطت خطوتها الأولى ونادت بصوتها الناعم: _«أحمد»!

قد سكنت نظراتها علي ظهره المقابل لها، فكان يتوسط شابين في الجلوس، لكن ما إن سمع صوتها، قفز عن تلك الصخرة، واستوى واقفًا على قدميه، وقد أفرجت شفتيه عن ابتسامة لطيفة. انقضى أسبوعان على وصولهم تلك القرية التابعة لمحافظة أسوان، لكن من يراه الآن يُجزم أنه قد رجع إلى عهده السابق، فقد مشط شعره الكثيف ليرجعه إلى الوراء، واكتسب قلة من الكيلو جرامات، التي أعلنت تواجدها بوجهٍ قد اختفت نحافته. لوح لها بيده قائلًا:

_أنا هنا قاعد مع «سامر» و«نوح». بادلته «غرام» الإشارة بحركة استعجالية من يدها، وقالت: _يلا تعال عشان نروح عند عمو «سامي». ودع «أحمد» الشابين ذي الشعر الأجعد، وتحرك إليها راكضًا. انتقت له زيًا رجوليًا يطابق الخاص بها، وطلبت منه ارتدائه إلى أن تستعد جدتها.

ذهبا برفقة الجدة إلى المنزل المجاور، حيث أقام العم «سامي» حفلة عيد ميلاده. كان الحاضرون لديهم ملابس تشابه «غرام» و«أحمد» وكذلك الجدة التي تتشارك مع حفيدتها في بعض الملامح. لم ينعدم خوفه من الآخرين، فهو يخشى الأماكن المزدحمة، لذلك أمسك بيدها ومال عليها محاولًا تذكيرها قائلًا: _متسبنيش لوحدي يا «غرام». ربتت على يده مطمئنةً وقالت: _متخافش، عمري ما هسيبك.

جعلت وعدها حقًا عندما رافقته طوال الوقت، حتى أنها لم تسحب يدها من بين قبضته. وقفا جنبًا إلى جنب، يتابعان الرقصات النوبية المميزة، فتفاجأت به «غرام» يترك يدها بعدما تخلى عن خوفه وانطوائه وقال بنبرة حماسية: _تعالي نرقص معاهم. قطبت حاجبيها، وحركت رأسها رفضًا: _لاء، مش بعرف. عرض عليها قائلًا: _أنا هعلمك، دا رقصهم سهل خالص. ضحكت بخفة وسألته بلهجة فضولية: _اتعلمت فين؟ _من «سامر» و«نوح»، تعالي يلا تعالي.

لم يترك لها مجالًا للرفض أو الاعتراض، وسحبها إلى ساحة الرقص، فكان يريها ما تعلمه سابقًا ويطلب منه تكرار حركاته، واستمر الوضع بين ضحكاتهم النابعة من جوف الاستمتاع لمدة لا بأس بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...