الفصل 17 | من 19 فصل

رواية نبضات قاتلة الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
16
كلمة
2,012
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

التفوا أرضًا حول منضدة خشبية، يتناولون طعام الصباح في أجواء من الحب والسكينة. بادرت الجدة بالحديث عندما قالت: _أنا عملتلك البيض زي ما طلبت يا «أحمد»، عجبك؟ أومأ برأسه مادحًا: _جميل يا تيتا، والله طعمه روعة. ابتسمت الجدة قائلة: _بألف هنا يا حبيبي. ساد بينهم الصمت، حتى قطعته الجدة مرة أخرى: _اعملي حسابك يا «غرام» تيجي تساعديني شوية في المحل. اختصرت «غرام» ردها قائلة: _حاضر.

كان ذلك المحل الذي قصدته الجدة، عبارة عن ورشة صغيرة لخياطة الملابس النسائية، فالبرغم من كبر سن الجدة إلا أنها قد اشتهرت في تلك القرية والقرى المجاورة بمهاراتها في تفصيل الملابس. انتهت «غرام» من مساعدة الجدة في تثبيت فصوص التطريز اليدوية، وخرجت لتجاور «أحمد» في الوقوف، حيث شرد ذهنه، وقد غرقت عينيه في فحص الورشة المقابلة، والتي اختصت بصناعة الزينة اليدوية من الفضة.

أحدثت «غرام» طَقَّةً بإصبعيها أمام جفنيه لتقطع شروده، فنظر إليها سائلًا: _إنت هنا من امتى؟ ضيقت عينيها ونطقت بنبرة مشاكسة: _من أول ما عقلك سرح، أوعى تكون بتحب من ورايا! علت ضحكته بنغمة قصيرة، وأشار بإصبعه إلى الجهة المقابلة مجيبًا: _واقع في حب المحل ده. نقلت أنظارها بينه وبين الورشة، وسألته بفضولٍ واضح: _اشمعنا؟؟ ارتخت قسماته كعاشق يتحدث عن حبيبته، وأوضح لها قائلًا:

_دا كان شغلي، والدي كان عنده ورشة زي دي، وأنا اتعلمت منه الحرفة دي وحبيتها، حتى مدخلتش كلية وفضلت إني أشتغل في صناعة اكسسوارات الفضة اليدوية، وبعد وفاة أهلي حاولت كتير لحد ما قدرت أكبر الورشة وأفتح مصنع وبقى عندي أربع محلات مخصصين لإنتاج المصنع، وبعدين قررت يبقى عندي شركة بقى وهنا لجأت ل«مالك» عشان يجري في الأوراق الرسمية ومن خلاله اتعرفت على «چنى» وأنتي عارفة الباقي بقى.

تلك الابتسامة الهائمة، تحولت في نهاية حديثه إلى ابتسامة باهتة، وتزاحمت دموع الحسرة في عينيه، فتدخلت «غرام» سريعًا وربتت على كتفه وقالت بخوف زائف: _طب بطل رغي بقى وتعال نساعد تيتا بدل ما ناخد على دماغنا. _ادخلي وجاي وراكي. تراجعت خطوتين للداخل، قبل أن ترجع وترفع إصبعها في وجهه بتحذيرٍ مرح: _لو فكرت تزعل دلوقت، هرنك علقة، وبعدها نعيط إحنا الاتنين سوا. قهقه عاليًا على حديثها، وقال بصوت خافت: _مش هعيط يا دكتورة.

كانت تتنقل في الأرجاء وهي تتبادل مع جدتها أطراف الحديث، لكنها توقفت عندما قالت الجدة بقلق: _ما تروحي يا بنتي تشوفي «أحمد» راح فين، مينفعش يتساب لوحده في الحالة دي. _أيوه صح، هطلع أشوفه مدخلش ليه! ما كادت تتحرك من مكانها، حتى وجدته يدلف إليهما، وصوته الحماسي يسبقه مناديًا باسمها، كطفلٍ عاد لتوه من المدرسة بعد حصوله على درجة نهائية في امتحانه. فور ما التفتت إليه، هتف في وجهها قائلًا: _غمضي عينك بسرعة، غمضي عينك.

امتثلت لطلبه دون أى تفكيرًا منها، فوقف أمامها وألبسها عقدًا فضيًا تتدلى منه حلقة فضية متداخلة، والتي هي الرمز المشير إلى ما لا نهاية له. حثها على فتح عينيها قائلًا: _فتحي بقى وشوفي جبتلك ايه. حنت رأسها قليلًا ورفعت الرمز الفضي؛ لتتمكن من رؤيته، وهمست بصوت وصل لسمعه: _مالا نهاية! أكد «أحمد» قولها قائلًا بتلقائية: _أيوه، مالانهاية، عشان تعرفي إني مش ممكن أحب حد غيرك.

خفق قلبها بشدة، وتزاحمت الأفكار برأسها بشأن علاقتهما، بينما سألته الجدة بنبرة فضولية: _جبتها منين يا «أحمد» ؟ دل على نفسه وقال بفخرٍ: _أنا اللي عملتها يا تيتا، تعالى شوفيها كدا شكلها جميل وحلوة على غرام. اقتربت الجدة لتتفقدها، فأكمل «أحمد» موضحًا: _أنا دخلت الورشة اللي قصادنا دي وطلبت من صاحبها أعمل السلسلة دي عشان «غرام» وفي المقابل ساعدته في قطعة مكانش عارف يعملها.

كانت تتابع التلفاز، عندما تناهى إلى سمعها طرق الباب، توجهت لتفتحه، فوجدت أمامها «سامر» و«نوح»، من تعرف إليهما «أحمد» وأحب رفقتهما لشعوره بالدفىء والحنان من قبلهما. بادر «نوح» بسؤالها قائلًا: _«أحمد» جاهز؟ تجعدت جبهتها وسألته باستغراب: _هو جاي معاكم في مكان؟؟ أجابها «سامر»: _هنلعب ماتش كورة، لو تحبي تيجي تتفرجي تعالي. جاء «أحمد» من خلفها قائلًا: _لاء أنا مش هاجي. استفسرت «غرام» قائلة: _مش عايز تروح ليه؟

اقترب منها ومال عليها قائلًا: _هيبقى في هناك ناس وأنا خايف. حاولت إقناعه قائلة: _ما أنت معاك «سامر» و«نوح» اهو. _برضو لاء. _طيب لو أنا جيت معاك هتروح؟ أكمل بصوته الهامس: _خايف «مالك» يشوفنا. أغمضت عينيها بيأسٍ وألم، فكلما اعتقدت أنه يتجاوز ما حدث سابقًا، تتفاجأ بخوفه المتجدد من «مالك»، تنهدت وقالت: _لاء متخافش، «مالك» خلاص عمره ما يعرف طريقنا. سألها بترقب: _بجد؟ أومأت له تأكيدًا، فهتف بنبرة حماسية: _هغير وأجيلكم.

نطق «سامر» قائلًا: _شكلك زوجة مسيطرة. ردت عليه بانتباه: _نعم!! أوضح «سامر» قائلًا: _أقصد إن «أحمد» بيسمع كلامك يعني، اقتنع منك علطول، مع إننا بنقنع فيه من أسبوع. لكزه «نوح» قائلًا: _أي حد طبيعي بيسمع كلمة مراته، أكيد مش هيسمع كلام واحد يعرفه من شهر. سألت «غرام» بتذكر: _القرية هنا فيها جيم؟ أجابها «سامر»: _أيوه طبعًا، أنا بروح. سألته «غرام» بنبرة جادة: _الجو هناك حلو؟؟ _جامد بصراحة.

_طيب لو أنا أقنعت «أحمد» ينزل جيم معاك، هتخلي بالك منه؟ _طبعًا في عنيا، متقلقيش، باين عليه شخص انطوائي بس متخافيش أنا هخليه يصاحب أعضاء الچيم كلهم. بالفعل حضرت «غرام» تلك المباراة الودية بين شباب القرية، كانت تجلس بين مجموعة من الفتيات، وفي أولى الدقائق، استطاع «أحمد» أن يُحرز هدفًا، فنهضت سريعًا وهي تصفق بحرارة وتشجيع، فانتبه إليها ليحيها كأميرٍ راقي.

انتهت المباراة بمرور الوقت، وفاز فريق «أحمد»، فركض «سامر» صوبه على نيةٍ باحتضانه فرحًا بالفوز، لكنه تفاجأ بـ«أحمد» يتخطاه متجهًا إلى «غرام» التي استقبلته مهنئةً. فأنزل «سامر» ذراعيه، ضاربًا كفيه، متلفظًا بسخرية: _أكيد هيروح لمراته، أروح أنا أشوف حد من الفريق أسلم عليه. تخطت عتبة غرفتها وأصابعها الرقيقة تثبت خصلاتها خلف أذنيها، ثم سألت جدتها بحماس شديد: _كدا كل حاجة جاهزة، ولا ناقص حاجة يا تيتا؟ ردت جدتها باستنكارٍ

لطيف: _حاجة ايه اللي جاهزة! دا أهم حاجة في العيد ميلاد مش موجودة، في عيد ميلاد من غير تورته؟!! بررت لها «غرام» الأمر قائلة: _أصل «أحمد» مش بيحب السكريات ولا بياكل التورتة يا تيتا، عشان كدا قررت نحتفل بالأكلة المفضلة له. توقف النقاش عندما دُق الباب، فهتفت «غرام» بتحفز: _أهو «أحمد» وصل. استقبلته سريعًا فقالت: _أهلًا أهلًا بكابتن جيماوي بتاعنا. كان يطالعها بنظرات من التعب، وقد تمكن الإرهاق من قسماته، فأردف متذمرًا:

_هموت من الجوع، الحقيني بأي حاجة بسرعة. حملت عنه حقيبته الصغيرة، وقالت ضاحكة: _ادخل ادخل، شكل اشتراك الجيم هيروح على الأرض. تحامل على نفسه في خطواته، وتحدث بنبرة نافرة: _مش عايز أكمل، دا أنا جسمي متكسر، اعتقد لو اللي في الجيم مسكوني ضربوني مكنتش هحس بالوجع اللي حسيته بعد التمرين ده، أنا مش عارف «سامر» ده إزاي يقعد يصور تيك توك وسط تعب القلب ده. ربتت على كتفه مشجعة وقالت:

_معلش يا كابتن جيماوي، أول كام يوم بس، بعدين تتعود، خد شاور وتعالى. اعترض قائلًا بإصرار: _شاور ايه، والله ما هعمل حاجة غير لما نتغدى. امتثلت لإرادته فقالت: _طيب غمض عيونك، حضرت مفاجأة عشانك. _بعد الأكل هغمض. تدخلت الجدة قائلة: _أنت لو مغمضتش مش هتاكل، اسمع كلامها.

طبق «أحمد» رغبتها، فدلفت سريعًا إلى المطبخ، قبل أن تخرج إليه حاملة ما صنعته من «السوشي»، فكانت قطعة واحدة لكنها تساوت في حجم كعكة الاحتفالات، وتتوسط الشموع منتصف القطعة. تزامنت خطواتها نحوه، مع نطقها للجمل التالية: _سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا «أحمد»، سنة حلوة يا جميل. قابلته في الوقوف قائلة: _كل سنة وأنت طيب يا «أحمد»، يارب تكون سنينك الجاية كلها خير وسعادة، خير وسعادة وبس.

كان يرمقها بنظرات متأثرة، وأردف خافتًا: _أنتي عملتيها! خرج ردها حاملًا معه حبها وحنانها: _مكنش ينفع تقولي إن كان عندك رغبة تحتفل في عيد ميلادك بقطعة سوشي كبيرة وأنا معملهاش. أغرورقت عيناه، وهمغم بصوت مختنق: _أنا بجد مش عارف أقولك ايه! من لما دخلتي حياتي وأنتي بتعدلي كل حاجة فيها. _تؤ تؤ تؤ تؤ، أنا مش عايزة دموع، ننسي اللي فات وخلينا في الوقت الحاضر، ويلا بقى عشان نقطع التورتة، قصدي السوشي، تيتا متحمسة تدوقه.

احتفلوا بمولده كأسرة صغيرة، في جو من السعادة التي جاهدت «غرام» لانتزاعها من براثن الحياة. على صعيدٍ آخر. كان «مالك» في مكتبه، منهمكًا في عمله، بغتةً اندفع «معتز» إلى مكتبه لاهثًا وقال: _عرفت مكان الدكتور، عرفت مكانها. هب «مالك» واقفًا وهو يسأله باهتمامٍ شديد: _هي فين؟؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...