الفصل 19 | من 19 فصل

رواية نبضات قاتلة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
19
كلمة
2,240
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

دخل ممثل النيابة قائلًا: _اعترض سيدي القاضي، فنحن لدينا شهادة عاملة المنزل، التي أكدت عداوة السيدة «غرام» لزوجها واختلاقها المشاكل وتدبيرها مكيدة لقتله. رد عليه عاطف قائلًا:

_ولكن سيدي القاضي، تلك السيدة لم تكن من عاملات المنزل في ذلك الحين، لقد شهدت زورًا. فنحن لدينا عاملات المنزل اللتان حضرتا كل ما مرت به موكلتي، وأيضًا قدمنا لحضراتكم مذكرة تخص ابنة عم المجني عليه والتي ذكرت فيها أفعاله الشنيعة واعتداؤه عليها وما فعله بزوجها، والتي بمحاولة موكلتي مساعدته على الهروب قام المجني عليه بتعذيبها بدلًا عنه.

عُرضت الفيديوهات التي احتفظت بها «سميرة» سابقًا داخل قاعة المحكمة، بالإضافة إلى تقريرٍ طبي جاهد «أحمد» في الحصول عليه ليثبت أن جروح الآخر كانت سطحية ولم تكن بتلك الخطورة التي ذُكرت سابقًا. وتقدمت «سميرة» و«عبير» بتقديم أقوالهما بطلبٍ من القاضي، الذي دلف إلى القاعة مقتنعًا بالأدلة التي قُدمت إليهم. فقرر أخيرًا أن ينطق بالحكم قائلًا:

_بناءً على الأدلة التي قُدمت إلى المحكمة، تبين أن المتهمة لم تكن من اعتدت على زوجها بالقتل، وبناءً على ذلك تقضي المحكمة ببراءة المتهمة «غرام أحمد ذو الفقار» من تهمة القتل العمد، واعتبار ما صدر عنها دفاعًا مشروعًا عن النفس. أنهى القاضي حديثه ضاربًا بالمطرقة، فتهللت أسارير الجميع، بمن فيهم «غرام» التي تلألأت الدموع في عينيها ناظرةً إلى «أحمد» بامتنان وتمتمت: _شكرًا. ***

وقف برفقة أصدقائهما ينتظرون خروجها إليهم. كانت الأصوات المختلطة تصنع ضجيجًا عاليًا، أبواق السيارات، ومن يتحدثون إلى بعضهم البعض، ومن يصرخ في وجه شخص آخر. وفي لحظة واحدة توقف الزمن بالنسبة إليه، عندما وقع صوتها على سمعه. إنها «غرام» التي جاورت المحامي في سيره. خرجت عن صمتها عندما هتفت باسمه بموجات من اللهفة والسعادة: _«أحمد».

استدار ناظرًا إليها، وقد هدأت الأجواء الصاخبة، أو لنقل بأن قلبه لم يسمع سواها. منحها ابتسامة عفوية أظهرت شوق قلبه وبهجته الجارفة. لمع الحب في عينيه بريق النجم المتلألأ حينما أسرعت خطواتها راكضةً إليه. وبينما هو لم يحرك ساكنًا، وجد منها عناقًا دافئًا عوضًا عن غيابه، وإرضاءً لتوقها إليه. شدد من احتضانها قائلًا: _وحشتيني يا دكتورة. أردفت «غرام» بسرور واضح: _وحشتني يا كابتن جيماوي. قهقه عاليًا فتبينت وسامته الزائدة،

فنطقت بإعجاب واضح: _بس جيماوي جيماوي يعني، أوعى تكون خطبت من ورايا! رفع حاجبيه مشيرًا إلى العقد الساكن حول عنقها، وردد قائلًا: _خاطب إيه بس! عيب على السلسلة الأبدية، قولتلك مفيش غيرك. كان جادًا في حديثه معها لكنها لم تفهم من يرمى إليه، وأعادت حديثه مداعبة. وقبل أن توجه له كلمة أخرى، تدخلت «منى» حين قالت بضيق مصطنع: _أول ما «أحمد» ظهر نسيتينا كلنا. ضحكت بخفة وقالت: _لا لاء مقدرش.

تلقت التهنئة من الجميع وأنهت الأمر عندما عانقت «صبا» قائلة: _المرة الجاية بقى أسلم عليكي ويبقى النونو وصل. تحسست «صبا» بطنها البارز قائلة: _هانت كلها شهر. واضعًا يديه في جيب بنطاله، ضاق بعينيه يرمقها بنظرات حنونة، اطمئنان أسكنته بداخله. كان تائهًا حتى وجدها، ضالته التي أعادته إلى نفسه، وأعادته إلى الحياة من جديد. اقتربت منه لتسأله باهتمام: _تيتا عاملة إيه يا «أحمد». _مستنية رجوعك في بيت والدك. ***

وأخيرًا استقرت الحياة، وعادت الأمور إلى عهدها السابق، بعدما خسرا كلاهما عُزاز قلبه، لكن الله لا يؤخذ إلا ويمنح بعد السلب عطاءً وعوضًا يريح القلوب، ويعينها على مواصلة السير في طريق العمر. أصبحت سيارة والدها ملكًا لها الآن، فاستقلتها بعد دوامها في العمل وتوجهت إلى «أحمد»، حيث أعد تجمعًا بسيطًا قد حضر إليه كل من قدم إليهما يد العون، ليشاركوا في احتفاله بورشته التي تكرر نجاحها من جديد.

انعطفت الإطارات إلى إحد الأحياء الشعبية، كانت بيوتًا خاصة بساكنيها، يبدو من مظهرها الخارجي أنها لم تُبنى منذ فترة طويلة. صفت «غرام» السيارة جانبًا، ولم تنفك تخرج منها حتى وجدته يطل أمامها بطلته الخاطفة للأنفاس، وهيئته ضاحكة الثغر التي تترسخ في ذاكرتها يومًا بعد يوم. مال برأسه قليلًا، وقال هائمًا: _متأخرة خمس دقايق يا دكتورة، انزلي. امتثلت لطلبه، وتحركت صوبه قائلة بمرح: _بتحسب لي الوقت و لا إيه يا جيماوي؟

_بحسب الوقت ثانية بثانية عشان أشوفك. *** تناولوا العشاء سويًا، وانقسموا مجموعات متفرقة، يتبادلون أطراف الحديث، بينما دلفت «غرام» إلى المطبخ لتساعد «أحمد» في إحضار ضيافته، فسألته بتذكر: _بالحق يا «أحمد»، أنت دورت على «سميرة» فين؟ أجابها «أحمد» بينما انشغلت يداه في رص عبوات المشروبات الغازية:

_أنا ملحقتش أدور، أنا قابلتها أول يوم وصلت فيه القاهرة، اشترت البيت اللي قصاد بيتي وسكنت فيه بعد ما هجرت سكنها القديم بعد ما سابت الشغل عند «مالك»، والفلاشة اللي عليها التسجيلات بردو اخدتها منها. أومأت «غرام» باقتناع، قبل أن تسأله بفضولٍ واضح: _طب و عملت إيه في القضايا اللي رفعتها على «مالك» بخصوص اللي عمله معاك؟ _المحكمة حكمت لي بتعويض مادي غير سجنه، بس أنا مش محتاج التعويض المادي. _بس دا حقك، هو سرق فلوسك وشغلك.

_هو سرقهم وضيعهم على الأرض قصدًا، وأنا مش محتاج من فلوسه تعويض. كفاية عليّ إنه اتسجن هو ورجالته، وأنا هعتمد على نفسي وإن شاء الله زي ما كبرت شغلي مرة، هجتهد وأتعب لحد ما أوصل بإذن الله. افتر ثغرها عن ابتسامتها الدافئة الخاصة به وقالت: _وأنت قدها يا «أحمد»، أوعى تتخلى عن نفسك وعن حلمك. _بلاش أنتي تتخلي عني. تشدقت بنبرة بها ظلال الحب: _مستحيل أتخلى عنك طبعًا، أنا وتيتا هنفضل جنبك ومعاك. اندفع «أحمد» سائلًا بترقب:

_تيجي نتجوز؟ جحظت عينيها، وهمهمت بصدمة بادية: _إيه؟ _هو إيه اللي إيه! بقولك نتجوز؟ تتجوزيني يعني يا غرام. تسارعت نبضاتها، وتضاربت المشاعر بداخلها، فالبرغم من تربعه على عرش قلبها، إلا أن تجربتها السابقة التي باءت بالفشل أضافت إليها شعورًا بالخوف والارتباك، فغمغمت بصوت خافت يُظهر حيرتها: _مش عارفة!!! _تعالي نسألهم. قبض على معصمها، متجهًا بصحبتها إلى ضيوفه، فشد انتباههم بصوته المرتفع: _إيه رأيكم نتجوز أنا وغرام؟

هدأت أصواتهم، وران الصمت لثانية واحدة، استغلتها العقول لاستيعاب سؤاله، فرحبت الجدة قائلة بحبور: _أنا عن نفسي موافقة. عبر «عبد المجيد» عن رأيه قائلًا: _أنا كمان شايف إنه قرار جميل. تبادلت «غرام» النظرات مع «أحمد» الضاحك ثغره، فأكمل العجوز حديثه قائلًا:

_أصل أنتم اتنين مكنتوش تعرفوا بعض ورغم ذلك كل واحد فيكم شاف أمانه في الطرف التاني، وقفتم جنب بعض وأنتم غرب عن بعضكم، كل واحد فيكم ضحى بطريقة مختلفة وعرض حياته للخطر عشان يساعد الطرف التاني، فمابالكم بقى لو بقيتوا زوجين وشركاء في الحياة! أعتقد هتنجحوا كزوجين. أيدوا جميعًا رأيه، فنظر «أحمد» إلى «غرام» وكرر عليها سؤاله قائلًا: _ها، إيه رأيك؟؟ بينما ينتظر ردها على جمر مشتعل، لم تقدر «صبا» على كبح ألمها، فصرخت تأوهًا:

_الحقوني، أنا بولد. *** غادر من غادر إلى بيته، وتوجه المقربون إلى المستشفى للاطمئنان على «صبا» وطفلها. ترقبوا أمام غرفة العمليات، والقلق ينهش قلوبهم نهشًا، واستمر الحال لمدة لا بأس بها، حتى خرجت إليهم «غرام» والصغيرة على يدها. تنفسوا الصعداء، وركض «مؤمن» إليها سائلًا عن زوجته، فطمأنته عليها غرام، وناولته طفلته النائمة قائلة: _«صبا» هتنقل دلوقت لغرفة الإفاقة. تحركت لتبدل ثيابها، فأوقفها «أحمد» سائلًا بترقب:

_أنا وأنتي هنعمل إيه؟؟ ضحكت «غرام» بخفة وقالت: _دا وقته! نبقى نتكلم بعدين. *** هاتف «مؤمن» و«صبا» أصدقائهما كدعوة لحضور احتفال اليوم السابع لولادة الصغيرة. حضر إليهما «أحمد» بخمول وعبوس، وبمفرده بعدما رفضت «غرام» مرافقته. ألقى بجسده على الأريكة حذو «مؤمن»، الذي استفسر عن حالته قائلًا: _خير يا معلم! مالك؟ زفر «أحمد» بحزن مكتوم، ثم رد قائلًا: _أنا مش في المود خالص اليومين دول. قال «مؤمن» مشاكسًا: _شكل «غرام» منفضالك.

أكد «أحمد» تخمينه قائلًا: _تنفيضة سودا يا «مؤمن» والله، دي مش بترد على الرسايل ولا المكالمات، تخيل النهاردة اتصلت على جدتي عشان أطلب منها نيجي سوا ورفضت برضو. وصلت «غرام» في هذا الوقت، واستقبلتها «صبا» بحرارة، فدلفت الأخرى وألقت التحية على «مؤمن» وتجاهلت «أحمد» الذي ضرب يديه متعجبًا من وضعها المتغير، وهدر بندم: _دا كان يوم أسود يوم طلبت نتجوز. أجابته ببرود دون الالتفات إليه: _كان يوم جمعة.

بدأ الاحتفال بالصغيرة، فرفض «أحمد» المشاركة وبقي موضعه يجاور الجدة التي انضمت إليه، يتابع «غرام» التي لم تكف عن الضحك والمزاح منذ وصولها، على عكس وجهه العابس. توسطت الصغيرة طاولة مزينة وبدأوا يتحركون حولها في حلقة دائرية، ويغنون مع الأغاني المسجلة. وها هي المفاجأة في طريقها إليه، حيث نادته «غرام» بصوت مرتفع: _«أحمد». رد عليها بتذمر طفولي: _نعم! _على فكرة أنا موافقة. جملة صغيرة، بسببها تهللت أساريره. هب واقفًا

وهو يسألها ليتأكد: _قولي والله. _والله العظيم موافقة. انطلق سريعًا ليشارك في الاحتفال، مقتحمًا دورًا خلفها، ثم هتف بأعلى صوته: _إن شاء الله يا جماعة كلكم معزومين على سبوع ابني أو بنتي كمان سنة. راقبت الجدة السعادة المفرطة على وجه حفيدتها، وهي تتذكر كيف حدثتها سابقًا وطلبت منها الحضور لحفل زفافها من «مالك»، فهمست الجدة لنفسها:

_ربنا خلى قلبك يرتاح لـ«مالك» عشان تقابلي «أحمد» وتمري بكل اللي فات ده عشان «أحمد» يبقى نصيبك، فعلاً..... "النصيب يُصيب لو كان تحت جبلين، وغير النصيب لا يصيب ولو كان بين الشفتين"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...