الفصل 3 | من 19 فصل

رواية نبضات قاتلة الفصل الثالث 3 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
25
كلمة
1,741
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

كانت خطواتها تتراجع إلى الوراء، وتحرك رأسها رفضًا في تتابع متزايد. ارتعدت فرائصها رعبًا عندما وجدته يقترب منها شاهرًا سلاحه الناري في وجهها. تشدقت «غرام» بتلعثم وكأنها تتعلم النطق للمرة الأولى: _والله ما كنت أقصد يا «مالك»، صدقني مش هطلع هنا تاني. لمعت عيناه بشررٍ حاد، حاجباه يلتهمان جبينه، واحمر وجهه كالجمر المشتعل، وبدأ يتلفظ بالكلمات التي بدت بالنسبة إليها كزئير وحشي:

_ما كانش المفروض تدخلي الأوضة دي أبداً، أنا حذرتك تقربي من السطح، وعشان كدا لازم تموتي. جعل الخوف لسانها ينطلق، لتدفع عن نفسها فقالت برجاءٍ شديد: _أرجوك يا «مالك»، والله مش هغلط تاني، بلاش تموتني، لا يا «مالك»، لا يا «مالك». انتهى الأمر باستيقاظها مذعورة، فأخذت موضع الجلوس بحركة سريعة. كان صدرها يعلو ويهبط وتتلاحق أنفاسها، وجعلت تهمس بشكل تكراري: _بسم الله الرحمن الرحيم... بسم الله الرحمن الرحيم. ***

لم يهتم «مالك» بهذا الهزيل، الذي تهتز أوصاله كغصن في مهب الريح، بل زادت قسوته أكثر عندما دفع رأسه بقوة إلى الحائط، وصرخ غاضبًا: _لما أكلمك ترد عليّ، أنا مش بكلم نفسي. لحق الصمت بكلمته الأخيرة، ولكن عُكر ذاك الصمت بصوت الأنفاس التي شعر «أحمد» بتثاقلها وكأن هناك من يقبض على رئتيه. وتلاشى الصمت نهائيًا بتلك الشهقة التي أطلقتها «چنى»، أغرورقت عينيها بالدموع، ونطقت اسمه بلهفة وشوق: _«أحمد»!

حدق بها «أحمد» وقد أدمعت عينيه هو الآخر، لكنه لم يعقب بحرف واحد. فيما التفت «مالك» سريعًا وتوجه إليها صارخًا: _إيه اللي جابك هنا يا «چنى»؟ كان واقفاً أمامها كالسد الفاصل بينها وبين حبيب روحها. فتحركت جانبًا سامحة لعينيها بإمعان النظر. انهمرت دموعها وارتفع صوت بكائها، فصرخت هي الأخرى قهرًا وتألمًا على حال زوجها: _أنت عملت فيه إيه؟ إيه الحالة اللي هو فيها دي؟ أنت شيطان!

كانت لديها رغبة في احتضانه، لكنها ما كادت تحرك قدميها حتى منعها «مالك»، فقد قبض على معصمها، عائدًا بها إلى غرفتها، دون أن يكترث بصراخها وتوسلها إليه بأن ترى زوجها ولو لقليلٍ من الوقت. ألقى بها «مالك» إلى فراشها هادرًا بنبرة تحذيرية تتطاير منها الغضب: _والله يا «چنى» لو شوفتك بتقربي منه هقتله، وأنا مش برجع في كلامي. تجاهلت الألم الذي احتل خلايا جسدها، وتحركت لتركع أمامه على ركبتيها، وتوسلت إليه من بين دموعها الحارقة:

_أرجوك خليني أمشي من هنا مع «أحمد»، وانت خد الطفل وكمل حياتك مع غرام، أرجوك كفاية العذاب اللي إحنا فيه ده، والله هنسامحك أنا و«أحمد» ومش هنزعل منك. ابتعد «مالك» ضاربًا خزانة الملابس، وصرخ بعصبية شديدة وغيرة قد اعتمت عينيه: _كل شوية «أحمد»، «أحمد»، إيه مفيش غير «أحمد» ده في حياتك ولا إيه!

خلاص انسيه، مستحيل تكملي معاه تاني، أنا وبس اللي موجود حاليًا وهفضل موجود دايمًا في حياتك، إنما «أحمد» لاء، دا كان ماضي وأنا همسحه من حياتنا كلنا مش بس حياتك. انفجر صوتها تأنيبًا ولومًا: _بتعمل فينا كدا ليه! عملنا فيك إيه عشان تعذبنا كدا، أنت مين عشان تتحكم في حياتي وحياة الشخص اللي بحبه، ليه أنت مسموحلك تختار وإحنا لاء؟ ليه أنت تكمل حياتك وتعيش مبسوط وإحنا لاء؟ ليه يا «مالك»، ليه، ليه؟

رد عليها «مالك» بما يعتمر في صدره من حقدٍ بغيض: _من حقي أعيش مبسوط دلوقتي عشان زمان انتي وهو اللي كنتوا مبسوطين وأنا لاء، فكان لازم الأدوار تتبدل وأنا عملت كدا. _تقوم تسرق مننا حياتنا! وبعدين كل دا ليه عشان اخترت «أحمد» وانت لاء! هو دا الذنب اللي بتعاقبنا عليه؟ _أيوه هو دا الذنب اللي مستحيل أغفره لحد فيكم وأحمدي ربنا إني رحمتك عشان بحبك، وإلا كان زمانك جنبه فوق وبتأخدي نفس عقابه. أردفت «چنى» بلهجة ساخرة:

_«أحمد» ربنا! هو أنت تعرف ربنا؟ أنت اللي زيك ميعرفش ربنا، أنت شيطان... لاء دا أنت الشيطان جنبك صفر على الشمال. نفذ صبره عندما سمع ما تفوهت به مؤخرًا، شد على قبضة يده كي لا يفتك بها الآن، ثم أشار إليها بتوعد: _لآخر مرة يا «چنى»، اتقي شري عشان وغلاوتك عندي لو جبتي سيرة «أحمد» تاني هقتله قدامك وانتي تحصليه، وابقى اجتمعوا في الجنة بقى. ردت عليه باندفاع: _اهو يبقى أرحم من العيشة معاك.

تُبعت كلمتها الأخيرة بصفعة قوية أفقدتها توازنها، وصدرت منه لكمة وُجهت إلى الحائط، قبل أن يخرج من الغرفة صافعًا الباب بما تبقى من غضب لديه. خرج «مالك» ليلتقي بوالدته أمام الباب، يبدو أنها كانت على وشك الدخول، فسألها غاضبًا: _فين الممرضة اللي المفروض تكون مع «چنى». أشارت والدته إلى شرفة بعيدة وقالت: _بتتكلم في التليفون. رد عليها مستنكرًا:

_تليفون إيه اللي بتتكلم فيه الساعة تلاتة الفجر، خليها تشوف شغلها بدل ما همشيها وأشوف غيرها. اقتربت منه والدته، وربتت على ذراعه بخفة وقالت: _حاضر، حاضر، بس بلاش تتعصب، قولي إيه اللي حصل؟ أطلق زفرة حارة وأجابها: _«چنى» طلعت ورايا فوق. اتسعت حدقتاها وتحدثت بخوف: _يا نهار أسود، هنعمل إيه؟ دي لو بلغت عنك هتروح في داهية، ما تمشيه من هنا وكفاية كدا. زجرها «مالك» بحدة: _ماما، يا تقولي حاجة كويسة يا تسكتي.

كُسيت ملامح وجهها بالقلق، وأردفت: _يا ابني النهاردة «چنى» عرفت، بكرة «غرام» تعرف هي كمان، دا لولا ستر ربنا كان زمانها عرفت من يومين هي كمان بس أنا لحقتها على اللحظة الأخيرة. قطب حاجبيه سائلًا باستغراب: _وإيه اللي طلع «غرام» فوق أنا محذر عليها. قصت عليه والدته ما حدث منذ يومين، فأخبرها أنه سيهتم بالأمر، ولتعتني هي ب«چنى» إلى أن ينتهي من حفل زفافه. ***

استجمعت ما تبقى من قوتها، أغلقت على نفسها بإحكام، وتحركت إلى فراشها بخطوات مهزوزة. التقطت دفترًا من إحدى الأدراج المجاورة للفراش، أزاحت دموعها بعيدًا، فبدت شاحبة الوجه، وبدأ صداع حاد يضرب رأسها كالمطرقة. وبالرغم من اضطرابها النفسي والعصبي الذي جعل يداها ترتجفان، إلا أنها قررت أن تسطر آلامها بين سطور دفترها الذي لا يعلم بشأنه أحد سواها.

انتهت أخيرًا من الكتابة وأعادت دفترها إلى مكانه، ثم عبثت قليلًا بهاتفها الخلوي قبل أن تلقيه بإهمال. تملك الارتجاف من جسدها بأكمله، وبدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها، وفجأة اشتد الألم في بطنها، وصعد الغثيان إلى حلقها. استوت على قدميها بصعوبة بالغة، لكن سرعان ما سقطت على فراشها رغماً عنها، فقد تصلبت عضلاتها، واستسلمت لتشنج عنيف، أسنانها تضرب بعضها، وأنفاسها تنقطع لثوان طويلة.

أنهت الممرضة مكالمتها الهاتفية وقررت العودة لتأخذ قسطًا من الراحة على سريرها الصغير الذي يقابل الخاص ب«چنى»، ولكنها عندما ضغطت على المقبض لم ينفتح الباب. حاولت مرارًا وتكرارًا ولكنها لم ينفتح، فنادت على «چنى» بصوت خافت، لكن لم يأتها ردًا منها، فأسرعت إلى «ثريا» لتخبرها بانغلاق الباب.

اصطفت الممرضة وسيدة المنزل على بعد من الباب، بينما حاول «مالك» بجسده الرياضي أن يكسر الباب، وقد نجح حقًا في المحاولة الثانية، فكان من نصيبه أن يتلقى الصدمة أولًا، فقد تخشبت قدماه عندما رآها فاقدة الوعي لا حول لها ولا قوة. تحول وجهها إلى زرقة مخيفة، اتسعت عينيها ناظرة إلى سقف الغرفة، تلطخت زاوية فمها بدم قد سال من أنفها.

أسرعت الممرضة لتتفقد نبضها، لكنها لم تجد أثرًا لنبضة واحدة. كانت الغرفة تشبه إلى حد كبير عيادة نسائية، فقد تجهزت بكل ما يخص العناية ب«چنى» وجنينها. استعانت الممرضة بإحدى الأجهزة لتفحص حركة الجنين ونبضه، لكنه لم يتخلى عن أمه وقد فارق معها الحياة دون أن ترى عيناه أشعة الشمس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...