الفصل 21 | من 39 فصل

رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اميرة احمد

المشاهدات
21
كلمة
2,909
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

على أعقاب صالة المطار، وقف فارس بقلب محطم، وعينين يمتزج فيهما الألم بالأمل. وقفت إلي جواره والدته، تمسك بيده بقوة وعيناها تبكي بلا توقف. قالت بصوت مجروح من الألم: هترجعلي تاني يا فارس؟ ابتسم فارس بمرارة، ورفع كفها إلى شفتيه يقبلها بحنان وقال: سايب حتة من روحي معاكي هنا يا ماما. اقترب طارق وربت على كتفه بحنان، عينيه حزينة ومكسورة، لكنه كان يحاول أن يخفي ذلك بابتسامته المرحة كالعادة ومزاحه بطريقته

الخاصة فهتف في فارس: طيب وقلبك؟ مش كنت خدته معاك بدل ما انت سايبه هنا؟ تجهمت ملامح فارس، لكنه هتف بجدية: أشوفك على خير يا بابا. زاد ضغط طارق على كتف فارس وقال: سافر يا حبيبي... شوف الدنيا وأتعلم واشتغل... وأعرف إننا فخورين بيك في كل الأحوال. سقطت دمعة من عين طارق رغما عنه، ضمه فارس إلى صدره وربت على ظهره بقوة، لم يعلم في لحظتها هل كان يمنح والده القوة على فراقه، أم يستمدها منه. أما سما فكانت تبكي بلا توقف،

قبل فارس رأسها بحنان وقال: أرجوكي يا ماما كفاية عياط. همست له سما من بين دموعها: كان نفسي تسافر يا حبيبي وقلبك مرتاح. تنهد فارس بألم: محدش عارف بكرة فيه إيه. ودع فارس والديه بحنان، فرت دمعة من عينيه ألمًا لفراقهما... حمل حقيبة سفره وتوجه ناحية صالة المطار لإنهاء الإجراءات. جلس فارس ينتظر في المطار، عينيه شاردتين يراقب حركة الطيارات بعينيه، لكن ذهنه كان هناك معها... أخرج هاتفه.... فتح المحادثة بينه وبين حياة.....

لم يتحدث معها منذ آخر لقاء لهما في منزلها حين رفضت السفر معه... يفتقدها بشدة... يفتقد أحاديثهما وصوت ضحكتها..... نظر طويلاً إلى الهاتف ... كتب رسالة لها " خلاص مسافر... كان نفسي تبقي معايا" قرأ الرسالة أكثر من مرة، ثم مسحها وتراجع عن إرسالها، همس لنفسه بألم: أنا مسافر بس سايب روحي معاكي هنا يا حياة. أخرجه من شروده صوت المذياع ينادي على الطيارة المتجهة إلى لندن.... حمل حقيبته الصغيرة ومشي بخطي بطيئة مثقلة بالهموم.

وضع السماعات في أذنه وانطلق الصوت وكأنه يلف كيانه. Well you only need the light when it's burning low Only miss the sun when it starts to snow Only know you love her when you let her go Only know you've been high when you're feeling low Only hate the road when you're missing home Only know you love her when you let her go And you let her go....... Staring at the ceiling in the dark

Same old empty feeling in your heart 'Cause love comes slow and it goes so fast Well you see her when you fall asleep But never to touch and never to keep 'Cause you loved her too much and you dive too deep أغمض عينيه بألم وكأن كلماتها لمست روحه وانطلق يمضي في طريقه. *** في المساء دخلت حياة على والدها الغرفة لتطمئن عليه... طرقت الباب بخفة، فتح لها وهو يرتدي جاكيته، يقف أمام المرآة يعدل من هندامه...

وضعت حياة قبلة على وجنته وهتفت وهي تلف يديها حول عنقه: رايح فين يا زيزو؟ ضحك زياد وهو يرش عطره: أخيرا خرجتي من أوضتك يا دكتورة. جلست حياة على طرف السرير، نظرت لصورة والدها في المرآة وقالت بصوت ضعيف: كنت مضايقة شوية بس يا بابا. التف إليها زياد وقال: ودلوقتي بقيتي أحسن؟ شردت حياة بعينيها وقالت: لأ... بس قولت أجي أستمد طاقتي منك... المهم متضحكش عليا... بالحلاوة دي كلها رايح فين؟ ضحك زياد: رايح أقابل عمك طارق يا ستي...

متضايق شوية هو كمان. حياة: متضايق ليه؟ ... أونكل طارق أكتر شخص بشوفه دايما بيهزر ويضحك.... عمري ما شفته شايل هم لحاجة. زياد: هو أكتر إنسان بيزعل ويحس... بس بيداري ده وسط ضحك والهزار. حياة: وإيه مزعله للدرجة دي؟ قال زياد وهو يخرج من الغرفة: عشان فارس سافر امبارح. تجمدت ملامح حياة، شعرت وكأن قلبها توقف عن الخفقان للحظة، وعاد يخفق من جديد لكن بلا روح. قامت حياة من مكانها وتحركت نحو غرفتها، جلست على سريرها تبكي بحرقة...

هل حقًا فارس تركها وسافر دون وداع، ألا يشتاق لها كما تشتاق له... هي من اختارت البعد، لكنها لم تكن مستعدة لذلك الفراغ الذي شعرت به حين ابتعد وتلك الغصة التي أصابت قلبها حين علمت بسفره. مر أسبوع.... في البداية كانت تقنع حياة نفسها أن الأمر مؤقت.. حتمًا سيشتاق لها وسيتصل... سيسأل عنها.... لكنه لم يفعل، عينيها دائمًا معلقة بالهاتف لكن لا إشعارات، لا رسائل ولا مكالمة منه. في اليوم العاشر، أغلقت باب غرفتها جيدًا...

جلست أمام المرآة... ما تراها أمامها هي حتمًا ليست هي... وجهها شاحب من قلة النوم، عينيها ذابلتين من أثر البكاء.. أمسكت بهاتفها بتردد... فتحت المحادثة مع فارس... شغلت رسالة صوتية كان قد أرسلها لها قبل سفره بعدة أشهر.... دمعت عيناها وهي تستمع لنبرة صوته الدافئة.... كادت أن تكتب له رسالة طويلة تبث له فيها أشواقها، تبوح بحبها واشتياقها له، لكنها أغلقت الهاتف وألقت به بعيدًا. نظرت إلى انعكاسها

في المرآة وهمست لنفسها: أنتي اللي كسرتي قلبك بإيدك... كنتي جبانة يا حياة. بعد مرور حوالي أسبوعين على سفر فارس. انعزلت حياة تمامًا عما حولها... لم تعد تخرج من غرفتها... تأكل الطعام بلا شهية.... لا تتحدث مع أحد... حتى أصدقاؤها لم تعد تتحدث معهم أو تراهم... تذهب إلى عملها كل يوم وتعود للمنزل كالآلة... جسدًا بلا روح. أمسكت بهاتفها من جديد...

فتحت المحادثة بينهما، نظرت إلى صورته وعينيه الزرقاوين وابتسامته المرحة، شعره بني اللون... تأملت كل تفاصيله وهمست كما لو كانت تحدثه: يا ترى يا فارس حاسس بيا.... الوجع اللي في قلبي فيه زيه في قلبك؟ وحشتني أوي... يا ترى الجو عندك عامل إيه؟ ... بتنام إمتى وتصحى إمتى؟ لو حاسس بيا أرجع يا فارس.... أو حتى قولي إنك نسيتني يمكن أنا كمان أنسى. في اليوم الثلاثين. كانت حياة في حالة مزرية.... شرود تام...

بهتت بشرتها، يحيط بعينيها هالتين سوداء من أثر البكاء... خسرت جزء من وزنها بشكل ملحوظ... دخل عليها زياد في الغرفة، كانت شاردة لم تشعر بوجوده في البداية إلا حين أغلق الباب خلف وهتف باسمها. نظرت له حياة بابتسامة باهتة وقالت: محتاج حاجة يا بابا؟ جلس زياد على طرف السرير، نظر إليها بألم وقال بنبرة حانية: مش عايزة تقوليلي مالك برضه؟ أشاحت بعينيها عنه وقالت بصوت ضعيف: أنا كويسة يا بابا.

تنهد زياد: أوعي تفتكري إني مش فاهم ولا مش واخد بالي إنك على الحالة دي من يوم ما فارس سافر. حين سمعت اسمه بدأت عيناها تذرف الدمع بلا توقف، فتح لها زياد ذراعه فألقت بنفسها في حضنه وهمست من بين دموعها: وحشني أوي يا بابا. ربت زياد على ظهرها وقال: بتحبيه؟ همست من بين دموعها: مكنتش أعرف إني بحبه أوي كده غير لما بعد. نظر زياد إلى عينيها الدامعتين وقال: هيرجع إن شاء الله. هزت حياة رأسها بالنفي وقالت: قالي مش هيرجع تاني...

أنا اللي كنت غبية يا بابا ورفضت. زياد: ورفضتي ليه لما انتي بتحبيه كده؟ حياة: عشان كنت خايفة يا بابا... مش عايزة أبعد عنك ولا عن ماما... خايفة أعيش في بلد معرفهاش مع ناس معرفهاش. ابتسم زياد: طيب ودلوقتي؟ حياة: وجع إنه مش موجود أكبر من أي حاجة تانية.... حاسة إن روحي موجوعة لفراقه. ربت زياد على ظهرها بحنان: طيب لو رجع وطلب إيدك تتجوزيه يا حياة؟ على نحيب حياة وقالت من بين دموعها: من غير تردد هاتجوزه...

بس هو مش هيرجع تاني. وضع زياد قبلة على جبين حياة وهمس: هيرجع.... عشان هو كمان ساب قلبه معاكي. *** بعد أن أسدلت الشمس ستائرها على الكون وبدأ يحل القمر مكانها، جلست لارا مع يوسف وعائلته في غرفة المعيشة، لارا ويوسف يجلسان جنبًا إلى جنب على الأريكة وأمامهما على الطاولة بعض الأوراق المتناثرة وحاسوب لوحي صغير، على المقعد بجوارهم يجلس زياد وبجواره حياة وهي شاردة تمامًا وأمامهما تجلس نور تتصفح هاتفها ولا تعيرهم أي انتباه.

كانت لارا يبدو عليها التوتر الذي كانت تحاول أن تخفيه عن يوسف، بين الحين والآخر تنظر إلى هاتفها بقلق... تتأكد من أنه على وضع الصامت وتعيده مكانه مرة أخرى مقلوبًا على وجهه خوفًا من أن تأتيها مكالمة أو رسالة من سامر ويراها يوسف.... كانت تتصفح الحاسوب اللوحي مع يوسف بقلب سعيد وروح متوترة. قال يوسف وهو يشير إلى إحدى الصور على الحاسوب: أنا شايف القاعة دي أحلى كتير. أمسكت لارا بالحاسوب

اللوحي من يده وقالت: هي حلوة بس أنا مش عجباني الإضاءة فيها، حاسة إنها ضلمة أوي. زياد: طيب ما تتفقوا معاهم يغيروا الإضاءة. لارا: تفتكر ينفع يا أونكل؟! يوسف: خلينا نسألهم ونجرب.... أنا شايف إن دي أكتر قاعة مناسبة للفرح. نظر يوسف إلى والدته التي يبدو على ملامحها الضجر وقال: ولا انتي رأيك إيه يا ماما؟ رفعت نور عينها وقالت ببرود: اللي تشوفوه... انتوا اللي هتتجوزوا. نظر زياد إليها وقال بحنان: عارفة يا حبيبتي....

بقالك شوية معملتليش قهوة من إيدك إيه رأيك تعمليلي فنجان قهوة. قامت نور من مكانها ودخلت إلى المطبخ دون أن تتكلم، غمز زياد ليوسف فقام الأخير خلفها... دخل إلى المطبخ واقترب من والدته، أمسك أبريق القهوة من يدها، بدأ يضع البن والسكر والماء فيها، نظرت إليه نور وجلست على المقعد في منتصف المطبخ، قال يوسف وهو يقلب القهوة: ماما.... من فضلك حاولي تعاملي لارا كويس عشان خاطري.... حاولي تنسي هي بنت مين...

بصي لها بس على إنها البنت اللي هتكون مراتي. تنهدت نور: أنا بحاول.... بس مش سهل... انت مش متخيل هي شبه سارة وهي في سنها إزاي، انت كمان يا يوسف فيك شبه من زياد وهو صغير أوي.... فاهم أنا حاسة بإيه لما باشوفكوا مع بعض... كأني شايفة زياد مع سارة. اقترب منها يوسف وأمسك كفها بين يديه ووضع قبلة على كفها وقال: ماما... أنا آسف لو برجعلك أي إحساس قديم... بس أنا عايزك تفصلي لارا عن أمها، عامليني يا ماما زي ما بتعامليني....

خليها تشوف حنانك وحبك... مش هعرف أعيش وأنتي مش بتحبيها. نظرت نور في عيني يوسف رأت ذلك الطفل الصغير الذي كان يترجاها من أجل قطعة حلوى، ابتسمت له بحنان: حاضر يا يوسف هحاول. قبل يوسف رأسها: وده كفاية عليا يا ماما. ضحكت نور: خليك أتكلم على لارا وسايب القهوة، ولو فارت انت اللي هتنضف البوتجاز. ضحك يوسف وهو يصب القهوة في الفنجان: متخافيش أنا مركز. خرج يوسف يحمل فنجان القهوة في يده والأمل في قلبه، جلس إلى جوار لارا مرة أخرى،

هتفت لارا بطفولة: أنا بفكر الورد يبقى أبيض وداخل فيه ورد بينك. ضحك يوسف: مش كفاية أوضة النوم بينك... كله هيبقى بينك. ضحك زياد بخفة: ربنا يجعل حياتكم كلها بمبي. لارا: طيب انتي إيه رأيك يا حياة؟ خرجت حياة من شرودها نظرت إلى لارا وقالت بصوت مهزوز: اللي انتي عايزاه يوسف لازم يعمله... ده فرحك في الأول والآخر. نور: قوليلي يا لارا اخترتي فستان الفرح ولا لسة؟ نظرت لارا إلى عينين يوسف بارتباك، ثم نظرت إلى نور التي حاولت أن

تكسر الحاجز بينهما وقالت: بصراحة يا طنط استقريت على الديزاين بس لسة مخلصش.... ابتسمت نور: طيب مش تفرجيني عليه. قامت لارا من مكانها وجلست بجوار نور، أخرجت هاتفها وقالت ببراءة: هوريهولك انتي بس يا طنط... يوسف مش لازم يشوفه. ضحك يوسف بخفة وهو يرفع حاجبه: على فكرة انتي هتلبسي الفستان ده ليا أنا.... يعني أنا لازم أشوفه وأوافق عليه كمان... بعدين إصرارك إني مشوفهوش بيخليني أقلق أكتر. ألقت نور نظرة على صورة

الفستان وقالت بوجه هادئ: حلو أوي... هيبقي حلو عليكي. هتف يوسف بمشاكسة: قوليلي يا ماما هيعجبني ولا لأ؟ ضحك زياد: يا يوسف أي حاجة لارا هتلبسها لازم تعجبك.... انت ناوي تتخانق معاها يوم فرحكوا؟ قالت لارا بدلال: يرضيك كده يا أونكل... هو على طول بيتلكك على أي خناقة كده. يوسف: خلاص بقيت أنا اللي وحش؟ ضحكت نور: أوعي تزعلها يوم فرحها يا يوسف أنا بقولك أهو. لأول مرة شعرت لارا بالانتماء داخل هذا البيت، ربما من كلمات نور...

أو بشاشة زياد... لكنها شعرت أنها في هذه اللحظة لم تكن ضيفة. لمعت عيني لارا من السعادة، نظر لها يوسف بحب ومال على أذنها وهمس: مش قولتلك ماما بتحبك. ابتسمت لارا بسعادة ولم تعقب. *** وفي طريق العودة إلى المنزل في سيارة يوسف كان قد تمكن التوتر من لارا... هتف يوسف وهو ينظر إليها: مالك يا لولو ... شكلك متوتر ليه؟ ابتسمت نصف ابتسامة: مفيش... انت عارف تجهيزات الفرح. امسك يوسف يدها: بس حاسس إن في حاجة تانية موتراكي....

لو في حاجة قوليلي... إحنا هنتجوز يا لارا.... يعني حياتنا هتبقى واحدة... متخبيش عني حاجة. تنهدت لارا وقالت: تفتكر مامتك بتحبني بجد؟ يوسف: حتى لو مش بتحبك بجد... لما تقرب منك هتحبك زي بنتها بالظبط. لارا: يعني تفتكر لو حد حاول يوقع بينا وقالها كلام عني هتصدقه؟ عقد يوسف حاجبيه وقال: ليه يا لارا بتقولي كده... ماما مش مندفع مش هتصدق عنك حاجة من غير ما تواجه وتسأل... بعدين ليه أصلًا حد ممكن يوقع بينا؟ حاولت

لارا أن تداري ارتباكها: أنا بس بقول... يعني لو حد حاول. قال يوسف بحزم: لا متقوليش... ماما عاقلة جدًا على فكرة. لارا: يوسف... أنا بحبك أوي... متخليش أي حاجة تبعدنا عن بعض مهما كانت هي إيه. امسك يوسف يديها بقوة وقال: متخافيش... مفيش حاجة هتبعدنا عن بعض أبدًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...