الفصل 20 | من 39 فصل

رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل العشرون 20 - بقلم اميرة احمد

المشاهدات
20
كلمة
3,373
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

جميلة: طيب وعمر؟ طبعًا معيشك في سعادة ومخليكي حتى مش بتتصلي بينا. حنين: عمر... مفيش إنسان زيه بجد.. كفاية إنه مستحمل... صمتت حنين، فقالت جميلة بخفة: أنتي منكّدة عليه ولا إيه؟ لو بتنكّدي أديني دروس علشان أعرف أنكد على مالك كويس. ضحكت حنين: حرام عليكي... مالك ميستاهلش منك نكد. قالت جميلة بنبرة جادة: وعمر اللي يستاهل؟ صمتت حنين قليلًا ثم قالت: عمر يستاهل واحدة أحسن مني... واحدة تقدر تسعده... تكون له زوجة وأم لأولاده.

تعجبت جميلة من كلمات حنين فقالت: ليه يا حنين؟ أنتي مش ناوية تجيبي أولاد ولا إيه؟ بدأت دموع حنين تنهمر على وجنتيها وقالت بصوت مختنق بالدموع: مش قادرة.... مش قادرة أكون له زوجة. صاحت جميلة: حنين!! أنتي.... مسحت حنين دموعها سريعًا وكأنها أدركت للتو ما قالته: جميلة معلش أنا لازم أقفل دلوقتي علشان أشوف عمر.... هارجع أكلمك تاني. أنهت حنين المكالمة سريعًا، وتوجهت بخطى بطيئة نحو غرفة عمر.

جلس عمر على السرير أمام المرآة، يتطلع لانعكاسه وهو يحرك يده فوق شعيرات لحيته التي بدأت في النمو مؤخرًا، لا تزال حركة ذراعه مؤلمة له، وكذلك قدمه لا تزال داخل الجبس. وقفت حنين عند باب الغرفة تتطلع إليه، تقدمت نحوه بهدوء وهي تقول: محتاجة أعملك حاجة يا عمر؟ هتف عمر بذهن شارد وهو لا يزال ينظر لانعكاسه في المرآة: حاسس شكلي غريب أوي بالذقن، شكلي وحش. اقتربت منه حنين وجلست على طرف السرير: لأ بالعكس...

أنت بس مش متعود على شكلك بالذقن علشان بتحلقها على طول. نظر لها عمر بعينين لامعتين وكأن فكرة مجنونة طرقت على ذهنه للتو وقال: حنين أنتي ممكن تحلقي لي ذقني؟ نظرت له حنين بعينين مرتبكتين وتمتمت: أنا؟! عمر: أيوه أنتي..... الموضوع سهل جدًا... أنا بس مش قادر أحرك دراعي كويس. همست حنين: أنا خايفة أعورك. ضحك عمر: حتى لو عورتيني هيبقي أحسن من اللي أنا فيه دلوقتي. حنين بارتباك: عمر بس.... عمر بثقة

وهو يشير لها ناحية الحمام: يلا ساعديني ندخل الحمام وأنا هاقولك تعملي إيه. مدت له حنين يديها تلفها حول ظهره، ساعدته يقف على قدمه ووجهه ممتلئ بالحماسة، توجها نحو الحمام. جلس عمر على مقعد صغير داخل الحمام، وقفت حنين أمامه تضع بعضًا من الرغوة على وجهه وتدلكه، بيد مرتعشة أمسكت شفرة الحلاقة واقتربت من وجهه، صاحت قبل أن تضع الشفرة على وجهه: أنا خايفة يا عمر. أمسك عمر كفها بابتسامة: متخافيش.... واحدة واحدة وأنا معاكي.

قربت وجهها من وجهه وبيد مرتعشة بدأت تسير ببطء على وجهه، كان قربها مهلكًا لأعصابه، لكنه كان سعيدًا بأنها بدأت تكسر بعض الحواجز التي بينهما. أخيرًا انتهت حنين من الحلاقة لعمر، نظر عمر لوجهه في المرآة ببعض الجروح الصغيرة في وجهه وعنقه وضحك. بينما وقفت حنين تشعر بالخجل مما فعلت في وجهه من جروح، لكن عمر أمسك كفها وقبّله في حنان وهمس: شكرًا.

ساعدته حنين ليخرج من الحمام، أجلسته على طرف السرير، وبينما هي تضع بعض الوسائد خلف ظهره، قال عمر: لو كان سابك كنتي هتسيبيني فعلاً؟ ابتعدت حنين عنه قليلًا، نظرت في وجهه لا تفهم كلماته فأردف عمر: أنتي يا حنين قولتي له سيبني وأنا هاسيب عمر... لو كان سابك كنتي هتسيبيني؟ سقطت الوسادة من يد حنين وابتعدت عنه، اتسعت عيناها وصاحت: أنت عرفت منين أني قولت لشادي كده؟ أنا عمري ما قولتك. نظر لها عمر بعينين

مليئتين بالألم وقال: أنتي عمرك ما سألتي نفسك إزاي رجعتي من الغردقة لقيتيني في بيتكوا، وأنا كان معاد رجوعي بعدها بشهر؟ اتسعت حدقة حنين ووقفت تشاهده بذهول، فأردف عمر: أنا كنت معاكي على التليفون يا حنين، كنت بكلمك لما الباب خبط و قولتيلي أقفل أكيد جميلة رجعت.. بس أنا مقفلتش... قلبي كان مقبوض... كنت قلقان عليكي... صوتك كان فيه حاجة مقلقاني... مقفلتش التليفون، ولما سمعت صوته خفت أكتر عليكي وفضلت أسمع.... صمت عمر قليلًا

وبعينين حمراوين أكمل: سمعت كل حاجة يا حنين... صوت صريخك.... دموعك... صوت نفسه.... حسيت أني متكتف... أني عاجز وأنا سامعه بيأذيكي وأنا مش قادر أحميكي.... كسرت كل حاجة حواليا، حجزت أول طيارة ونزلت علشان بس أشوفك وأطمن عليكي، ولما قولتيلي اللي حصل أنا قضيت الشهر اللي قبل فرحنا بحاول أوصل ليه ولمكانه، كان لازم أجيبلك حقك بإيديا، ويوم فرحنا لما قولتيلي إنه مات مصدقتش غير لما روحت عند بيته وسألت وعرفت بنفسي.

كانت حنين تستمع إليه ودموعها تنهمر على وجنتيها بلا توقف، شعرت وكأنها تجردت من ملابسها للتو أمامه، شعرت بالغضب منه والشفقة عليه في نفس الوقت... اقتربت منه ببطء وهي تشهق من شدة البكاء وقالت: مكنتش هاسيبك يا عمر.... كنت بأقوله أي كلام علشان أنقذ نفسي من بين إيديه. نظر لها عمر بحنان وقال: يعني اتجوزتيني بإرادتك يا حنين؟ ولا علشان هو مات؟ همست حنين بصوت بالكاد مسموع: اتجوزتك علشان عايزة أتجوزك أنت يا عمر مش حد تاني.

قالت حنين كلمتها الأخيرة وخرجت تركض من الغرفة، بينما عمر جلس ينظر إلى حيث اختفت بحيرة. *** مع بداية المساء، استلقت جميلة بين ذراعي مالك على الأريكة يشاهدان فيلمًا في التليفزيون، مالك يعبث بأصابعه بخصلات شعرها.... التفتت جميلة إليه بهدوء وهمست: نفسي أفهم بتحب شعري كده ليه؟ ابتسم مالك وهو يمرر أصابعه في خصلات شعرها: بيعجبني... بحب ريحته... شكله، لون شعرك البني الجميل... بحبه زي ما بحبك.

ضحكت جميلة بخفة: شاعر أنت يا مالك. دفن مالك وجهه في شعرها وهمس: عارفة... قبل ما تلبسي الحجاب كنت بغير أوي إن حد غيري يشوف شعرك.... التفتت جميلة لتواجهه وقالت: يعني أنت أكتر حاجة بتحبها فيا شعري؟ وضع مالك قبلة رقيقة على خدها وهو يقول: أكتر حاجة بحبها فيكي هو أنتي؟ رفعت جميلة حاجبها وقالت بمشاكسة: يعني أنا لو قررت أقص شعري مش هتحبني؟ همس لها: هاكون متضايق طبعًا.... بس هأفضل أحبك ده أكيد. ابتسمت جميلة: إجابة نموذجية.

وضع قبلة على أرنبة أنفها وقال بمرح: شفتي أنا إزاي تلميذ نجيب. ضحكا معًا، وفجأة سمعوا خبطًا على الباب بدقات مرحة، ضحك مالك وهو ينهض من مكانه: ده أكيد أنس... هو بعتلي إنه وصل من الغردقة من شوية. جميلة: لأ دي أكيد ليلي.... بعتتلي الصبح إنها احتمال تعدي علينا تسهر معانا. مالك: طيب خلاص ادخلي أنتي جوه علشان لو أنس وأنا هافتح الباب.

دخلت جميلة غرفتها، بينما فتح مالك الباب فوجد ليلي تقف تحمل بين يديها علبة حلويات ومن خلفها يقف أنس، رفع مالك حاجبه باستنكار حين رأى أنس وليلي معًا، صاح أنس في مالك الواقف ينظر إليهم باستغراب: هو مش كفاية عسل كده ولا إيه؟ راجعين من السفر بقالكوا أسبوعين مفتحتوش باب الشقة حتى... قولت لازم أجي أطمن عليك. جلس أنس على الأريكة وبجواره مالك، بينما قالت ليلي: أنا هادخل الكيك دي المطبخ، هي جميلة فين؟

مالك: بتغير هدومها وجاية حالا. خرجت جميلة، وقفت تنظر إلى أنس وليلي وقالت: إنتوا إزاي جيتوا سوا؟ صاحت ليلي وهي تخرج من المطبخ: مش عارفة بيراقبني ولا إيه، فجأة لقيته قدامي على السلم. نظر لها أنس باستنكار: أنا بفتح باب شقتي لقيتك واقفة قدامه، يبقى مين اللي بيراقب مين؟ ليلي بحدة: أنا كنت طالعة لجميلة ومالك. نظر لها أنس شذرًا: وأنا كمان كنت طالع لجميلة ومالك. صاح مالك بمرح: خلاص يا جماعة... ممكن هدنة.

ضحكت جميلة: طيب تعالي يا ليلي ساعديني نقطع الكيك اللي جبتيها ونعمل حاجة نشربها. أنس: ممكن يا جميلة تعمليلي قهوة.... علشان لسه جاي من السفر ومشربتش قهوة. ضحك مالك بخفة: ربنا يستر عليك، أنت طلبت قهوة من جميلة... قهوة مش هتدوق زيها في حياتك. رفعت جميلة حاجبها: رغم أن قهوتي طبعًا حلوة، بس هاحرمكوا منها، هخلي ليلي تعمل القهوة، أنا هافضي العصير.

دخلت الفتاتان إلى المطبخ، دقائق وخرجت ليلي تحمل صينية عليها أطباق الكيك، وخلفها جميلة تحمل صينيتها عليها المشروبات. وضعت الفتاتان الصينيتين على الطاولة، أمسكت ليلي بفنجان القهوة وناولته لأنس وهي ترفع حاجبها: أنا اللي عملت القهوة... لما نشوف هتقول عليها إيه؟ أمسك أنس الفنجان من يدها، ارتشف رشفة ونظر إليها بابتسامة وقال: حلوة أوي. ابتسمت ليلي بفخر وقالت: كنت متأكدة إنها هتعجبك ..... أنا مبعملش حاجة وحشة.

رفع أنس حاجبه وصاح: لأ هي حلوة، سكرها زيادة يعني... أنا بحبها مظبوطة. ضحك مالك وجميلة، بينما زفرت ليلي في ضيق واضح. جميلة: معلش يا أنس أنا اللي اتلخبطت وقولتلها تعملها زيادة. قامت ليلي من مكانها واتجهت إلى المطبخ، دقائق وعادت تحمل في يدها فنجان قهوة آخر، وضعته أمام أنس دون أن تتفوه بكلمة. أمسك أنس الفنجان، أرتشف منه رشفة ولم يعقب، فزفرت ليلي ضيقًا، ضحك أنس لنجاحه في استفزازها...

تركها تنظر إليه بين الحين والآخر تنتظر منه رد فعل على قهوتها، لكنه لم يعقب، ومن بين أحاديث مالك وجميلة عن الفرح والسفر وأنس يستمع بهدوء، تكلم أخيرًا... وجه كلامه لمالك: على فكرة أنا عديت جبت صور كتب الكتاب بس نسيتها تحت في الشقة تحت. تحمست جميلة وهتفت: الله... انزل هاتها يا أنس علشان خاطري. ضحك أنس وهو يقف ويتجه ناحية الباب: حاضر يا عروسة هانزل أجيبهم.

ليلي: أنا هاتفرج على الصور وأمشي علشان لازم بكرة أصحى بدري عندي مشوار مهم للشغل. مالك: بس بكرة الجمعة... مفيش شغل. جميلة: خليكي اسهري معانا بكرة إجازة. ليلي: أنا عندي عمل تطوعي بكرة مع الشركة، هاروح أسلم تبرعات من الشركة لدار أيتام. مالك: ربنا يجازيكي خير. جميلة: برافو عليكوا... شركة كويسة... مش الشركة اللي أنا كنت بشتغل فيها. دخل أنس ومعه ألبومات من الصور يحملها بين ذراعيه، وضعها على الطاولة

ناول ألبوم صور إلى جميلة: اتفضلي يا أستاذة جميلة، صوركوا أهي. ثم أمسك ألبوم صور يبدو عليه أنه قديم، وجلس إلى جوار ليلي وهمس لها: هأوريكي أنا بقى حاجة أحلى. ضحكت ليلي رغمًا عنها حين فتح الألبوم وأشار أنس لصورة قديمة يظهر فيها طفل، يرتدي ملابس فريق برشلونة وتبدو كبيرة عليه لدرجة مضحكة ويحمل في يده كرة قدم وقال بهمس: مالك لو أخد باله إن الصور دي اتسربت هيزعل أوي.

وضعت ليلي كفها على فمها تحاول أن تمنع ضحكة رنانة من أن تفلت منها، نظرت إلى أنس وخفتت ضحكتها للحظة، كانت لأول مرة تلاحظ أن أنس ينظر إليها بابتسامة بشوشة، ليست تلك النظرة التي يملؤها الكبرياء والعينين المليئتين بالتحدي.... هربت من لقاء أعينهما وهمست له كالأطفال: طيب وأنت صورك فين... أكيد مش مالك بس اللي ليه فضايح وهو صغير.

قلب أنس بين صفحات الألبوم دون أن يجيب على سؤالها، وقفت ليلي عند صورة يقف فيها أنس بجوار مالك يضع يده على كتفه، يبدو أن أنس في بداية مراحل المراهقة، بينما مالك لا يزال طفلًا... كانت نظرة مالك في الصورة مليئة بالبراءة بينما وقف أنس وعينيه كانت كالصقر الذي يحمي عشيرته. ضحكت ليلي ونظرت إلى أنس: ده أنت كنت لاعب دور الأخ الكبير كويس أوي.

كان مالك وجميلة مشغولين مع ألبوم صور زفافهم، ويسترجعون أحداث ليلة العمر، حين رفع مالك عينيه عندها انتبه لضحكت ليلي، ومجرد ما وقعت عينه على ألبوم الصور في يد ليلي وضع كفه على عينيه وصاح: حرام عليكي يا أنس... كل لما بتلاقي فرصة بتفضحني بالألبوم ده. قام مالك من مكانه ولف ذراعه حول عنق أنسضحك أنس وهو يحاول أن يبعد يد مالك: أنا مالي إذا كانت كل صورك فضايح كده. قال مالك وهو

يرخي ذراعه من حول عنق أنس: لما تسافري هانزل أدور على ألبوم الصور بتاعك، هحاول أفتكر ماما كانت شايلاه فين. صاحت جميلة بسعادة ومرح: الله يا مالك دي صورك وأنت صغير.... نظر مالك إلى أنس بضيق مفتعل وقال: عاجبك كده، لو شافت الصور وغيرت رأيها فيا دلوقتي. ضحك أنس: هي لازم تعرف الحقيقة.... إن شاء الله لما تجيبوا أولاد هيطلعوا شبهك وأنت صغير.

حاول مالك أن يمسك ألبوم الصور من يد ليلي، لكنها ألقت به لجميلة حاول مالك أن يأخذه من جميلة، لكنها فتحته بسرعة ونظرت إلى صورة مالك بابتسامة كبيرة، وقالت وهي تلف ذراعها حول عنقه وتضمه إليها: شكلك حلو أوي يا حبيبي وأنت صغير. ضحك أنس بسخرية: مراية الحب عمياء. قامت ليلي من مكانها، حملت صينية الأطباق واتجهت بها نحو المطبخ، قام أنس وتبعها حمل

فنجان القهوة في يده وهتف: أنا هادخل فنجاني المطبخ علشان متقوليش إني مبساعدش يا جميلة. دخل أنس إلى المطبخ، وجد ليلي تحاول أن تضع كوبًا على رف المطبخ العلوي، تقف على أطراف أصابعها... لم تشعر به حين دخل إلى المطبخ لكنها شعرت به حين سحب الكوب من يدها ببساطة ووضعه على الرف. نظرت له ليلي مطولًا قبل أن تقول: على فكرة مكنتش محتاجة مساعدة. ضحك أنس: لأ ما هو كان واضح. لم تعقب ليلي،

نظر إليها أنس وقال: القهوة كانت حلوة زي صاحبتها. حاولت ليلي أن تداري ارتباكها، التفتت تغسل فنجان القهوة على الحوض وقالت وهي تدير ظهرها له: علشان كده مقولتش شكراً؟ ابتسم أنس وهو يخرج من المطبخ: مش يمكن دي طريقتي إني أقول شكراً. *** في صباح يوم الجمعة، كانت ليلي وصديقتها تقفان على باب إحدى دور رعاية الأيتام في منطقة في أطراف القاهرة، كلفتهم الشركة بإيصال بعض التبرعات إلى الإدارة...

وقفت ليلي على الباب بتردد وقلبها يخفق بشدة، قابلتهم المسؤولة عن الدار بالترحاب، وأشارت لهن أن يصعدا معها إلى مكتبها في الدور العلوي، لكن قبل أن تصعد ليلي الدرج استوقفها صوت رجولي مألوف لها، نظرت إلى حيث مصدر الصوت فتجمدت مكانها.

بصرت أنس في الحديقة الخلفية للدار يلعب مع الأطفال، يرتدي قميصًا قطنيًا مريحًا باللون الرمادي وأكمام قصيرة، وبنطلون رياضي أسود، يجلس على ركبتيه في أرض الحديقة، تجلس فوق ركبته طفلة صغيرة عمرها حوالي ثلاث سنوات، تسند رأسها باستكانة على صدره وهو بين الحين والآخر يمرر كفه على ظهرها بحنان، وطفل آخر يتسلق ظهره من الخلف ليجلس فوق كتفيه ويصيح ببراءة: أنا سوبر هيرو.

كان أنس يضحك مع الأطفال كما لم تراه ليلي من قبل، ضحكة من القلب لا يشوبها أي كبر أو استفزاز كما عهدته..... وقفت ليلي مكانها تشاهده باستمتاع حيث جاء أحد الأطفال يركض إليه ويقول: بابا أنس... بابا أنس... بص على الرسمة بتاعتي. ابتسم أنس وهو ينظر إليها باهتمام وقال: الله... دي أحلى رسمة أنا شفتها في حياتي.

وقف على مقربة منه طفلان صغيران ينظران إليه ويتبادلان الهمس والضحكات البريئة، قام أنس من مكانه بخفة وأمسك بأحدهم وحمله بين ذراعيه وهو يدغدغه وقال: أنت اللي بتعمل فيا المقلب، فقال الطفل من بين ضحكاته العالية: والله ما أنا يا بابا.... يوسف هو اللي قال لعمار يطلع على كتفك. وبينما هو منشغل يحمل الطفل بين ذراعيه ويدغدغه، ركضت طفلة صغيرة نحوه، وضعت كفها الصغير ببراءة في جيبه وأخرجت قطعة شوكولاتة، أمسك

أنس بكفها الصغير وهو يضحك: خلي بالك أنت كده بتقلبي وكيل نيابة. قالت الطفلة ببراءة: مش أنت بتجيبلي الشوكولاتة دي كل مرة..... يبقى دي بتاعتي. ضحك أنس وهو يضع قبلة رقيقة على وجنتيها: كل الشوكولاتة ليكي، وأي حاجة عاوزاها اطلبيها مني. ابتسمت ليلي وهي تشاهد أنس بتلك الهيئة التي لم تعهدها عليه من قبل، التفتت إليها مديرة الدار حين لاحظت وقوفها لتشاهد الأطفال وقالت: الأطفال مش بس بيبقوا محتاجين مساعدات مادية...

بيفرق معاهم الاهتمام والحنية.... في ناس كتير زي أستاذ أنس بييجوا بانتظام وبيراعوا الأطفال... بيحسسوهم إن ليهم أهل فعلاً. نظرت إليها ليلي بعينين تترقرق الدموع فيهما، فأردفت مديرة الدار: لو حضرتك تحبي ممكن بعد ما نخلص الإجراءات بتاعتنا تنزلي تقعدي مع الأطفال شوية. قالت ليلي بارتباك وهي تصعد الدرج: لأ... ممكن مرة تانية. وكزتها صديقتها في كتفها وهمست لها: ليه؟ الأطفال شكلهم حلو أوي خلينا نقعد معاهم شوية؟

همست ليلي وهي شاردة: مش النهاردة... واضح إنهم مبسوطين مع باباهم. أنهت ليلي الإجراءات سريعًا، وتعمدت أن تخرج مسرعة قبل أن يراها أنس، أو يعلم أنها رأته. تغيرت نظرة ليلي لأنس منذ تلك اللحظة التي وجدته فيها محاطًا بالأطفال، شاهدت جانبًا في شخصيته لم تكن تراه من قبل، وعلمت أن كل قسوته واستفزازه لم يكن سوى قناع يخبئ خلفه الحب والحنان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...