الفصل 5 | من 39 فصل

رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الخامس 5 - بقلم اميرة احمد

المشاهدات
21
كلمة
5,379
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

في الصباح، جلس الأصدقاء لتناول وجبة الإفطار معًا. جلسوا جميعًا على طاولة كبيرة، الطاولة في حالة من الفوضى، أطباق موضوعة بشكل عشوائي، أكواب من القهوة وأخرى من العصير. هواتف على الطاولة بجانبهم، البعض يعبث في هاتفه، والبعض الآخر يتثاءب في كسل.

أصوات أحاديث جانبية وضحكات. بينما جلست حياة على طرف الطاولة بجوار يوسف، بين الحين والآخر تقع عيناها على فارس الذي يجلس في الطاولة المقابلة لهما مع بعض من أصدقائه الأطباء. يحتسي قهوته وهو يتحدث معهم، تتلاقي عيناه مع حياة فيبتسم لها في هدوء. حتى قام من مكانه وتوجه إليها وهو يحمل كوب قهوة في يده. وقف إلى جوارهم: "صباح الخير." ابتسم يوسف ما إن انتبه لوجوده: "صباح الخير يا دكتور." ثم عاود الحديث مع لارا مرة أخرى.

مال فارس على أذن حياة: "شايفك عمالة تقلبي في القهوة بتاعتك... مش عجباكي؟ ابتسمت له: "أنا بحب نوع معين في القهوة... فانا بشرب دي بس علشان أفوق... بس أنا شايفاك مأكلتش حاجة يا دكتور." همس بابتسامة: "أنا مبفطرش... القهوة بس." عقدت حاجبيها: "بس ده غلط." رفع كتفه في إشارة لعدم الاكتراث: "اتعودت على كده." قالت بمشاكسة وهي تمزح: "محتاج تغير من عاداتك يا دكتور." نظر لها والابتسامة مرسومة على وجهه وعيناه الزرقاء

كموج البحر معلقة بعينيها: "انتي عارفة إن دي أول مرة حد ياخد باله إني مش بافطر ويفرق معاه." توترت من نظراته وعينيه المعلقة بها، حاولت أن تحيد بنظرها عنه، لكن هيهات لها أن تستطيع أن تهرب من تلك النظرات التي تقتحم أنوثتها، لم تسعفها كلماتها فتخرج من حلقها، بل اكتفت بابتسامة خجولة أطلقتها شفتاها.

شعر يوسف بالتوتر الملحوظ بينها، الذي لا تخطئه عين، لاسيما عين عاشق يعرف جيدًا توتر الحب في مراحله الأولى، فوجه كلامه لفارس كاسرًا الصمت بينهما: "هو المؤتمر بتاعك هيخلص امتى يا دكتور؟ ابتسم له فارس: "كمان ساعتين بالظبط يا بشمهندس." تغيرت ملامح حياة، وظهر الضيق واضحًا على وجهها، لكنها ابتلعت ريقها، وحاولت أن تتظاهر بعدم الاهتمام وهي تنظر في هاتفها، بينما أردف يوسف: "يعني هتسافر النهاردة؟ هتف له فارس: "لأ....

هامشي أخر الأسبوع... بصراحة لقيتها فرصة كويسة آخد إجازة بعيد عن الدوشة."

كان يتلو فارس كلماته وهو يلاحظ تعابير وجه حياة والابتسامة التي ارتسمت على وجهها بمجرد أن عرفت أنه لن يسافر اليوم. شعر بوخزة حلوة في قلبه، وكأن قلبه زادت دقاته، اختل توازن قلبه وتغيرت دقاته منذ أن وقعت عيناه عليها، تساءل كيف تعبث بقلبه فقط بابتسامة منها وهو طبيب القلوب، يعجز أن يجد علاجًا لقلبه من ابتسامته، أو ربما لا يرغب في أن يعالج تلك الرجفة في قلبه. انتشله يوسف من شروده وهو يهتف: "إيه يا فارس؟

بقولك هتيجي معانا النهاردة رحلة اليخت؟ بما إنك إجازة فا قضيها معانا بقي بدل ما تبقي قاعد لوحدك." ابتسم له فارس: "ماشي موافق... بس أنا مش عاوز بس أبقى تقيل على أصحابك." هتف له مالك: "لأ يا دكتور.. إحنا مبسوطين بوجودك معانا." هتف فارس ببشاشة: "خلاص لو كده أشوفكوا بعد ساعتين إن شاء الله.... نظر إلى عيني حياة وهو يقول: "أنا مضطر أمشي دلوقتي علشان ألحق المؤتمر، هاخلص وأقابلكوا." ابتسم يوسف: "هتلاقينا قاعدين على البحر."

بينما هتفت جميلة إلى حنين: "في إيه يا حنين... بتصحي كل شوية بالليل مخضوضة... في إيه؟ قالت حنين في قلق: "مش عارفة يا جميلة.... كابوس باشوفه كل يوم بقالي فترة... نفس الكابوس بيتكرر..... باشوف حد بيخنقني بس مش عارفة مين." ربتت جميلة على ظهر حنين: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ابقي اقري قرآن قبل ما تنامي." هتفت حنين: "بانام وأنا متوضية وباقرأ قرآن قبل ما أنام وبرضه باحلم بنفس الكابوس..... تنهدت حنين..

"نفسي مرة أنام من غير ما أحلم بالكابوس ده." *** دخلت نور على زياد في الشرفة تحمل كوبان من القهوة، وضعتهم على المنضدة. جلست أمامه بعد أن ناولته فنجان القهوة الخاص به، وصوت أم كلثوم ينبعث من المذياع بداخل الغرفة. هتفت له نور بابتسامة: "انت هتتأخر على شغلك يا زياد."

ابتسم لها بدوره، لازالت تلك العادة تسيطر عليه بعد مرور ما يقرب من 40 عامًا على معرفتهم لكنه لا يزال يبتسم كلما وقعت عيناه عليها، حتى في أشد لحظات غضبه منها لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يبتسم لها بمجرد وقوع نظره عليها: "أنا إجازة لحد أما الأولاد يرجعوا يا حبيبتي.... مش هاسيبك تقعدي لوحدك." هتفت في قلق: "زياد انت عمرك ما بتحب تاخد إجازة طويلة من شغلك؟ في إيه؟ لازالت ابتسامته مرسومة على وجهه:

"اعتبرينا هناخد أسبوع عسل من غير الأولاد." احمرت وجنتاها: "عسل إيه بس يا زياد؟ لمعت عيناه: "ألبسي وهننزل نفطر بره.. أنا وأنتي زي أيام زمان." ابتسمت له في حنان: "بس يا زياد.... قاطعها بحزم وهو يمسك يدها ويجذبها إلى الداخل لتستعد للخروج: "من غير بس... يلا اجهزي.. من حقنا ناخد يومين لنفسنا من غير الولاد." وفي إحدى المطاعم على ضفاف النيل، جلس زياد إلى جوار نور وأمسك بيديها وأخذ يدندن: "سنين ومرت زي الثواني في حبك أنت...

وإن كنت أقدر أحب تاني، هحبك أنت." اتسعت ابتسامة نور، لا يزال زياد قادرًا على أن يبعث تلك الرجفة في قلبها حتى بعد مرور أعوام كثيرة معًا. همس لها زياد: "انتي عارفة إني محبتش في حياتي حد غيرك؟ أومأت رأسها في إيجاب، ثم تغيرت ملامحها للغضب وهمست بضعف: "بس اتجوزت واحدة غيري." خفتت ابتسامته: "مش هتسامحيني أبدًا يا نور؟ همست: "الوَجَع على قد الحب يا زياد." اقترب من أذنيها وهمس: "ومفيش حاجة في السنين اللي فاتت تغفر لي أبدًا؟

ابتسمت وعلامات الألم ترتسم على وجهها رغم الابتسامة: "نظرة عينك دي يا حبيبي كانت كفاية إني أغفر لك." ضغط على يديها بقوة وقال بحزم: "أنا عايزك تنسي اللي فات وتبقى متأكدة إني محبتش ولا هاحب غيرك." ابتسمت وقد لانت ملامحها: "أنا عارفة وعمري ما حبيت غيرك." هتف بجدية: "نور... أنا وافقت إن يوسف يخطب البنت اللي بيحبها.... وعايزك تعرفي إني وافقت بس علشان مصلحة ابننا... أنا مش عايز الولد يخرج عن طوعي أو يعمل حاجة ضد رغبتي...

طالما اللي بيطلبه مش حاجة عيب ولا حرام يبقى ظلم إني أرفض." عبست ملامحها وترقرقت دمعة في عينيها، أشاحت بوجهها عنه وهمست بصوت مختنق: "أنا عايزة أروح يا زياد." احتدمت ملامحه أكثر: "ده قرار يا نور ومش هيقبل أي نقاش." فرت دمعة هاربة من عينيها المتجمدتين وهمست: "مش انت أخدت قرارك.... روحني البيت من فضلك...... وقفت وسحبت حقيبة يدها بيد مرتعشة، جذبها من يدها لتجلس مرة أخرى ولازالت ملامحه في جمود وهمس من بين أسنانه:

"انتي هتفرجي الناس علينا بعد العمر ده كله، اقعدي يا نور و خلينا نتكلم." جلست في صمت وقد أشاحت بوجهها عنه تتطلع إلى مياه النيل المتلألئة تحت أشعة الشمس. حاوطها بذراعه ممسكًا بكتفها في قوة: "كفاية دلع عليا يا نور.... مش هادلعك في سبيل مصلحة ابننا.... انتي عارفة ومتأكدة إن سارة بنت خالتي وبس.... وعلاقتي بيها مش أكتر من كده، وأنا نسيت الماضي وهي كمان.... صمت قليلًا ثم همس بحب:

"أنا كنت فاكر إنك متأكدة إني مفيش في الدنيا دي كلها حد حبيته قدك." انهمرت دموعها وقالت بصوت بالكاد مسموع: "يعني هي تاخد مني حبيبي، وبنتها تاخد مني أبني." ابتسم زياد وهو يجذبها أكثر إلى حضنه: "محدش قدر ياخد حبيبك منك، ولف ورجعلك برضه.... وابنك اللي هياخد بنتها منها." مالت واضعة رأسها على كتفه، مد يده ليمسح دموعها وهو يهمس: "سارة إنسانة طيبة جدًا، انتي لو عرفتيها هتبقوا أصحاب...

أنا مش طالب منك غير أنك تدي الولاد فرصة... يوسف فعلاً بيحب البنت." لم تعقب على كلماته، ربت على وجنتيها في حنان: "لو بتثقي فيا متخليش غيرتك تعميكي عن مصلحة ابنك.... ولو على سارة فا هي الوحيدة اللي اتظلمت في كل اللي حصل.... رفعت حاجبها وهتفت في ضيق وهي لا تزال مسندة برأسها على كتفيه: "صعبانة عليك أوي." ضحك زياد حتى دمعت عيناه: "يعني أعمل إيه أكتر من كده علشان أثبت لك إني مش بحبها وبحبك انتي....

انتي بتغيري عليا بعد العمر ده كله، أنا كبرت خلاص يا نور مبقيتش زي زمان." ابتسمت وهي تدفن رأسها في صدره: "انت في عيني يا زياد أحلى راجل في الدنيا، أنا مشفتش في حياتي راجل غيرك.... واظن من حقي أدافع عن اللي يخصني." همس لها: "دافِعي براحتك... بس لما يكون في تهديد أصلاً." نظر زياد فيما حوله، ثم نظر لها: "قومي نروح بيتنا أحسن... الناس بتبص علينا وأكيد في دماغهم مليون سيناريو عن علاقتنا غير إننا متجوزين." ضحكت

نور بخجل واحمرت وجنتاها: "تفتكر بيقولوا علينا إيه؟ همس وهو يضع قبلة على خدها: "بيقولوا اتنين مجانين." وقفت تلملم أشياؤها في ضيق: "هو ده اللي أسبوع عسل وهتفسحني." غمز لها زياد بابتسامة خبيثة: "العسل في البيت يا حبيبتي.... ولو على الفسح، بكرة نروح المكان اللي انتي تختاريه، مش هينفع نخرج وإنتي بتعيطي كده." ابتسمت وهي تتأبط ذراعه: "آه... كانت خروجة لهدف يعني." نظر لها بتمعن وهو يرفع حاجبه: "وحققت الهدف منها؟ ضحكت وهي

تلف يدها الأخرى حول ذراعه: "تقريبًا كده." *** صعد الجميع إلى سطح اليخت. وقف يوسف يتأكد من أن الجميع قد صعدوا قبل أن يتحرك اليخت في الماء، بينما انشغل أنس بالاتفاق مع أحد العاملين لجلب أغراض الغطس لهم، والتأكد أن معهم ما يحتاجون ويكفيهم من طعام وشراب. وقف فارس يتأمل المياه الصافية من حوله، وهو يترقب حياة بطرف عينيه من بعيد وهي تضحك مع ليلي. ظل واقفًا في شرود حتى ابتعدت ليلي تستعد لترتدي ملابس الغطس

فاقترب فارس من حياة وهمس: "الأوتيل مديني دعوة النهاردة على العشا في المطعم الإيطالي... تيجي معايا؟ نظرت حياة إليه وحركت رأسها في عدم فهم، فأردف: "تتعشي معايا النهاردة؟ قالها بنبرة حاول أن تبدو واثقة لكن قلبه كان يرتجف لها. همست حياة في تردد وقد احمرت وجنتاها خجلًا ونظرت إلى الأرض: "لوحدنا؟ نظر لها بعينين واثقة واقترب منها وهمس: "آه لوحدنا." ارتعش صوتها أكثر وهي تهمس: "أ... أنا... أنا لازم أستأذن بابا."

اتسعت ابتسامته وأخرج هاتفه من جيبه وابتعد عنها قليلًا يجري مكالمة هاتفية، كانت تنظر إليه تكاد لا تصدق ما يحدث حولها وقلبها يرتجف بين جنباتها من السعادة. لحظات وعاد إليها من جديد وقد اتسعت ابتسامته وظهرت غمازته وتلألأت عينيه التي انعكس فيهما لون البحر وقال بصوت واثق: "أنا استأذنت أونكل زياد وهو موافق." اتسعت عينا حياة، لا تصدق كلماته لكنها همست: "إزاي؟ استحالة بابا يكون وافق." رفع حاجبه في ثقة:

"لو مش مصدقاني اتصلي بيه." همست بتوتر وهي تعبث بطرف ثوبها: "مصدقاك.... بس... أنا برضه لازم أقول ليوسف الأول." قال بثقة أقرب للغرور: "هو يوسف هيعترض على اللي بابا وافق عليه؟ عمتا أنا هابقى أبلغه متشغليش بالك." ثم اقترب منها ليهمس في أذنها قبل أن يبتعد عنها: "نكمل كلامنا بالليل علشان نبقى براحتنا." ابتعد عنها وعاد ليجلس على سطح اليخت ويطالع المياه الزرقاء في هدوء.

جلست جميلة تعبث بهاتفها المحمول وهي تحكم غلق شال من الصوف حول كتفيها، وارتدت سترة بقلنسوة رفعتها فوق رأسها. اقترب منها مالك وقال بنبرة هادئة: "انتي بردانة؟ ابتسمت وهي تنظر داخل عينيه العميقين: "شوية." جلس إلى جوارها، تطلع إليها في صمت وهمس: "انتي عارفة إن شكلك حلو وإنتي مغطية شعرك." دارت بعينيها بعيدًا عنه: "أنا عارفة انت تقصد إيه يا مالك... أنا فعلاً بافكر في الموضوع بقالي فترة." ابتسم لها:

"أنا مقصدش حاجة.. دي ملاحظة أنا حبيت أقولها، لو عايزاني أخلي ملاحظاتي لنفسي بعد كده هاعمل كده." غمزت له في مرح: "ملاحظة ذات مغزى يا أستاذ مالك." اتسعت ابتسامته: "انتي عارفة إني باقول كده من خوفي عليكي." خفتت ابتسامتها وهتفت في ضيق: "ليه يا مالك بتخاف عليا؟ نظر إلى الأفق وصمت قليلًا ثم قال بصوت مرتبك: "علشان إحنا أصحاب." نظرت إليه كثيرًا قبل أن تزفر في ضيق: "وأنت بتخاف على كل أصحابنا كده؟ أغمض عينيه وابتلع ريقه وهتف:

"لأ يا جميلة... بس أنا بخاف عليكي زي أختي." ترقرقت دمعة في عينيها: "أختك يا مالك؟ قال مازحًا محاولًا تخفيف التوتر الذي أحاط بهما: "طبعًا انتي بعد ما شوفتي أنس بتقولي الحمد لله إنك مش أختنا.... هو يبان عصبي وجامد بس هو حنين أوي وقلبه طيب." ابتسمت وهي تشير إلى حافة اليخت: "أنا بس نفسي نرجع القاهرة قبل ما هو وليلي واحد فيهم يموت التاني... بص بيعملوا إيه."

نظر إلي حيث تشير جميلة بيدها، فوجد ليلي وأنس كلاهما يرتدي بدلة غطس ويستعد للغوص في المياه، وقف كل منهما أمام الآخر بتحدي. نظر أنس إلى ليلي في علياء: "لو مبتعرفيش تغطسي مش عيب بس قولي من دلوقتي، مش ناقصين حوادث." نظرت إلى عينيه بنظرات حادة: "أنا باعرف أغطس كويس أوي... خلي بالك من نفسك انت يا... يا باشا." اقترب منها وأشهر سبابته في وجهها: "بس لو بتغرقي متبقيش تيجي تمسكي إيدي، رغم إني عارف إنك هتموتي وتمسكيها....

قالها وقد ظهرت ابتسامة خفيفة على جانب شفتيه. نظرت له مطولًا في تحدي قبل أن تهمس: "في أحلامك."

بدأ كلاهما في الغطس بعد أن تلقوا تعليمات من المدرب، كان المنظر في الأعماق أخاذ وهما يشاهدان الشعاب المرجانية والأسماك تسبح من حولهم من كل جانب، فجأة ظهر التوتر على ليلي في الماء وبدأت تدور حول نفسها في توتر، أشار لها أنس ليتأكد من أنها بخير، لكنها لم تجيبه وانطلقت نحو السطح بسرعة. صعد أنس خلفها مباشرة وهو يحاول أن يتواصل معها ليخبرها أن تقلل من سرعة صعودها إلى السطح لكن دون جدوى، ما إن صعدت ليلي إلى سطح الماء، رفعت عنها قناعها لتستنشق الهواء، ظهر أنس على السطح أقترب

منها ورفع قناعه وصاح بها: "انتي مجنونة؟ إزاي تعملي كده؟ لم تعقب، بل دفعته لتبعده عنها وهي تقترب من اليخت استعدادًا لصعوده. اقترب منها وامسك معصمها في قوة يلفها لتواجهه وهمس لها في لين: "انتي كويسة؟ أشاحت بوجهها عنه وقالت بتوتر: "أنا.... أنا .... قاطعها وهو يهمس: "اللي عملتيه ده خطر عليكي جدًا... كان ممكن بعد الشر يحصلك حاجة... غلط تطلعي من الماية بسرعة كده." قالت بنبرة متوترة: "أنا خفت من السمكة الكبيرة...

أول مرة أشوف سمكة بالحجم ده." نظر لها أنس مطولًا ثم صدرت منه ضحكة عالية: "أمال عملتي فيها مبتخافيش ليه؟ وكزته في صدره وابتعدت عنه لتصعد على اليخت مرة أخرى وهي تصيح: "إنسان مستفز." وقف أنس يتأملها تصعد على اليخت مرة أخرى وابتسامة واثقة ارتسمت على شفتيه. جاء يوسف من خلف مالك الجالس في صمت يتطلع إلى البحر والسماء الزرقاء، صاح فيه: "هتنزل الماية معايا يا مالك مش هتهرب." حرك مالك رأسه ببطء: "بس أنا مليش مزاج."

لم يمهله يوسف مجالًا للنقاش، بل دفعه من ظهره ليسقطه في المياه وهو يضحك ومن ثم قفز خلفه في الماء بمرح، لكن مالك وعلى عكس طبيعته الهادئة بدا عليه الضيق ودفع يوسف مبتعدًا وصعد على سطح اليخت مرة أخرى. صعد يوسف خلفه وهو يلتقط أنفاسه: "في إيه يا مالك، طول عمرنا بنهزر إيه اللي ضايقك أوي." دفعه مالك في صدره وصاح: "حركاتك غبية وملهاش معنى."

ابتعد عنه مالك، وهو يخلع قميصه ذو الأكمام الطويلة. لاحظ يوسف الذي تبعه تلك الكدمة الزرقاء في باطن ساعد مالك، اقترب منه يوسف وهتف بقلق: "إيه اللي في إيدك ده يا مالك؟ ارتبك مالك وهو يحاول أن يداري ذراعيه، اقترب منهما أنس وهو يناول مالك منشفة قطنية وقميص جديد وهتف محاولًا تدارك الموقف: "إيه يا جماعة هتقلبوا الهزار جد ولا إيه؟ ثم ربت على كتف يوسف وهو يسحبه بعيدًا عن مالك:

"هو بس تلاقي مالك مكنش ليه مزاج ينزل الماية فعلشان كده اتضايق... همس يوسف بقلق بدا واضحًا على صوته: "هو مالك كويس؟ ابتسم أنس بمرح: "ما هو زي الفل قدامك أهو ... أكيد انت خضيته فعلشان كده اتعصب." لم يعقب يوسف، بل احتفظ بقلقه على مالك لنفسه وحاول تجاوز الأمر. ***

جلس فارس على طاولة المطعم المواجهة للبحر، عيناه معلقتان على مدخل المطعم ينتظر حياة. كانت إضاءة المطعم الخافتة والموسيقى الدافئة قد أضافت سحرًا على المكان مع صوت ارتطام أمواج البحر. كان فارس يشعر بالتوتر فلم يكن معتادًا على مثل هذه اللقاءات لكنه لم يستطع تفويت فرصة قضاء بعض الوقت مع حياة على انفراد.

أخيرًا ظهرت حياة عند مدخل المطعم، ترتدي فستانًا فضفاضًا باللون الوردي، وغطاء رأس باللون الأبيض مما زادها جمالًا. عيناها بلون البندق وبشرتها الشقراء المشربة بالحمرة من الخجل جعلتها تبدو كآلهة إغريقية. كانت حياة تمشي على استحياء وهي تنظر في وجوه الجالسين بحثًا عن فارس، حتى وقعت عيناها عليه أخيرًا، فابتسم لها ابتسامته الساحرة ولوح لها بيديه، توجهت إليه بخطى خجولة، سحب لها المقعد وجلست في الجهة المقابلة له. لحظات من التوتر سادت بينها

حتى قطعتها هي بروح مرحة: "واضح إن المكان شيك أوي." ابتسم لها فارس: "لو مكنش شيك مكنتش جبتك هنا." ابتسمت حياة في خجل واحمرت وجنتاها، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها فابتعدت بعينيها عن مرمى السهام الزرقاء. عاد الصمت بينهم للحظات، لكن سرعان كسره فارس: "تعرفي... رغم إننا نعرف بعض من زمان.. بس دي أول مرة تقريبًا نقعد ونتكلم فيها مع بعض... قبل الصدفة اللي جمعتنا في الرحلة دي انتي كنتي بالنسبالي اسم بس معرفش عنك كتير."

ابتسمت حياة برقة: "آه فعلاً... أعتقد انت علشان دراستك وشغلك فا مكنش بنتقابل كتير." همس لها فارس في رقة: "كنت غلطان.... كمان أونكل زياد كان مخبيكي عننا.... دايما لما كنت باشوفه كان بيبقى معاه يوسف بس." أطلقت حياة ضحكة عفوية: "انتوا كنتوا دايما بتتقابلوا على القهوة... وأكيد أنا مليش مكان فيها." ضحك فارس بدوره وهتف:

"حتى لما كنا بنجيلكوا البيت أو انتوا بتيجوا عندنا، دايما كنتي بتبقي ساكتة خالص، يعني عمرنا ما اتكلمنا مع بعض... كنت واخد عنك انطباع إنك هادية ومبتتكلميش." خفتت ابتسامتها ورفعت حاجبها: "والانطباع ده اتغير دلوقتي؟ تورت فارس، وهتف: "لأ مقصدش... بس يعني... أقصد..... ضحكت حياة: "أنا فاهمة قصدك كويس... عندك حق، يمكن دي أول مرة نتكلم فيها سوا... بس كل حاجة ليها وقتها."

مر العشاء بين بعض الأسئلة العفوية عن حياتهما، هوايتهما، حدثته حياة عن حبها للقراءة، وموسيقاها المفضلة، وكيف أنها كانت تخفي القصص في صغرها داخل كتب المدرسة حتى لا تراها والدتها. تحدث فارس عن حبه لكرة القدم، وأحلامه في السفر والاستقرار بالخارج، ورفضه لتقاليد المجتمع البائدة. وفي لحظة، بينما تأخذ حياة رشفة من العصير، نظر إليها فارس بتركيز وهمس: "عمرك حسيتي إنك عارفة حد من زمان رغم إنكم لسه متقابلين؟

نظرت له حياة نظرة مطولة وكأنها تحاول أن تقرأ ما وراء سؤاله: "أحيانًا." لمعت عينا فارس، وهمس: "أنا حاسس ده معاكي." لم تعرف حياة بماذا تجيبه، كانت نظراته المباشرة لها تبعث بشعور غريب داخلها لم تشعر به من قبل، ساد الصمت بينهما لحظات كانت ممتلئة بمشاعر جديدة على كليهما، لكن قطعه فارس: "إيه رأيك نتمشى على البحر شوية؟

أومأت حياة رأسها بابتسامة ناعمة. مشيا جنبًا إلى جنب على الرمال، يستمتعان بنسيم البحر الهادئ، قطع فارس الصمت بينهما وقال ضاحكًا: "انتي عارفة أنا كنت خايف تكسفيني ومترضيش تتعشي معايا النهاردة." ضحكت حياة: "وكنت هتعمل إيه لو كنت رفضت؟ وقف فارس ونظر إليها للحظة: "مش عارف... بس كان جوايا إحساس إنك هتوافقي." نظرت حياة إلى الأمواج المتلاطمة وهمست: "وكنت عايز تقابلني لوحدي ليه؟

نظر فارس إليها كثيرًا حتى ظن أنه فقد القدرة على الكلام، لكنه تكلم أخيرًا: "علشان كنت نفسي أعرف عنك أكتر... مش بس الكلام اللي باسمعه عنك من بابا وماما لما بتيجي سيرتك في الكلام... كنت عايز أعرف انتي مين." همست بتوتر: "وعرفت؟ لم يجب على سؤالها. نظر مطولًا إلى البحر وبعد لحظات وجه كلامه لها وهو لا يزال ينظر إلى البحر: "عرفت إني كنت مغفل." ابتسمت حياة في توتر وهمست: "مش نرجع بقي؟ همس لها فارس: "زهقتي؟

ابتسمت حياة وظهرت تلك الحمرة المحببة على وجنتيها مرة أخرى: "لأ... بس بقالنا كتير سوا وكده يوسف ممكن يقلق عليا... بعدين هنشوف بعض الصبح صح؟ ابتسم فارس: "هاشوفك على الفطار؟ رفعت حياة حاجبها وهتفت: "بس انت مبتفطرش يا دكتور." عقد فارس حاجبيه: "فارس... اسمي فارس بس من غير دكتور.... مبحبش الناس القريبة ليا يقولولي يا دكتور..... أقترب منها خطوة وهمس: "هاستناكي نشرب القهوة الصبح سوا." ابتسمت في دلال: "إن شاء الله." ***

اتفق الأصدقاء أن يذهبوا جميعًا في جولة في السوق الشعبي. كانت المجموعة تتنقل بين المحال التجارية وتشاهد المعروضات، بينما ظهرت علامات الملل واضحة على وجه أنس الذي كان يمشي في نهاية المجموعة. كانت ليلي تسير بجوار حياة وجميلة لكن مع الزحام واندفاع المشي وجدت نفسها في آخر الصف تسير إلى جوار أنس. لاحظت علامات الملل الظاهرة بوضوح عليه فهتفت: "شكلك مش مبسوط." نظر لها وهو ينفث دخان سيجارته: "بصراحة شيء ممل جدًا...

بتقفوا عند كل محل رغم إن كله بيبيع نفس الحاجة تقريبًا." عقدت ذراعيها ونظرت له: "الفكرة مش في الشرا... المتعة في الفرجة... بعدين إحنا جايين هنا ننبسط." ظهرت ابتسامة ماكرة على شفتيه: "و شكلك مبسوطة أوي..... مسبتيش محل إلا لما دخلتيه." رفعت ليلي كتفيها: "يعني.... أشاحت ليلي بنظرها فوجدت بائعة تبيع مشغولات بدوية يدوية على جانب الطريق. لفتت نظرها فهتفت ل أنس: "استنى هاروح أتفرج عند الست اللي هناك دي."

زفر أنس في ضيق، لكنها لم تنتظر إجابة منه، بل اندفعت متجهة نحو البائعة تقلب في البضاعة بشغف. تبعها أنس وهو يشاهدها، وارتسمت ابتسامة على زاوية شفتيه. اقترب منها، فما إن رأته أشارت بيديها وهي تمسك أسورتين في كفيها: "إيه رأيك؟ أنهي واحدة أحلى؟ نفث دخان سيجارته وهتف دون أن ينظر لها: "الاتنين حلوين." رمقته بجانب عينها بنظرة حادة: "أنا غلطانة إني باخد رأيك....

رمى سيجارته على الأرض ودعسها برجله، أخذ الأسورتين من يديها، نظر إليهما نظرة سريعة، وضع واحدة في كفها وأعاد الأخرى إلى الطاولة. أخرج من جيبه بعض النقود وألقى بها إلى البائعة، وانصرف. وقفت ليلي تشاهده وهي مشدوهة، لحظات حتى استوعبت ما فعله، لحقت به وجذبته من سترته وهي تهتف في حنق: "انت إيه اللي عملته ده؟ قال ببرود: "عملت إيه؟ عقدت ذراعيها: "مين طلب منك تشتريلي حاجة؟ ارتسمت ابتسامة كلها ثقة على شفتيه وهتف:

"اعتبريها هدية مني." زفرت ليلي وقالت من بين أسنانها: "مستفز." رمقها أنس بنظرة لم تفهمها لكنها أسرت قشعريرة في بدنها وهتف: "هنقضي اليوم كله واقفين هنا... يلا اتفضلي." اندفعت ليلي تمضي أمامه مسرعة، واختفت بين الزحام. كانت عينا أنس تتبعها أينما ذهبت، لكن في لحظة غفل عنها، وانطلق طفل بين الزحام خطف حقيبة يدها وفر هاربًا. صرخت ليلي وهمت أن تجري خلفه، لكنها فوجئت بيد قوية تجذبها من ذراعها، التفتت لتجده أنس

ينظر لها بنظرة حادة وهتف: "انتي هتعملي إيه؟ صرخت بحدة: "هاجري ورا الحرامي اللي سرق شنطتي! أحكم قبضته على معصمها: "انتي اتجننتي؟ حرامي مين اللي عايزة تجري وراه في السوق." هتفت في حدة: "أمال عايزني أعمل إيه؟ أقف أتفرج زيك... شنطتي فيها كل أوراقي وفلوسي." تغيرت نظرة أنس من الحدة إلى اللين وهتف: "اهدي بس... شنطتك هترجعلك." هتفت ليلي في حدة: "هترجعلي إزاي... زمان الحرامي بقى في بيتهم دلوقتي."

التف الجميع حول ليلي، فقد سمعوا صراخها وعادوا إليها. هتفت حنين في قلق: "في إيه يا ليلي؟ إيه اللي حصل؟ قالت ليلي بعصبية: "شنطتي اتسرقت والأستاذ واقف يتفرج وكمان مش عاوزني أجري ورا الحرامي." هتف يوسف: "عنده حق يا ليلي... إزاي تبقي بنت وتجري ورا الحرامي وإحنا موجودين." كان مالك يشاهد ما يحدث وارتسمت ابتسامة على شفتيه، اقتربت منه جميلة وهمست: "بتبتسم ليه كده؟ في إيه؟ همس لها مالك: "أصل أخويا وأنا عارفه...

هتشوفي هيعمل إيه." هتف أنس في حدة ممزوجة بالثقة: "ممكن كلكوا تسكتوا.... شنطتك هترجعلك من غير ما حد يجري ورا حد." أخرج أنس هاتفه من جيبه وأجرى مكالمة هاتفية قصيرة، لحظات وعاد يهتف في ليلي بكل ثقة: "شنطتك كلها ساعة وهتوصلك على الفندق." ترك أنس ليلي تنظر له في دهشة وانصرف تاركًا الجميع خلفه. مالت جميلة على أذن مالك وهمست: "إزاي؟ اتسعت ابتسامة مالك: "شغله..... الغردقة دي كلها عارفة أنس المصري...

مش هيغلب إنه يرجع لها شنطتها." اقترب مالك من ليلي وهتف: "يلا نرجع يا ليلي.... طالما أنس قال هيرجعلك شنطتك هترجع متقلقيش."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...