في الصباح... قبل أن يذهب يوسف لعمله... دخل غرفة والده فوجده يحتسي قهوته الصباحية في الشرفة كعادته.... بينما والدته في المطبخ تعد الإفطار ..... هتف يوسف في تردد وقلب وجل: بابا.... أتكلمت مع ماما؟ رد زياد بتردد و هو يأخذ رشفة من كوب قهوته: هاكلمها... بس محتاج الأمور تهدي شوية. تغيرت ملامح يوسف وظهر الضيق عليه واضحا: طيب يا بابا أنا مسافر الأسبوع اللي جاي الغردقة مع أصحابي... ممكن لما أرجع تكون كلمتها. نظر زياد
في الأفق وهو يحتسي قهوته: لارا من جروب أصحابك اللي مسافرين؟ ابتسم يوسف رغما عنه ما إن ذكر والده اسم لارا: آه يا بابا... إحنا جروب كبير. لمعت فكرة في عيني زياد وهمس: خد أختك حياة معاك. تغيرت ملامح يوسف مرة أخرى وهتف بحدة: إزاي يعني يا بابا... هو إحنا عيال صغيرة..... هأخد حياة معايا ليه... هي متعرفش أصحابي. لكن زياد لم تخفت لمعة عينيه وهمس: أنا كنت بأفكر آخد نور ونسافر نقعد في شقة إسكندرية كام يوم...
عشان نبقي لوحدنا وأعرف أتكلم معاها براحتي... بس طالما أنت هتسافر مش هينفع نسيب حياة لوحدها... يبقى تاخدها معاك.... أولاً منها تغير جو... وثانياً تتعرف على لارا وتبقي في صفك... وثالثاً البيت يفضالي أنا ومامتك.... قال زياد كلمته الأخيرة وارتسمت ابتسامة عريضة ملأت وجهه. زفر يوسف زفرة حارة: يعني يا بابا عشان البيت يفضالكم... أتدبس أنا في حياة. ربت زياد على كتف يوسف:
روح يا حبيبي قول لأختك على السفر قبل ما تنزل شغلك عشان تجهز نفسها وتاخد إجازة من شغلها. خرج يوسف من الغرفة وهو يتمتم: يارب متعرفش تاخد إجازة. وقف يوسف أمام باب غرفة حياة... طرق الباب بخفة... لحظات وأتاه صوتها الحنون من خلف الباب تهمس: ادخل. فتح الباب ووقف يتأملها.... امرأة في الثانية والعشرين بتصرفات طفلة... وقلب أم.... بها الكثير من حنان والدتها... وعقل وحكمة والدها.... وكثير من براءة الطفولة.....
قاطعت تفكيره وهي تحكم غطاء رأسها استعداداً للخروج وهتفت: في حاجة يا يوسف؟ ابتسم لها في حنان: حياة... أنا هاسافر مع أصحابي الأسبوع اللي جاي الغردقة تحبي تيجي معايا؟ ضحكت حياة وهي ترفع حاجبها: اممم مين صحابك؟؟ ضحك يوسف وقد فهم مغزى سؤالها: كل أصحابي. ابتسمت حياة: طيب وعايزني أنا ليه بقى؟ اقترب منها يوسف: فرصة يا حياة تتعرفوا على بعض وتقربي منها.... هتحبيها أوي لما تعرفيها. ضحكت حياة:
حبيبي أكيد طالما أنت بتحبها يبقى أنا هحبها.... هاطلب إجازة من الشغل إن شاء الله وأسافر معاك. نظر يوسف في المرآة وهو يعدل من هدومه ويمرر يده بين خصلات شعره ويعيد ترتيب شعيرات ذقنه في تباهي: بما إني اتأخرت... يلا هوصلك في طريقي.... بس انجزي. جرت حياة في سعادة تلملم أشياءها داخل حقيبة يدها وهي تهتف كالأطفال: أنت أحسن أخ في الدنيا... أنا 5 دقايق بالظبط وهاكون جاهزة. ***
اتصل مالك بجميلة بعد أن استقر بسيارته أسفل منزلها في السادسة صباحاً: جميلة من فضلك مش عاوزين نتأخر... أنا واقف تحت. ردت عليه بمرحها المعتاد: تعالي يا مالك شيل مني الشنطة أنا جنب العربية... قالتها وهي تلوح له من خلف زجاج سيارتها. وقعت عيناه عليها وابتسم على الفور... دون أن يلفظ حرف ترجل من سيارته... أمسك بحقيبتها الضخمة الثقيلة....
وضعها في السيارة، ولف حولها ليفتح لها الباب لتستقر على المقعد المجاور له، نظر إليها بابتسامته الخلابة، وأغلق الباب، استقر في مقعده خلف المقود وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية وهو يقول: يوسف مستنينا على الطريق... واعتقد شادي سبقنا واتحرك على هناك. حاولت أن تفتعل الهدوء وهي تقول بخبث: بس لسة هنعدي على بيت حنين. هي حنين هتركب معانا العربية؟ قالها بصوت متهدج وهو يحاول أن يداري ملامح الضيق التي ارتسمت على وجهه. وضعت خصلة
من شعرها خلف أذنها وهمست: وليلى بنت خالتي كمان... بس أنت عارف هي ساكنة جنب حنين يعني في طريقنا. هتف مالك بضيق: هو حد قالك إني سواق أوبر؟ لم تستطع أن تكتم جميلة ضحكة فلتت منها: يعني كنت أقولهم لأ؟ نظر إليها بعينين كلها حب: طيب كنتي عرفيني.... ممكن حد فيهم يركب مع يوسف أو شادي. نظرت له بعتاب: يعني .... أنت عارف حنين مش هينفع... عشان شادي.... ويوسف معاه أخته في العربية ولارا كمان....
وأنت عارف ليلى هتتكسف تركب عربية حد متعرفوش.... سكتت قليلاً ثم أردفت: لو زعلت أنا آسفة... كان المفروض أقولك من قبلها فعلاً. نظر إلى عينيها طويلاً .... ثم همس: أنتي عارفة إني مش زعلان منك.. بس عشان اتأخرنا. ضحكت جميلة ضحكتها التي تأسر روحه: خلاص هاصالحك وأعزمك على قهوة. ابتسم لها: وأنا موافق. وصلا إلى الغردقة بعد طريق طويل ومرهق.... فرقع مالك أصابعه بجوار أذن جميلة وهمس لها: جميلة.... اصحي إحنا وصلنا.
فتحت عيناها وهي مبتسمة لاستيقاظها على صوته الحاني.... نظر لها بنفس الابتسامة: هو أنا مخليكي تقعدي جنبي طول الطريق عشان تفوقيني وتتكلمي معايا ولا عشان تنامي؟ ابتسمت وهي تمسح جفونها بيديها بكسل: مالك أنا اتكلمت زي الراديو لحد ما زهقت... وأنت ساكت مش بترد عليا حتى. أردف بنفس الابتسامة: بس مستمتع وأنا بسمع صوتك.... ثم قال ضاحكاً: مش أحسن من أستاذة حنين اللي بترغي في التليفون طول الطريق. ضحكت حنين: معلش يا مالك...
بس بجد عمر بيقلق أوي.. كل شوية يتصل بيا يطمن وصلت لفين. رفعت ليلى حاجبها: معرفتش أنام منها طول الطريق. ضحك مالك: خلاص يا جماعة حمد الله على السلامة... يلا خلينا نروح نشوف الحجز. وقف مالك وشادي أمام موظف الاستقبال... بينما هتف يوسف في الفتيات: ممكن كل واحدة فيكم تديني البطاقة بتاعتها عشان الحجز بتاع الغرف. هتفت ليلى: أنا مش بحب أقعد مع حد في الأوضة، هاقعد في أوضة لوحدي. اقترب يوسف من أذن حياة:
ممكن يا حياة تقعدي مع لارا في نفس الأوضة... عشان أبقى مطمن عليكوا انتوا الاتنين. إشارة حياة بيدها بالموافقة وهي تقول: أي مكان بس خليني أنام. هتفت ليلى: أنا هاروح أشوف حاجة أشربها عشان الصداع هيموتني من كتر رغي أستاذة حنين طول الطريق. ضحكت الفتيات، بينما تغيرت ملامح شادي للعبوس وحاول أن يبتلع غصة في قلبه لم يستطع إخفاءها من ملامحه. كانت تحمل ليلى في يدها كوباً من القهوة، حين رن هاتفها ...
وضعت يدها داخل جيبها لتخرج الهاتف وبينما هي تنظر إليه اصطدمت بشخص أمامها، وانسكبت القهوة من يديها على كنزته الصوفية، رفعت ليلى عينيها عن الهاتف لترى وجهه الذي احمر من الغيظ، كان شاباً فارع الطول، حاد الملامح نظرت إليه ليلى في غضب وصاحت: إيه ده مش تاخد بالك؟ نظر إليها بغضب ويكاد أن يتطاير الشرر من عينيه: أنتي مبتشوفيش؟ ماشية مش باصة قدامك وعايزاني أنا اللي آخد بالي؟ صاحت بحدة:
طيب أنا باصة في الموبايل أنت مش تبص قدامك. ازدادت نظراته غضباً، ورفع يديه ليخلع عنه كنزته الصوفية المبلولة بالقهوة الساخنة، لكن صرخت ليلى بصوت أعلى: أنت هتضربني ولا إيه؟ نظر إليها طويلاً وهو يحاول أن ينظف كنزته الصوفية وقال: رغم إنك تستاهليها، بس أنا مبمدش إيدي على واحدة ست. لم يترك لها مجالاً للرد عليه... بل تركها في صدمتها وانصرف. ***
وقف يوسف يعيد توزيع بطاقات الهوية على الجميع ومعها مفتاح الغرف، حين اقترب أنس من مالك وصاح مرحباً: حمد الله على السلامة... نورت الغردقة. انفرجت أسارير مالك ما إن وقعت عيناه على أنس، وهتف وهو يضمه إلى صدره: وحشتني يا أنس باشا. نظر إليه مالك وهو يرتدي قميصه القطني الأبيض ذو نصف أكمام الذي يبرز عضلاته ويحمل كنزته الصوفية كحلية اللون في يديه، ويتوسط صدره بقعة بنية اللون مبللة: بس إيه اللي عمل فيك كده يا أنس؟
زفر أنس بحرارة: واحدة غبية... ماشية مش شايفة، وقعت كوباية القهوة عليا.... نظر أنس في الأفق ثم أكمل حديثه: هي الحلوة الغبية اللي هناك دي. نظر مالك حيث يشير أنس، ثم همس ضاحكاً: دي ليلى. رفع أنس حاجبه: أنت تعرفها؟ مالك: دي بنت خالة جميلة... تعالي هاعرفك على أصحابي كلهم. لم يكد يتحرك مالك وأنس من مكانهما، حين اقترب ليلى عليهم مندفعة وهي تصرخ في أنس: أنت بتعمل إيه هنا... مش كفاية القهوة بتاعتي معرفتش أشربها بسببك...
إيه جاي تشتكيني يعني؟ تجاهلها أنس تماماً... ظل واقفاً كما هو يضع يديه في جيب بنطاله، وينظر لها من علوه وقد ارتسمت ابتسامة مستفزة على شفتيه، لكن مالك اقترب مسرعاً وهو يهتف بهدوء: أعتقد إنك قابلت ليلى..... ثم نظر إلى ليلى: أنس أخويا يا ليلى. توترت ليلى كثيراً، ومدت يدها في قلق لتصافحه وهي تهتف بتهكم: أهلاً. لكن أنس ظل واقفاً على نفس هيئته، لم يتحرك، ولم يمد إليها يده ليصافحها، بل نظر إلى يديها الممدودة
أمامها وهتف بنفس أسلوبها: أهلاً. سحبت ليلى يدها متأففة، بينما أقبل يوسف بوجهه البشوش مصافحاً: أنس باشا. ابتسم له أنس وهو يمد يده ليصافحه، بينما رمق ليلى بنظرة جعلت القشعريرة تسري في جسدها: إزيك يا يوسف.. حمد الله على السلامة. قام مالك بتعريف أصدقاءه على أخيه الأكبر أنس... بينما ظل أنس بين الحين والآخر يرمي نظرة خلسة على ليلى، التي ظهر على وجهها علامات الضيق. مالت ليلى على أذن جميلة:
هو إزاي اللي اسمه أنس ده قليل الذوق كده. ضحكت جميلة: ليه بس. ارتسمت ملامح الضيق على وجه ليلى: مش شايفة متكبر إزاي... وإيه كلهم عمالين يقولوا يا باشا يا باشا.... هو ناقص غرور. قهقهت جميلة: يا بنتي ما هو وكيل نيابة عايزهم يقولوا إيه... بعدين مش مغرور ولا حاجة... ثم تنهدت: كفاية إنه أخو مالك. رفعت ليلى حاجبها وقالت بحدة: وكيل نيابة على نفسه. قاطعهم صوت أنس وهو يهتف:
حطوا شنطكم في الأوض وارتاحوا شوية أنا مجهزلكوا سهرة بالليل.... ثم اقترب من ليلى ورماها بنظرة نارية وهو يهتف بحنق: أنا هاروح أغير هدومي على ما تكونوا جهزتوا. زفرت ليلى وهي تدب برجليها في الأرض: مستفز. *** بينما يستعد الجميع ليذهبوا إلى غرفهم... استوقف يوسف صوت رجولي يهتف باسمه،: دكتور فارس مش معقول.... أنت بتعمل إيه هنا؟ قالها يوسف وهو يلتف ليسلم على فارس المقبل عليه ببشاشة. ابتسم فارس ليصافحه:
أنا عندي مؤتمر طبي هنا..... مفروض أنا اللي أسألك بتعمل إيه هنا ومين معاك. ضحك يوسف: أنا مع أصحابي هنا..... وحياة أختي كمان. قالها يوسف وهو يشير بيديه لحياة الواقفة بعيداً بجوار لارا.... تعلقت عيني فارس بحياة منذ أن وقعت عيناه عليها وهتف: لأ عندك حق.... حياة فعلاً مبقتش صغيرة. ضحك يوسف: مش قولتلك بقت دكتورة حياة... استنى أناديها. أشار يوسف لحياة بالاقتراب... اقتربت على استحياء وهي تتأمل فارس....
تعرفه جيداً رغم المرات القليلة التي شاهدته فيها... فمن يخطئ تلك العينين التي تلونت بلون السماء الزرقاء في نهار ربيعي.... اقتربت منه مبتسمة، وأومأت إليه بالتحية..... لكنه اقترب منها شاهراً كفيه للمصافحة، نظرت إلى كفه بإحراج شديد وهي عاقدة يديها خلف ظهرها، مدت يدها التي بالكاد لمست كفه الممدودة إليها وسحبتها فوراً.... بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة جعلت من تلك الغمازة القابعة على جانبي وجهه تظهر بوضوح.
لم يكسر التوتر المحيط بهما سوى كلمات يوسف التي أعادتها لأرض الواقع: أنتي مش فاكرة فارس ولا إيه؟ صارعت الكلمات لتخرج من حلقها وقالت بصوت خافت بالكاد مسموع: آه طبعاً فاكراه. ضحك فارس: بس الحقيقة يا حياة.... أنا مش فاكر غير إنك كنتي طفلة صغيرة في المدرسة آخر مرة شوفتك فيها. تغيرت ملامح حياة: ده أكيد من زمان أوي. ابتسم فارس مجدداً: بس العيب على بابا.... مش بيخلينا نشوفكم كتير. وكزه يوسف بمرح: إيه يا دكتور...
مش كفاية إنك بتشوفني ولا إيه؟ لا زالت تلك الابتسامة البلهاء تعلو وجه فارس، وهتف بحماقة: لأ مش كفاية.... تنحنح فارس بعد أن أدرك حماقة ما قاله للتو من ملامح يوسف التي بدأت تتغير وهتف: أنا لازم أمشي دلوقتي عشان أرجع المؤتمر... أشوفكم بالليل؟ قال يوسف وهو يربت على كتفه: إحنا بالليل هنطلع سهرة بره الريزورت... تحب تيجي معانا؟ ابتسم فارس: لو ميضايقكوش طبعاً....
أنا بالليل بأفضل قاعد لوحدي، ولو حد من زمايلي جه يقعد معايا بتبقى قاعدة مملة كلها مناقشات طبية. صافحه يوسف: خلاص يبقى هاكلمك بالليل نتحرك سوا. انصرف فارس، وبقيت عيني حياة معلقة بنظرته لها حتى غاب عن عينيها. لم تستفق حياة من شرودها سوى على وكزة من لارا: مين ده؟ تنهدت حياة وهمست: ده فارس... ابن صاحب بابا. ابتسمت لارا، فهي تعلم جيداً الحب حين يلمع في العينين: امممممم ... ابن صاحب بابا....
طيب مش عايزة تحكيلي عن الفارس اللي هييجي على حصان أبيض بالليل؟ ضحكت حياة: ولا أي حاجة.... هو من واحنا صغيرين كل ما بيشوفني بيفضل باصص لي نفس النظرة اللي انتي شفتيها دلوقتي دي... بس مش أكتر. ضحكت لارا: طيب يلا عشان نطلع الأوضة ونرتاح شوية قبل بالليل.... ولا طار النوم دلوقتي خلاص. *** في المساء.... على شاطئ البحر الأحمر.... اجتمع الأصدقاء حول دائرة النار التي أشعلها أنس... كان المكان هادئ ويبعث على الاسترخاء...
يأتي من خلفهم أصوات المدينة... بينما على مقربة منهم فرقة بدوية تقوم ببعض الاستعراضات. اقترب يوسف من لارا وهو يعبث بخصلة من شعرها تدلت على وجهها: مبسوطة يا حبيبتي؟ لمعت عينيها بابتسامة عشق: مبسوطة عشان معاك. تنهد يوسف: إن شاء الله نبقى مع بعض على طول. مالت لارا عليه في دلال واقتربت من أذنه وهمست: مش هتحكيلي بقى إيه السبب اللي علشانه باباك مش موافق؟ ابتسم لها: حاجة عمرك ما هتصدقيها....
تدلدلت عليه أكثر كطفلة تتدلل على والدها من أجل أن يعطي لها قطعة من الحلوى: قول بقى يا يوسف..... عشان خاطري. ربت بسبابته على أرنبة أنفها: بس مش هينفع تقولي لحد... والمرة دي بجد. جلست أمامه القرفصاء كمن تنتظر أن يقص عليها حدوتة: يلا أنا سامعاك كويس أهو. قال لها بصوت خافت: بابا كانت متجوز مامتك. شهقت فالتف الجميع ينظر إليهما، هتف يوسف ضاحكاً للجميع: معلش يا جماعة اتحمست شوية بس،
ثم عاد يهمس إليها: هو ده اللي مش هتقولي لحد... خلي بالك حياة متعرفش حاجة عن الموضوع ده. تغيرت ملامح لارا: أكيد اللي أنت بتقوله ده كذب... استحالة يكون ده حصل بجد. همس لها: بس ده اللي حصل فعلاً... من حوالي 30 سنة. لم تستطع لارا أن تمنع دمعة هربت من عينيها: بس كده الموضوع بيتعقد أكتر. ربت يوسف على كتفها بحنان: بالعكس... أنا قربت أحل الموضوع... بابا موافق إننا نتجوز. نظرت له بألم ولا زالت الدموع تترقرق في عينيها:
بس ماما عمرها ما هتوافق.... هي عنيدة جداً أنا عارفاها. همس لها: أنا هاتكلم معاها وأقنعها.... لو وصلت إني أخلي بابا يتكلم معاها ويقنعها هاعمل كده... بس إحنا هنتجوز يعني هنتجوز. تنهدت وهي تضع رأسها المثقل بالهموم على كتفه، لعله حقاً يستطيع أن ينجح فيما يقول. ليس ببعيد عنهم، لكن بانعزال جلس مالك في صمت ينظر إلى أمواج البحر المتلاطمة في تناغم.... جلست جميلة إلى جواره... كان شاردًا لم يشعر بوجودها إلى جنبه....
نظرت إليه مطولاً وكأنها تحفظ قسمات وجهه داخل قلبها ثم همست: مالك..... في إيه؟؟ أدرك مالك وجودها إلى جواره... رد عليها دون أن ينظر إليها، ولا زالت عيناه معلقتان على أمواج البحر: أنا بس مرهق شوية... لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تضع يدها على يديه المسنودة إلى جواره وهتفت: حاسس بإيه؟ أنت كويس؟ أبعد يده عنها وكأنها أصابته بصاعقة كهربائية حين لمسته، مما جعلها تندم على حركتها العفوية ... نظر لها قليلاً ثم أردف:
بس عشان الطريق كان طويل فا تعبت شوية... صدعت فا كنت محتاج أقعد بعيد في هدوء. ابتعدت عنه بألم وهي تهمس: آسفة لو اقتحمت عزلتك.... هاسيبك لوحدك تستمتع بالهدوء. نظر لها مالك قبل أن تتحرك وترجاها بنظرة قبل كلماته: اقعدي شوية يا جميلة.... استمتعي معايا بالهدوء. جلست جميلة إلى جواره مرة أخرى... تحتضن ركبتيها بين ذراعيها، تنظر إلى أمواج البحر في هدوء، والسماء الصافية، وتنعم بوجود مالك إلى جوارها.
نظر مالك إلى البحر طويلاً ثم همس لجميلة ولاتزال عينها متعلقة على الأمواج السوداء المتلاطمة: تعرفي يا جميلة حكاية يونس الهلالي؟ حركت رأسها بالنفي ،فأردف: يونس الهلالي كان فارس، راح تونس مع أخواته وهو متنكر في هيئة شاعر، لما السلطان معبد بن باديس عرف بوجود يونس الهلالي وأخواته، قبض عليهم وخدَهم أسري عنده...
وهناك في القصر قابل عزيزة بنت السلطان، اللي كانت بتسمع عن بطولات يونس من قبل ما تشوفه وكانت معجبة بيه، ولما شافته حبته، وهو كمان حبها.... بس خبى حبه عنها، لحد ما في يوم جت هي وقالتله إنها بتحبه..... تنهد مالك وأردف: بس هو رفض حبها... قالها لو كنا في مكان تاني أو زمان تاني كنت هاقولك بحبك قبل ما تقوليها انتي... بس للأسف مقدرش أحبك وأنا في الأسر. سكت مالك وسكتت جميلة قليلاً..... لحظات كان الصمت فيها أبلغ من الكلمات...
كسر الصمت مالك وهو يهمس لجميلة: فهمتي حاجة من الحكاية؟ ابتسمت له جميلة في ألم.... وقامت تتمشى على الرمال مبتعدة عنه وهي محملة بخيبة أمل وألم ينهش في قلبها..... همس مالك محدثاً نفسه بحزن: ياريت تفهمي يا بنت السلطان. *** جلست حنين مع حياة وليلى يتجاذبان أطراف الحديث، حين اقترب شادي من حنين وهمس: هتفضلي لأمتى بتهربي مني؟ زفرت حنين وقد أطرقت رأسها بعيداً عنه: أنا مش باهرب منك. نظر إليها مطولاً: مش بتوجهيلي كلام..
قالت بحدة: عشان مفيش بينا حاجة نتكلم فيها.... نفسي تفهم بقى.... اللي بينا خلص خلاص. أمسك معصمها بعصبية: أنا اللي أحدد اللي بينا امتى يبتدي وامتى يخلص... واللي بينا مش هيخلص أبداً يا حنين. خلصت حنين يدها منه بعصبية، وقامت مبتعدة عن الجميع، تلجأ لملاذها الآمن.... أمسكت بهاتفها واتصلت بعمر... مجرد سماعها لصوته يبعث في نفسها الطمأنينة. استأذنت ليلى وذهبت تتمشى فوق الرمال....
ابتعدت وهي تضرب أمواج البحر بقدميها العاريتين، لكنها توقفت فجأة حين شعرت بعين ترمقها، صاحت فيه دون أن تلتفت أو تنظر له، وكأنها تعلم تماماً من هو: أنت إيه اللي جايبك ورايا؟ ضحك أنس وهو ينظر إليها بغطرسة وقال بتهكم: مقدرتش على بعدك. التفتت لتنظر له وقالت بحدة: أنت بتراقبني؟ رفع حاجبه وقال بكل ثقة: هو أنتِ مفكرة نفسك مهمة أوي عشان أنا أراقبك! رفعت حاجبها ويتطاير الشرر من عينها: امال إيه اللي جابك هنا؟ كلهم قاعدين هناك.
رد بسخرية وهو يحرر نفثاً من سيجارته في الهواء: هو أنتِ مديرة البحر؟! ... لازم أما آجي عند البحر أبقى جاي أقابلك؟ عمتا أنا كنت باتمشي وأنتِ اللي كلمتيني... وهاكمل تمشية عادي. لم ينتظر منها رد، بل أمل في مسيرته بكل هدوء، وتركها خلفه تكاد أذنيها تخرجان دخاناً من شدة غيظها منه. كانت حياة تجلس وحيدة، تنظر إلى يوسف ولارا بحب وهي ترى حبهما واضحاً لا يخطئه عين... حين اقترب منها فارس وجلس إلى جوارها وهمس بصوته الدافئ:
يضايقك إني أقعد جنبك؟ التفتت تنظر إليه بابتسامة وهمست: لأ اتفضل. -معلش أنا اتأخرت... بس وأنا خارج من الأوتيل قابلت 2 دكاترة مسكوا وداني مسابونيش إلا بالعافية. -هو أنت مبتحبش الدكاترة ولا إيه؟ -إزاي يعني وأنا دكتور... بس في منهم بيبقوا رغايين شوية... دول اللي مبحبهمش. -ضحكت حياة فأردف: يوسف قالي إنك اتخرجت من صيدلة؟ -مظبوط. -أنتِ عارفة إننا بنكمل بعض.... "قالها وعيناه معلقتين بعينيها"
-نظرت له بعدم فهم فأردف: أقصد الطب والصيدلة. -آه فعلاً. -همس لها: أنتِ عارفة إن كل دكتور بيحتاج صيدلي في حياته؟ -ضحكت: لأ مش للدرجة دي. -ابتسم لها حتى ظهرت غمازتيه: أنا محتاج صيدلي في حياتي.... هتساعديني كتير في البحث اللي باعمله للماجستير. -هو الماجيستير بتاعك عن إيه؟ -بصي هو موضوع معقد شوية... بس ببساطة هو عن إن في أدوية بتعالج أمراض القلب وبتكون أصلاً مش الهدف الرئيسي منها علاج أمراض القلب...
زي كده استخدام المنشطات الجنسية لعلاج أمراض القلب في الأطفال. -أيوه أنا كنت قريت بحث فعلاً وأنا في الجامعة عن الموضوع ده... رغم إن لحد دلوقتي في دكاترة كتير بترفض الأسلوب ده من العلاج. -بس أحياناً العلاجات دي بتجيب نتيجة كويسة جداً... خصوصاً مع الأطفال حديثي الولادة. -ربنا يوفقك في الماجيستير بتاعك. -أنا الحمد لله قربت أخلصه.... المناقشة بتاعتي كمان شهرين. -بجد.... عقبال الدكتوراه. -لأ أنا مش هاعمل دكتوراه في مصر....
هاعمل زمالة في بريطانيا... قدمت واتقبلت في جامعة أكسفورد، وهسافر إن شاء الله بعد الماجيستير على طول. -تغيرت ملامح حياة وهمست بتردد: هتسافر؟ -ابتسم بحزن: قدمت على شغل في مستشفى هناك... ومستني ردهم، لو اتقبلت إن شاء الله هسافر على طول، لو متقبلتش هاستنى بداية الدراسة هناك وأسافر. -قالت بصوت يملأه الحزن: ربنا يوفقك..... أشاحت بوجهها عنه وهي تفكر لماذا شعرت بحزن لفكرة أنه سيسافر خلال أشهر...
لماذا تنتابها هذه المشاعر الآن وتلك النكزة في قلبها التي لم تشعر بها من قبل.... نفضت هذه الأفكار عن رأسها وأكملت السهرة في أحاديث مع الفتيات وحاولت أن تتجنب فارس لنهاية السهرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!