دخلت جميلة الغرفة تدندن أغنيتها التي كانت ترقص على أنغامها مع مالك، فوقعت عيناها على حنين تجلس على السرير، ملتفة بالأغطية، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي وتشْهق من شدة البكاء. صُعقت جميلة من منظرها واقتربت منها مسرعة: "إيه حصل يا حنين؟ رفعت حنين عينيها المتورمتين من أثر البكاء، ولم تستطع أن تنبس بكلمة. فهمت جميلة من مظهرها ما حدث لها على الفور. شهقت شهقة عالية ونزلت دموعها على خديها كالسيل وهي تضم حنين إلى صدرها وتصيح:
"مين اللي عمل فيكي كده؟ ازداد بكاء حنين بين أذرع جميلة وهي تهمس بضعف: "شادي." حاولت جميلة أن تتماسك نفسها، بينما الشرار يكاد يخرج من عينيها. ساعدت حنين على الاغتسال وتغيير ملابسها. جلست حنين على طرف سرير جميلة دافنة رأسها بين راحتيها وهي ترتجف وتنتحب. كان بكاؤها يدمي القلوب. لم تستطع جميلة أن تقف مكتوفة الأيدي أكثر من ذلك فصاحت في حنين: "أنا هاتصل بمالك.. ييجي يساعدنا نشوف هنعمل إيه في المصيبة دي."
هزت رأسها بالرفض، ورفعت حنين رأسها وقالت بألم: "هتبقى فضيحة." قالت جميلة بثقة، تتنافى مع دموعها المنهمرة: "متخافيش... أنا باحكي لمالك كل حاجة... هو يقدر يساعدنا ومش هيقول لحد." سكتت حنين بضعف، تشعر وكأنها ممزقة لا تقوى على التفكير. لن تكون يومًا كما كانت، حياتها اختلفت من اليوم. شردت حنين والدموع تنهمر على وجنتيها، فتوجهت جميلة إليها وربتت على كتفها: "متخافيش أنا معاكي."
خرجت جميلة من الغرفة وأمسكت بهاتفها واتصلت بمالك. لحظات وأتاها صوته الذي ما إن سمعته حتى علت بكاءها. صاح بقلق: "جميلة انتي كويسة؟ همست جميلة من بين دموعها: "مالك انا محتاجالك... ممكن تقابلني دلوقتي؟ أغلق مالك معها الهاتف وتوجه على الفور إلى بهو الفندق حيث اتفقا على اللقاء. كانت جميلة تجلس واضعة كفيها فوق وجهها وتبكي بشدة. ارتاع مالك من منظرها. أسرع إليها على الفور وأمسك بيديها بين راحتيه وهو يجلس إلى جوارها وهمس:
"جميلة .... انتي كويسة؟ نظرت إليه بعينين تورمتا من كثرة بكائها على حال صديقتها وقالت بصوت ضعيف: "شادي." صاح مالك فيها بعصبية: "عملك إيه؟؟ ضايقك؟ انطقي يا جميلة من فضلك كفاية عياط." قالت بصوت متهدج: "مش أنا... حنين." صاح مالك مجددًا: "عمل إيه لحنين؟ نظرت جميلة إلى عيني مالك بألم، وتساقطت الدموع من عينيها كالسيل وهمست بصوت متهدج: "اغتصب.....
وضع مالك يده على شفتيها يمنعها من أن تستكمل، فقد فهم ما حدث. أطرق رأسه بألم، أغمض عينيه للحظات كانت قد هربت الكلمات من حلقه فيها محاولًا أن يستوعب ما سمعه للتو، يحاول أن يسيطر على الغضب الذي بداخله، ثم نظر لجميلة وهتف: "حنين فين دلوقتي؟ همست له: "في الأوضة." نظر إليها بعينين يملؤهما الحزن والألم: "ممكن تستأذنيها أطلع أتكلم معاها شوية."
لحظات وكان يقف مالك خلف جميلة في غرفة حنين. نظر بعينيه إلى الغرفة التي تحولت إلى ساحة معركة. لم يعد هناك شيء في مكانه. كانت حنين تجلس القرفصاء مدثرة بملابسها. نظر إلى عينيها المتورمتين من كثرة البكاء، تلك الكدمة الزرقاء أسفل شفتيها وبعض الخدوش الواضحة على معصميها والتي فهم منها أنها تمتد إلى كامل جسدها. أطرق مالك رأسه ونظر أرضًا. لم يستطع أن يرفع عينيه ليواجهها. لحظات مرت عليهم كالدهر حتى تكلم مالك أخيرًا بصوت مكتوم:
"تحبي تروحي للدكتور؟ أومأت حنين رأسها بالنفي بحركات متوترة. فعاد يسألها مرة أخرى: "تحبي نروح نعمل محضر في القسم؟ انا معاكي لحد أما تاخدي حقك منه، واوعدك مفيش حد تاني هيعرف باللي حصل... أنس يعرف ظباط كتير في القسم ممكن يساعدونا والموضوع هيخلص هنا قبل ما نرجع القاهرة." أومأت رأسها بالنفي مرة أخرى وتكلمت بصوت مجروح وعينين شاردتين: "انا مش عايزة فضايح لأهلي... ولا لخطيبي...... أطرقت رأسها وهمست والدموع تنهمر من مقلتيها:
"قالي هيقول إنه كان بمزاجي." خرج مالك عن صمته وصاح بعصبية: "هو منظرك كده ويبقي بمزاجك؟! أي دكتورة تقدر تثبت إنه مش بمزاجك.... ثم زفر محاولًا أن يتمالك أعصابه وهمس بنبرة أهدأ: "مفيش فضايح يا حنين انتي معملتيش حاجة غلط، هو اللي حيوان و.... توقف عن الكلام قبل أن يقول لفظًا نابياً أمام الفتاتين. حاول أن ينظم نفسه مرة أخرى ويتمالك أعصابه: "طيب قوليلي أقدر أساعدك بإيه؟ همست حنين بضعف: "انا عاوزة أروح بيتي."
رقت نبرة مالك مرة أخرى: "لو مش عاوزة أهلك يعرفوا يبقي مش هينفع تروحي إلا لما تبقي كويسة.... انا رأيي تروحي لدكتورة تطمني إن مفيش حاجة وحشة حصلت... مش لازم تقوليلها اللي حصل ممكن تكذبي عليها بأي حاجة تانية، بس علشان لو محتاجة علاج... ابتلع ريقه عدة مرات وقال بنبرة متوترة: "كمان في برشام لازم تاخديه علشان.... علشان ميحصلش حمل.... وانا اوعدك محدش بره الأوضة دي هيعرف اللي حصل.... صرخت حنين باكية: "انا مش هاروح لدكتورة...
مش هاخرج من هنا." تنهد مالك: "طيب انا هحاول أتصرف." خرج مالك من الغرفة وجذب جميلة معه، ووقفا أمام باب الغرفة وهمس لها: "انا هاروح الصيدلية وأحاول أجيب اسم الدوا ده، بس انتي في حاجة مهمة لازم تعمليها يا جميلة... اقنعيها تعمل بلاغ في القسم." رفعت جميلة عينيها لتتلاقى مع عينيه، كلاهما يشعر بالعجز والضعف والغضب. وهمست جميلة أخيرًا: "انت عايز شادي يتقبض عليه؟ انت عارف إن مستقبله هيضيع لو اتسجن... هتعمل كده في صاحبك؟
نظر إليها بعينين يملؤهما الألم وصاح بغضب: "هو ضيع مستقبلها.... يتسجن أحسن.... أهلها لو عرفوا ممكن يقتلوه..... وبعد اللي عمله ده هو مش صاحبي." زفر مالك تنهيدة حارة وحاول أن يتمالك أعصابه: "خليكي جنبها يا جميلة متسيبهاش، وأوعي حد يعرف حاجة... لو حد سأل عليها قوليله إنها نايمة أو تعبانة... أوعي تسيبيها يا جميلة لحد أما أرجع."
خرج مالك بغضب وتوجه ناحية غرفة شادي ويكاد الشرار يخرج من عينيه، غضب غير معهود على مالك الهادئ الطباع. طرق باب غرفة شادي بغضب. فتح شادي وهو في حالة يرثى لها، ضعيف، عيناه بها ذبول من أثر البكاء، ملابسه ممزقة، وشعره أشعث. ما إن وقعت عيني مالك عليه لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يسدد له اللكمات بكل ما أوتي من قوة حتى أوقعه أرضًا. أغلق مالك الباب خلفه، انقض على شادي أمسك به من قميصه وهو يصيح بغضب: "انت كده فاكر نفسك راجل؟
ازاي تعمل كده يا بني آدم؟ رغم فارق البنية الجسدية بين كلاهما، إلا أن شادي لم يدافع عن نفسه حتى. استسلم للكمات مالك وكأنه يعرف في قرارة نفسه أنه يستحقها. همس له شادي بصوت ضعيف: "انت عرفت؟ وكزه مالك في كتفه وهو يدفعه بعيدًا عنه: "مش قادر أصدق إنك بجد تعمل كده.... وفي واحدة بتحبها." بكى شادي بضعف وبصوت متهدج: "انا مستعد أتجاوزها دلوقتي." نظر له مالك باستحقار:
"وانت هتبقى راضي عن نفسك لو هي وافقت تتجوزك علشان انت كنت حقير معاها؟ هتعيش معاها إزاي وانت عارف إنها بس وافقت بس علشان انت كسرت عينها." صاح شادي بغضب: "كنت عايزني أسيبها تتجوز راجل تاني؟ ازدادت نظرات مالك استحقارًا وقال باستهزاء: "وهي كده هتتجوزك وتبقى انت في عينها راجل؟ انت مفكرتش إن ده ممكن يحصل لأختك؟ صرخ شادي: "انا عارف إني غلط... بس كل اللي كنت بفكر فيه إنها تستناني.... متتجوزش راجل تاني." نظر
له مالك بغضب وهم بالخروج: "انت الكلام مع واحد حقير زيك ملوش فايدة... ابعد عنها يا شادي ومش هاكرر كلامي تاني ... و إلا ... انا اللي هاعمل فيك بلاغ في القسم... وياريت متخرجش من أوضتك الليلة اللي فاضلة دي لحد أما نرجع القاهرة ونشوف حل في المصيبة دي..... وقف مالك لحظات عند الباب ثم استدار ونظر لشادي نظرة مليئة بالاستحقار: "انا مش عايز أعرفك تاني يا شادي.... انت مقزز." طرق مالك باب غرفة حنين وجميلة وهمس:
"افتحي يا جميلة انا مالك." فتحت جميلة الباب بحذر، ناولها مالك كيس أدوية: "البرشام ده تاخد منه قرص دلوقتي، وأنا جبتلها كريم للكدمات خليها تستخدمه... تهدج صوت مالك: "هي عاملة إيه دلوقتي؟ نظرت له جميلة بعينين مليئتين بالألم والضعف: "مش كويسة خالص يا مالك.... أخرج مالك من جيبه شريطًا من الدواء وناوله لجميلة: "بصي ده برشام مهدئ... أديها قرص منه علشان تهدأ وتعرف تنام... بس يا جميلة خلي الشريط معاكي ....
أنا مش عارف بالحالة اللي هي فيها دي ممكن تعمل في نفسها إيه." لمعت حدقتا جميلة وهمست وهي تضغط على كف مالك الممدودة بالدواء: "انا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه يا مالك... شكرا." سحب مالك كفه من كفها بهدوء وهمس: "لو احتاجتي حاجة انا موجود." ابتسمت له جميلة بهدوء وأغلقت الباب.
انقضى اليوم في رتابة على الجميع، الجميع يشعر بالتوتر المحيط بهم دون أن يعرفوا سببًا له. لم ير مالك شادي طوال اليوم ولم يحاول أن يتواصل معه، كان يشعر بالغضب من فعلته الشنعاء. كان مالك يطمئن على حنين من جميلة بين الحين والآخر. في وقت السفر، اجتمع الأصدقاء كلهم في بهو الفندق ما عدا شادي. توجه يوسف إلى مالك وهتف: "شادي عمل checkout ومشي من ربع ساعة، معرفش استنى ليه......... تفتكر لسة زعلان من اللي حصل في الكافيه؟
حاول مالك أن يرسم الهدوء على ملامحه: "عادي هو حر.... يلا خلينا احنا كمان نلحق نسافر." وقف أنس يودع الجميع قبل السفر، لكنه جذب مالك مبتعدًا عن الجميع للتحدث على انفراد: "في إيه يا مالك؟ أنا حاسس إن في حاجة مضايقاك بس مش عارف إيه هي؟ حاول أن يرسم ابتسامة على وجهه وهتف بمرح: "متضايق علشان هاسيبك وأسافر." ضغط أنس على معصم مالك: "انت بتضحك عليا ولا على مين؟ لو متضايق إنك مسافر خليك معايا يومين كمان...
متخليش أي حاجة في الدنيا تضايقك يا مالك... انت عارف أهم حاجة إن نفسيتك تكون كويسة." ابتسم مالك بمرارة: "انا كويس يا أنس متقلقش." جذبه أنس وضمه إلى صدره: "خلي بالك من نفسك يا مالك، وأنا هاخد إجازة و أنزل إن شاء الله على الميعاد اللي اتفقنا عليه." ابتسم مالك وهو يربت على ظهر أنس: "أشوفك على خير." حاول أنس أن يتفادى دمعة ترقرقّت في عينه فصاح بمرح: "بس المرة الجاية لما تيجي متجيبش معاك البت اللي شايفة نفسها دي." خفتت
ابتسامة مالك وقال بمرارة: "انا كنت غلطان فعلاً لما أصرّيت إن كلهم يجوا معايا... بس أنا كنت عايز أقضي معاكوا كلكوا وقت جميل مش أكتر." ضحك أنس: "والرحلة كانت جميلة بعيد عن البلوفر اللي بوظتهولي أستاذة ليلي." وقف فارس على مقربة من يوسف، والجميع يستعد للسفر، ربت فارس على كتف يوسف: "أنا شايف إن عربيتي أكبر فالأفضل حياة تركب معايا علشان يبقى في مساحة إنها تفرد رجليها...
المسافة طويلة من هنا للقاهرة، وإنها تفضل قاعدة طول الوقت هتكون متعبة عليها." ابتسم يوسف: "هو أنا شايف إنه مش مبرر قوي... بس مفيش مشكلة خليها تركب معاك لو هي عايزة ده.. .. وكلنا هنمشي مع بعض." جلست حنين في سيارة مالك بوجه وجل، وعينان شاردتان. بدأ الجميع في رحلة العودة، انطلق يوسف أولًا وتبعه فارس بسيارته وحياة معه، ومن ثم تبعهم مالك.
لم يمض وقت طويل على التحرك حين وجد مالك أمامه تزاحم مروري وحادث على الطريق. بدأت جميع السيارات تسير ببطء حين صاحت جميلة: "اقف يا مالك بسرعة دي عربية يوسف." أوقف مالك السيارة وترجل منها مسرعًا، حين وجد يوسف يقف على جانب الطريق يصيح بألم: "لارا يا مالك... وشادي كمان." لم يفهم مالك كلمات يوسف، حاول تهدئته: "اهدى بس يا يوسف وقولي إيه اللي حصل..... أنا مش فاهم حاجة." حاول يوسف أن يتمالك نفسه وقال بارتباك:
"وانا ماشي شوفت عربية شادي على الطريق مولعة، وأشار بيده لسيارة تحترق قريبًا منهم... وقفت وطلبت الإسعاف والبوليس... حاولت أنقذه أو أساعده معرفتش النار كانت في كل مكان... سبت عربيتي بعيد شوية وخفت على لارا تنزل معايا قولتلها خليكي في العربية... مفيش ثواني قبل ما أوصل لعربية شادي سمعت صوت قوي ولقيت عربية نقل خبطت عربيتي ولارا جواها.... لارا مبتردش عليا يا مالك... مش عارف أعمل إيه."
انهار يوسف على الأرض، جلس على الرصيف واضعًا رأسه بين راحتيه. حاول مالك أن يخفي عن جميلة وحنين ما حدث. لحظات وأتت سيارة إسعاف حملت لارا وتوجهت إلى المستشفى، وسيارة أخرى حملت شادي. وقف الجميع في استقبال المستشفى يحاولون أن يعرفوا مصير أصدقائهم. دقائق مرت عليهم كالدهر حين خرج الطبيب أسرع نحوه يوسف وتبعه مالك. هتف الطبيب: "زميلكم اللي جه في الحادثة حالته حرجة جدًا.... صاح يوسف بلهفة: "طيب ولارا يا دكتور." هتف الطبيب:
"هي في العمليات دلوقتي.... بس هنحتاج متبرع بالدم، فصيلة دمها مش موجودة عندنا للأسف." نظر يوسف إلى مالك برجاء: "مالك انت نفس فصيلة دم لارا صح.... انت تقدر تتبرع لها." ارتبك مالك، وبدأت يداه ترتعش وقال بصوت متقطع: "انا.. انا للأسف مش هاقدر أتبرع بالدم." ازداد رجاء يوسف وهو يمسك بيد مالك: "ارجوك يا مالك.. لارا بتروح مني.... نظر مالك أرضًا وهمس بضعف: "انا أسف يا يوسف.. مش هاقدر." غضب يوسف وصاح في مالك
وهو ممسك بكتفيه يهزه بقوة: "انت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا بترجاك ... انت بتتعاطى إيه يا مالك خايف إنه يظهر في دمك." أبعده مالك بضعف وهو يحاول أن يتمالك نفسه: "أنس في الطريق هو نفس فصيلة دمي.... هو هييجي ويتبرع." دقائق وكان أنس بالفعل يتبرع بالدم من أجل لارا. وقف الجميع والارتباك والألم واضح عليهما. ما إن خرج أنس من غرفة التبرع بالدم، جاء الطبيب مرة أخرى يحدث الشباب بصوت متهدج: "البقاء لله... للأسف مقدرناش ننقذ شادي...
الحروق في جسمه كانت أكتر من إن قلبه يستحملها." نزل الخبر على الجميع كالصاعقة. أسند مالك رأسه إلى الجدار خلفه بألم ولم يستطع أن يمنع دمعة فرت من عينه وهمس: "ليه يا صاحبي كده... ليه تقابله وانت شايل ذنب كبير كده." زفر مالك تنهيدة حارة واتجه إلى أنس وهمس: "انت لازم تاخد البنات ترجعهم القاهرة دلوقتي... مش هينفع يفضلوا هنا مع اللي بيحصل ده،" ثم وجه كلامه إلى فارس الذي يقف على مقربة منه: "وانت كمان يا دكتور فارس...
وصل حياة البيت وطمن عمو وطنط ... وكفاية استنى أنا ويوسف بس." قال أنس بنبرة واثقة: "هاوصل البنات وأرجعلك تاني." توجه مالك إلى جميلة التي كانت تجلس على أحد المقاعد بجوار حنين وليلي وحياة، أشار لها أن تأتي إليه، ابتعد بها عن مسمع الفتيات وهمس: "جميلة... خدي البنات وروحي مع أنس." نظرت له جميلة بعينين باكيتين: "انا مش هامشي وأسيب لارا في الوضع ده.... لازم أطمن عليها الأول." ابتعد بها مالك أكثر، وضع يديه على كتفيها وهمس:
"جميلة... أنا هابقى مطمن أكتر وأنتي في البيت... وأنا هاطمنك على لارا متقلقيش... بس انتوا مش هينفع تفضلوا هنا." همست له جميلة بضعف: "طيب خلاص... أنس يروح ليلي وحنين وخليني أنا معاك هنا." همس بألم: "جميلة... أنا هاقولك حاجة بس حاولي تمسكي نفسك ومتبينيش أي رد فعل لحد أما توصلوا القاهرة... من فضلك حنين متعرفش اللي هاقوله إلا لما توصل القاهرة." هتفت جميلة بقلق: "في إيه يا مالك قلقتني." أطرق برأسه وهمس بصوت متألم:
"شادي مات." وضعت جميلة يدها على فمها تكتم شهقة كادت أن تخرج منها، وبدأت الدموع تنسال من مقلتيها، لكن مالك زاد من ضغطه حول كتفيها: "أرجوكي يا جميلة.. متخلينيش أندم إني قولتلك... أنا هعتمد عليكي تبلغي حنين بالخبر بس لما توصل القاهرة.... خلي بالك من نفسك يا جميلة."
قالها وابتعد عنها وتركها تحاول أن تمسح دموعها وتستعد للرحيل مع أنس، بينما أنس وقف ينقل حقائب الفتيات من سيارة مالك إلى سيارته. جلست حنين بنفس شرودها في الخلف، جلست جميلة إلى جوارها وضمتها إلى صدرها وهمست في أذنها: "كل حاجة هتبقى كويسة يا حنين إن شاء الله." صاحت ليلي في جميلة: "انتي هتقعدي جنب حنين وتسيبيني أقعد أنا جنب الإنسان المستفز ده." نظرت لها جميلة بضعف: "من فضلك يا ليلي مش وقته الكلام ده...
اقعدي جنبه وأنتي ساكتة لحد أما نوصل القاهرة على خير." وصلا إلى القاهرة والجميع في صمت لا أحاديث طوال الطريق، حزن يخيم عليهم. حتى كسرت جميلة الصمت وهتفته بصوت متحشرج إلى أنس: "من فضلك هنوصل حنين الأول وأنا هانزل معاها... وبعد إذنك هتوصل ليلي بعد كده... ليلي ساكنة جنب حنين."
لم يعقب أنس، بل أومأ رأسه بإيجاب. دقائق وكانت سيارته تقف أمام منزل حنين. نزلت حنين ومن خلفها جميلة وانطلقت سيارة أنس. وقف جميلة أمام حنين وضمتها إلى صدرها وانسابت دموعها على خديها وهي تقول: "شادي مات يا حنين... العربية اللي شفناها على الطريق دي كانت عربيته بس مالك مرضيش يقول وقتها."
لم تخرج حنين من شرودها. ظلت شاردة تنظر في اللاوجود حولها، تحركت كجسد بلا روح وصعدت إلى شقتها، بينما جميلة وقفت تشاهدها ولا تستطيع أن تتحكم في دموعها.
دلفت حنين إلى شقة والدها بأقدام متثاقلة، تشعر بالخزي والألم يأكل قلبها. فتحت الباب فوجدت عمر يجلس في الداخل بانتظارها. دخلت وأغلقت الباب خلفها بتثاقل، وما إن تلاقت عيناها بعيني عمر، بدأت تبكي بهيستيرية. بكت كما لم تبك من قبل. لم تستطع أن تميز سبب بكائها هل هو إحساس بالخزي، أتبكي موت شادي؟ ، أتبكي شرفها الذي سلبها شادي إياه؟ أتبكي الألم الكامن بداخلها؟ أم تبكي عمر وما هي مقبلة عليه معه. ارتاع عمر لبكائها،
حاول أن يهدئها وهمس بمرح: "في واحدة تعيط كده أول ما تشوف خطيبها؟ نظرت له بعينين خاليتين من الحياة، وهمست: "عمر انا عاوزة نسيب بعض... أنا مش هينفع اتجوزك." تركته يقف مشدوهًا من كلماتها التي نزلت عليه كالصاعقة واتجهت مسرعة نحو غرفتها. بدأ الارتباك والغضب يظهر على والد ووالدة حنين، لكن عمر ابتلع الصدمة بألم.
لحظات ووجدت حنين طرقًا خفيفًا على الباب وعمر يستأذن بالدخول. لم ينتظر أن تأذن له، بل فتح الباب ودلف وجدها تجلس على طرف سريرها وتدفن وجهها بين كفيها وتبكي. نزل عمر على ركبتيه أمامها وهي تجهش بالبكاء، أبعد يديها التي وضعتها على وجهها ونظر في عينيها وهمس: "إيه حصل؟ عاوزة نسيب بعض ليه؟ على نحيبها: "انا مينفعش اتجوزك يا عمر.... انت متستحقش واحدة زيي.... أنا.... أنا مش هينفع اتجوز خالص." همس لها بنبرة دافئة يملؤها الألم:
"حنين... لو غلطتي في حاجة عرفيني.... أنا ابن عمك قبل ما أكون خطيبك... لو في غلط أنا أصلحه بس عرفيني." زاد بكاؤها وأخذت تشهق وتنتحب وقالت من بين دموعها: "والله ما عملتش حاجة يا عمر." زاد ضغط يديه على معصمها لكن نبرته لا تزال هادئة: "رفضتي الجواز فجأة ليه يا حنين ...... صارحيني."
ازداد بكاؤها حتى أصبح بكاء هيستيريا، كانت بين الحين والآخر تشهق محاولة أن تأخذ أنفاسها، كانت عيناها معلقتين بالأرض لا ترفعهما لمواجهة عمر الذي كان يحثها على الكلام وهو متمالك أعصابه ويخاطبها بكل هدوء، حتى قالت أخيرًا: "كان غصب عني يا عمر..... قاومت بس مقدرتش، كل اللي حصل كان غصب عني."
ابتعد عمر عنها بهدوء، وقف ينظر إلى النافذة أمامه واضعًا يديه في جيبه، يراقب حركة السيارات على الطريق بذهن مشوش. دقائق أو لحظات، لا تعرف حقًا حنين كم من الوقت مضى وهو على هذه الحالة حتى كسرت هي الصمت: "صدقني أنا منفعتكش ولا أنفع أي حد، سيبني يا عمر، بس متقولش لحد اللي قولتهولك دلوقتي من فضلك.....
قالت كلماتها من بين دموعها، لكن ظل عمر على جموده وكأنه تحول إلى تمثال بعد أن سمع كلماتها. أخيرًا تنهد عمر زفرة حارة طويلة وكأن الحياة ردت فيه من جديد والتفت إلى حنين التي بدأ بكاؤها يهدأ وقال بكلمات واثقة: "فرحنا في معاده.... بعد شهر يا حنين." قال كلماته وتوجه نحو الباب وخرج وتركها في حالة من الصدمة والذهول، هل حقًا سيتزوجها عمر بعد ما سمعه منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!